«داعش» يستبق «أعياد الميلاد» ويناور بالتهديد

حرض «الانفراديين»... وخبراء عدّوها «دعوات مُكررة»

سوق أعياد الميلاد في برلين... مخاوف من وقوع عمليات إرهابية (إ.ب.أ)
سوق أعياد الميلاد في برلين... مخاوف من وقوع عمليات إرهابية (إ.ب.أ)
TT

«داعش» يستبق «أعياد الميلاد» ويناور بالتهديد

سوق أعياد الميلاد في برلين... مخاوف من وقوع عمليات إرهابية (إ.ب.أ)
سوق أعياد الميلاد في برلين... مخاوف من وقوع عمليات إرهابية (إ.ب.أ)

استبق تنظيم «داعش» الإرهابي «أعياد الميلاد»، وناور من جديد بتهديد الغرب بـ«هجمات محتملة» عبر «الانفراديين» خلال الاحتفالات. وتوعد التنظيم الذي عانى من هزائم طوال الأشهر الماضية، إسبانيا، في مقطع فيديو بثته إحدى منصاته أخيراً، بهجمات خلال احتفالات أعياد الميلاد على أراضيها. وفيما قلل خبراء وباحثون في شؤون الحركات الأصولية، وخبراء أمنيون من «تهديدات (داعش) في أعياد الميلاد»، وأكدوا لـ«الشرق الأوسط» أنها «دعوات مكررة لبث الرعب في تلك الدول»، أفاد مراقبون بأن «تهديد التنظيم يكشف عن حالة الوهن والضعف، التي يعاني منها منذ أشهر».
وفي أبريل (نيسان) الماضي، توعد «داعش» إسبانيا أيضاً بهجمات خلال احتفالات «الأسبوع المقدس». ونشر التنظيم حينها عبر منصة «المنتصر» على موقع التواصل الاجتماعي «تليغرام»، مقطع فيديو مصوراً، دعا فيه إلى شن هجمات... وسبق أن أعلن «داعش» مسؤوليته عن حادث «دهس» وقع في إسبانيا قبل أشهر، أسفر عن مقتل 15 شخصاً، وجرح أكثر من مائة آخرين.
مشهد تهديد «داعش» لإسبانيا خلال «أعياد الميلاد» تشابه مع دعوة أطلقها التنظيم لعناصره ومؤيديه، في ديسمبر (كانون الأول) عام 2018، لاستهداف التجمعات في أوروبا، بأي طريقة ممكنة؛ سواء بـ«الأحزمة الناسفة، أو الدهس بالسيارات، أو الطعن بسكين المطبخ».
ووفقاً لما أفادت به صحيفة «لا راثون» الإسبانية، فإن الفيديو الأخير لـ«داعش» بعنوان «لسنا ضعفاء»، ظهر فيه أفراد مسلحون يحملون بنادق آلية، وتوعدوا إسبانيا بهجمات خلال أعياد الميلاد. وأكد الدكتور إبراهيم نجم، مستشار مفتي مصر، أن «توالي الهزائم وفداحة الخسائر التي لحقت بـ(داعش)، تسببت في إصابته بالتخبط، وبدت عليه علامات الانهيار الداخلي»، مضيفاً أن «دعوات التهديد المتكررة للتنظيم خلال أعياد الميلاد، تهدف إلى بث الرعب في نفوس مواطني الدول».
وقال المراقبون إن «كثيراً من أجهزة الأمن في أوروبا اعتادت أن تصدر تحذيرات بشأن عمليات إرهابية في أسواق أعياد الميلاد المزدحمة؛ حيث تمثل التجمعات البشرية الكبيرة فرصة مناسبة لهجمات (الدهس) باستخدام السيارات، التي توقع عدداً هائلاً من الضحايا والمصابين، وتنشر الرعب».
بينما أكد خالد الزعفراني، الباحث في شؤون الحركات الأصولية، أن «(داعش) يناور بـ(نغمة التهديدات)، ليقدم رسائل لعناصره للحفاظ على تماسكهم، وإشعال الحماس في نفوس أتباعه، فضلاً عن تحريض (الانفراديين) و(الذئاب المنفردة)، لتنفيذ أي هجمات بأي سلاح متاح لديهم، كنوع من الانتقام من الغرب».
وعاد أسلوب «داعش» لـ«الطعن بالسكين» إلى الواجهة من جديد مطلع الشهر الحالي خلال حادثي لندن ولاهاي، بعدما خفت طوال الأشهر الماضية. وأكد المراقبون أن «السكين هو سلاح القتل السهل، الذي يستخدمه (انفراديون) أو (خلايا نائمة) لإزعاج الدول، خصوصاً الأوروبية».
وسبق أن دعا أبو محمد العدناني، الناطق السابق باسم «داعش» في تسجيل صوتي عام 2014، المتعاطفين مع التنظيم، إلى القتل باستخدام أي سلاح متاح، حتى سكين المطبخ، من دون العودة إلى قيادة التنظيم.
وفي أعوام سابقة، هدد «داعش» باستهداف الأوروبيين خلال احتفالات أعياد الميلاد ورأس السنة الميلادية التي تستمر طوال الشهر المقبل، وهو التهديد الذي تتعامل معه وسائل الإعلام وأجهزة الأمن الأوروبية، بحسب تقارير على محمل الجد، بسبب أن الموسم نفسه خلال أعوام سابقة، شهد عمليات إرهابية، استهدفت متسوقين ومحتفلين، كان أبرزها عملية الدهس التي استهدفت إحدى أسواق العاصمة الألمانية برلين.
ويشار إلى أن سجل «داعش» الإرهابي مليء بعمليات «الدهس والطعن» التي وقعت قبل أيام من أعياد الميلاد أو خلال الأعياد. ففي يوليو (تموز) عام 2016، «دهس» إرهابي ينتمي للتنظيم باستخدام شاحنة كبيرة، حشوداً تجمعت للاحتفال بـ«يوم الباستيل»، ما أسفر عن مقتل 86 شخصاً، وإصابة العشرات قبل إطلاق النار عليه. وفي ديسمبر (كانون الأول) من العام نفسه قبل أعياد الميلاد، شهدت برلين استهدافاً لسوق أعياد الميلاد من قبل مهاجم يقود شاحنة مسروقة، ما أسفر عن مصرع 12 شخصاً، وإصابة أكثر من 50 آخرين. وفي يناير (كانون الثاني) عام 2017، تبنى «داعش» هجوماً دامياً استهدف ملهى ليلياً في إسطنبول، ليلة رأس السنة، أسفر عن 39 قتيلاً، وأكثر من 60 جريحاً. وفي ديسمبر عام 2016 قتل أكثر من 100 شخص في اعتداءات استهدفت 3 كنائس وحافلة تقل أقباطاً في عدد من المدن المصرية، وتبنى «داعش» الاعتداءات حينها.
ويشار إلى أن «داعش» يستخدم دلالات معينة عندما كان يُهدد الغرب خلال «أعياد الميلاد»، مثل ظهور شخص «ملثم»، وهو يحمل سكيناً ملطخاً بالدماء، ويمسك بشخصية «بابا نويل»، فضلاً عن استخدام رسائل مكتوبة مثل «قريباً في أعيادكم» أو «إن عيد رأس السنة هو تاريخ الانتقام»، وذلك باللغات «العربية، والإنجليزية، والفرنسية، والألمانية»... ويدعو «داعش» عناصره ومؤيديه كما في الأعوام السابقة، إلى «التخفي بين الناس، حتى لا يُعرفوا، واستهداف تجمعات المسيحيين أثناء الاحتفالات، بأي طريقة ممكنة سواء، بالأحزمة الناسفة، أو الدهس بالسيارات، والطعن بالسكاكين».
وتجدر الإشارة إلى أن «أجهزة أمنية في كثير من الدول الغربية، حذرت في وقت سابق خلال هذا الشهر، من هجمات إرهابية في بعض البلدان الأوروبية خلال احتفالات أعياد الميلاد... وتستند هذه التحذيرات إلى بيانات تحليلية تشير إلى أن التنظيمات الإرهابية، وعلى رأسها (داعش) و(القاعدة)، تخطط لارتكاب هجمات إرهابية خلال هذه الاحتفالات، خصوصاً على الأسواق التي تشهد إقبالاً كثيفاً من المواطنين».
وحذرت دار الإفتاء المصرية من تنفيذ تنظيم «داعش» الإرهابي عدداً من العمليات الإرهابية في الغرب مع اقتراب أعياد الميلاد، موضحة في بيان لها مطلع الشهر الحالي، أن «مقتل أبو بكر البغدادي، وتلقي التنظيم هزائم كثيرة، قد يدفع التنظيم لإثبات وجوده، وتأكيد عدم تأثره بمقتل زعيمه السابق».
وشدد باحثون في دار الإفتاء المصرية على «ضرورة بذل كل الجهود الأمنية والاستخباراتية لمنع هجمات (الدهس) و(الطعن) خلال أعياد الميلاد، كونها تمثل طوق النجاة للتنظيم، للعودة إلى واجهة الإرهاب العالمي مرة أخرى، بعد أن توارى خلال الفترة الماضية، إضافة إلى كون تلك الأعمال تُسهم بشكل فعال في توجيه دفة (المتطرفين) حول العالم نحو تنظيم (داعش) كقبلة لـ(الجهاد) المزعوم، بعد أن شهد التنظيم موجات متلاحقة من الهزائم والانشقاقات والفرار، التي أثرت على قدراته وقوته بشكل كبير».
وسبق أن توعد «داعش» الغربيين بهجمات «تُنسيهم» - على حد زعمه - هجمات نيويورك التي وقعت في 11 سبتمبر (أيلول) عام 2001. وأكد الزعفراني، أن «التهديدات في أعياد الميلاد، فقدت تأثيرها مع التكرار؛ وتشير إلى ضعف بالغ أصاب تنظيم (داعش) أخيراً، خصوصاً مع مقتل البغدادي».
ولا يزال يمثل «العائدون من داعش» إشكالية كبيرة تُثير الرعب والفزع في أوروبا، وبعض دول أفريقيا. وواجه الغرب خلال الأشهر الماضية مأزقاً خطيراً تمثل في عودة مقاتلي «داعش» إلى دولهم، والخطورة الكبرى التي تُسبب للغرب فزعاً ورعباً؛ العمليات المحتملة التي قد يقوم بها عناصر التنظيم.
وأكد العقيد حاتم صابر، خبير مكافحة الإرهاب الدولي، أن «(العائدين) خطر كبير على الدول، لكونهم مقتنعين بأفكار التنظيم، وتدربوا على استخدام الأسلحة، واكتسبوا خبرات قتالية، جعلت منهم خطراً دائماً في أي مكان يوجدون فيه».
و«العائدون من داعش» قسّمتهم دراسة مصرية حديثة إلى قسمين؛ الأول هم الذين اقتنعوا بدعاية التنظيم (الضالة)، وسافروا إلى أماكن تمركزه السابقة في سوريا والعراق منذ عام 2014، ثم اكتشفوا فساد فكر التنظيم، فانشقوا عنه عقب هزائمه، وعادوا إلى بلادهم مرة أخرى... والثاني هم من عادوا إلى بلادهم «متسللين» أو مقبوضاً عليهم أثناء محاولة عبور الحدود وصولاً إلى دولهم، أو عبور الحدود إلى دولة أخرى.
المراقبون قالوا إن «بعض هؤلاء (العائدين) كانوا يتولون مهام قتالية رئيسية داخل التنظيم لقدراتهم على استخدام الأسلحة». واتفق مع الرأي السابق خالد الزعفراني، مؤكداً أن «بعض (العائدين) عناصر مهزومة، وبعضهم قد لا يتخلى عن أفكار التنظيم الإرهابية».
وقدرت تقارير دولية تدفقات «المقاتلين الأجانب» إلى سوريا والعراق خلال السنوات الماضية بـ60 ألف مقاتل، حضروا من أكثر من 110 دول، من بين هؤلاء ما يقرب من 6 آلاف من أوروبا، بنسب مختلفة من بلد إلى آخر.


مقالات ذات صلة

إغلاق مخيم الهول في سوريا بعد إخلائه من آخر قاطنيه

المشرق العربي تسلّمت القوات الأمنية السورية مخيّم الهول بعد اتفاق مع «قوات سوريا الديمقراطية» (د.ب.أ) p-circle

إغلاق مخيم الهول في سوريا بعد إخلائه من آخر قاطنيه

أغلقت السلطات السورية مخيم الهول، أكبر مخيمات البلاد الذي كانت تديره القوات الكردية وكان يؤوي لسنوات عائلات مقاتلي تنظيم «داعش»، بعد إخلائه من آخر قاطنيه.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
العالم العربي قوة تابعة للسلطات السورية بمحافظة الرقة (أ.ب)

سوريا: مقتل عنصر أمني في هجوم لـ«داعش» على حاجز بمدينة الرقة

قُتل عنصرٌ من الأمن الداخلي في سوريا وأصيب آخر بهجوم مسلح نفذه تنظيم «داعش» على حاجز السباهية في المدخل الغربي لمدينة الرقة.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي سيارة شرطة تابعة للحكومة السورية الجديدة تعبر شارعاً بجوار مسجد الساحة في تدمر وسط سوريا 7 فبراير 2025 (أ.ف.ب)

تنظيم «داعش» يتوعد الشرع ويعلن مسؤوليته عن هجمات على الجيش السوري

أفادت إدارة الإعلام والاتصال في وزارة الدفاع السورية، بتعرض أحد عناصر الجيش العربي السوري لعملية استهداف من قبل مجهولين في قرية الواسطة بريف الرقة الشمالي.

