بالتزامن مع الذكرى السنوية الخامسة لجلوسه على العرش، إثر تنحّي والده الملك خوان كارلوس الأول، وفي خضمّ أزمة سياسية بالغة التعقيد، توجّه العاهل الإسباني فيليبي السادس إلى مواطنيه، بمناسبة الرسالة التقليدية ليلة عيد الميلاد، ودعا إلى «التكاتف والثقة الراسخة بإسبانيا، وقوة مجتمعها، في ظروف لا يغيب عن أحد مدى صعوبتها؛ حيث نواجه مشكلات عالمية، مثل تغيّر المناخ والثورة الرقمية، تضاف إليها مشكلاتنا الداخلية، مثل البطالة والصعاب الاقتصادية التي تواجه عائلات كثيرة وحركة الهجرة ومستقبل الاتحاد الأوروبي وتدهور الثقة بالمؤسسات، وطبعاً كاتالونيا».
لم يرد في خطاب فيليبي السادس سوى مرة واحدة ذكر الإقليم الذي تطالب القوى الانفصالية فيه بالاستقلال عن إسبانيا، الذي أصبح الشغل الشاغل للمؤسسات السياسية منذ خريف 2017 عندما تمرّدت الأحزاب الانفصالية في كاتالونيا على قرارات القضاء المركزي، وحاولت إعلان استقلال الإقليم، في تحدٍّ صارخ لأحكام الدستور ولبقية القوى السياسية، فاتحة بذلك أخطر أزمة تواجه البلاد منذ عودة النظام الديمقراطي، منتصف سبعينات القرن الماضي.
لكن الإشارة مرة واحدة في خطاب العاهل الإسباني إلى كاتالونيا، لم تحجب الأهمية البالغة التي يوليها لهذه الأزمة، مشدّداً على ثقته في التوصل إلى حل يؤكد من جديد على وحدة الأراضي الإسبانية واحترام التباين ضمن إطار الدستور. وذكّر فيليبي السادس أنه «مهما بلغت الصعوبات، فلا بد لنا من إيجاد السبل التي تتيح التقدّم في أجواء من التسامح والتماسك والازدهار، من غير الانزلاق نحو التطرف أو الجنوح نحو النقد الذاتي المدمّر».
وفي تناوله الأزمة السياسية التي تعيشها إسبانيا في ظل حكومة مؤقتة منذ عشرة أشهر وأربعة انتخابات عامة في أقل من أربع سنوات ووضع متفجّر في كاتالونيا، حرص فيليبي السادس في رسالته المتلفزة على عدم التدخّل في الشأن السياسي وعدم الخروج عن دور الحَكَم بين الأحزاب السياسية والمؤسسات، كما يحدده الدستور، مشدّداً على أن «الدستور الذي ارتضاه الشعب في عام 1978 كان دائماً مصدر الحلول للأزمات التي واجهت البلاد في كل الحقول».
ويجدر التذكير هنا بأنه خلافاً لكل التوقعات، لم يكن عهد فيليبي السادس خالياً من الصعوبات منذ بدايته في عام 2014، بعد مرحلة الانتقال من نظام فرنكو العسكري إلى الديمقراطية بنجاح لافت يعود بشكل رئيسي لوالده الملك خوان كارلوس الذي رسخّ دور المؤسسة الملكية وعزّزه خارج حدود الدستور. لكن الأزمة الاقتصادية الكبرى، وما نشأ عنها من تداعيات اجتماعية أعادت تشكيل المشهد السياسي الإسباني، ودفعت به نحو التشرذم بعد عقود من الاستقرار، ثم الأزمة الانفصالية في إقليم كاتالونيا، وضعت الملك الشاب أمام سلسلة من الاختبارات الصعبة المتعاقبة، وعاد الإسبان يتطلعون إلى المؤسسة الملكية مصدراً لاستعادة الثقة المفقودة بالمؤسسات والقوى السياسية التي تراجع أداء قياداتها بشكل ملحوظ في السنوات الأخيرة.
ودعا العاهل الإسباني في رسالته إلى الاقتداء بمشروع «العيش المشترك الذي كان في أساس النهضة الإسبانية، في الماضي والحاضر، وعدم التفريط بالطاقات الهائلة الكامنة في وحدتنا». وأضاف: «من واجبنا، وحق الأجيال المقبلة علينا، أن نحافظ على وحدتنا ضمن القيم الديمقراطية التي تجمعنا لحل مشكلاتنا، من غير انقسام أو مواجهة، وترسيخ التعايش».
وشدّد فيليبي السادس على أن صيغة التعايش ضمن إطار الدستور، هي التي أتاحت لإسبانيا في العقود الأربعة الأخيرة أن تصبح «إحدى الديمقراطيات العشر الأكثر رسوخاً في العالم، ودولة حديثة تنعم بنظام قلّ نظيره من الخدمات الاجتماعية والتعليمية والصحية».
في أول تعليق سياسي على رسالة العاهل الإسباني، قال رئيس الحكومة الإقليمية الكاتالونية، كيم تورّا، صباح أمس (الأربعاء): «المشكلة ليست كاتالونيا، بل إسبانيا الدولة الأوروبية التي تنتهك حقوق الإنسان وتقمع الحريات». وكان تورّا قد أدلى بهذه التصريحات خلال الاحتفال بذكرى وفاة الرئيس السابق لجمهورية كاتالونيا، فرانشيس ماسيا.
وأضاف: «ولايتنا هي أن نواصل العمل من أجل تحقيق الاستقلال والسيادة الكاملة كما علّمنا ماسيا». ومن جهته، قال رئيس البرلمان الإقليمي في كاتالونيا روجير تورّينت: «المشكلة أن إسبانيا عاجزة عن تقديم حلول سياسية وديمقراطية لمطالب كاتالونيا».
وكانت الأحزاب والقوى السياسية الوطنية الأخرى قد رحّبت برسالة الملك، ووصفتها بأنها «مصدر للإلهام واستعادة الثقة».
11:53 دقيقه
العاهل الإسباني يدعو إلى احترام الدستور لمعالجة الأزمة الكاتالونية
https://aawsat.com/home/article/2052786/%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%A7%D9%87%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D8%A8%D8%A7%D9%86%D9%8A-%D9%8A%D8%AF%D8%B9%D9%88-%D8%A5%D9%84%D9%89-%D8%A7%D8%AD%D8%AA%D8%B1%D8%A7%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D8%B3%D8%AA%D9%88%D8%B1-%D9%84%D9%85%D8%B9%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%B2%D9%85%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%83%D8%A7%D8%AA%D8%A7%D9%84%D9%88%D9%86%D9%8A%D8%A9
العاهل الإسباني يدعو إلى احترام الدستور لمعالجة الأزمة الكاتالونية
رئيس الحكومة الإقليمية اتهم مدريد بـ«قمع الحريات»
العاهل الإسباني يلقي خطاب الميلاد في مدريد أمس (أ.ب)
- مدريد: شوقي الريّس
- مدريد: شوقي الريّس
العاهل الإسباني يدعو إلى احترام الدستور لمعالجة الأزمة الكاتالونية
العاهل الإسباني يلقي خطاب الميلاد في مدريد أمس (أ.ب)
مواضيع
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة

