تحية لـ«تحية» في عيدها المئوي، وجّهها إليها معرضٌ فنّي متميّز يحتضنه الآن غاليري «بيكاسو» في القاهرة، يثري المشهد التشكيلي المصري عبر سرده حكاية الفنانة الرّائدة والراحلة تحية حليم ذات الحس المرهف، التي رأت أنّ الجمال الحقيقي إنّما هو ذلك الجمال المستقر في القلوب النّقية للبسطاء في كل شبر بمصر، فجاءت لوحاتها تعكس مشقة حياتهم وكبرياء ملامحهم من خلال لمسات دافئة عامرة بالإنسانية، وهي أيضاً الفنانة نفسها التي أيقنت أنّ الأصالة الخالصة إنّما تستقر بثقة في أعماق المفردات المصرية القديمة المخلوطة بطمي وادي النيل، فكانت أعمالها بمثابة أنشودة في حب الوطن وحضاراته المتعاقبة.
ويبدو أن الفنانة تحية حليم (سبتمبر «أيلول» 1919 - مايو «أيار» 2003)، تأبى حتى بعد رحيلها أن تكفّ عن أداء رسالتها الفنية ونثر الجمال المصري في الحياة؛ فها هي تطلّ علينا عبر مجموعة من روائعها من اللوحات الزيتية والألوان المائية التي يضمّها المعرض، وجُمعت من المقتنيات الخاصة لبعض الأسر المصرية، إضافة إلى نحو 61 اسكتشاً.
وتقول نجلاء رياض، ابنة أختها لـ«الشرق الأوسط»: «سيتوجّه ريع بيعها لإقامة مؤسسة فنية ستتخصص في تبنّي المواهب الشابة وإطلاق جائزة سنوية باسم تحية حليم للمبدعين في مجال التشكيل، لتستكمل مشوارها الذي بدأته في حياتها حين كانت تستقبل الهواة وشباب الفنانين والراغبين في تعلم الفن في مرسمها المطل على نهر النيل بحي الزمالك».
ويكتسب المعرض قيمة فنية كبيرة تنبع من أنّه يتضمن مجموعة أعمال تنتمي لفترات مختلفة من مشوار تحية الفني، إذ تغطي اللوحات إبداعاتها خلال فترة زمنية تمتد من الأربعينات حتى السبعينات من القرن الماضي، كأنّه يضع بين أيدينا النسيج التصويري لتحية التي تمزج فيه بين سمات بيئتها المحلية والقومية برؤيتها الفنية وأفكارها ووجدانها، وفق رياض.
ويكشف المعرض كذلك تأثير المعاناة والهموم الشّخصية على عطاء الفنان، وكيف يمكن أن تكون نقطة انطلاق جديدة له، حسب رياض التي تضيف: «يضم المعرض أعمال الفنانة الراحلة في أثناء رحلة الوجع والألم مع زوجها الفنان القدير حامد عبد الله الذي طُلقت منه فيما بعد، وهو ما تحدثت عنه الفنانة في مذكراتها الشّخصية التي وقعت تحت يديّ في منزل العائلة، ونعتزم إصدارها في كتاب قد نُعلن عن تفاصيله في نهاية المعرض».
ومن الفصول التي يتعرّف عليها المتلقي من «حكاية تحية» وهو عنوان المعرض... التضحية التي قدمتها من أجل الفن، حيث يقدم مجموعة من الروائع التي أنجزتها في باريس خلال دراستها في أكاديمية «جوليان» في الخمسينات من القرن الماضي، وتوضح رياض قائلة: «كانت جدتي (والدة تحية) ترسل إليها مبلغاً يقدر بنحو 25 جنيهاً مصرياً شهرياً، وعلى الرّغم من أنّه لم يكن مبلغاً قليلاً خلال تلك الحقبة الزمنية، فإنّه لم يكن يغطّي مصاريف الإقامة والدراسة اليومية من الثامنة صباحاً حتى الخامسة مساءً، ما اضطرها أحياناً إلى تناول وجبة واحدة في اليوم، والاكتفاء بتناول الخبز وحده لعدة أيام حسبما جاء في المذكرات، ورغم ذلك نجحت في تقديم إبداع حقيقي، ولم تضعف أمام هذه الصعوبات، رافضةً تقديم أي رسومات ذات طابع تجاري، أو الاستسلام للقواعد والرؤى الكلاسيكية الغربية التي تنظر إلى البيئة المصرية باستعلاء، بل على العكس تمسكت الفنانة التي تربّت ما بين القصر الملكي -حيث كان والدها (كبير الياوران) بالقصر الملكي في حكم الملك فؤاد- والمدارس الفرنسية، بتصوير الجمال المصري المتمثل في جدران البيوت العتيقة وسُمرة الوجوه وطمي النيل والفخار المحروق وسطوح التلال المحيطة بالوادي الأخضر».
ويقول إبراهيم بيكاسو، مدير الغاليري، إنّ «المعرض يسلط الضوء على حياة واحدة من أهم الفنانات الرائدات في الفن التشكيلي بالشرق الأوسط، التي نالت تقديراً عالمياً لتثبت أنّ المحلية هي بحق الطريق إلى العالمية، حيث حصلت كأول سيدة على جائزة (غوغنهايم) عام 1958 عن لوحتها (حنان) التي اختارها الناقد العالمي الشهير هربرت ريد لتفوز بالجائزة الأولى على مستوى 36 دولة مشاركة، ويضم متحف (غوغنهايم) بنيويورك هذه اللوحة ضمن مقتنياته إلى جوار أعمال أشهر فناني العالم».
وعندما تتجوّل في المعرض وتتنقل بين روائعها الفنية التي تشمل 20 لوحة زيتية ومائية تجذبك اللوحات التي تشعر كما لو أنّها قد أبدعها أحد فناني الحضارة الفرعونية، حيث البناء المحكم والاحتفاء الشّديد بالتشريح والرصانة ودقة لمساتها اللونية الدافئة، في حين تدفع لوحات أخرى المتلقي إلى الظن أنّه ربما من أبدعها هو فنان جاء للتوّ من أعماق الريف المصري من فرط إحساسها الصادق المنغمس في البيئة الطبيعية، ولا تقل أعمال «عاشقة النوبة» وهو الاسم الذي اشتهرت به تحية، عن النوبة، جمالاً وأصالة عمّا سبق، إذ تعدّ من الفنانين الذين وثّقوا لتراث النوبة في رحلاتهم الشهيرة التي تمت في عهد وزير الثقافة المصري الراحل الدكتور ثروت عكاشة.
أمّا مجموعة الاسكتشات فهي تعود من خلالها إلى إبهارنا مرة أخرى، فهي لا تُعدّ بروفات لأعمال فنية كما اعتدنا من الاسكتش الفنّي، إنّما هي في تصميمها وتوزيع النور والظل بها بمثابة أعمال فنية مكتملة الأركان.
8:50 دقيقه
«حكاية تحية حليم» في معرض تشكيلي بالقاهرة
https://aawsat.com/home/article/2042316/%C2%AB%D8%AD%D9%83%D8%A7%D9%8A%D8%A9-%D8%AA%D8%AD%D9%8A%D8%A9-%D8%AD%D9%84%D9%8A%D9%85%C2%BB-%D9%81%D9%8A-%D9%85%D8%B9%D8%B1%D8%B6-%D8%AA%D8%B4%D9%83%D9%8A%D9%84%D9%8A-%D8%A8%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%A7%D9%87%D8%B1%D8%A9
«حكاية تحية حليم» في معرض تشكيلي بالقاهرة
- القاهرة: نادية عبد الحليم
- القاهرة: نادية عبد الحليم
«حكاية تحية حليم» في معرض تشكيلي بالقاهرة
مواضيع
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة







