اليمن يدعو إلى تحرك دولي ضد إجراءات تعسفية جديدة للحوثيين

قرار الميليشيات منع تداول العملة يشلّ حركة المصارف ويحرم آلاف الموظفين من رواتبهم

اليمن يدعو إلى تحرك دولي ضد إجراءات تعسفية جديدة للحوثيين
TT

اليمن يدعو إلى تحرك دولي ضد إجراءات تعسفية جديدة للحوثيين

اليمن يدعو إلى تحرك دولي ضد إجراءات تعسفية جديدة للحوثيين

أدى قرار الميليشيات الحوثية منع تداول الفئات الجديدة من العملة اليمنية المطبوعة خلال الأعوام الثلاثة الأخيرة من قبل البنك المركزي اليمني في عدن، إلى شلّ حركة المصارف وشح السيولة النقدية، وهو ما تسبب في حرمان عشرات آلاف الموظفين والمتقاعدين من الحصول على رواتبهم في مناطق سيطرة الانقلابيين، والممنوحة من قبل الحكومة الشرعية.
وكانت الجماعة الحوثية أعلنت أخيراً ضمن سعيها لمحاربة الحكومة الشرعية عن سحب الفئات النقدية المطبوعة حديثاً عبر البنك المركزي في عدن، ومنحت مهلة شهراً للسكان من أجل تسليم ما بحوزتهم من أموال، ووعدت بأنها ستقوم بتعويضهم ضمن سقف محدد إما بمبالغ نقدية من الفئات القديمة المتهالكة أو عبر ما تسميه «الريال الإلكتروني».
وطلبت الحكومة الشرعية من المجتمع الدولي والأمم المتحدة التدخل من أجل وقف التعسف الحوثي والحرب الاقتصادية العبثية التي أعلنتها الجماعة في سياق سعيها للتضييق على السكان ومفاقمة سوء الحالة الإنسانية المتردية. وأوضحت وزارة المالية في الحكومة اليمنية في بيان رسمي أمس أنها تلقت في اليومين الماضيين من البنوك والمصارف التي تعاقدت معها الوزارة والبنك لصرف رواتب الموظفين من العاملين في قطاعات مدنية مختلفة في المناطق الواقعة تحت سيطرة ميليشيات الانقلاب الحوثية مثل الصحة والتعليم العالي وغيرهما، ومعاشات نحو 40 ألف متقاعد في المناطق ذاتها، اعتذاراً عن عدم القدرة على دفع الرواتب. وذكر البيان الحكومي أن المصارف أكدت عدم قدرتها على الاستمرار في صرف الرواتب والمعاشات للموظفين والمتقاعدين في المناطق الخاضعة للميليشيات الحوثية، بسبب الإجراءات التي اتخذتها الجماعة بمنع تداول العملة الوطنية الصادرة في السنوات الثلاث الأخيرة في المناطق الواقعة تحت قبضتها الانقلابية.
وحمّلت وزارة المالية اليمنية الميليشيات الحوثية «كامل المسؤولية عن إعاقة عشرات آلاف الموظفين والمتقاعدين عن تسلم رواتبهم ومعاشاتهم التي انتظمت الحكومة في دفعها منذ أكثر من عام، رغم استمرار الميليشيات في نهب الإيرادات العامة وعدم توريدها للبنك المركزي في عدن». وأكدت المالية اليمنية أنها بموجب توجيهات الرئيس عبد ربه منصور هادي ورئيس الحكومة معين عبد الملك «ملتزمة بصرف المرتبات في مناطق سيطرة الميليشيات الانقلابية متى ما أزيلت العوائق التي افتعلتها هذه الميليشيات، وفي الوقت الذي تتمكن فيه البنوك والمصارف من صرفها». وعدّ البيان أن «عدم قدرة البنوك على صرف رواتب الموظفين والمتقاعدين في مناطق سيطرة الانقلاب واختلاق أزمة في السيولة المالية، مع ما يمثله من شاهد إضافي على إصرار الحوثيين على مفاقمة الأزمة الإنسانية وتجاهل احتياجات المواطنين الواقعين تحت سيطرتها، هو مجرد أول تبعات القرار التعسفي الخطير بمنع تداول العملة المفتقر لأي قدر من المسؤولية».
وفي حين عبّرت وزارة المالية عن أسفها لما وصفته بـ«الاستخفاف الذي تتعامل به ميليشيات الحوثي مع معاناة المواطنين وتعميقها»، طالبت المجتمع الدولي والأمم المتحدة والبنك الدولي وصندوق النقد الدولي، بتحمّل مسؤولياتها تجاه هذه الإجراءات التي قالت إنها «تفاقم الكارثة الإنسانية التي تسببت بها الميليشيات منذ انقلابها على السلطة الشرعية وإشعالها للحرب».
وكانت مصادر حقوقية يمنية وناشطون أفادوا في وقت سابق بأنهم تلقوا من الحكومة الشرعية بلاغاً يعبر عن عدم قدرة الأخيرة على صرف رواتب الموظفين في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية ابتداءً من ديسمبر (كانون الأول) 2019 نتيجة قرار الحوثيين بإيقاف التعامل بالطبعة الجديدة من العملة المحلية، واعتذار الوسائط المصرفية عن عدم تسلم مرتبات الجهات المذكورة للمحافظات الشمالية بالأوراق الجديدة من العملة. وكشفت المصادر عن أن الرواتب التي تصرفها الشرعية في مناطق سيطرة الميليشيات الحوثية تشمل قطاعات الصحة، والمتقاعدين المدنيين، والسلطة القضائية، وأساتذة الجامعات، وجهاز الرقابة والمحاسبة، وتبلغ أكثر من 10 مليارات ريال شهرياً (الدولار نحو 590 ريالاً).
وكان مصرفيون في صنعاء كشفوا لـ«الشرق الأوسط» عن أوجه كارثية القرار الحوثي؛ إذ أكدوا أن الجماعة الحوثية اتخذت هذا القرار بعد أن أصبحت الفئات النقدية المطبوعة من قبل الحكومة الشرعية بالمليارات في الأسواق، نظراً لتهالك الفئات القديمة وشحة السيولة منها، وهو ما يعني أنها فقط تهدف للاستيلاء على هذه الأموال، ومنح المواطنين أموالاً وهمية تسميها «الريال الإلكتروني». وأضافوا أنه «يفترض أن يحدث العكس، حيث يتم سحب الأموال التالفة من الأسواق ومن التجار بالتفاهم مع الحكومة الشرعية لطباعة فئات بديلة لها وفق القانون، لا سحب الأموال الجديدة، وإغراق السوق بالفئات النقدية التالفة».
وفي حين أدى القرار الحوثي إلى سخط واسع في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، كانت نقابة التجار اليمنيين دعت إلى البدء في إضراب مفتوح وشامل احتجاجاً على منع الميليشيات تداول العملة الجديدة وقرارها بمصادرتها. وتوعدت النقابة في بيان، بثته على مواقع التواصل الاجتماعي، بأنها «ستبدأ إضراباً مفتوحاً من بداية يناير (كانون الثاني) المقبل للضغط على الجماعة من أجل إلغاء القرار الحوثي بمصادرة العملة ومنع تداولها، لجهة أنها باتت منتشرة في كل المناطق وسيتسبب منعها في إرباك الأسواق وعدم توفر السيولة».
ويقول مصرفيون في صنعاء إن القرار الحوثي أدى إلى وجود سوق سوداء في غضون أسبوع، حيث أقدم أغلب الصرافين الموالين للجماعة على تبديل الفئات النقدية الحديثة بفئات نقدية قديمة مقابل فقد نسبة من قيمتها الحقيقية. ويرجح المصرفيون أن الجماعة الحوثية وعبر وكلائها والتجار التابعين لها يحصلون على الفئات الجديدة، سواء بمصادرتها من التجار أو المصارف أو المواطنين أو سحبها مقابل «الريال الإلكتروني» الوهمي، ثم يقومون بشراء البضائع العينية من مناطق سيطرة الشرعية بهذه الأموال أو شراء العملات الأجنبية. ويعتقد المصرفيون الذين تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» أن سبب ارتفاع قيمة الدولار في المناطق الخاضعة للحكومة الشرعية نسبياً عن مناطق سيطرة الجماعة الحوثية يعود لإقبال الجماعة والشركات التابعة لها على شراء العملة الصعبة مقابل الفئات الحديثة من العملة المحلية المطبوعة عبر الحكومة الشرعية.
ويسخر ناشطون يمنيون على مواقع التواصل الاجتماعي من القرار الحوثي، ويؤكدون أن قيادات الجماعة الحوثية يمنعون العملة الوطنية من التداول لكنهم على مستوى قادات الجماعة وأتباعها خصوصاً في معقلهم صعدة يتعاملون بالعملات الأجنبية وفي مقدمها الريال السعودي والدولار الأميركي.
وقبل أيام، كان «مصرف الكريمي» في محافظة الحديدة أفاد بأنه غير قادر على صرف حوالات رواتب الموظفين في المحافظة المقدمة من الحكومة الشرعية في عدن، بسبب عدم توفر السيولة النقدية من الفئات النقدية القديمة ومنع الجماعة الحوثية تداول الفئات الجديدة. ويعني ذلك أن عشرات آلاف الموظفين في مناطق سيطرة الجماعة أصبحوا غير قادرين على الحصول على رواتبهم، مما سيفاقم من الحالة الإنسانية، ويعزز عدم قدرتهم على الحصول على الغذاء والدواء.
وكان البنك المركزي في عدن أكد في بيان رسمي أن كل الأوراق النقدية من العملة الوطنية بجميع فئاتها المتداولة والمصدرة استناداً إلى قانون البنك رقم «14» لسنة 2000م والمعدل بالقانون رقم «21» لسنة 2003، تعدّ عملة قانونية ملزمة حسب قيمتها الاسمية بصفتها وسيلة للدفع في جميع المعاملات الداخلية في اليمن، ما دامت تلك الأوراق النقدية سليمة وخالية من أي عيب أو نقص أو تشويه. وأوضح أنه «لا يجوز رفض التعامل بأي طبعة من العملة الوطنية الصادرة من البنك المركزي والتي أصدرت وفقاً للإجراءات القانونية استناداً لقانون البنك المركزي والقرار الجمهوري رقم (119) لسنة 2016 بشأن إعادة تشكيل مجلس إدارة البنك المركزي ونقل مقره الرئيسي إلى العاصمة المؤقتة عدن». وطلب البنك المركزي اليمني من المواطنين «توخي الحذر من الدعوات المشبوهة الصادرة من قبل جهة غير مخولة قانوناً (في إشارة إلى الميليشيات الحوثية) تستهدف الإضرار بالاقتصاد الوطني وسلب مدخرات المواطنين سواء بإلغاء عملة أو فرض أي وسائل دفع غير مرخصة قانوناً وذلك باستغلال الواقع الاستثنائي الذي تعيشه البلاد».


مقالات ذات صلة

منحة يابانية تتجاوز 5 ملايين دولار لتحسين أوضاع النازحين في مأرب

العالم العربي النازحون اليمنيون بمخيمات مأرب يعانون نقصاً شديداً في الغذاء (رويترز)

منحة يابانية تتجاوز 5 ملايين دولار لتحسين أوضاع النازحين في مأرب

المشروع يهدف إلى تحسين الظروف المعيشية للنازحين داخلياً والمجتمعات المستضيفة لهم في محافظة مأرب (وسط البلاد).

«الشرق الأوسط» (الرياض)
العالم العربي الاتفاقية تعزيزاً للحوكمة المالية والشفافية وفق إطار متكامل من التعاون المؤسسي (البرنامج السعودي)

البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن يودع دعم معالجة عجز الموازنة اليمنية

وقّع البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن اتفاقية مع وزارة المالية اليمنية، للبدء في إيداع الدعم الاقتصادي البالغ 1.3 مليار ريال سعودي؛ إنفاذاً لتوجيهات…

«الشرق الأوسط» (الرياض)
العالم العربي مسلحون حوثيون يحاصرون قرية الأغوال في محافظة ذمار ويتسببون بتلف المزروعات (إكس)

ممارسات حوثية تفسد نمط الاقتصاد الزراعي وتهدد بالكساد

لا تكتفي السياسات الحوثية بإضعاف الزراعة، بل تعيد تشكيلها بالجبايات والبذور الفاسدة واحتكار التصدير ورفع تكلفة الوقود، وتتسبب بمواسم خاسرة وتهديد الأمن الغذائي

وضاح الجليل (عدن)
الخليج رئيس الوزراء اليمني شائع الزنداني (سبأ) p-circle 02:05

الزنداني لـ«الشرق الأوسط»: الدعم السعودي الجديد يُعزِّز أداء الحكومة اليمنية

نوَّه رئيس الوزراء اليمني شائع الزنداني، أن الدعم الاقتصادي السعودي الجديد، يجسد حرص المملكة المستمر على مساندة الشعب اليمني في مختلف الظروف.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
العالم العربي تعمل الحكومة على استعادة زمام المبادرة والانخراط المباشر في مناقشة الخطط المستقبلية التي تمس حياة المواطنين (سبأ)

عدن: الحكومة تدفع بعجلة الخدمات وخطط الاستقرار... بدعم سعودي

ظهرت الملامح الأولية لعودة الحكومة اليمنية إلى عدن برئاسة الدكتور شائع الزنداني رئيس الوزراء في مشهد عملي يعكس استعادة زمام المبادرة وتفعيل مؤسسات الدولة 

عبد الهادي حبتور (الرياض)

مشروع دولي يعيد الخدمات ويعزز صمود المدن اليمنية

نحو 3 ملايين يمني استعادوا الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية (إعلام محلي)
نحو 3 ملايين يمني استعادوا الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية (إعلام محلي)
TT

مشروع دولي يعيد الخدمات ويعزز صمود المدن اليمنية

نحو 3 ملايين يمني استعادوا الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية (إعلام محلي)
نحو 3 ملايين يمني استعادوا الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية (إعلام محلي)

يكتسب ملف إعادة تأهيل الخدمات الحضرية في اليمن أهمية متزايدة، في ظل مساعٍ دولية لإرساء أسس مرحلة ما بعد الصراع، بعد أكثر من عقد من الحرب التي أشعلها الحوثيون، وألحقت دماراً واسعاً بالبنية التحتية، وأضعفت قدرة المدن على توفير أبسط الخدمات.

وفي هذا السياق، أكد البنك الدولي أن «المشروع الطارئ للخدمات الحضرية المتكاملة» يدخل مرحلة جديدة هذا العام، تعكس التزاماً دولياً مستمراً بدعم تعافي المدن اليمنية وبناء قدرتها على الصمود.

ويشير تقرير حديث للبنك إلى أن المرحلة المقبلة من المشروع ستركز على توسيع الشراكات الدولية، وتبنِّي التقنيات الحديثة في التخطيط الحضري، وتعزيز مشاركة المجتمعات المحلية، إلى جانب تطوير أدوات دقيقة لقياس الأثر وتحسين الأداء. ويرى أن هذه التوجهات تمثل خطوة متقدمة نحو استعادة مسار التنمية المستدامة، وتهيئة المدن اليمنية لمرحلة ما بعد انتهاء النزاع.

ولا تزال المدن اليمنية تعاني من تداعيات صراع مستمر منذ أكثر من 10 سنوات، خلَّف أضراراً جسيمة في البنية التحتية، وأدى إلى تراجع حاد في مستوى الخدمات الأساسية. فقد توقفت خدمات جمع النفايات في كثير من المناطق، وتضررت شبكات الطرق الداخلية، بينما تواجه المرافق الحيوية انقطاعات متكررة في الكهرباء، الأمر الذي انعكس سلباً على الحياة اليومية للسكان.

