«الحسابات المعرفية» تعزز الدور الثقافي للعالم الافتراضي

تتنوع بين الأخبار وصور التراث والكتب وتتسم بـ«الجدية»

TT

«الحسابات المعرفية» تعزز الدور الثقافي للعالم الافتراضي

ما بين حسابات لأفراد، أو مجموعات، تنشر الأخبار، وصور التراث المعماري، والكتب الثقافية، تحاول «الحسابات المعرفية» تقديم محاولات للخروج من الفضاء الافتراضي إلى الواقع، حيث يتسم المحتوى بالجدية والتنوع. وقال خبراء إن «(الحسابات المعرفية) تسلط الضوء على دور مواقع التواصل الاجتماعي في المناحي الثقافية والمعرفية».
فـ«الحسابات المعرفية» لا تستهدف المعلنين، فهدفها فقط نشر المعرفة والمعلومة مجاناً للمستخدمين، وتعزيز المجال العام، بتعزيز التواصل والتفاعل بين أعضاء «السوشيال ميديا»، لذا فهي تمثل الجانب الإيجابي والمضيء لمواقع التواصل الاجتماعي.
رحاب رجائي، أسست حساباً معرفياً لنشر صور التراث المعماري الفريد بمختلف أنحاء مصر، وحسابها على «فيسبوك» يصل إلى نحو 20 ألف متابع، فيما تضم حساباتها الأخرى على «تويتر» و«إنستغرام» آلاف المتابعين. وعن تجربتها. قالت رحاب رجائي لـ«الشرق الأوسط»، «بدأت الفكرة في أنني كنت أقوم بجولات مع أصدقاء للتعريف بالتراث المعماري في مناطق أثرية وتراثية، وفي عام 2012 دشنت الصفحة، حيث أنشر صوراً فوتوغرافية لهذه الأماكن، للتوعية بأهمية وقيمة تراثنا»، مضيفة: «مع طلب أعضاء مواقع التواصل، بدأت أضع معلومات تاريخية ومعمارية عن المباني التي أصورها، بدأت من القاهرة، ثم توسعت في عدد من محافظات مصر، وتحديداً الإسكندرية وبورسعيد».
وتجد رحاب رجائي أن مواقع التواصل الاجتماعي يمكن استغلالها للقضاء على السلبيات، «فالكثير من الحملات التي دشنتها على الصفحة لمنع هدم مبنى تراثي لاقت نجاحاً، وتم بالفعل منع الهدم». ونجحت رحاب في التأثير على المجال العام في المحيط الذي توجه له المحتوى المصور، مشيرة: «تعاونت مع عدد من المبادرات، ومنها، مبادرة الحفاظ على تراث مصر الجديدة، التي تهدف من خلال اللقاءات والجولات حماية التراث المعماري». وتعتبر رحاب رجائي أن «الصورة لها تأثير أقوى بالنسبة لمستخدمي (السوشيال ميديا)، وتحقق الهدف من نشر المعلومة بشكل أفضل».
من الصفحات المؤثرة «كبسولات لغوية»، التي تجتذب المتابعين بشكل ملحوظ، ووصل عدد المتابعين إلى نحو 350 ألف متابع، أسسها الشاعر محمود موسى، لتقديم معلومات حول قواعد اللغة العربية، وإبراز الأخطاء في النحو والإملاء والتشكيل، بشكل يناسب جمهور «السوشيال ميديا» تارة عبر إدخال «الكوميكس»، وتارة عبر «بوست» خفيف الظل. ونجاح التجربة دفع موسى إلى نقل التجربة لأرض الواقع عبر مبادرة «عيادة اللغة العربية»، وهي عبارة عن اسكتشات مسرحية، يصيغها موسى للعرض على خشبة المسرح، وهو عرض تفاعلي حول أبرز الأخطاء اللغوية، التي يقع فيها المتحدثون باللغة العربية الفصحى، حيث يجذب العرض الجمهور للتفاعل بتصحيح الأخطاء اللغوية.
أما صفحة «نادي القراء المحترفين» قد حققت نجاحاً كبيراً، ووصل عدد أعضائها إلى أكثر من 20 ألف عضو. وقال إسلام وهبان، المسؤول عن صفحة «نادي القراء المحترفين»: «تعود الفكرة للدكتور عاطف عبيد، صاحب دار نشر (بتانة)، الذي فكر في أن تكون الصفحة بمثابة نادٍ يجمع محبي القراءة، وتعمل على ترسيخ عادة القراءة بشكل يومي، وتوليت الصفحة منذ 7 أشهر، وكان هدفي جمع قاعدة قراء يعشقون القراءة، بحيث يكون التفاعل بشكل يومي وليس بشكل خامل... ومن خلال الصفحة نتبادل الأخبار الأدبية وقراءات حول أحدث الإصدارات المصرية والعربية»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط»، «استطعنا جمع صُناع الكتب من ناشرين وقراء وأصحاب مكتبات في مكان واحد، والهدف هو الاستفادة من النقاشات في إثراء الساحة الثقافية».
في حين أسست الصحافية المصرية، أمل إبراهيم، حساباً على «فيسبوك» يحمل اسمها؛ لكنها تبث عليه يومياً نشرة أخبار، أطلقت عليها «النشرة»، اجتذبت نحو 12 ألف متابع. وتقول أمل إبراهيم عن تجربتها لـ«الشرق الأوسط»، «بحكم عملي أتابع نشرات الأخبار من مختلف وكالات الأنباء، لذا فكرت أن أقدم خدمة للمتابعين، أجمع بها أهم 3 أخبار، ومع نجاح الفكرة، وتشجيع الأصدقاء، بدأت أطورها، ووجدت متابعين ينتظرون النشرة، للتعرف على أهم مجريات الأحداث عبر العالم بشكل مختصر ومبسط». وتطمح أمل في أن تقوم بتحليل أخبار بعينها، أو بث النشرة في مقطع فيديو مع صور، كما تفكر في إطلاق أرشيف أحداث العام، كخدمة للقراء والصحافيين.
وهناك قنوات على «يوتيوب»، من بينها قناة «الروائي» التي أطلقها عمر المعداوي. وحول فكرة تأسيسها. قال المعداوي: «نعرض أهم وأحدث الروايات العربية والأجنبية المترجمة بشكل شيق وقريب من المشاهد، دون مصطلحات فنية أو نقدية معقدة، كمحاولة لتضييق الفجوة بين القرّاء والكتب»، مضيفاً أن «القناة استطاعت أن تحقق انتشاراً في الوسط الثقافي المصري والعربي، وخرجت من النطاق المحلي إلى النطاق الإقليمي والدولي».
وهناك أيضاً صفحات مهتمة بالمحتوى العلمي لمساعدة طلاب الدراسات العليا، انطلقت من المجال العام، لتتحقق عبر الفضاء الافتراضي وتقدم الفائدة، من بينها مجموعة «تيار الأصالة والتجديد» في بحوث الإعلام العربية على «فيسبوك». وقال الدكتور محمد سعد إبراهيم، عميد المعهد الدولي العالي للإعلام في مصر، مؤسس ومنسق «تيار الأصالة والتجديد»، لـ«الشرق الأوسط»، «يضم التيار 2651 أستاذاً وباحثاً في الإعلام، وعلوم الاجتماع، والنفس، واللغة، والسياسة، والقانون، يمثلون 188 جامعة مصرية وعربية، وتقدم المجموعة على حسابها فيديوهات للسيمينارات العلمية، وورش العمل، والمحاضرات، وأحدث الكتب والبحوث في مجال العلوم الإنسانية»، مضيفاً: «أصبحت المجموعة الافتراضية لا تكتفي بما يقدم من مواد ومعلومات؛ بل تساهم في المجال العام بالعديد من الأنشطة».
من جهته، يرى الدكتور وليد رشاد، أستاذ مساعد علم اجتماع الاتصال بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية بمصر، أن «مواقع التواصل الاجتماعي أسلوب حياة للعديد من المتفاعلين داخل ساحاتها، وتجمع هذه المواقع في داخلها بين الغث والثمين، وينصب الحديث هنا عن الدور الإيجابي الذي تلعبه في المناحي الثقافية والمعرفية، فالمتأمل لمواقع التواصل الاجتماعي، يدرك أن ثمة حسابات، سواء لأفراد أو مجموعات، تقدم محتوى معرفياً وثقافياً يتسم بالجدية والتنوع».
وقال رشاد لـ«الشرق الأوسط»، إن «هناك شكلين من أشكال المضامين الجدية الرقمية التي تنتشر عبر (السوشيال ميديا)، الأول يتمثل في الكتب الرقمية، حيث تلعب دورها في تقديم المعرفة والمعلومات للباحثين وللقارئ العام بشكل مجاني... والثاني يتمثل في الصور الرقمية، وتتعدد أشكال الصور الرقمية، ومنها، الصور الفوتوغرافية التي تقدم صوراً للحضارة والتراث والأصالة، وتضم الصور الرقمية الفيديوهات، التي تقدم مضامين تعليمية وتثقيفية»، لافتاً إلى أن «هذه المضامين تخاطب جماهير عديدة، بمعنى أنها تخاطب الرجال، والنساء، والأطفال، والشيوخ، والباحثين».
وأشار رشاد إلى «تنوع الأهمية التي تقدمها هذه المضامين، ومنها، أنها تلعب دوراً في تثقيف الفئات الاجتماعية المتنوعة، كما أنها تحافظ على الموروث الثقافي والهوية، وتجمع بين أرباب الاهتمامات الواحدة»، لافتاً إلى أن «مواقع التواصل الاجتماعي أصبحت ساحة للمواطنين، وهي أهم ساحات المجال العام، فهي تلعب دورها في تشكل المجال العام الرقمي، كما أنها تعد في الوقت ذاته، أحد أهم آلياته، وبالتالي تلعب دوراً في الحراك المعرفي... فالمتأمل لبعض حسابات مواقع التواصل التي تقدم مضامين ثقافية هادفة، يدرك أنها استفادت من التشبيك، حيث يتم الاتفاق على تنفيذ بعض الفعاليات الثقافية في الواقع، وهو الأمر الذي يحقق أهدافاً ثقافية مثلى لهذه الصفحات، والأمر برمته مرهون بطبيعة هذه الحسابات من ناحية، والجمهور المتابع لها من ناحية أخرى، والمجال العام الرقمي الذي تتشكل على ساحته».


مقالات ذات صلة

«مانجا العربية» تفتح «نافذة» للمبدعين العرب للوصول إلى جمهور عالمي

يوميات الشرق منصة «نافذة» تتيح للكتّاب والرسامين وصنّاع القصص المصورة نشر أعمالهم والوصول بها إلى جمهور واسع (الشرق الأوسط)

«مانجا العربية» تفتح «نافذة» للمبدعين العرب للوصول إلى جمهور عالمي

أطلقت شركة «مانجا العربية»، التابعة لـ«المجموعة السعودية للأبحاث والإعلام - SRMG»، منصة «نافذة»، التي تتيح للكتّاب والرسامين وصنّاع القصص المصورة نشر أعمالهم.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
أوروبا دخان يتصاعد في مدينة كييف الأوكرانية خلال غارة روسية بطائرة مسيّرة في خضم الهجوم الروسي على أوكرانيا... 8 سبتمبر 2026 (رويترز)

هجوم بمسيّرة روسية يلحق أضراراً بقناة تلفزيونية أوكرانية

قال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إن ضربة روسية بطائرة مسيّرة ألحقت أضراراً بمبنى قناة «ماي أوكرانيا» التلفزيونية الأوكرانية في كييف اليوم الثلاثاء.

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا الإعلامية اللبنانية آمال خليل (إكس)

حفظ شكوى في باريس ضد جنرال بتهمة تمجيد «جريمة حرب» بقضية مقتل صحافية لبنانية

حفظت النيابة العامة في باريس شكوى صحيفة «الأخبار» اللبنانية ضد جنرال فرنسي اتهمته بتمجيد جريمة حرب على خلفية مقتل الصحافية آمال خليل في لبنان.

«الشرق الأوسط» (باريس)
إعلام مبنى "البنتاغون" مقر وزارة الحرب الأميركية (آب)

ترمب والإعلام... معركة تتمدّد داخل الإدارة

أن يقاضي ناشر صحيفة عسكرية ورئيس تحريرها ومراسلة فيها الوزارة التي تمولها، ليس نزاعاً وظيفياً مألوفاً في واشنطن.

إيلي يوسف (واشنطن)
شمال افريقيا المعارض أحمد نجيب الشابي المسجون بتهمة التآمر على أمن تونس في لقاء صحافي سابق قبل اعتقاله مع السياسية مايا الجريدي (أ.ب)

«نقابة الصحفيين التونسيين» تحذر من استمرار ترهيب الإعلاميين

حذرت «نقابة الصحفيين التونسيين»، اليوم السبت، من استمرار ترهيب الصحافيين في تونس بعد إيقاف رئيس تحرير موقع «الكتيبة» المتخصص في التحقيقات الاستقصائية.

«الشرق الأوسط» (تونس)

ترمب والإعلام... معركة تتمدّد داخل الإدارة

مبنى "البنتاغون" مقر وزارة الحرب الأميركية (آب)
مبنى "البنتاغون" مقر وزارة الحرب الأميركية (آب)
TT

ترمب والإعلام... معركة تتمدّد داخل الإدارة

مبنى "البنتاغون" مقر وزارة الحرب الأميركية (آب)
مبنى "البنتاغون" مقر وزارة الحرب الأميركية (آب)

أن يقاضي ناشر صحيفة عسكرية ورئيس تحريرها ومراسلة فيها الوزارة التي تمولها، ليس نزاعاً وظيفياً مألوفاً في واشنطن. لكن إقالة مسؤولي «ستارز آند سترايبس»، بعد دفاعهم عن استقلالها التحريري، وضعت البنتاغون (وزارة الحرب الأميركية) أمام سؤال يتجاوز مصير ثلاثة موظفين: أين تنتهي سلطة الوزارة في إدارة الصحيفة، وأين يبدأ تدخلها في مضمونها؟

تزداد دلالة القضية لدى تزامنها مع قيود على حركة مراسلي الدفاع، واستبعاد صحافيين من اجتماعات لوزارة الخزانة، وتجدد دعاوى الرئيس دونالد ترمب على مؤسسات إعلامية، فضلاً عن تغييرات واسعة في قيادة المؤسسة العسكرية. بالتالي، بين تأكيد الإدارة أنها تحمي المعلومات الحساسة وتفرض الانضباط، وتحذير منتقديها من إخضاع الإعلام والمؤسسات لاختبارات الولاء، بات الخلاف يدور حول الجهة التي ترسم حدود الخبر المستقل عندما تكون الحكومة مموّلاً للصحيفة، ومصدراً للمعلومة، وموضوعاً للتغطية في الوقت نفسه.

إريك سلافين (ستارز آند سترايبس)

استقلال على المحك

بدأت القضية عندما أخطرت وزارة الحرب ناشر «ستارز آند سترايبس» ماكس ليديرر، ورئيس تحريرها إريك سلافين، والمراسلة لارا كورتي، بإنهاء خدماتهم في 21 أغسطس (آب) المنصرم، عازية القرار إلى «العصيان».

وذكرت تقارير صحافية أن كورتي وسلافين كانا قد دافعا في مقابلة مع شبكة «سي بي إس» عن استقلال الصحيفة، ورفض ليديرر طلباً بإقالتهما. وردّ الثلاثة برفع دعوى اتحادية اتهموا فيها الوزارة بالانتقام منهم بسبب كلامهم، وبسبب تغطية أوضاع البحارة على حاملة الطائرات «يو إس إس أبراهام لنكولن» إبّان مهمتها الطويلة المرتبطة بـ«حرب إيران». أما «البنتاغون» فلم يعلق على الاتهامات التفصيلية، وتمسّك بوصف المخالفة إدارياً.

ومنح تدخل القضاء القضية بعداً يتجاوز نزاعاً وظيفياً. فقد وافقت الوزارة على إبقاء الثلاثة في إجازة إدارية وتأجيل تنفيذ الإقالة حتى جلسة عقدت في 4 سبتمبر (أيلول) الحالي. وقضت المحكمة بالسماح مؤقّتاً بالمضي في الإقالات، ليس بسبب حق «البنتاغون» في الرقابة، بل لأن كلام كورتني وسلافين مع الشبكة جاء ضمن واجباتهما الوظيفية، لا بصفتهما مواطنين يحظون بحماية التعديل الدستوري الأول. ومع ذلك لم يحسم الحكم أصل الدعوى المتعلق باستقلالية الصحيفة.

لارا كورتي (بوليتيكو)

خصوصية النزاع

خصوصية النزاع أن «ستارز آند سترايبس» ليست صحيفة خاصة عادية ولا نشرة علاقات عامة عسكرية. بل هي مموّلة جزئياً من وزارة الحرب، لكن القواعد الناظمة لعملها تشدد على تدفق الأخبار من دون إدارة أو رقابة، وعلى عدم حجب الأخبار السلبية عمداً. ولهذا أثارت خطة «التحديث» التي بدأها «البنتاغون» هذا العام اعتراضات واسعة: فلقد قيّدت استخدام وكالات الأنباء، وربطت المحتوى بمقتضيات «النظام والانضباط»، وأُقيلت أمينة المظالم المكلفة حماية الاستقلال، ثم عُيّن ضابط في الخدمة نائباً للناشر. وتدّعي الوزارة أن على الصحيفة أن تحمي المعلومات المصنّفة (سرّيةً أو شبه سرّية) وتتفادى ما يضرّ بالأمن القومي؛ لكن المُعترضين يخشون أن يتحوّل معيار أمني مشروع إلى باب فضفاض للتدخل في الاختيارات التحريرية.

ماكس ليديرر (ستارز آند سترايبس)

من «البنتاغون»... إلى الخزانة

لا تقف المسألة عند الصحيفة العسكرية. فمنذ الخريف الماضي، فرض «البنتاغون» قواعد اعتماد اعترضت عليها معظم المؤسسات الكبرى، بما فيها وسائل محافظة، لأنها قد تعرّض الصحافي لفقدان بطاقته إذا سعى إلى معلومات لم تجز الوزارة نشرها، حتى عندما لا تكون سرية.

وفي مارس (آذار) قضت محكمة اتحادية بأن أجزاء من السياسة تنتهك التعديلين الأول والخامس، لكن الوزارة أصدرت قواعد بديلة شملت تقييد الحركة واشتراط المرافقة. ثم في يونيو (حزيران)، صُنّف المكتب الصحافي مساحة مخصّصة للتعامل مع معلومات حسّاسة، ومُنع المراسلون من دخوله.

وهكذا انتقل الخلاف من سؤال حول حماية الأسرار إلى سؤال أوسع عن مقدار الوصول اللازم كي تظلّ الرّقابة الصحافية ممكنة. وامتد الجدل إلى وزارة الخزانة التي رفضت اعتماد مراسلين من صحيفتي «نيويورك تايمز» و«وول ستريت جورنال» وقناة «بلومبرغ» لتغطية اجتماعات وزراء مالية «مجموعة العشرين» في مدينة آشفيل بولاية نورث كارولينا. وأفادت الخزانة بأن نحو 300 إعلامي من 12 دولة حصلوا على وصول واسع، وأن التغطية ينبغي أن تلتزم الوقائع لا أن تطارد النقرات والإثارة. كذلك ذكّر الوزير سكوت بيسينت بأن الاستبعاد لا يتعلّق بوجهات النظر، لكن الوزارة لم تقدّم تفسيراً محدداً لاختيار المراسلين المُستبعَدين، ما أبقى الشُّبهة قائمة لدى المؤسّسات الثلاث، لا سيما مع وجود حرب وعقوبات وتضخّم وأسواق سندات على جدول الاجتماع.

من جانب آخر، حدّث ترمب دعوى تشهير يطالب فيها «نيويورك تايمز» ودار «بنغوين راندوم هاوس» للنشر بـ15 مليار دولار، مضيفاً تفاصيل يدّعي أنها تثبت تعمّد الإضرار بسمعته التجارية والسياسية. ويُذكر أنه سبق للمحكمة رفض الصيغة الأولى لإفراطها في الطول والاستطراد، قبل إعادة تقديمها؛ في حين تؤكد الصحيفة دقة عملها، وتقول إن الشكوى لا تثبت «سوء النّية الفعلي» المطلوب قانوناً. وللعلم، الدعاوى حقٌ متاح لأي متضرِّر، لكن كثرتها، مقترنة بقيود الوصول، هي ما يدفع منظّمات الصحافة إلى التحذير من أثر «ترهيبي» حتى عندما تنتهي بعض القضايا بالرفض.

كلّما اتسع إطار الإقالات وضاقت قنوات الصحافة صار أصعب على الجمهور والكونغرس التمييز بين إصلاح مهني وإعادة تشكيل سياسي

اختبار حياد المؤسسة

في أي حال، تكتسب معركة الإعلام هذه حساسيتها الأكبر لأنها تتزامن مع تغيير واسع في قيادة المؤسّسة العسكرية. ووفق إحصاء نشرته قناة «سي بي إس نيوز»، غادر أو أُقيل ما لا يقل عن 20 جنرالاً وأميرالاً ومسؤولاً مدنياً منذ تولّي بيت هيغسيث وزارة الدفاع، أي ما يعادل 10 في المائة من أفراد القيادة. وجاءت استقالة وزير الجيش دان دريسكول يوم 31 أغسطس، بعد إقالة رئيس أركان الجيش الجنرال راندي جورج، لتعمّق الأسئلة حول مسار التحديث والقيادة خلال الحرب.

ويرى منتقدون ديمقراطيون ومسؤولون سابقون أن الإقالات تُضعِف الخبرة وتقرّب المؤسّسة من اختبارات الولاء، بينما يملك الرئيس ووزير الدفاع قانوناً سلطة تغيير كبار القادة، وتقول الوزارة إن الحديث عن الفوضى «لا أساس له»، وإنها تعيد التركيز على الجاهزية و«روح المحارب». أيضاً، لا تثبت التغييرات، بمجرد حدوثها، أن كل قائد أُبعِد لأسباب حزبية، مثلما لا تجعل كل قاعدة أمنية عملاً من أعمال الرقابة. لكن المشكلة تكمن في الأثر التراكمي وفي نقص التفسيرات العلنية. ذلك أنه كلّما اتسع إطار الإقالات وضاقت قنوات الصحافة، صار أصعب على الجمهور والكونغرس التمييز بين إصلاح مهني وإعادة تشكيل سياسي. ثم إن التقارير عن تعيين شخصيات إعلامية مُتماهية مع خطاب «ماغا» السياسي اليميني في وظائف مدنية داخل «البنتاغون»، واستمرارها في الترويج لهيغسيث ومهاجمة منتقديه، تعزّز الانطباع بأن المسألة تتعلّق بإدارة الرواية أيضاً، لا بضبط التسريبات فحسب.

بناءً عليه، يرى المُنتقدون أن القضية لا تدور في جوهرها حول امتيازات المراسلين، بل حول علاقة السلطة بالمعلومة في زمن حرب. فالإدارة تستطيع وضع قواعد لحماية الأسرار ومحاسبة الموظفين، لكن هذه السلطة تُصبح موضِع شكٍ عندما تغيب المعايير المُتساوية والتفسيرات القابلة للفحص. وستحدِّد المحاكم والكونغرس، بقدر ما تحدد قرارات «البنتاغون»، ما إذا كانت «ستارز آند سترايبس» ستبقى نموذجاً لصحافة مستقلّة داخل مؤسّسة عسكرية، أم تتحوّل إلى علامة على أن إعادة تشكيل واشنطن شملت أيضاً تضييق المسافة بين الخبر الرسمي والخبر المستقلّ.


مؤسسات تطوّع محتواها الخبري للاستفادة من الذكاء الاصطناعي

من مستجدات الذكاء الاصطناعي (أرشيفية متداولة)
من مستجدات الذكاء الاصطناعي (أرشيفية متداولة)
TT

مؤسسات تطوّع محتواها الخبري للاستفادة من الذكاء الاصطناعي

من مستجدات الذكاء الاصطناعي (أرشيفية متداولة)
من مستجدات الذكاء الاصطناعي (أرشيفية متداولة)

باشرت مؤسسات إعلامية في إعادة تنسيق محتواها، ما يسمح لأدوات الذكاء الاصطناعي بقراءته، وترشيحه في إجاباتها عن أسئلة المستخدمين، وهو اتجاه عدّه خبراء مؤشراً على تحوّل في سوق الإعلام الرقمي فرضته قواعد السوق، وزيادة الاعتماد على أدوات الذكاء الاصطناعي.

وبحسب تقرير نشره موقع «دي جي داي» الأسبوع الماضي، فإن مؤسسة «يو إس إيه توداي» الأميركية بدأت فعلاً في اختبار طُرقٍ جديدة لتنسيق المحتوى، ولتمكين محرّكات الذكاء الاصطناعي من قراءته في خطوة «تستهدف تعزيز فرص (يو إس إيه توداي) في إبرام اتفاقات لترخيص محتواها لدى شركات الذكاء الاصطناعي». ونقل الموقع عن مايك ريد، رئيس مجلس الإدارة، والرئيس التنفيذي لـ«يو إس إيه توداي»، قوله إن «المؤسسة باتت مطالبة بإنتاج وتنسيق المحتوى للبشر والآلات معاً».

للعلم، «يو إس إيه توداي» ليست وحدها في هذا الاتجاه، بل بدأت مؤسسات أخرى مثل «تايم» و«ذا إيكونوميست» بإنتاج محتوى يسهل على محركات الذكاء الاصطناعي قراءته.

وفي تعليق لـ«الشرق الأوسط» اعتبرت مي عبد الغني، الباحثة في الإعلام الرقمي، وأستاذة الإعلام بجامعة بنغازي الليبية، إعادة هيكلة المحتوى الرقمي الموجّه إلى الآلة «تحولاً فرضته التحوّلات البنيوية في سلوكيات البحث، وسوق النشر الرقمي».

وأوضحت أن «التعامل مع الذكاء الاصطناعي لم يعُد يقتصر على الصراع القانوني حول الملكية الفكرية، بل امتد إلى بناء نموذج عمل تقني وتجاري متكامل، وقائم على تحويل المحتوى إلى أصل معرفي مُصمم خصيصاً للذكاء الاصطناعي».

وأضافت أن «المؤسسات الإعلامية تسعى الآن إلى ضمان ظهور محتواها في أنظمة البحث الذكي، ونماذج الذكاء الاصطناعي، وتسهيل قراءته عبر الأجهزة المختلفة، وزيادة تفاعل الجمهور، وإعادة استغلال الأرشيف الصحافي لإنتاج محتوى متجدد يعزز الموثوقية، وفرص تحقيق العائدات المادية... وبالتالي، فهذه الاستراتيجية تساعد المؤسسات الإعلامية في تنويع أرباحها عبر بيع بياناتها لشركات التقنية، وتقليل الاعتماد على الإعلانات التقليدية، وأيضاً تحمي حقوقها الفكرية، وترسخ مكانتها كمصدر موثوق، مع ظهور اسم العلامة التجارية مباشرة في إجابات محركات الذكاء الاصطناعي».

مع هذا ترى مي عبد الغني أن «ذلك سيكبّد المؤسّسات الإعلامية تكاليف باهظة، ويضعها أمام تحدّيات تقنية لتعديل بنيتها، وتحمّل تقلبات الخوارزميات، مع تراجع الزيارات المباشرة لمواقعها، لاكتفاء المستخدم بإجابات الذكاء الاصطناعي»، مشددة على أن «هذا التحول يهدّد بتعميق الفجوة بين المؤسسات الكبرى والصحافة المحلية».

ومن ثم، تابعت: «إن مستقبل الصحافة يتشكّل عبر معادلة توازن بين احتياجات القارئ ومتطلبات الآلة وفق نموذج ثنائي الطبقات: الطبقة الأولى تتعلق بالإنتاج التحريري البشري، وتركّز على القيمة المُضافة التي يعجز الذكاء الاصطناعي عن تقديمها، كالتحقيقات الميدانية، والتحليلات العميقة، والحوارات الحصرية، والتجارب الإنسانية، أما الطبقة الثانية فإنها تتعلّق بالتوزيع، والتهيئة البرمجية؛ حيث تتولّى الخوارزميات آلياً تفكيك المقال، وتحويله إلى صيَغ رقمية، ومعالجة بياناته الوصفية، لتسهيل استهلاكه عبر برمجيات الذكاء الاصطناعي».

وتندرج هذه الخطوة ضمن استراتيجية تعرف باسم «GEO»، أي «تحسين المحتوى بما يناسب محركات الذكاء الاصطناعي»، وهذه استراتيجية شبيهة بتلك الخاصة بتحسين المحتوى ليتوافق مع خوارزميات محركات البحث التقليدية «SEO».

من جانب آخر، يرى محمد الصاوي، الباحث المصري المتخصص، والمحاضر في الرصد والتحليل الإعلامي، أن الاتجاه نحو إعداد محتوى أكثر قابلية للفهم والوصول من جانب روبوتات ومحركات الذكاء الاصطناعي يعد «مؤشراً مهماً على تحول في طبيعة صناعة المحتوى الإعلامي واقتصادياته».

وهنا أوضح الصاوي لـ«الشرق الأوسط» أن «المؤسسات الصحافية لم تعُد تفكر فقط في كيفية جذب القارئ إلى مواقعها، إنما أيضاً في كيفية جعل محتواها مصدراً يمكن أن تعتمد عليه أدوات الذكاء الاصطناعي، لا سيما مع ظهور سوق متنامية لترخيص المحتوى لشركات الذكاء الاصطناعي».

وأردف أن «هذا التحول يتجاوز الصحافة، ويمتد إلى العلاقات العامة، وإدارة السمعة، وأبحاث الصورة الذهنية للحكومات، والشركات، والمؤسسات»، مشيراً إلى أنه «جرت العادة على قياس الحضور الإعلامي من خلال مؤشرات مثل الحصة الصوتية، وتحليل المشاعر، واتجاهات التغطية، لكن ظهر اليوم مستوى جديد من القياس يتمثل في كيفية ظهور المؤسسة في إجابات أدوات الذكاء الاصطناعي، ومدى دقة ما تقدمه من معلومات».

بالتالي، لا يرى الصاوي أن «المستقبل يعني أن الصحافة ستكتب للآلة بدلاً من الإنسان... بل ما يحدث يدل على اتجاه الصحافة للكتابة للآلة والإنسان معاً، وكما فرضت محرّكات البحث، في السابق، مفاهيم مثل تحسين الظهور في محركات البحث، يظهر الآن مفهوم جديد يتعلق بمدى حضور المؤسسة ومعلوماتها ومصادرها داخل إجابات الذكاء الاصطناعي».

واختتم بالقول إن «قدرة المؤسّسة على التأثير في البيئة المعلوماتية التي تتشكّل منها إجابات الذكاء الاصطناعي ستعدّ في المستقبل مؤشراً جديداً من مؤشرات الحضور، والسمعة الإعلامية».


«STC» و«SRMG» تعزّزان قدرات الإنتاج الإعلامي في السعودية

يركز التعاون على تعزيز إنشاء محتوى عالي الجودة وتقديمه للجمهور داخل السعودية وخارجها (SRMG)
يركز التعاون على تعزيز إنشاء محتوى عالي الجودة وتقديمه للجمهور داخل السعودية وخارجها (SRMG)
TT

«STC» و«SRMG» تعزّزان قدرات الإنتاج الإعلامي في السعودية

يركز التعاون على تعزيز إنشاء محتوى عالي الجودة وتقديمه للجمهور داخل السعودية وخارجها (SRMG)
يركز التعاون على تعزيز إنشاء محتوى عالي الجودة وتقديمه للجمهور داخل السعودية وخارجها (SRMG)

وقّعت مجموعة «STC» والمجموعة السعودية للأبحاث والإعلام (SRMG) مذكرة تفاهم لاستكشاف مجالات تعاون استراتيجية تهدف إلى تعزيز قدرات الإنتاج الإعلامي بالمملكة، وذلك على هامش المؤتمر التقني الدولي «ليب 2026» بالعاصمة الرياض.

وجاءت المذكرة لتجمع بين قدرات «STC» في البنية التحتية الرقمية والاتصالات والحوسبة السحابية، وخبرات «SRMG» في الإعلام وصناعة المحتوى والإنتاج، حيث يركز التعاون على دعم منظومة الإنتاج السعودية، وتعزيز إنشاء محتوى عالي الجودة وتقديمه للجمهور داخل البلاد وخارجها.

ويعكس التعاون بين «STC»، ممكّن التحوّل الرقمي، و«SRMG»، أكبر مجموعة إعلامية متكاملة بالمنطقة، التزاماً مشتركاً بتطوير التقنيات والمنصات والقدرات الإنتاجية التي تدعم مكانة السعودية وجهةً إقليميةً وعالميةً رائدة في مجال إنتاج المحتوى.

من جانبه، قال رياض معوّض، الرئيس التنفيذي لوحدة الأعمال في «STC»: «نمتلك البنية التحتية والقدرات السحابية والخبرات التقنية اللازمة لدعم الجيل القادم من الإنتاج الإعلامي بالمملكة»، مضيفاً: «من خلال شراكتنا مع (SRMG) نجمع بين هذه القدرات والخبرات الإعلامية الرائدة في المنطقة للعمل معاً على تطوير قطاع إنتاج المحتوى» في السعودية.

توقيع مذكرة التفاهم بين المجموعتين على هامش المؤتمر التقني الدولي «ليب 2026» في الرياض (SRMG)

بدورها، أوضحت جمانا الراشد، الرئيس التنفيذي لـ«SRMG»، أن «التكنولوجيا تعيد تشكيل صناعة الإعلام، بالتوازي مع تغير سلوك الجمهور وتزايد الطلب على محتوى عالي الجودة يُقدَّم بسرعة وعلى نطاق واسع»، مؤكدة مواصلتهم «الاستثمار في القدرات والشراكات والمنصات التي تعزز طرق صناعة المحتوى وتقديمه».

وأشارت الراشد إلى أنه «من خلال تعاوننا مع (STC)، سنستكشف نماذج إنتاج أكثر ترابطاً، ومدعومة بالحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي، بما يسهِم في دعم المواهب السعودية والنمو المستمر لقطاع الإعلام بالمملكة».

وبموجب المذكرة، سيستكشف الجانبان فرص التعاون ضمن خمسة مجالات رئيسية، تشمل توفير حلول اتصال عالية الكفاءة، بما في ذلك الألياف الضوئية والحوسبة الطرفية، لدعم الاستوديوهات الحديثة وبيئات الإنتاج عن بُعد ومسارات العمل السحابية عبر عمليات «SRMG»، كما سيبحثان فرص تطوير مراكز إنتاج حديثة مجهزة بتقنيات بث متقدمة.

وتشمل المذكرة أيضاً منصات سحابية آمنة لتخزين المحتوى الإعلامي وتحريره وإدارة أصوله، إلى جانب مسارات عمل مشتركة لمرحلة ما بعد الإنتاج، بما يسهم في رفع سرعة وكفاءة تسليم المحتوى. كما ستستكشف المجموعتان تقنيات إنتاج ناشئة وتختبرها، بما في ذلك الإنتاج الافتراضي، والمعالجة الفورية، وأدوات الواقع المعزز والواقع الافتراضي.

وسيقيّم الجانبان كذلك استخدام حلول الذكاء الاصطناعي عبر مراحل إعداد المحتوى، بما يشمل تطوير النصوص، وتحرير الفيديو، واقتراح المحتوى، وأتمتة عمليات الإنتاج، مع التركيز على رفع كفاءة الإنتاج وتعزيز القدرات الإبداعية على نطاق واسع.

ومن خلال الجمع بين قدرات «STC» التقنية المتقدمة وخبرات «SRMG» الإعلامية وفهمها العميق لجمهور المنطقة وقدراتها في إنتاج المحتوى، سيسهم التعاون في تطوير بيئة إنتاج إعلامي أكثر ترابطاً واستعداداً للمستقبل في البلاد، ودعم المواهب الإبداعية السعودية وإنتاج محتوى يواكب تطلعات الجمهور المحلي ويصل إلى الجمهور حول العالم.