ولائم نهاية العام حول العالم

من الأسماك والدجاج في اليابان إلى الديك الرومي في بريطانيا

ولائم نهاية العام حول العالم
TT

ولائم نهاية العام حول العالم

ولائم نهاية العام حول العالم

تختلف عادات الشعوب في الاحتفال بنهاية العام، وفي بعض البلدان بأعياد الميلاد أيضاً. وتظهر هذه الاختلافات على وجه الخصوص في الأطعمة التقليدية التي يتم تناولها في هذه المناسبات. وعادة تناول الديك الرومي في عيد الشكر الأميركي الذي يقع في نوفمبر (تشرين الثاني) من كل عام انتقلت إلى بريطانيا في عيد الميلاد الذي يأتي في الأسبوع الأخير من العام. ولكن الديك الرومي لم ينتشر إلى بلدان أوروبا ولا إلى دول أخرى تحتفل بطريقتها وطعامها التقليدي بفترة أعياد نهاية العام.
في اليابان، تتميز فترة نهاية العام بالدجاج المقلي والأسماك. والغريب أن أطعمة دجاج كنتاكي في اليابان بدأت هذه العادة منذ عام 1974، ويزداد الإقبال عليها سنوياً في فترة الأعياد. وتتراوح الأذواق في اليابان بين الأسماك التقليدية وعادة تناول الدجاج المقلي الجديدة. ويطلب اليابانيون وجبات الدجاج المقلي قبل أسابيع من حلول فترة نهاية العام، لضمان وصولها في اليوم المحدد، ويتناولون معها كعك الفراولة.
وفي بريطانيا، ما زال الديك الرومي هو المسيطر على مائدة أعياد الميلاد، وهي عادة بدأت في القرن السادس عشر، وانتقلت من إنجلترا إلى الولايات المتحدة. وتحفل المائدة أيضاً بالبطاطس المشوية والسجق والخضراوات المتنوعة التي يتم سلقها أو قليها مع صلصات مختلفة وكعك محشو بالفواكه والحلويات. وتختلف هذه المأكولات قليلاً في اسكوتلندا وويلز وآيرلندا الشمالية. ويظل الديك الرومي وجبة أساسية في اسكوتلندا، يسبقها تناول الشوربة التي يضاف إلى الخضراوات والجزر والبازلاء، كما يختلف السجق الاسكوتلندي والحلويات عنها في إنجلترا. وفي ويلز، تنتشر وجبات اللحم البقري والضاني، بدلاً من الديك الرومي، ويضاف إليها الفطر وشوربة الجزر. ويتم تناول البطاطس بقشرها بعد شويها في الفرن، ثم يأتي بعد ذلك تناول الحلوى وفطائر التفاح.
وفي آيرلندا الشمالية، يفضلون الأوز المشوي، بدلاً من الديك الرومي، ويضاف إلى الوجبة اللحم البقري وكثير من الحلويات والشوكولاته.
وجبات الأعياد في أوروبا
في ألمانيا، يتنوع اختيار الوجبة الرئيسية خلال موسم الأعياد بين البط والأوز والأرانب واللحم البقري المشوي، إلى جانب البطاطس والخضراوات المسلوقة. وبعد الوجبة، يتناول الألمان فطائر اسمها «ستولين»، مكونة من خبز بالفواكه والمكسرات والتوابل والسكر. ومن العادات الألمانية التي انتشرت إلى أنحاء أوروبا روزنامة للأطفال للشهر الأخير من العام تحتوي على الشوكولاته لكل يوم من أيام الشهر. ويتم تبادل الهدايا يوم 24 ديسمبر (كانون الأول) من كل عام. ومن العادات الألمانية أيضاً غناء الأطفال على الأبواب لجمع تبرعات لجمعيات خيرية.
أما في فرنسا، بلد فنون الطبخ، فإن التنوع في أكلات موسم نهاية العام هو السائد. ويختار البعض الأكلات البحرية، مثل اللوبستر والمحاريات والكافيار. كما يتبع البعض تقليد تناول الديك الرومي مع اختلاف الحشو، حيث يفضل الفرنسيون المكسرات. ولا يقتصر الأمر على الديك الرومي، وإنما يشمل كثيراً من الطيور الأخرى، ولكل منها طريقة إعداد خاصة. ويفضل أهالي مناطق الألزاس الأوز والبط والدجاج.
ومن التقاليد الفرنسية أيضاً الاستعداد لموسم الأعياد بعدد 13 حلوى مختلفة، تتراوح بين الفواكه والكعك. وفي أنحاء وسط وشمال فرنسا، يتناول العامة قوالب من الشوكولاته التي تسمى «بوش دو نويل».
وفي إيطاليا، يقوم الإيطاليون بإعداد 7 أنواع من الأسماك لاحتفالات نهاية العام، بينما يكتفي البعض بتناول الدجاج المشوي. وتقليدياً، يفضل الإيطاليون عدم تناول اللحوم في أعياد الميلاد، حيث يفضلون عليها الأسماك والخضراوات التي تشمل الخرشوف والكوسة والقرنبيط.
وتشمل الوجبات الاحتفالية بعض الباستا التي تشمل اللازانيا. ويتراوح عدد أصناف الطعام التي تقدم في وجبة واحدة بين 7 و21 نوعاً من الطعام. وتتراجع بعض التقاليد الإيطالية في تناول الطعام في أثناء فترة الأعياد، وينتشر الآن تقليد تناول الديك الرومي على طريقة عيد الشكر الأميركي.
ولا يهتم الإيطاليون كثيراً بالحلويات، مثل بقية الأوروبيين، ولكنهم يتناولون نوعاً من الكعك اسمه «باناتوني»، وقطع الشوكولاته والبسكويت. وتقدم بعض المطاعم الإيطالية في أوروبا وجبات الأعياد على الطريقة الإيطالية، ومنها مطاعم جيمي أوليفر وكارلوشيو في أنحاء بريطانيا.
وفي إسبانيا، ما زال الديك الرومي هو الوجبة السائدة في أعياد نهاية العام، ومعه الدجاج المشوي. ولكن إسبانيا كانت تعتمد تقليدياً على المأكولات البحرية في موسم الأعياد، خصوصاً اللوبستر والجمبري (الروبيان)، مع بعض اللحوم المجففة والجبن.
ومن الوجبات المفضلة أيضاً لحم الخراف المشوي، خصوصاً في منطقة كاستيل وليون. وفي منطقة كاتالونيا، يتم تناول شوربة «غاليتس»، وهي شوربة باستا باللحم المفروم. كما تنتشر حلوى بالمكسرات اسمها «تورون»، وهي تشبه إلى حد كبير حلوى «النوغات». ومن أنواع الحلوى الأخرى التي تنتشر في إسبانيا في موسم أعياد نهاية العام كعك اسمه «بولفوروني»، تعود جذور إنتاجه إلى الأندلس في القرن السادس عشر. أما الكعكة الرئيسية التي تسمى «كعكة الكريسماس»، فهي تسمى في إسبانيا «روسكون دو رييس»، وهي تحتوي على الفواكه وقطع السكر والكريم.
وتقليدياً، يتناول البرتغاليون الأسماك في نهاية العام في وجبة اسمها «كونسوادا»، مع كثير من أنواع الكعك الذي يسمى أحياناً بأسماء المقاطعات البرتغالية التي ابتكرته. ويعتمد البرتغاليون على الأسماك والبطاطس المسلوقة في وجبات نهاية العام.
ومن الوجبات المشهورة في فترة الأعياد «كاتابلانا»، وقدمها العرب إلى البرتغال لتحل محل الطاجن المغربي، وبالإضافة إلى الوجبة التي تحمل هذا الاسم، وتضم طاجناً من البحريات المطبوخة بالبخار، فإن الاسم يشمل أيضاً الإناء الذي يتم الطبخ فيه. وبدأت هذه الوجبات في منطقة الغارف (جنوب البرتغال)، ثم انتشرت إلى المناطق الشمالية كافة بعد ذلك. واشتهر المطبخ البرتغالي أيضاً بالتوابل والأعشاب التي أحضرها العرب إليه، مثل القرفة والكمون والكزبرة والبقدونس والنعناع والزعفران.
وفي هولندا، تستمر الاحتفالات طوال شهر ديسمبر (كانون الأول) من كل عام. وفي نهاية العام، تتكون الوجبة الرئيسية من الديك الرومي أو الأوز أو الأرانب أو الدجاج المشوي، مع كثير من أنواع الخضراوات والبطاطس المشوية. ويتناول الهولنديون كثيراً من أنواع الحلويات التي يشبه بعضها البسبوسة الشرقية (وتسمى «سبيكيولاس») والكعك التقليدي (ويسمى «جيفولدي»). ويلجأ البعض إلى طهي قطع من اللحوم أو الجبن على موقد صغير على المائدة، وهي عادة مستعارة من سويسرا. وتحتفظ العائلات بالمواقد الصغيرة طوال العام حتى يتم استخدامها فقط في نهاية العام.
وفي أوروبا الشرقية، يتم الاحتفال بأنواع مختلفة من الأطعمة التي يصل عددها تقليدياً إلى 12 نوعاً، وتشمل اللحوم والبيض والحليب، بعد فترة صيام نباتي طويلة. وتشمل وجبات الأعياد أيضاً الأسماك والبحريات والفطر والبطاطس والشوربة. وتختلف أنواع الحلويات بين بلد وآخر، وأهمها أنواع الفطائر. ويعتمد شعب إستونيا على السجق، بينما يتناول أهل ليتوانيا تفاحة مقسمة على عدد أفراد الأسرة قبل الوجبة، في تقليد لتفاحة آدم. وفي بيلاروس، يتم التركيز أكثر على ليلة رأس السنة منذ أيام سيطرة الاتحاد السوفياتي على البلاد. وتشمل الاحتفالات خطاب من الرئيس قبل تناول وجبة نهاية العام.

- دول أخرى
في الأرجنتين، تتنوع أنواع اللحوم في أعياد نهاية العام من اللحم البقري إلى الطيور إلى الماعز. وتشمل الوجبات البطاطس المشوية، كما تنتشر وجبة إيطالية المنشأ اسمها «فيتيل ثونيه»، وهي شرائح من اللحم البقري في صلصة بيضاء. وهناك أيضاً بعض الأنواع التي تقتصر على الأرجنتين، مثل الطماطم المحشية التي تعد الخيار النباتي في وجبات نهاية العام. ويعد عصير الأناناس الشراب المفضل في نهاية العام. أما الحلويات فتشمل أنواعاً من النوغات بحشو من المكسرات والزبيب، تسمى «تورون».
وفي البرازيل، تشمل الوجبات المحلية في موسم الأعياد طائراً يماثل الديك الرومي، يسمى «تشيستر»، ولكن الأغلبية في المناطق الساحلية تفضل الأسماك التي يتم قليها في شكل كرات. وتضم المائدة أيضاً السلاطة والفواكه الطازجة والمشروبات المثلجة، حيث يقع موسم نهاية العام في البرازيل في ذروة الصيف.
ويأكل البرازيليون البطاطس باردة في صيغة سلاطة مخلوطة بالتفاح والزبيب. كما يتم تحضير الأرز في المقلاة، مع خلطة من الثوم قبل سلقة. ويؤكل نبات الكيل بعد إضافة الملح والثوم له. وبعد الوجبة، يتناول البرازيليون الفواكه الطازجة والكعك والشوكولاته.
وما زالت بعض الدول الأفريقية تتبع عادات المستعمرين القدامى، مثل ألمانيا في ناميبيا، والبرتغال في أنغولا. وتضاف إلى وجبات نهاية العام بعض المأكولات المحلية، خصوصاً النباتات والحبوب التي تزرع في موسم الأعياد الصيفي، حيث هذه الدول في جنوب الكرة الأرضية. وبصفة عامة، تحاول الأغلبية من السكان تدبير وجبات دسمة مهما كان نوعها لتعوض بها الرجيم القاسي الذي تفرضه عليها الموارد المحدودة المتاحة لهم طوال بقية أشهر العام.


مقالات ذات صلة

المطاعم الراقية تحاول التخلص من الصورة النمطية الرسمية

مذاقات المطاعم الراقية تحاول التخلص من الصورة النمطية الرسمية

المطاعم الراقية تحاول التخلص من الصورة النمطية الرسمية

لا يزال قطاع المطاعم الفاخرة يحاول التخلص من صورته النمطية، المرتبطة بالرسمية الجامدة المتقشفة. ويبدو الواقع اليوم بعيداً كل البعد عن هذا القالب القديم.

«الشرق الأوسط» (لندن)
مذاقات كعكات الأرز بالزبدة المقرمشة والغنية تجتاح الإنترنت

كعكات الأرز بالزبدة المقرمشة والغنية تجتاح الإنترنت

بصفتي صانعة لوصفات الطعام، فإن الغوص في تفاصيل الوصفة، مكوناً تلو الآخر، هو الجزء المفضل لديّ في عملي.

كيلا هوانغ (نيويورك)
مذاقات سندويش «البوب كورن» ذات المذاق الغريب (إنستغرام)

صرعات الطعام في لبنان تستلهم الغرابة

لم تعد تجربة الطعام في لبنان تقتصر على اكتشاف نكهات جديدة أو زيارة مطعم يقدّم وصفات تقليدية.

فيفيان حداد (بيروت)
مذاقات جاستن شيري صاحب مخبز «هاف كراون بايكهاوس» (نيويورك تايمز)

مخبز أميركي يزدهر بفضل جهوده لإحياء التاريخ

كما هو الحال مع غالبية الخبازين، يستيقظ جاستن شيري، صاحب مخبز «هاف كراون بايكهاوس»، في تشارلستون بولاية ساوث كارولاينا، في الساعات الأولى من الفجر، ليبدأ عجن...

رامين غانشرام (نيويورك)
مذاقات وصفات وهمية على منصات التواصل الأجتماعي (بيكسيلز)

وصفات مزيفة وطهاة غير حقيقيين

غيّرت وسائل التواصل الاجتماعي الطريقة التي نكتشف بها الطعام والوصفات. ففي غضون ثوانٍ من تصفح «إنستغرام» أو «تيك توك» أو «فيسبوك» أو «يوتيوب»،

جوسلين إيليا (لندن)

المطاعم الراقية تحاول التخلص من الصورة النمطية الرسمية

تصميم جميل لمأكولات لذيذة (أفضل 50)
تصميم جميل لمأكولات لذيذة (أفضل 50)
TT

المطاعم الراقية تحاول التخلص من الصورة النمطية الرسمية

تصميم جميل لمأكولات لذيذة (أفضل 50)
تصميم جميل لمأكولات لذيذة (أفضل 50)

لا يزال قطاع المطاعم الفاخرة يحاول التخلص من صورته النمطية، المرتبطة بالرسمية الجامدة المتقشفة. ويبدو الواقع اليوم بعيداً كل البعد عن هذا القالب القديم. من بانكوك إلى الريف الويلزي، أصبح التحول من الأجواء الرسمية والمقيدة إلى الأجواء التفاعلية والممتعة، أمراً ملموساً بوضوح.

وتعود جذور هذا التحول إلى حركات مثل «بيسترونومي» (الطهي البيستروني)، التي جلبت أساليب الطهي العالمية الراقية والمكونات عالية الجودة، إلى الأجواء غير الرسمية. ونتيجة لذلك، اهتز احتكار المطاعم الراقية لفنون الطهي الاستثنائية، وبدأ النظر إلى هذه المطاعم باعتبارها مفرطة في التكلف.

مأكولات بتصميم رائع (أفضل 50)

من جهته، عبر حسين شهزاد، الشيف المسؤول عن مطعم «بابا» في مومباي، عن اعتقاده بأنه: «لقد نسينا حقاً لماذا يخرج الناس ورواد المطاعم لتناول الطعام في المقام الأول؛ وهي الرغبة في الترفيه، والشعور بالتميز، وأن يلاحظهم الآخرون».

ويتفق غاريث وارد، من مطعم «ينيشير» في ريف ويلز، مع هذا الطرح، مشدداً على أهمية جانب الترفيه، ويرى أن «الخروج من المنزل لتناول وجبة، أمر يتعلق برمته بالاستمتاع بقضاء أمسية خارج المنزل، وكأنك تحصل على متعتين في وقت واحد».

أما غاغان أناند، صاحب مطعم «غاغان»، الذي يحمل اسمه في بانكوك، فيعزو هذا التغيير إلى سياق أوسع، مشيراً إلى أن «الإنترنت يعمل على توحيد الطابع العام للعشاء الفاخر»، مضيفاً أنه «قضى على المفهوم التقليدي للعشاء الفاخر». وعليه، تستجيب المطاعم من خلال العمل المباشر على بناء هويات مميزة خاصة بها.

الطعام الراقي بأسلوب عصري (أفضل 50)

وقال سانتياغو لاسترا، مؤسس مطعم «كول» في لندن: «إن مطعم العشاء الفاخر العظيم ينقلك إلى مكان آخر، فهو ينقلك إلى عالمه الخاص، تماماً مثل مشاهدة فيلم سينمائي». وعليه، عكف حديثاً على تعديل تصميم المطعم، ودمج بار «ميزكاليرا» - التي كانت تُستخدم كَبارٍ في الطابق السفلي - ضمن تجربة العشاء. وتسهم الإضاءة الخافتة والأجواء الأكثر حيوية في إبقاء الضيوف منجذبين، ما يمنحهم شعوراً بأن المبنى بأكمله جزء من قصة متكاملة.

أما داخل مطعم «سموكد روم» في مدريد، فيمكن للمطبخ القائم على الطهي بالنار أن يخلق أجواء خاصة به بمفرده، مع لمسات مسرحية تتميز بألسنة النيران المشتعلة، وأطباق مستوحاة من الطهي بالنار، يجري تقديمها بالتوافق مع 20 نوعاً من النبيذ، يتولى صبها خبير النبيذ العالمي البارز لويس باسيلاغا. والهدف من ذلك إعادة إحياء الذكريات البدائية للجلوس أمام النار التي يشترك فيها البشر جميعاً. من جهته، قال كبير الطهاة ماسيميليانو ديلي فيدوفي: «إنه أمر سحري ومريح ويمنحك شعوراً بالسلام».

في الواقع، خلق عالم خيالي شيء، والحفاظ على استمراريته طوال الأمسية بأكملها شيء آخر تماماً. ويبرز في صدارة هذه الحركة مطعم «ألكيميست» في كوبنهاغن، باعتباره صاحب التعبير الأكثر تطرفاً عن هذا المفهوم؛ فهو يتيح عرضاً فنياً يمتد عبر 35 طبقاً وست ساعات وغرف متعددة مليئة بالإسقاطات البصرية والرموز.

أطباق مصممة بطريقة جذابة (أفضل 50)

ومع ذلك، فإن راسموس مونك، مؤسس المطعم، يدرك تماماً أهمية ضبط الإيقاع، وأوضح قائلاً: «من بين 35 طبقاً، ربما يكون هناك سبعة إلى ثمانية أطباق تحمل في طياتها رسائل سياسية أو بيئية قوية. ونحرص نحن على خلق مسافة بينها، لتتخللها أطباق تتميز بطابع مرح أو مفاجئ أو ببساطة مذاق لا يقاوم».

من جهته، تساءل أناند: «يملك البشر حواساً متعددة، فلماذا نقتصر على استخدام العيون والأنف والفم فقط في تجربة تناول الطعام؟». وخلال تناول وجبة في مطعم «غاغان»، الذي يضم طاولة طهي تتسع لـ14 مقعداً تحيط بمطبخ مفتوح وتتوسطه كرة ديسكو، مع قائمة تشغيل موسيقية منسقة بعناية. وأضاف أناند: «ستحصل على الصوت والأضواء والكاميرا والرشاشات والسرعة والأدرينالين ـ كلها مجتمعة معاً. ومع أول طبق تضعه في فمك، تنطلق الانفجارات».

مطعم آخر يضم كرة ديسكو «ينيشير» في الريف الويلزي. وكما الحال في «غاغان»، يسير الشريط الصوتي بالتوازي مع خدمة تقديم الطعام. إلا أن الأمر هنا متروك لمنسقي الموسيقى، الذين يتولون تشغيل مجموعة مختلفة كل ليلة، لكنهم يبدأون دائماً بالجاز الياباني لمرافقة القسم الأول من أطباق أسماك الماداي والهاماتشي والتونة زرقاء الزعنفة، قبل الانتقال إلى موسيقى «الهاوس» الحيوية، مع انطلاق أغنية «سمول تاون بوي» لفرقة «برونسكي بيت» بمجرد بدء كرة الديسكو في الدوران. وتحدث وارد عن الأمر بقوله: «لقد رأيت أشخاصاً يبكون في المطعم»، نتيجة تأثرهم بهذه «التجربة الخيالية، التي تلتقي فيها الموسيقى مع أطباق الأكل».

ليس من المستغرب أن تعمل الكثير من هذه المطاعم عبر طاولات متصلة مرتبة حول مطبخ مفتوح (مقاعد مطعم «ينيشير» الـ14 تواجه المطبخ كذلك). الحقيقة أن الانتقال من العشاء الفاخر الثابت إلى تجربة غامرة وتفاعلية يعتبر تحولاً معمارياً كذلك. إن تنمية المشاعر والبهجة وإحساس التقارب يسهل تحقيقه عندما يتحرك كل شيء بانسجام تام؛ إنه عرض فني بكل ما تعنيه الكلمة.

وفي مومباي، ينغمس مطعم «بابا» بالكامل في جانب التسلية؛ من خلال الدعابات والممازحات والاستعراضات الجانبية على الطاولات بل يُتاح للضيوف أيضاً فرصة إعداد حلوى الثلج المجروش (على طراز «كاكيغوري») بأنفسهم. وما كان لكل هذا أن يتحقق لولا تصميم المكان الذي يضم 12 مقعداً فقط، ويخلق مشهداً تفاعلياً متكاملاً. وقال شهزاد: «لم تكن الفكرة يوماً أن يظل الضيف مجرد مراقب»، فمطعم «بابا» يكسر ذلك الحاجز غير المرئي. وأضاف: «حتى بعد أن ينسوا مذاق الطعام الذي تناولوه، سيظلون دائماً يتذكرون الشعور، الذي انتابهم في تلك اللحظة».

قد يكون هذا صحيحاً، لكن هناك تقارباً واضحاً بين هذا النمط من تناول الطعام ونهج «المذاق أولاً»؛ فالطهي القائم على المفاهيم المعقدة لا يناسب هذه التجربة. وقال لاسترا: «سيبقى الناس دائماً أوفياء للنكهة». وتتطابق قائمة الطعام الحالية لمطعم «كول» مع هذا الاعتقاد. وأضاف: «الطعام يصنع لإطعام الآخرين ومنحهم المتعة».

وعبر فيدوفي عن اتفاقه مع هذا الطرح، موضحاً أن الملعقة الأولى يجب أن تقدم المتعة، وأن الضيوف طوال التجربة «يجب أن يتعرفوا إلى ما يأكلونه». ويعمد كل من وارد وشهزاد إلى استغلال الحنين إلى الماضي باعتباره خريطة طريق، ما يعتقد شهزاد أنه يوفر أساساً لإضافة طبقات متعددة من العناصر الحسية إلى تجربة تناول الطعام.

إلا أنه في النهاية، تؤدي التوقعات المتغيرة إلى إعادة كتابة القواعد من جديد؛ فمفهوم المطاعم الراقية «لم يعد يعتمد على كمية الكافيار الموجودة في الطبق»، على حد تعبيره، بل «أصبحت الرفاهية تكمن في التجربة ذاتها».


كعكات الأرز بالزبدة المقرمشة والغنية تجتاح الإنترنت

كعكات الأرز بالزبدة وجبنة كاملة ولذيذة (نيويورك تايمز)
كعكات الأرز بالزبدة وجبنة كاملة ولذيذة (نيويورك تايمز)
TT

كعكات الأرز بالزبدة المقرمشة والغنية تجتاح الإنترنت

كعكات الأرز بالزبدة وجبنة كاملة ولذيذة (نيويورك تايمز)
كعكات الأرز بالزبدة وجبنة كاملة ولذيذة (نيويورك تايمز)

بصفتي صانعة لوصفات الطعام، فإن الغوص في تفاصيل الوصفة، مكوناً تلو الآخر، هو الجزء المفضل لديّ في عملي. وفي كثير من الأحيان، يكون من السهل التنبؤ بكيفية تفاعل هذه المكونات وتعديلها بناء على ذلك؛ ومع ذلك، قد تبدو بعض الوصفات في بعض الأحيان صعبة للغاية، وهنا يأتي دور كعكات الأرز بالزبدة.

وتُعرف هذه الكعكات أيضاً باسم «موتشي الزبدة على طريقة شنغهاي» و«توك الزبدة»، وهي نوع من حلوى الموتشي تتميز بحلاوة خفيفة ونكهة غنية بالزبدة، وقد اجتاحت الإنترنت بشكل كبير، لا سيما في كوريا الجنوبية.

وكما هو الحال مع العديد من الوصفات التي تحظى بانتشار واسع للغاية، فإن تاريخ هذه الوصفة يبدو غامضاً؛ حيث تُنسب هذه الكعكات غالباً إلى المخابز المحيطة بمدينة شنغهاي، وتُرجع إحدى النظريات الفضل إلى خباز في مدينة «نانتونغ» الصينية، الواقعة شمال شنغهاي مباشرة، والذي دمج بين كعك الأرز الصيني التقليدي «نيان غاو» وحلوى «الكانيليه» الفرنسية الغنية بالكاسترد. وقد تكون هناك تأثيرات أخرى مثل «موتشي زبدة هاواي» وحلوى «البيبينكا» الفلبينية، ورغم اختلاف مكوناتها وطرق طهيها، فإن قوام عجينتها يبدو متشابهاً.

وكان ابتكار نسخة مخصصة للطهاة في المنزل تكون محمرة ومقرمشة من الخارج مع الحفاظ على قوامها المرن والغني بالزبدة من الداخل عند خبزها في قالب المافن، بمثابة طموح كبير.

في البداية، استخدمت عجيناً سائلاً مصنوعاً، جزئياً، من دقيق التابيوكا وكمية جيدة من الحليب. بيد أن تلك الكعكات انفصلت عن المقلاة ولم تتحمر بالتساوي. وعلمت حينها أنني بحاجة إلى عجين أكثر كثافة، لذا قللت كمية الحليب. وفي نهاية المطاف، استُبدلت بـ«التابيوكا» كميةً أكبر من دقيق الأرز «موتشيكو»، بناء على اقتراح من «جينيفيف كو»، محررتي الخاصة، والتي وجدت أن النتائج قد تختلف من نوع إلى آخر لدقيق التابيوكا.

ولضمان الحصول على تلك القشرة البنية المقرمشة، يُخبز العجين في قالب مدهون جيداً بالزبدة. بيد أن تحديد كمية الزبدة الواجب استخدامها بدقة كان أمراً صعباً. في بادئ الأمر، واعتقاداً مني بأن الماء الموجود في الزبدة يتبخر في قاع الكعكات، قمت بتقليل الكمية؛ وبدلاً من ذلك، تسببت كمية الزبدة القليلة للغاية في جعل القشرة صلبة، مع بقاء التحمير غير مستو. وكان الأمر يتطلب كمية سخية، بل ربما مفرطة تقريباً، من الزبدة.

ومع ذلك، فإن القطعة الأكثر أهمية في هذه الوصفة كانت قالب الخبز نفسه. فبعد إجراء الاختبارات حصرياً في قالب مافن مضاد للالتصاق، جاء التحمير الأكثر استواء من قالب غير مطلي؛ إذ تبين أن الزبدة في قالب المافن المضاد للالتصاق تكون أكثر عرضة للانتشار بشكل غير مستو.

وقد استغرق الأمر أكثر من 12 اختباراً لتأخذ الوصفة شكلها النهائي، ولكن الشعور كان رائعاً للغاية عندما تكللت بالنجاح. وتميزت حلوى الموتشي الناتجة بقشور مكرملة للغاية، وتصدر تلك القرمشة الممتعة والمثيرة للحواس، لتفسح المجال لقوامها الداخلي المرن والمطاطي. وللحصول على أفضل قوام، استمتع بتناولها وهي لا تزال دافئة، كما أن إضافة القليل من الحليب المكثف تجعلها أفضل بكثير.

* خدمة «نيويورك تايمز»


صرعات الطعام في لبنان تستلهم الغرابة

سندويش «البوب كورن» ذات المذاق الغريب (إنستغرام)
سندويش «البوب كورن» ذات المذاق الغريب (إنستغرام)
TT

صرعات الطعام في لبنان تستلهم الغرابة

سندويش «البوب كورن» ذات المذاق الغريب (إنستغرام)
سندويش «البوب كورن» ذات المذاق الغريب (إنستغرام)

لم تعد تجربة الطعام في لبنان تقتصر على اكتشاف نكهات جديدة أو زيارة مطعم يقدّم وصفات تقليدية. فمع تسارع الابتكارات في عالم المأكولات، باتت بعض الأطباق تستمدّ جاذبيتها من غرابتها، ومن قدرتها على الجمع بين مكوّنات لا تخطر على بال محبّي الطعام. وفي عام 2026، برزت موجة من التجارب التي تعيد تقديم المألوف بأساليب مختلفة، مستفيدةً من فضول الزبائن وتأثير وسائل التواصل في اختياراتهم، فتناقلها مؤثّرو الطعام، لتولّد ترندات تتصدّر المشهد الغذائي في لبنان.

بين الموضة والمذاق لا تنفصل هذه التجارب عن التحوّلات التي يشهدها عالم الطعام، حيث باتت الصورة جزءاً من تجربة التذوّق. والمنصات الرقمية تساهم في انتشار الأطباق الجديدة والتعريف بها.

يلاحظ في الفترة الأخيرة إقبال في لبنان على نكهات آيس كريم غير تقليدية، تستلهم بعضها مكوّنات محلية وأطعمة مألوفة. وهي ظاهرة تعكس رغبة المستهلكين في اكتشاف تجارب جديدة.

لكن انتشار طبق على وسائل التواصل الاجتماعي لا يعني بالضرورة نجاحه. فالمذاق يبقى العامل الحاسم، فيما تمنحه غرابته فرصة أولى لجذب الانتباه. وبين هذين العاملين، تحاول المطاعم اللبنانية إيجاد معادلة تجمع الابتكار والجودة، وتمنح الزبون سبباً إضافياً للخروج عن اختياراته المعتادة.

لا تتعلّق صرعات الطعام بتغيير المكوّنات فحسب، بل بإعادة النظر في طريقة تقديمها أيضاً. فالأطباق التي تبدو غريبة للوهلة الأولى قد تتحوّل إلى تجارب محبّبة، شرط أن تتجاوز عنصر المفاجأة إلى مذاق يستحقّ التكرار.

ومن البرغر بحلوى الداعوقية إلى السندويشات التي تستلهم قوامها من الـ«بوب كورن»، وصولاً إلى «ستيك الكنافة» الذي يثير الفضول عند سماع اسمه، تتّسع مساحة التجربة في هذا المجال.

برغر الداعوقية يعتمد على عجينة البقلاوة المقرمشة (إنستغرام)

«برغر الداعوقية»: بقلاوة العصر

يحتفظ البرغر بمكانته على قوائم الطعام، لكنه لا يتوقّف عن التجدّد. فإلى جانب الوصفات الكلاسيكية المعتمدة على اللحوم بأنواعها تحضر نسخ منه بأسلوب غريب. ويأتي «برغر الداعوقية» الذي أطلقته محلات الداعوق للحلوى هذا الصيف كواحد من أشكال الحلوى الحديثة في لبنان.

وتكمن جاذبية التركيبة من أنها مصنوعة من طبقتين لعجينة البقلاوة، يتم حشوها بحلوى الداعوقية. وهي مصنوعة من القشدة والسميد المدعوك بالقطر ويغلف المزيج بالفستق المطحون . كما يتم تغطية «البرغر» في مرحلة نهائية برشّة فستق. التركيبة بسيطة لكنها تتميز بالقرمشة التي ترافق سندويشات عديدة تعتمد عليها الوجبات السريعة. وعجينة البقلاوة المستخدمة في هذا السندويش تقوم بالمهمة. يلاقي «برغر الداعوقية» إقبالاً لافتاً من جيل الشباب الذين رأوا فيه تجدداً لحلوى ترافقهم، منذ تأسيس محلات الداعوق في ستينات القرن الماضي.

سندويش الـ«بوب كورن»

فكرة غير تقليدية تدخل السندويشات بدورها في سباق الابتكار، وتسلتهم أفكار مكوّناتها من أطعمة اعتدنا تناولها منفردة. ومن بينها سندويش الـ«بوب كورن»، الذي يقوم على إدخال حبات الذرة المنفوخة أو استخدام نكهتها وقوامها المقرمش، في تركيبة تجمع بين الخبز والصلصات ومكوّنات أخرى.

وتعتمد هذه الفكرة على مفارقة استخدام عنصرين لم نألف الجمع بينهما، لنحصل على تجربة غير مألوفة لمحبي التذوّق. واشتهر هذا السندويش إثر إطلاقه على لائحة طعام أحد المطاعم اللبنانية الجديدة (ألا مينوت) في جونية. والسندويش يتألّف من كريما الحلويات وصلصة الكراميل وحبوب البوب كورن المكرملة مع رشة ملح.

وتراوحت الآراء في هذا السندويش بين مؤيد ورافض. فالبعض عبّر عن إعجابه به في منشوراته على الـ«سوشيال ميديا». فيما اعتبر آخرون أنه من غير المجدي تذوّقه؛ لأن طعمه غير لذيذ.

«ستيك كنافة» أحدث صرعات الحلوى في لبنان (إنستغرام)

ستيك الكنافة

حين تلتقي الحلوى بالابتكار وفي عالم الحلويات، تتواصل محاولات إعادة تقديم الوصفات المعروفة بصيغ جديدة. ويأتي «ستيك الكنافة» مثالاً على هذا التوجّه، من خلال استلهام شكل الستيك بطريقة تقديم الكنافة بالجبن؛ إذ يتم لفّ الكنافة على عيدان الخشب وتغلف بالشعيرية المقرمشة وصلصة الفستق أو الشوكولاته حسب رغبة الزبون.

وتكمن جاذبية الفكرة في الجمع بين اسم يرتبط بالأطباق المالحة وحلوى شرقية لها مكانتها الراسخة على الموائد. وهي مقاربة تفتح المجال أمام الطهاة للعب على الشكل والتقديم، من دون التخلي بالضرورة عن النكهات المألوفة التي تمنح الكنافة هويتها.