مشروع الحفاظ على المدن التاريخية يوفر فرص عمل لآلاف الشباب اليمني (الشرق الأوسط)

وحسب تقديرات حديثة، يحتاج أكثر من 22 مليون يمني إلى مساعدات إنسانية، بينهم نحو 15 مليون امرأة وطفل، في حين يفتقر نحو ثلثي السكان إلى المياه الآمنة وخدمات الصرف الصحي. ويأتي ذلك في ظل عجز واضح في النظام الصحي عن تلبية الاحتياجات المتزايدة، ما يفاقم من هشاشة الوضع الإنساني.

كما ساهمت التغيرات المناخية في تعميق الأزمة، مع ازدياد مخاطر الفيضانات والجفاف وارتفاع درجات الحرارة، وهو ما يزيد من الضغط على البنية التحتية الضعيفة أصلاً، ويهدد استدامة أي تحسن في الخدمات، ما لم يتم إدماج حلول بيئية فعالة ضمن خطط التعافي.

نتائج ملموسة ومكاسب أولية

في مواجهة هذه التحديات، أطلق البنك الدولي في نوفمبر (تشرين الثاني) 2017 المشروع الطارئ للخدمات الحضرية المتكاملة في اليمن، بتمويل أولي قدره 150 مليون دولار، بهدف استعادة الخدمات الأساسية في المدن الأكثر تضرراً. وقد حققت المرحلة الأولى التي انتهت في عام 2020 نتائج ملموسة على الأرض. فقد تمكن نحو 3 ملايين يمني من استعادة الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية، كما وفر المشروع نحو 1.5 مليون يوم عمل، في خطوة أسهمت في دعم سبل العيش وتحريك الاقتصاد المحلي. وشملت التدخلات إعادة تأهيل نحو 240 كيلومتراً من الطرق، إلى جانب تحسين خدمات المياه والصرف الصحي والنظافة لنحو 1.2 مليون مستفيد.

التغيرات المناخية فاقمت من القصور في الخدمات الحضرية بالمدن اليمنية (الأمم المتحدة)

ويُعزى نجاح المشروع إلى اعتماده نهجاً متوازناً في توزيع التدخلات بين مختلف المناطق، بعيداً عن الاعتبارات السياسية أو الجغرافية، ما عزز من شعور المجتمعات المحلية بالإنصاف. كما تميَّز بمرونة عالية في التعامل مع الظروف المتغيرة، بما في ذلك التحديات الأمنية وتصاعد النزاع، وهو ما مكَّنه من الاستمرار في تقديم الخدمات حتى في أكثر البيئات تعقيداً.

علاوة على ذلك، لعب إشراك المجتمعات المحلية دوراً محورياً في تحديد الأولويات وتصميم الحلول، الأمر الذي أسهم في تعزيز فعالية الاستجابة وضمان توافقها مع الاحتياجات الفعلية للسكان.

مرحلة جديدة

على الرغم من هذه الإنجازات، لا تزال التحديات في اليمن كبيرة؛ خصوصاً مع استمرار النزاع وتسارع النمو الحضري؛ إذ تشير التقديرات إلى احتمال تضاعف عدد سكان المدن بحلول عام 2030، ما يزيد من الضغط على الخدمات الأساسية. وفي هذا الإطار، يجري تنفيذ المرحلة الثانية من المشروع بتمويل يبلغ 195 مليون دولار، بعد إقراره في عام 2021.

وتهدف هذه المرحلة إلى توسيع نطاق الخدمات لتشمل نحو 3 ملايين شخص، من خلال تحسين خدمات المياه والصرف الصحي، وتطوير شبكات الطرق، وتعزيز إمدادات الطاقة. كما تستهدف تقليل مخاطر الفيضانات التي تهدد نحو 350 ألف شخص، عبر تطوير أنظمة تصريف مياه الأمطار وتعزيز البنية التحتية الوقائية.

صورة جوية لطريق حيوي يربط مدينة تعز بالعاصمة اليمنية المؤقتة عدن (أ.ب)

ويركز المشروع أيضاً على بناء قدرات المؤسسات المحلية التي تضررت خلال سنوات الحرب، مثل مؤسسات الأشغال العامة وصناديق النظافة وصيانة الطرق، من خلال برامج تدريبية وتقييمات فنية تهدف إلى تمكينها من قيادة جهود التعافي مستقبلاً.

كما يتضمن إدماج حلول لمواجهة آثار التغير المناخي، عبر تطوير خطط حضرية تراعي المخاطر البيئية، وتعزيز قدرة المدن على التكيف مع الكوارث الطبيعية، وهو ما يعد عنصراً أساسياً في تحقيق الاستدامة.

ويولي المشروع اهتماماً خاصاً بقطاع إدارة النفايات الصلبة الذي شهد تدهوراً كبيراً خلال سنوات النزاع؛ حيث تم توفير معدات حديثة للنظافة وتمويل برامج لتحسين جمع النفايات في عدد من المدن الرئيسية، بما يسهم في الحد من المخاطر الصحية والبيئية.


الحوثيون يوسّعون القمع ضد المراكز الدينية المختلفة مذهبياً

دورية حوثية في أحد شوارع العاصمة اليمنية صنعاء (إ.ب.أ)
دورية حوثية في أحد شوارع العاصمة اليمنية صنعاء (إ.ب.أ)
TT

الحوثيون يوسّعون القمع ضد المراكز الدينية المختلفة مذهبياً

دورية حوثية في أحد شوارع العاصمة اليمنية صنعاء (إ.ب.أ)
دورية حوثية في أحد شوارع العاصمة اليمنية صنعاء (إ.ب.أ)

شهدت مناطق خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية في اليمن موجة جديدة من الإجراءات التي تستهدف الأنشطة الدينية والتعليمية المختلفة مذهبياً، في خطوة تعكس توجه الجماعة لإعادة تشكيل المجال الديني بما يتوافق مع رؤيتها الطائفية.

وخلال الأيام الماضية، أقدمت عناصر حوثية على إغلاق مراكز لتحفيظ القرآن وتدريس العلوم الشرعية في كلٍّ من صنعاء ومحافظة إب، وسط تنديد محلي وتحذيرات حقوقية من تداعيات هذه الانتهاكات على الحريات الدينية والنسيج الاجتماعي.

في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، أفادت مصادر مطلعة بأن مسلحين حوثيين نفذوا حملة دهم استهدفت مركز «الهُدى» في حي السنينة بمديرية معين، حيث جرى إغلاقه بشكل كامل بعد طرد الطلاب والمعلمين ومصادرة محتويات مكتبته.

استهداف حوثي متكرر لـ«مركز الشافعي» في محافظة إب (فيسبوك)

ووفقاً للمصادر، جاء هذا الإجراء على خلفية رفض إدارة المركز الانصياع لتوجيهات صادرة عن جهات تابعة للجماعة، تضمنت إخضاع المركز لإشراف ما يسمى مكتب الأوقاف وإلحاقه ببرامج التعبئة الفكرية.

وسبق أن فرض الحوثيون قيوداً على خطب المساجد والدروس الدينية، وألزموا القائمين عليها بتبني مضامين محددة تتماشى مع خطابهم العقائدي.

حملة في إب

في محافظة إب، تكررت المشاهد ذاتها، حيث اقتحم مسلحون حوثيون مركز «الشافعي» للعلوم الشرعية في منطقة «ماتر»، بعد سلسلة من المداهمات السابقة التي استهدفت مكتبته وصادرت محتوياتها. وحسب شهود عيان، فقد أُجبر الطلاب على مغادرة المركز دون أي مسوغ قانوني أو أوامر قضائية، في خطوة عدّها السكان مؤشراً على تصعيد أوسع ضد المؤسسات الدينية المستقلة.

وتعود جذور هذا الاستهداف إلى فترة سابقة، حين اقتحمت الجماعة المركز ذاته وأغلقت أبوابه مؤقتاً، قبل أن تعاود استهدافه مجدداً ضمن حملة أوسع لإغلاق ما تبقى من المراكز غير المنضوية تحت سلطتها. ويؤكد شهود أن هذه العمليات غالباً ما تُنفذ بأسلوب مفاجئ، مما يضاعف من حالة القلق بين الطلاب والعاملين في هذه المؤسسات.

مركز ديني استهدفه الحوثيون سابقاً وحوّلوه إلى مركز تدريبي في إب (فيسبوك)

وأثارت هذه التطورات موجة استياء واسعة في الأوساط المحلية، حيث يرى ناشطون يمنيون أن ما يجري يمثل انتهاكاً صريحاً لحرية التعليم والمعتقد، ويهدد بتقويض التعددية الدينية التي عُرفت بها بعض المناطق اليمنية تاريخياً. كما حذروا من أن استمرار هذه السياسات قد يؤدي إلى تفاقم التوترات الاجتماعية، خصوصاً في ظل الظروف الإنسانية الصعبة التي تعيشها البلاد.

أبعاد طائفية

يرى مختصون أن الحملة الحوثية ضد المراكز الدينية المختلفة مذهبياً لا تقتصر على إجراءات أمنية أو تنظيمية، بل تحمل أبعاداً طائفية تهدف إلى إعادة تشكيل الهوية الدينية في المجتمع. فالمراكز المستهدَفة تنتمي إلى تيارات لا تتبنى الخطاب العقائدي للجماعة، مما يجعلها عُرضة للإقصاء ضمن سياسة ممنهجة لتوحيد المرجعية الدينية.

ويُحذر خبراء من أن إغلاق هذه المؤسسات قد يُفضي إلى نتائج عكسية، من بينها حرمان شريحة واسعة من الشباب من التعليم الديني الوسطي، وفتح المجال أمام بروز أفكار متشددة أو غير منظمة خارج الأطر التعليمية التقليدية. كما قد يسهم ذلك في تعميق الانقسامات داخل المجتمع، ويُضعف فرص التعايش بين مختلف المكونات الفكرية.


العليمي يدعو للتسامح وتعزيز الشراكة الوطنية الشاملة

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)
رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)
TT

العليمي يدعو للتسامح وتعزيز الشراكة الوطنية الشاملة

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)
رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)

دعا رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، مواطنيه إلى ترسيخ قيم التسامح والتصالح، وتغليب المصلحة الوطنية في مرحلة وصفها بالمفصلية في تاريخ البلاد، معتبراً أن مؤشرات الخروج من الانقلاب الحوثي باتت قريبة أكثر من أي وقت مضى.

وفي خطاب بمناسبة عيد الفطر المبارك، ألقاه نيابة عنه وزير الأوقاف والإرشاد، شدد العليمي على أن تحقيق النصر لا يقتصر على العمل العسكري، بل يتطلب أيضاً تعزيز ثقافة الحوار، والتسامح، والعمل المشترك بين مختلف القوى الوطنية، بما يضع مصلحة اليمنيين فوق أي اعتبارات أخرى.

وهنأ رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمنيين في الداخل والخارج، والقوات المسلحة والأمن، معبراً عن أمله في أن تعود هذه المناسبة وقد استعادت البلاد مؤسساتها واستقرارها، وتبددت آثار الحرب التي أشعلها الحوثيون.

واستحضر العليمي في خطابه ذكرى تحرير العاصمة المؤقتة عدن من الحوثيين، باعتبارها محطة بارزة في مسار تحرير اليمن، مشيراً إلى ما وصفه بدور «المقاومين» في تحقيق ذلك الحدث، الذي اعتبره رمزاً لصمود اليمنيين.

العليمي شدد على توحيد القوى اليمنية في مواجهة الانقلاب الحوثي (أ.ب)

كما أشار إلى اقتراب الذكرى الرابعة لتشكيل المجلس الرئاسي الذي يقوده، وقال إن تلك الخطوة مثلت انتقالاً نحو الشراكة الوطنية بدلاً من الانقسام، مع تأكيده أن التجربة خلال السنوات الماضية أظهرت قدراً أكبر من التماسك والانسجام داخل المجلس، وفق تعبيره.

وأكد العليمي أن تشكيل الحكومة الجديدة جاء في هذا السياق، بهدف الجمع بين الكفاءة والخبرة والتمثيل الواسع، بما يعزز فرص بناء مؤسسات الدولة، وتحسين الأداء الحكومي في مختلف القطاعات.

تحديات الاقتصاد

تطرق خطاب العليمي إلى التحديات الاقتصادية والخدمية، مشيراً إلى أن التخفيف من معاناة المواطنين يتطلب توافر الإرادة السياسية، وتعزيز التوافق بين القوى الوطنية، إلى جانب دعم الشركاء الإقليميين والدوليين.

ولفت إلى أن بعض المؤشرات الإيجابية بدأت بالظهور في المناطق الخاضعة للحكومة الشرعية، من بينها تحسن نسبي في الخدمات، وانتظام دفع الرواتب، وتقدم في توحيد القرارين الأمني والعسكري، معتبراً أن هذه التطورات تعكس إمكانية بناء نموذج مختلف رغم تعقيدات المرحلة.

ملايين اليمنيين يفتقدون بهجة العيد في مناطق سيطرة الحوثيين (أ.ف.ب)

وفي هذا السياق، أكد أهمية دور السلطات المحلية والمحافظين في تعزيز حضور الدولة، وتحقيق استجابة أفضل لاحتياجات المواطنين، بما يعيد الثقة بالمؤسسات العامة ويقربها من حياة الناس اليومية.

كما شدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني على ضرورة الحفاظ على وحدة الصف الوطني، محذراً من أن الخلافات الداخلية قد تعرقل مسار استعادة الدولة، ومؤكداً أن التجارب السابقة أظهرت أن الصراعات البينية لا تخدم المصلحة الوطنية.

إشادة بالدعم السعودي

على الصعيد الإقليمي، جدد العليمي تأكيد دعم اليمن للدول الخليجية والأردن في مواجهة التحديات الأمنية، معبراً عن تقديره لما وصفه بجهود تلك الدول في حماية أمنها واستقرارها.

كما أشاد بمواقف السعودية، واصفاً إياها بالداعم المستمر لليمن، ومشيراً إلى أن الشراكة مع الرياض تتجاوز العلاقات التقليدية إلى مستوى المصير المشترك والأمن المتبادل.

وفي المقابل، انتقد سياسات إيران، معتبراً أنها تسهم في توسيع دائرة الصراع في المنطقة، وداعياً إلى احترام سيادة الدول ومبادئ حسن الجوار، ووقف التدخلات التي تؤدي إلى تأجيج النزاعات.

عنصر حوثي في صنعاء يرفع صورة مجتبى خامنئي المرشد الإيراني الجديد عقب تصفية والده (إ.ب.أ)

وأكد العليمي أن تحقيق الاستقرار الإقليمي يتطلب تعاوناً جماعياً لردع ما وصفها بمشاريع الفوضى، والعمل على تعزيز فرص السلام والتنمية، بما ينعكس إيجاباً على شعوب المنطقة.

ووجه العليمي رسالة إلى مواطنيه في المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، مؤكداً أن مستقبل اليمن سيكون قائماً على دولة عادلة تضمن المساواة بين جميع أبنائها، دون إقصاء أو تهميش.

وأشار إلى أن «بشائر الخلاص» نتيجة لصمود اليمنيين وتضحياتهم، معبراً عن ثقته بإمكانية تجاوز المرحلة الراهنة رغم صعوبتها، شريطة استمرار العمل المشترك والتحلي بالصبر.