«الشرق الأوسط» (لندن)
العالم أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)

أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

نفت حكومة أستراليا، المنتمية ليسار الوسط، تقريراً إعلامياً محلياً أفاد بأنها تعمل على إعادة أستراليين من مخيم سوري يضم عائلات أشخاص يُشتبه بانتمائهم لـ«داعش».

«الشرق الأوسط» (سيدني)
تحليل إخباري روكسان محمد 37 عاماً (يسار) المتحدثة باسم وحدات حماية المرأة تنتظر برفقة مقاتلات من قوات الأمن الداخلي حاملةً رشاشها بالقرب من مطار القامشلي في 8 فبراير (أ.ف.ب)

تحليل إخباري حلم أكراد سوريا بحكم ذاتي تلاشى بعد الاتفاق مع الشرع

في قاعدة عسكرية في شمال سوريا، تروي روكسان محمّد ورشاشها على كتفها كيف قاتلت تنظيم «داعش» في صفوف «وحدات حماية المرأة الكردية» التابعة لقوات «قسد»

«الشرق الأوسط» ( الحسكة (سوريا))

فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)

قال وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، اليوم (الأحد)، إنه سيستدعي السفير الأميركي لدى فرنسا، تشارلز كوشنر، بسبب تصريحاته حول مقتل ناشط فرنسي من اليمين المتطرف، الأسبوع الماضي.

وتعرض الناشط اليميني المتطرف الفرنسي كونتان دورانك لضرب أفضى إلى الموت، في شجار مع ناشطين يُشتبه في أنهم من اليسار المتطرف، في واقعة هزت البلاد، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وقالت السفارة الأميركية في فرنسا ومكتب مكافحة الإرهاب التابع لوزارة الخارجية الأميركية إنهما يراقبان القضية، محذرين في بيان على منصة «إكس» من أن «العنف الراديكالي آخذ في الازدياد بين المنتمين لتيار اليسار»، ويجب التعامل معه على أنه تهديد للأمن العام.


أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
TT

أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)

نفت حكومة أستراليا، المنتمية ليسار الوسط، اليوم (الأحد)، تقريراً إعلامياً محلياً أفاد بأنها تعمل على إعادة أستراليين من مخيم سوري، يضم عائلات أشخاص يُشتبه بانتمائهم لتنظيم «داعش».

وأُطلق سراح 34 امرأة وطفلاً، يوم الاثنين، من المخيم الواقع في شمال سوريا، لكنهم عادوا إلى مركز الاحتجاز لأسباب فنية. ومن المتوقع أن تسافر هذه المجموعة إلى دمشق قبل أن تعود في النهاية إلى أستراليا، على الرغم من اعتراضات نواب من الحزب الحاكم والمعارضة.

ونفى وزير الشؤون الداخلية، توني بيرك، ما ورد في تقرير نشرته صحيفة «صنداي تلغراف»، والذي يؤكد أن الاستعدادات الرسمية جارية لإعادة هذه المجموعة.

وقال بيرك لشبكة التلفزيون الأسترالية: «يدعي ذلك التقرير أننا نقوم بعملية ترحيل (إعادة إلى الوطن). ونحن لا نفعل ذلك».

وأضاف: «يزعم التقرير أيضاً أننا نعقد اجتماعات مع الولايات (الأسترالية) لغرض الترتيب لإعادة هذه المجموعة. وهذا لم يحدث».

وفي وقت سابق، قال رئيس الوزراء أنتوني ألبانيزي، زعيم حزب «العمال» الأسترالي، إن حكومته لن تساعد هذه المجموعة على العودة إلى أستراليا.

تعدُّ عودة أقارب المشتبه بانتمائهم إلى تنظيم «داعش» قضيةً سياسيةً في أستراليا، التي شهدت ارتفاعاً في شعبية حزب «أمة واحدة» اليميني المناهض للهجرة بقيادة النائبة بولين هانسون.

يُصنَّف تنظيم «داعش»، «منظمةً إرهابيةً» في أستراليا، ويُعاقَب على الانتماء إليه بالسجن لمدة تصل إلى 25 عاماً. وتملك أستراليا صلاحية سحب الجنسية من المواطنين مزدوجي الجنسية إذا كانوا أعضاء في تنظيم «داعش».


أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended