الحنين إلى الحقبة السوفياتية في قوائم مطاعم موسكو

طابع خاص يلبي ذوق الماضي وعصر سباق الفضاء والخدمة بلا ابتسامة

TT

الحنين إلى الحقبة السوفياتية في قوائم مطاعم موسكو

إنه وقت الغداء في موسكو. يمتد صف طويل أمام مطعم «ستولوفايا 57» إلى خارج الباب؛ حيث يصطف أكثر من 20 شخصاً بانتظار الحصول على الحساء، واللحم المقدد، والخضراوات المسلوقة، والملفوف المبشور. وعلى الرغم من صعوبة تصور أن الناس سيواصلون الانتظار لأي فترة من الوقت، بغية الحصول على صينية من الأطعمة التي تقدمها امرأة روسية قاسية الملامح، في مطعم تشوبه أجواء الملل الخانق، فإن هذا المطعم الموجود في مركز «GUM» التجاري في العاصمة قد أثبت واقعاً معاكساً لذلك.
وكلمة «ستولوفايا» باللغة الروسية تعني «المقصف»، وهي تشير إلى المصطلح شائع الاستخدام لمنافذ بيع الطعام بأسعار معقولة تحت إدارة الدولة، قبل انهيار الاتحاد السوفياتي السابق. وكان سكان موسكو يجتمعون لدى هذه المنافذ لتناول وجبات الطعام الكاملة، مع الشاي بالليمون، وضمان قيمة جيدة من الأغذية مقابل ما يدفعونه من مال.
واليوم، يعد مطعم «ستولوفايا 57»، بتصاميمه الداخلية التي تماثل حقبة السبعينات المذهلة، فضلاً عن السيدة التي لا تحظى بإعجاب أحد، والتي تجهز أطباق الطعام على صينية كل شخص من رواد المطعم قبل أن تطالبه بإجمالي الثمن، واحداً من عدد متزايد من المطاعم الروسية التي تتناثر في مختلف أرجاء موسكو، وتثير مشاعر الحنين إلى الأيام الروسية الخوالي.
والشوق إلى الخدمة الخالية تماماً من الابتسام أو المشاعر، يعتبر جزءاً من الحنين إلى الماضي في البلاد الروسية. إذ خلص مركز «ليفادا» لاستطلاعات الرأي مؤخراً، إلى أن ثلثي الشعب الروسي يعاني من مشاعر الأسف والحزن إزاء انهيار الاتحاد السوفياتي السابق. وتقول السيدة المسنة فيرا بيتروفنا التي تبلغ من العمر 73 سنة: «كانت الحياة أفضل كثيراً في تلك الأوقات»، وهي تجلس على الطاولة أمامي في مطعم «ستولوفايا 57»، وتتناول وجبة من الفطائر غير المختمرة، وتضيف: «كانت لي وظيفتي الخاصة آنذاك، ولم أكن أتطلع إلى المزيد في حياتي. كما لم أكن أجتهد لتلبية أي متطلبات. بل كنت امرأة ثرية ببقرتي، وقطعة الأرض الصغيرة، وتلك الخضراوات التي كنت أزرعها بنفسي في الصيف».
يختار زبائن مطعم «ستولوفايا 57» من بين ثلاثة إلى أربعة أطباق – أو بقدر ما تتحمل صينية كل واحد منهم – من مختارات الخضراوات أو السلطة التي تتراوح بين الجزر المسلوق جيداً، أو البروكلي، أو السلطة الروسية المغطاة بالمايونيز، ثم طبق من كرات اللحم والبطاطا المهروسة، أو مرق سمك الرنجة، أو سمك الرنجة المطهو في الفرن مع الأرز المتبل في المرق. وتُقدم كافة الأطعمة دافئة، باستثناء حساء اليوم، الذي دائماً ما يكون أكثر عناصر القائمة اهتماماً وعناية. ويبلغ السعر في المعتاد 470 روبلاً روسياً، مقابل ثلاثة أطباق مع كوب الشاي (ما يساوي 7.40 دولار أميركي)، وربما تعتبر الوجبات التي يقدمها هذا المطعم هي أرخص ما يمكن العثور عليه في مركز «GUM» التجاري على الإطلاق، بخلاف ذلك هناك المتاجر الراقية والمنتجات الفاخرة من شاكلة «بولغاري» و«غوتشي».
وعند افتتاح مطعم «ستولوفايا 57» للزبائن في عام 2012، كان أول مطاعم العاصمة موسكو الذي يقدم وجبات الحنين إلى الماضي قبل الأطعمة والأشربة المعتادة، ولكن منذ ذلك الحين، افتتحت سلسلة من المطاعم المماثلة في موسكو التي تحمل طابعاً خاصاً يتوق ويتعلق بالماضي ما قبل فلاديمير بوتين. وفيما يلي عرض لأبرز خمسة مطاعم من هذه النوعية.

- مطعم «غراند كافيه دكتور جيفاغو»
هو أحد المطاعم ضمن مجموعة مطاعم «رابابورت» التي تحظى بشعبية كبيرة ومستمرة منذ افتتاحها في عام 2015، وغالباً ما يكون ذلك المطعم – الذي يقدم المأكولات الروسية المفضلة – محجوزاً بالكامل على نحو تقريبي. ويوجد المطعم قبالة الساحة الحمراء مباشرة، ويطل على مبنى الكرملين المهيب من خلال نوافذه الممتدة من الأرضية وحتى السقف. وجاء تصميمه على صورة مقهى أنيق للغاية من فترة نهاية القرن العشرين؛ حيث تمتلئ رفوفه بكثير من المراجع الروسية ومؤلفات الثورة السوفياتية.
يقول ألكسندر رابابورت، مالك المطعم: «يكمن الغرض الرئيسي في إنشاء مطعم تاريخي للسياح الأجانب، ولكنني استلهمت فكرته من حركة الطليعة الثورية الروسية في بدايات القرن العشرين، وانطلقت من هناك».
وفي الداخل، يسيطر اللون الأحمر على كافة أجواء المطعم. وتجد زهرة القرنفل الأحمر – الرمز التاريخي للبروليتاريا الروسية – تزين كل طاولة تمتد تحت الثريات القرمزية الدرامية. والنادلات (ولا يعمل بالمطعم إلا النادلات من النساء) يرتدين أزياء الوصيفات الرسمية الكاملة، ذات المآزر المزركشة بالكروشيه، وأغطية الرأس البيضاء الناصعة. كما تلاحظ أحمر الشفاه الكثيف على شفاههن وتعبيرات وجوههن الصارمة الجامدة. وهناك محاكيات فنية لأعمال مهمة من فناني حقبة الطليعة الروسية، أمثال كازيمير ماليفيتش، وبيتروف فودكين، التي تطل على رواد المطعم من الجدران أحادية اللون وشديدة اللمعان.
وتعتبر التصاميم الداخلية الفاخرة والأنيقة من أكثر ما يميز مطعم «غراند كافيه دكتور جيفاغو»، ولكنك ستجد قائمة الطعام ذات الأسعار المعقولة للغاية والمليئة بالمتنوع من المأكولات الروسية الحديثة والمفضلة، مثل شطائر ذيل الثور الساخنة (بسعر 280 روبلاً)، والبيض المسلوق مع الكافيار الأحمر (بسعر 460 روبلاً)، وغير ذلك من المختارات المتنوعة. يقول السيد رابابورت عن ذلك: «عندما افتتحنا المطعم للمرة الأولى، كان عدد المطاعم المعنية بتقديم المأكولات الروسية الشعبية محدوداً للغاية، وكانت كذلك في موسكو عاصمة البلاد التي يتجاوز سكانها عدة ملايين نسمة»، مشيراً إلى المكانة الخاوية التي تمكن مطعم «غراند كافيه دكتور جيفاغو» من ملئها بمرور الوقت.

- مطعم «كازبيك»
كانت دولة جورجيا تعتبر المكان المثالي لقضاء العطلات خلال الحقبة السوفياتية، وكانت تعتبر أرض الوفرة بسبب تربتها الخصبة ومناخها المعتدل. وكان الرفاق القدامى يحصلون هنا على قسطهم الوافر من الراحة في كل عام في مصحات الاتحاد السوفياتي القديمة (أو ما يُعرف بالمنتجعات الصحية بمصطلحات العصر الحاضر). ومع وضع ذلك في الحسبان. أنشأ كل من: أندريه ديلوس (الرجل الذي أنشأ مطعم «كافيه بوشكين» الشهير على طراز مطاعم القرن التاسع عشر في موسكو)، رفقة الشيف ماميا جوجوا، مع والدة جوجوا الطاهية المخضرمة المولودة في تبليسي عاصمة دولة جورجيا، مطعم «كازبيك» في عام 2016، وهو المطعم المصمم لإحياء ذكريات العطلات القديمة التي شهدتها أيام الطفولة الخوالي.
وبالدخول إلى مطعم «كازبيك»، تجد نفسك في خضم رحلة إلى ما وراء البحر الأسود وحتى جورجيا في حقبة ستينات القرن الماضي، إذ تعتبر ديكورات المطعم الداخلية عبارة عن زخارف رائعة من الأثاث العتيق، مع أغطية المصابيح المخملية فائقة التحمل، مع الطلاء الباهت، جنباً إلى جنب مع مجموعة من التذكارات من شاكلة الجرار القديمة، والتماثيل المصنوعة من الخزف، والصور العائلية من رحلات أندريه ديلوس القديمة إلى المنطقة، والمصممة لإحياء ذكريات الأماكن التي مر عليها في أيام شبابه الأولى. ومما يُضاف إلى ذلك، هناك فرقة موسيقية جورجية تحيي الحفلات الموسيقية الرائعة، خمس ليالٍ من كل أسبوع، لاستكمال مناخ العطلات الروسية القديمة في تلك البلاد.
وفي فترة ما بعد الظهيرة من فصل الربيع النابض بالحياة، تنساب أشعة الضوء الدافئ عبر الشرفة المكتظة بالزبائن (ويستحيل تماماً العثور على مقعد خاوٍ في فصل الصيف في ذلك المطعم، بسبب موقعه المطل على نهر موسكو) والمليء بالشجيرات والأعشاب المورقة في أواني الفخار والكروم المعلقة لأعلى. وفي حين أن قائمة المطعم تذكر الزبائن بالأطباق التي كان يعدها الطاهي في أيام العطلات في ستينات القرن الماضي، فإنها تعكس في الوقت نفسه إطلالة المطعم المشمسة الرائعة.

- مطعم «فوسخود»
وإن كان هناك شيء واحد يفخر به الروس، فهو نجاحاتهم المحققة في سباق الفضاء. ويعتبرون رائد الفضاء يوري غاغارين بطلاً قومياً. ويبدو أن تمثال التيتانيوم الذي يبلغ طوله 42 متراً في شارع لينينسكي بروسبكت في موسكو، لإحياء ذكرى غاغارين، ليس كافياً، حتى يقدم مطعم «فوسخود» الجديد – المشغول للغاية حتى في أمسيات أيام الأسبوع – تكريماً خاصاً من المأكولات ذات الذوق الرفيع للبطل القومي الروسي، الذي تصدر السباق الفضائي الروسي في عام 1962.
ويبدو مطعم «فوسخود» مثل الكبسولة الفضائية الأنيقة التي تشبه الأجسام الغريبة على مساحة خضراء في حديقة «زاريادي» الحديثة، على الواجهة الشمالية من نهر موسكو. وكانت التصميمات الداخلية من أعمال شركة «صاندوكوفي» للتصاميم الداخلية، والحائزة على مختلف الجوائز، والتي جمعت مستجدات عصر الفضاء الروسي، مثل قطع السيراميك التي تشبه الملاحة الفضائية، والمتناثرة عبر مختلف الطاولات، جنباً إلى جنب مع التركيبات الضوئية المستوحاة من النظام الشمسي، مع الأثاث الفخم الذي يرجع تاريخه إلى منتصف القرن العشرين.
هناك مقولة روسية شهيرة: «كل جديد ليس إلا قديماً منسياً». وعندما تزور مطعم «فوسخود»، يمكنك مشاهدة المستقبل أيضاً، ولكنه المستقبل الذي كان يحلم به رجال ونساء الوطن منذ فترة طويلة.
كما يقول السيد رابابورت مالك مطعم «دكتور جيفاغو». ومطعم «فوسخود» يعبر عمَّا كان سكان موسكو من جيل يوري غاغارين يتصورونه ويحلمون به، على اعتباره مطعم المستقبل.

- خدمة نيويورك تايمز


مقالات ذات صلة

مطاعم جديدة في لندن منتقاة للمسافرين الخليجيين

مذاقات جانب من مطعم أوتومات (الشرق الاوسط)

مطاعم جديدة في لندن منتقاة للمسافرين الخليجيين

مع بدء المسافرين من دول مجلس التعاون الخليجي في التخطيط لزياراتهم المرتقبة إلى لندن، تشهد ساحة المطاعم في المدينة موجة متجددة من الافتتاحات الكبرى.

«الشرق الأوسط» (لندن)
مذاقات مائدة مليئة بالأطباق السعودية الشهيرة (شاترستوك)

من الرياض إلى دلهي: كيف يرسّخ المطبخ السعودي حضوره في الهند؟

لطالما وُضع المطبخ السعودي في الهند تحت مظلة تصنيفات عامة مثل «الشرق أوسطي» أو «العربي»، وتعرّض لفهمٍ قاصر اختزله في صور نمطية ضيقة، كلفائف الشاورما، والحمص

براكريتي غوبتا (نيودلهي)
مذاقات أورزوتو ثمار البحر مع مقبلات أخرى (الشرق الاوسط)

«وي مدام»... جوهرة فرنسية مخفية في شمال لندن

غالباً ما يكون التركيز على المطاعم المنتشرة في مناطق في وسط لندن، مثل مايفير وفيتزروفيا ونايتسبريدج وكينزينغتون... وللأسف أحياناً تغيب عن بال الذوَّاقة...

جوسلين إيليا (لندن)
مذاقات تتمتع ملاعق  السيليكون بمزايا عديدة لكن ذلك لايحول دون تغييرها

أدوات مطبخك... متى تصبح غير صالحة للاستخدام؟

بعض الأدوات المطبخية لا تدوم؛ والاحتفاظ بها بعد فترة من استخدامها قد يؤثر على مذاق الطعام، أو الصحة. تعرف على أدوات المطبخ التي ربما تنسى استبدالها

نادية عبد الحليم (القاهرة)
مذاقات مطعم البصلي للأسماك شاهدًا على حكاية لم تبدأ كمشروع تجاري بل كحياة يومية تشكّلت حول البحر (الشرق الأوسط)

«البصلي»... طعم البحر الذي عبر الأجيال

في قلب جدة التاريخية، وعلى مقربة من سوق السمك، يقف مطعم البصلي للأسماك شاهداً على حكاية لم تبدأ مشروعاً تجارياً، بل حياة يومية تشكّلت حول البحر.


6 أوسكارات لـ«معركة بعد أخرى»

بول توماس أندرسون حاملا جوائزه (أ.ف.ب)
بول توماس أندرسون حاملا جوائزه (أ.ف.ب)
TT

6 أوسكارات لـ«معركة بعد أخرى»

بول توماس أندرسون حاملا جوائزه (أ.ف.ب)
بول توماس أندرسون حاملا جوائزه (أ.ف.ب)

لم تكن هناك مفاجآت كبيرة ليلة الأحد عندما أُعلن عن الفائزين بجوائز «الأوسكار» في الحفل الـ98، فمعظم الأفلام التي كان متوقعاً فوزها في وسائل التواصل والصحف فازت بالفعل، وحصد «معركة بعد أخرى» 6 جوائز، أهمها جائزتا أفضل فيلم وأفضل مخرج لبول توماس أندرسن.

ودخلت السياسة بقوة على الخط نظراً لتزامن الحفل مع أصوات المعارك الضارية في المنطقة العربية.

وقال يواكيم تراير، مخرج «قيمة عاطفية» الذي فاز بأوسكار أفضل فيلم أجنبي، وهو يتسلم جائزته: «لدي ولدان، وعندما أشاهد ما يحدث لأطفال غزة وأوكرانيا والسودان أبكي أنا وزوجتي».

وقبله وقف الممثل الإسباني خافيير باردِم (الذي قدّم الجائزة لتراير) ليقول: «لا للحرب، وفلسطين حرّة». (تفاصيل ص 22)


«صوت هند رجب»... لماذا خسر التتويج بـ«الأوسكار»؟

لقطة من فيلم «صوت هند رجب» (الشركة المنتجة)
لقطة من فيلم «صوت هند رجب» (الشركة المنتجة)
TT

«صوت هند رجب»... لماذا خسر التتويج بـ«الأوسكار»؟

لقطة من فيلم «صوت هند رجب» (الشركة المنتجة)
لقطة من فيلم «صوت هند رجب» (الشركة المنتجة)

بعد الإعلان عن جوائز «الأوسكار»، الأحد، وفوز الفيلم النرويجي الاجتماعي الكوميدي «قيمة عاطفية» بجائزة أفضل فيلم أجنبي، وخسارة الفيلم التونسي «صوت هند رجب» المنافسة، بوصفه الفيلم العربي الوحيد الذي خاض تصفيات أشهر مسابقة عالمياً، ظهرت تساؤلات عن سبب خسارة الفيلم الذي يتناول واقعة حقيقية خلال «حرب غزة» تمثل مأساة إنسانية، ما بين من اعتبروا الجائزة قد تحمل أبعاداً سياسية، خصوصاً مع رفض مخرجة الفيلم تسلم جائزة سابقاً في مهرجان برلين احتجاجاً على تكريم جنرال إسرائيلي، وبين من رأوا الجائزة تحتكم للمعايير الفنية.

ودعم هذه التساؤلات تعليقات «سوشيالية» حول عدم فوز الفيلم التونسي، خصوصاً مع إعلان كوثر بن هنية في لقاء متلفز خلال حفل «الأوسكار» أن بطل فيلمها الفلسطيني لم يتمكن من الحضور بسبب قرار الرئيس ترمب منع منح تأشيرات للفلسطينيين.

وتناول فيلم «صوت هند رجب» محاولة إنقاذ الطفلة الفلسطينية هند رجب التي تبلغ من العمر 6 سنوات، وظلت لفترة عالقة داخل سيارة بها جثث أهلها الذين قتلتهم القوات الإسرائيلية، وقضت الطفلة خلال أحداث الحرب على غزة عام 2024. والفيلم يمزج بين الوثائقي والدرامي عبر التسجيلات الحقيقية لصوت هند رجب وهي تتحدث إلى مسؤولي الإسعاف الفلسطينيين الذين يحاولون إنقاذها. وشارك في بطولة الفيلم سجى كيلاني، ومعتز ملحيس، وعامر حليحل، وكلارا خوري. وشارك الفيلم في العديد من المهرجانات الدولية، وحاز العديد من الجوائز والإشادات النقدية، بل رفضت مخرجته كوثر بن هنية جائزة «السينما من أجل السلام» في مهرجان برلين احتجاجاً على تكريم جنرال إسرائيلي سابق صوّر الحرب على غزة باعتبارها دفاعاً عن النفس.

جانب من حفل جوائز «الأوسكار» (أ.ب)

واستبعد الناقد الفني المصري، طارق الشناوي، أن يكون عدم فوز «صوت هند رجب» بـ«الأوسكار» لأسباب سياسية، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «حفل (الأوسكار) نفسه شهد العديد من مظاهر التضامن مع القضية الفلسطينية، فهناك أكثر من فنان عبروا عن ذلك بشكل معلن، ولكن المعيار هنا فني بالدرجة الأولى».

وتابع الشناوي: «أرى أن (قيمة عاطفية) فيلم جدير بالجائزة، وهذا لا يعني الطعن أو التقليل من فيلم (صوت هند رجب)؛ فقد حصل هذا الفيلم على (الأسد الفضي) في (فينيسيا) في يوليو (تموز) الماضي، وقوبل بحفاوة كبيرة، وحصد جوائز عديدة من المهرجانات، ووصل إلى قائمة الأفلام الخمسة المرشحة لـ(أوسكار)، وكان من بين هذه الأفلام أيضاً الفيلم الإيراني (حادث بسيط)، ولو كان هناك تدخل للسياسة في الجائزة لكان من (الأبدى) حصول الفيلم الإيراني على الجائزة».

ووصف الشناوي الفيلم النرويجي «قيمة عاطفية» بأنه «يستحق الجائزة فنياً»، مستبعداً ربط القيمة الفنية بمفردات اللحظة الراهنة، وقال: «إذا اعتبرنا فيلم (صوت هند رجب)، أو أي فيلم آخر، خسر لأسباب سياسية، فهذا يضعنا في ورطة، وهي أنه يمكن الادعاء بفوز أي فيلم آخر لنا يكون لأسباب سياسية أيضاً، وهذا أمر أستبعده وأرفضه من حسابات صناعة السينما»، مؤكداً جدارة الفيلم النرويجي دون التقليل أبداً من قيمة الفيلم التونسي الذي حظي بحفاوة كبيرة يستحقها.

وكانت منافسات «الأوسكار» هذا العام في الدورة 98 شهدت حضور 4 أفلام عربية في القائمة الأولية هي أفلام: «اللي باقي منك» للمخرجة الأميركية - الأردنية من أصل فلسطيني شيرين دعيبس، و«فلسطين 36» للمخرجة الفلسطينية آن ماري جاسر، و«كعكة الرئيس» للمخرج العراقي حسن هادي،

وفيلم «صوت هند رجب» للمخرجة التونسية كوثر بن هنية، وهو الوحيد الذي نجح في التأهل للقائمة النهائية في المنافسات.

وهي المرة الثالثة التي يشارك فيها عمل من إخراج كوثر بن هنية في منافسات الفيلم الأجنبي على «الأوسكار» بعد فيلمَي «الرجل الذي باع ظهره» و«بنات ألفة».


نزيه يوسف: أُغرمت بنص كارين رزق الله منذ اللحظة الأولى

في «المحافظة 15» يؤدي نزيه يوسف دوراً محورياً (نزيه يوسف)
في «المحافظة 15» يؤدي نزيه يوسف دوراً محورياً (نزيه يوسف)
TT

نزيه يوسف: أُغرمت بنص كارين رزق الله منذ اللحظة الأولى

في «المحافظة 15» يؤدي نزيه يوسف دوراً محورياً (نزيه يوسف)
في «المحافظة 15» يؤدي نزيه يوسف دوراً محورياً (نزيه يوسف)

تشكل إطلالة الممثل نزيه يوسف بشخصية «عمر» في مسلسل «المحافظة 15» عودة لافتة إلى الساحة الفنية بعد فترة غياب. وقد أتاح له العمل مساحة درامية أوسع مما حظي به في أعماله السابقة. ومن خلال شخصية متعددة الاتجاهات، كما يصفها لـ«الشرق الأوسط»، نجح في إقناع المشاهد وأثبت قدرته على أداء الأدوار الجادة والملتزمة. ورغم اشتهاره بتقديم الأدوار الكوميدية ومشاركته في أعمال درامية ومسرحية عدة، فإن تلك التجارب لم تمنحه الفرص التي تبرز كامل قدراته.

يقدّم يوسف دوره بمرونة وعفوية، مستفيداً من حرفيته لإقناع المشاهد بوفائه المتفاني لمديرته النائبة «منية» (كارين رزق الله). وقد أثار هذا الارتباط تساؤلات كثيرة لدى الجمهور في طبيعة علاقته بها، خصوصاً مع تطور الأحداث واقتراب العمل من حلقاته الأخيرة، حيث يُتوقع أن تنكشف حقيقة الشخصية ويسقط القناع عن وجهها البريء.

عن مشاركته في «المحافظة 15»، يؤكد أنه وافق سريعاً على الدور فور تلقيه اتصالاً من المخرج مكرم الريس. ويقول: «عندما تواصل معي مكتب المنتج مروان حداد وشرحوا لي تفاصيل العمل، لم أتردد لحظة. أعتقد أن هذا الاتفاق كان الأسرع في مسيرتي التمثيلية. فمجرد أن عرفت أن النص من كتابة كارين رزق الله والإخراج لسمير حبشي، أدركت أن العرض لا يمكن تفويته».

في كواليس تصوير «المحافظة 15» (نزيه يوسف)

ويشير إلى أنه عادةً ما يتأنى في دراسة العروض التي تُقدم له، فيدقق في تفاصيل الدور والأجر وطبيعة العمل قبل اتخاذ قراره. إلا أن الأمر كان مختلفاً هذه المرة، إذ لم يشغل نفسه بكل تلك التفاصيل، ويقول إن قراءته للنص جعلته يتعلق به سريعاً، مؤكداً أن حدسه في الموافقة السريعة كان في مكانه.

وعن عودة الثنائية بين بطلي العمل يورغو شلهوب وكارين رزق الله، يعلّق قائلاً: «قبل الحديث عن هذه الثنائية الناجحة، لا بد من الإشادة بأجواء العمل ككل. فقد كان الفريق متجانساً ويسعى إلى إنجاح المسلسل بكل ما يملك. كنا أشبه بعائلة صغيرة تجمعها غاية واحدة، وهو ما انعكس إيجاباً على العمل».

ويضيف: «أما ثنائية يورغو وكارين فهي حكاية بحد ذاتها. كان الجمهور ينتظر عودتهما بفارغ الصبر. يورغو يتمتع بسحر خاص في الأداء يجعل المشاهد أسيراً لجاذبيته، فيما تقدم كارين أداءً صادقاً ومحترفاً، ما يصنع بينهما تناغماً واضحاً يحفّز المشاهد على متابعتهما دون ملل».

وقد أتاحت شخصية «عمر» لنزيه يوسف إبراز جانب مهم من موهبته التمثيلية، إذ لا يزال يحتفظ بطاقة فنية وشغف واضحين، ويأمل أن تفتح له هذه المشاركة أبواباً جديدة لإظهار قدراته على نطاق أوسع.

نزيه يوسف خريج معهد الفنون الجميلة في الجامعة اللبنانية، وشارك في أعمال تلفزيونية بارزة لا تزال حاضرة في ذاكرة المشاهد اللبناني، من بينها «مرتي وأنا»، و«عيلة ع فرد ميلة»، إضافة إلى «أماليا»، و«جوليا»، و«الكاتب». كما يمتلك تجربة سينمائية مهمة بعد مشاركته في عدد من الأفلام اللبنانية مثل «رصاصة طايشة»، و«مدام بامبينو»، و«حبّة لولو»، و«عطلة نهاية الأسبوع». أما على المسرح فقد شارك في أعمال يعتز بها، منها «آخر أيام سقراط»، و«أبو الطيب المتنبي» مع الرحابنة.

ويصف يوسف قصة العمل بأنها جديدة، عولجت بأسلوب ذكي رغم صعوبتها، إذ تتخللها محاذير حساسة.

وعن اعتباره الدور فرصة طال انتظارها، يقول: «لا شك أن مساحة الدور وطبيعته تختلفان عما قدمته سابقاً. فالشخصية تحتمل تأويلات متعددة وتفتح المجال أمام مفترقات درامية عدة، لأنها غنية بطبقاتها. والأهم أنها شخصية محورية في بناء العمل وحبكته».

مع كارين رزق الله وتربطه بها علاقة مهنية طويلة (نزيه يوسف)

ويضيف: «المسلسل يطرح أبعاداً اجتماعية ووطنية، ويسعى إلى إبراز العلاقة بين الشعبين السوري واللبناني بالصورة التي طالما تمنيناها. كانت تجربة مميزة وتستحق الجهد الذي بذلناه كفريق عمل».

ولا يرى يوسف أن ما كتبته كارين رزق الله مجرد قصة جريئة، بل يراها معالجة دقيقة لموضوع حساس، ويوضح: «استوحت كارين الحكاية من حادثة حقيقية في عائلتها، إذ اختفى ابن خالتها قبل 28 عاماً أثناء رحلة غطس في البحر. ومن هذه الحادثة بنت المسلسل وأضافت إليها أبعاداً درامية أخرى».

ويتابع: «حرصت المؤلفة أيضاً على إدخال تفاصيل إنسانية صغيرة لكنها مؤثرة، تلامس مشاعر المشاهد. كما تطرقت إلى قضايا عدة، منها الأزمة الاقتصادية في لبنان، والحرب، وإسقاط النظام السوري، إضافة إلى موضوعات اجتماعية مثل الوحدة وأحلام الشباب وتأثير أخطاء الأهل في الأبناء، ما جعل الحبكة متماسكة وغنية».

وقد لاقت شخصية «عمر» ترحيباً لدى الجمهور، الذي تأثر بوفائه وصدقه تجاه شخصية «منية». وعن تحضيره للدور يقول: «شعرت في البداية بالخوف من حجم المسؤولية، فالشخصية تتولى منصباً سياسياً حساساً يتطلب دقة في الأداء. وبما أن الكوميديا طبعت جزءاً كبيراً من مسيرتي، كنت حريصاً على ألا ينعكس ذلك على الشخصية. حتى إن المخرج كان متخوفاً من هذا الأمر».

ويضيف: «لذلك حضّرت للدور بجدية كبيرة، وكنت ألتزم بالنصيحة التي كررها المخرج لي دائماً: تذكّر أنك تؤدي شخصية جدية. وكنت أكرر لنفسي دائماً: أنا عمر».

ويتوقع كثير من المشاهدين أن يحمل المسلسل نهاية تراجيدية، وفق مسار الأحداث وتطوراتها.

ويختم نزيه يوسف قائلاً: «لا أستطيع الكشف عما ستؤول إليه النهاية. لكن أحياناً تحمل الأحداث التراجيدية جوانب إيجابية. لذلك أدعو الجمهور إلى متابعة العمل حتى النهاية لاكتشاف المفاجأة المنتظرة».

Your Premium trial has ended