كاتبات إيطاليات يحدثن هزة في الأوساط الأدبية

تحت تأثير فيرانتي

مشهد من مسلسل «صديقتي المذهلة» المستلهم من رواية لفيرانتي بالعنوان نفسه
مشهد من مسلسل «صديقتي المذهلة» المستلهم من رواية لفيرانتي بالعنوان نفسه
TT

كاتبات إيطاليات يحدثن هزة في الأوساط الأدبية

مشهد من مسلسل «صديقتي المذهلة» المستلهم من رواية لفيرانتي بالعنوان نفسه
مشهد من مسلسل «صديقتي المذهلة» المستلهم من رواية لفيرانتي بالعنوان نفسه

ظل الأدب الروائي في إيطاليا، ولفترة طويلة من الزمن، مقتصراً على الرجال. وكثيراً ما وصف الناشرون والنقاد ولجان النقد والجوائز الأدبية، الروايات التي ألفتها النساء، بأنها ليست ذات بال، وكتبت من أجل التسلية. ولقد سخروا كثيراً بشكل خاص من المؤلفة إيلينا فيرانتي، صاحبة كتاب «صديقي اللامع» بأنه من المؤلفات المتواضعة للغاية.
ثم، وعلى نحو مفاجئ، حازت روايات فيرانتي سمعة عالمية هائلة، وبيع من أعمالها 11 مليون نسخة، وألهمت إحدى رواياتها مسلسلاً تلفزيونياً جديداً من إنتاج شبكة «إتش بي أو» الترفيهية الأميركية، ما رسخ سمعة المؤلفة على اعتبارها أنجح الروائيات الإيطاليات خلال السنوات الأخيرة. ومع إعادة اكتشاف بعض الكاتبات الإيطاليات الكبيرات من القرن الماضي، سلط الضوء على موجة جديدة من الكاتبات الإيطاليات اللاتي أحدثن هزة عنيفة في المؤسسة الأدبية في البلاد. وصارت الكاتبات هنا يفزن بالجوائز المرموقة، مع ترجمة أعمالهن إلى لغات أخرى، وارتفاع معدلات مبيعات مؤلفاتهن في الداخل والخارج.
ولقد أثارت إنجازاتهن حالة من النقاش واسع المجال في الأوساط الأدبية الإيطالية بشأن ماهية الأدب في البلاد، مع قضايا أخرى ذات وقع وأهمية مثل التحيز ضد المرأة أو التمييز المنوط بالأدوار الجنسانية بين النوعين.
تقول فيرونيكا رايمو، مؤلفة رواية «فتاة عند الباب»، التي تدور حول الزواج والحمل والاعتداءات الجنسية، والتي تُرجمت إلى اللغة الإنجليزية العام الحالي: «كنا نتردد كثيراً فيما سبق في الكتابة حول موضوعات بعينها خشية السخرية، ووصفها بأنها تسليات نسائية. وكانت تشيع في أذهاننا فكرة قاتمة بأن القصص التي ترويها النساء لن تجد طريقها إلى العالمية أبداً. بيد أن هذه الرؤية في تغير مستمر».
ومن إحدى الكاتبات اللاتي يلحظن هذا التغير والتقدم، هيلينا جانتشيك، التي لم تتوقف عن النشر منذ سنوات، وتمكنت في العام الماضي فقط من أن تكون أول امرأة في 15 عاماً تفوز بجائزة «بريميو ستريغا»، وهي أكبر جائزة أدبية تُمنح في البلاد. وهي تقول عن ذلك: «لقد مرت فجوة زمنية كبيرة، أليس كذلك؟ ولكنني لم أكن متفاجئة بذلك، فإن الأزمان تتغير باستمرار».
كان الكتاب الذي حازت عنه الجائزة قد نُشر في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي باللغة الإنجليزية، تحت عنوان «الفتاة صاحبة الكاميرا»، وهي رواية تاريخية حول المصورة الحربية غيردا تارو، التي قُتلت عام 1937 أثناء توثيقها مجريات الحرب الأهلية الإسبانية رفقة صديقها وزميلها الأكثر شهرة روبرت كابا.
وخلال العامين الماضيين، شكلت الروايات النسائية ما يقرب من نصف 20 كتاباً من الكتب الأوسع انتشاراً في إيطاليا، أي ما يقرب من ضعف النسبة المئوية المسجلة في عام 2017، وذلك وفقاً للبيانات الصادرة عن مؤسسة «إنفورمازيوني إيديتوريالي»، المعنية باستعراض مبيعات الكتب في مختلف مكتبات بيع الكتاب في البلاد.
وفي مقابلات صحافية معهم، ذكر المؤلفون، والمحررون، والنقاد، والمترجمون، والناشرون الإيطاليون، أن كتابات النساء تنال قدراً غير عادي من الاهتمام في الآونة الأخيرة. وأطلق البعض على هذه الموجة الأخيرة مسمى «تأثير فيرانتي».
تقول دانييلا بروغي، أستاذة الأدب المعاصر في «جامعة سيينا» للطلاب الأجانب، إن كتاب «صديقي اللامع»، وغير ذلك من روايات الكاتبة فيرانتي (كان آخر إصداراتها الأدبية رواية بعنوان (لا فيتا بوغياردا ديغلي أدولتي»، التي نُشرت باللغة الإيطالية، ومن المقرر ترجمتها، ثم نشرها باللغة الإنجليزية، العام المقبل، تحت عنوان «حيوات البالغين الكاذبة»)، أثبت وجود سوق حقيقية للروايات التي تؤلفها النساء.
كان نقاد المؤسسات الأدبية في السابق يتجاهلون القصص والروايات التي تتناول العلاقات والروابط ما بين النساء. ولقد تغيرت تلك الرؤية كثيراً الآن. ثمة ثلاثة كتب نشرت أخيراً، وهي تبحث في العلاقة بين الأمهات وبناتهن، من بينها رواية «الفتاة العائدة» من تأليف دوناتيلا دي بيترانتونيو، وهي من الروايات الشيقة للغاية، وتدور أحداثها في أرياف جنوب إيطاليا. كذلك هناك رواية «الغريبة»، من تأليف كلوديا دوراستانتي التي تتذكر خلالها نشأتها الأولى وسط عائلة مفككة الوشائج بين بروكلين في نيويورك وباسيليكاتا في جنوب إيطاليا، ثم رواية «وداعاً للأشباح» للمؤلفة ناديا تيرانوفا التي تحكي فيها قصة امرأة بلغت العقد الثالث من عمرها، وتحاول مواجهة ماضيها المؤلم في رحلة عودة إلى منزل العائلة لزيارة والدتها. ولقد تمت ترجمة الروايات الثلاث إلى اللغة الإنجليزية.
تقول فيرونيكا رايمو، مؤلفة رواية «فتاة عند الباب»، إن القراء الأصغر سناً في إيطاليا صاروا أكثر تقبلاً وانفتاحاً على النساء الكاتبات على نحو جزئي ناجم عن قراءة الأعمال المترجمة للنساء، وباتوا يعرفون أن هناك بلداناً أخرى تعيش فيها شخصيات بارزة من شاكلة جنيفر إيغان أو زادي سميث، وهو أمر طبيعي لا مشكلة فيه.
بيد أن العديد من كاتبات الموجة الأدبية الجديدة في إيطاليا ينسبن هذا الزخم في الروايات النسائية، مثلهن مثل بعض النقاد، إلى فيرانتي، وهو، كما صار معروفاً، اسم مستعار (يتكهن بعض الناس بأن الشخصية الحقيقية للمؤلفة فيرانتي، هي أنيتا راجا، المترجمة الأدبية البارزة قرينة الروائي المعروف دومينيكو ستارنوني، ولقد بحثوا عن علامات تدل عليها في رواياتها، كما يقولون).
«هناك ضجيج عالمي حول المؤلفين الإيطاليين المعاصرين، بما في ذلك العديد من النساء، وحتى من أبناء الأقليات، ونحن مدينون لفيرانتي بالكثير في ذلك»، تقول الكاتبة الإيطالية الصومالية إيجيابا سكيغو، التي تُرجمت روايتها بعنوان «ما وراء بابل»، التي تبحث في صدمات تجارب المهاجرين من خلال حكاية سيدتين مهاجرتين إلى الخارج، إلى اللغة الإنجليزية في العام الحالي بعد نشرها في إيطاليا منذ عشر سنوات.
كانت الترجمة الإنجليزية الجديدة لرواية «معجم العائلة»، صدرت عام 2017، وهي من تأليف ناتاليا غينزبيرغ، التي صدرت بالإيطالية في عام 1963. ولقد أعيد نشر ثلاث روايات أخريات لها في العام الحالي، مع ترجمة جديدة لاثنتين منها. وهناك كاتبة إيطالية كبيرة أخرى من حقبة ما بعد الحرب تدعى إيلسا مورانتي، (التي تعتبرها الكاتبة فيرانتي ملهمتها الأولى)، باتت رواياتها تنال سمعة كبيرة مع التراجم الحديثة لروايتها الشهيرة «جزيرة أرتورو».
وعلى الرغم من تلك النجاحات، لا تزال الكاتبات الإيطاليات يواجهن العديد من العقبات. تقول الروائية هيلينا جانتشيك: «لا تكمن المشكلة في نشر أو بيع المؤلفات، وإنما في الاهتمام بها وتقديرها. إن النساء بقين بعيداً بصفة عامة عن المحيط الأدبي الإيطالي، وإن النجاح الذي أحرزته الروائية فيرانتي في الخارج ليس من المرجح له أن يجعلها أقرب بكثير من القارئ الإيطالي. بالرغم من حصولها على كل هذا الاعتراف والتقدير في الخارج، لا يزال النقاد في إيطاليا يقولون: انظروا، هؤلاء الأميركيون يعتقدون أنها كاتبة عظيمة بحق!».
وفي عام 2015، وبينما كانت الروائية فيرانتي تنال الإشادات الهائلة بأعمالها، كتب الروائي فراشيسكو لونغو، في إحدى الصحف الإيطالية يقول إن «فيرانتي راوية للقصص والحكايات، ولكنها ليست أديبة ولا كاتبة».
تقول الناقدة الإيطالية تيزيانا دي روغاتيس، التي صدر كتاب لها عن الروائية فيرانتي في الولايات المتحدة خلال الشهر الحالي، إن «فيرانتي مثل مورانتي، كاتبة ومفكرة معقدة الفكر والرؤية، تختار أسلوب الكتابة الصريحة، وبتعاطف بالغ حتى يسهل فهم أفكارها. ولقد حظيت الأوساط الأكاديمية في نهاية المطاف بمؤلفتين عظيمتين قد حصلتا على شعبية وجماهيرية كبيرة».
أما البروفيسورة أليسا غامبارو من جامعة ميلانو، فقالت: «هناك فكرة شائعة الانتشار بأن الأدب الخيالي، ينبغي أن يستند إلى البراعة والمرجعية الذاتية»، ونتيجة لذلك، غالباً ما يجري الاستخفاف بهذا الأدب الذي يحقق النجاح تجارياً.
لكن بعض النساء يرون أنه ينبغي أن تكون الأمور بشكل معاكس، كما تقول دانييلا بروغي، أستاذة الأدب المعاصر في «جامعة سيينا»، «تميل النساء الكاتبات إلى الإقلال من اعتبارات المرجعية الذاتية في أعمالهن، لأنهن أقل اعتياداً على التفكير في أنفسهن مركزاً للعالم من حولهن، كما أنهن استطعن تطوير اللغة الأدبية لكي تكون أيسر فهماً - وأسهل في الترجمة بالمناسبة - نظراً لأنهن كثيراً ما يجري تجاهل أعمالهن عن قصد».
وحظيت إيطاليا على الدوام بنساء كاتبات عظيمات، والأمر الجديد حقاً أنهن يحصلن الآن على التقدير والاعتراف بهن للمرة الأولى منذ سنوات طويلة.

- خدمة «نيويورك تايمز»



«حديقة آدم السرية»... الهروب من الحروب على أجنحة الورود

التجهيز الفني الذي يمثّل «حديقة آدم السرية» (الشرق الأوسط)
التجهيز الفني الذي يمثّل «حديقة آدم السرية» (الشرق الأوسط)
TT

«حديقة آدم السرية»... الهروب من الحروب على أجنحة الورود

التجهيز الفني الذي يمثّل «حديقة آدم السرية» (الشرق الأوسط)
التجهيز الفني الذي يمثّل «حديقة آدم السرية» (الشرق الأوسط)

دفع الشعور بعدم الانتماء إلى هذا العالم الفنان التشكيلي السوري سبهان آدم إلى ابتكار الكائنات الممسوخة التي اشتهر بها، وترتبط ارتباطاً مباشراً بشخصه وأوجاعه وآلامه المولودة من أفعال البشر. صحيح أنه يحب الناس والطبيعة، لكنه وجد في هذه المخلوقات ملاذاً له، وهو يردد: «عندما يكون ذلك الكمّ الكبير من الألم داخلك وحولك، يصبح من المستحيل رسم عصافير وأزهار».

ولكن في معرضه «حديقة آدم السرية» يقلب سبهان الصفحة تماماً، متجهاً نحو تجربة تشكيلية جديدة ترسو على أسس مختلفة. فاختار الورود لتشكّل نماذج بشرية تسقط ثم تنتصب، تتألم وتضحك ثم تذبل.

يصوّر سبهان آدم الورود كأشخاص يحزنون ويفرحون (الشرق الأوسط)

في غاليري «ميشن آرت» في شارع مار مخايل، تصطف لوحات سبهان المنفذة بالأكريليك و«الميكسد ميديا». وقد شيّد لكل مجموعة منها عالمها الخاص، مستخدماً ألواناً فاقعة يهرب عبرها من واقع الحروب. وفي رحلة يحلّق فيها على بتلات الزهور، يعبّر عن مشاعر الناس وأحاسيسهم. وعلى خلفيات بيضاء وخضراء وحمراء، يرشد زائر المعرض إلى عالم جديد يخلقه بعيداً عن كائناته البشرية الممسوخة التي طبعت مسيرته.

ويرى مدير أعماله غيث المشنوق أن هذا المعرض يشكّل نقلة نوعية في تجربة سبهان آدم. فمن خلاله يرسم بخياله عالماً آخر يهرب معه من قسوة الحروب. وقد اختار الورود ليحلِّق على أجنحتها في فضاء البشر، ويقول لـ«الشرق الأوسط»: «الأزهار التي يرسمها تشبهنا، فهي تنكسر ثم تعيش، تتحاور في جدالات طويلة ثم تلوذ بالصمت. إنها نماذج إنسانية لا ترضى بحدود اللوحة، فتبحث عن وطن خارجها».

لا يضع سبهان آدم أسماء أو عناوين للوحات، فيترك لأشكالها وألوانها حرية التأويل. ولئلا تغيب كائناته البشرية التي وسمت مسيرته، يقدّمها هذه المرة في منحوتات تتوزع ضمن تجهيز فني صاغه كحديقة غنّاء، يستحضر فيه جمال الحديقة التي خلق فيها الإنسان الأول.

بألوان جريئة وفاقعة تتميّز لوحات سبهان آدم (الشرق الأوسط)

في لوحاته، تشعر بأن لا وردة راضية بواقعها. يضعها في إناء أحمر فتتدلّى بأعناقها الطويلة، زهرية تارةً، وحمراء وزرقاء، خانعة ومنتصبة، على خلفية خضراء، تارة أخرى. وفي مجموعة غيرها بخلفية بيضاء، تخاطبك الزهور برؤوسها البرتقالية والبنفسجية والصفراء الخارجة من إناء أخضر. بعضها يزهو مبتسماً بأكسجين الحياة، وأخرى تختنق مطأطئة الرأس.

يشرح المشنوق: «أن سبهان من الفنانين غزيري الإنتاج. لذلك نرى عشرات اللوحات تتجاور ضمن مجموعات متلاحقة. جرأته في استخدام الألوان الزاهية والمنعشة تعبير عن تمرّد، وكأنها ترفض الواقع الأسود، فتسبح في فضاء الأمل، لأن الألم لا يدوم».

وعن سبب هذه الغزارة، يقول: «تنطلق من شغفه بالرسم، وتعكس في الوقت نفسه أحاسيس جياشة تجتاحه أينما كان. ما إن يمسك الفرشاة حتى تتوالد الأفكار بلا نهاية»، ويضيف: «حين أسأله عن ذلك، يجيب بأن هناك ملايين لم يشاهدوا لوحاته بعد. وهو يتوق إلى إيصالها للعالم كي تجول على كوكب الأرض بأسره».

يهرب الفنان السوري من الحروب عبر أجنحة الورود (الشرق الأوسط)

بدأ سهبان آدم رحلته الفنية بالعمل الدؤوب والتعلّم الذاتي. أحلامه الطفولية كانت تتمحور حول مهن كثيرة إلا الرسم. راحت موهبته الفنية تتبلور منذ بلوغه الخامسة عشرة، حتى وصلت أعماله إلى أعرق دور العرض والمتاحف الحديثة. فجابت باريس، وديجون، وأفينيون، وستراسبورغ، وجنيف، وبيروت، ومدريد. صدر كتاب عنه بتقديم الشاعر أدونيس. وتندرج طريقته ضمن المدرسة التعبيرية التي عُرفت بتشويه الجسد البشري.

ويشير المشنوق، ممثلاً سبهان المقيم حالياً في سوريا، إلى أن «حديقة آدم السرية» يعد أول معرض ملوّن له: «غالباً ما يعبّر في أعماله عن عالم سوداوي، لكنه ينتقل هنا إلى فضاء يحمل رسائل حب، وعنف، وحنين وهجرة. خرج من ذاته ليقدّم المختلف. فهو لا يخزّن المشاهد كما تراها العين، بل يرتكز على اللحظة ومشاعرها ليخلق لوحاته بخياله».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


7 قتلى جراء سقوط طائرة إسعاف جوي في الهند

قوات أمنية تقف بالقرب من حطام طائرة الإسعاف الجوي من طراز «بيتشكرافت سي 90» بولاية جاركاند الهندية (أ.ف.ب)
قوات أمنية تقف بالقرب من حطام طائرة الإسعاف الجوي من طراز «بيتشكرافت سي 90» بولاية جاركاند الهندية (أ.ف.ب)
TT

7 قتلى جراء سقوط طائرة إسعاف جوي في الهند

قوات أمنية تقف بالقرب من حطام طائرة الإسعاف الجوي من طراز «بيتشكرافت سي 90» بولاية جاركاند الهندية (أ.ف.ب)
قوات أمنية تقف بالقرب من حطام طائرة الإسعاف الجوي من طراز «بيتشكرافت سي 90» بولاية جاركاند الهندية (أ.ف.ب)

كشف مسؤولون في ​الهند، اليوم الثلاثاء، أن جميع الركاب السبعة الذين كانوا على متن طائرة إسعاف ‌من طراز ‌«بيتشكرافت» ​لقوا ‌حتفهم ⁠بعد سقوطها ​في ولاية ⁠جاركاند أمس الاثنين.

وكان على متن الطائرة اثنان من أفراد الطاقم ⁠ومريض وأقاربه.

حطام طائرة الإسعاف الجوي التي سقطت بالقرب من غابة في منطقة تشاترا بولاية جاركاند الهندية (أ.ف.ب)

وقالت ‌المديرية ‌العامة للطيران ​المدني ‌في الهند ‌أمس الاثنين إن طائرة «بيتشكرافت سي 90»، التي تشغلها شركة ‌«ريد بيرد إيرويز»، أقلعت من رانشي في ⁠جاركاند، ⁠لكنها طلبت تغيير مسارها بسبب الأحوال الجوية.

وأضافت المديرية أن الطائرة فقدت الاتصال بعد ذلك واختفت ​من على ​شاشات الرادار.


بين الخلوة والسمعة... موسم التحوّلات الصعبة في «شارع الأعشى»

خالد صقر في مشهد من المسلسل أثناء زواج ابنته عزيزة (حساب الفنان في إكس)
خالد صقر في مشهد من المسلسل أثناء زواج ابنته عزيزة (حساب الفنان في إكس)
TT

بين الخلوة والسمعة... موسم التحوّلات الصعبة في «شارع الأعشى»

خالد صقر في مشهد من المسلسل أثناء زواج ابنته عزيزة (حساب الفنان في إكس)
خالد صقر في مشهد من المسلسل أثناء زواج ابنته عزيزة (حساب الفنان في إكس)

بين محاولات عزيزة ترميم صورتها، وتورّط والدها وجارتهما في عاصفة من الإشاعات، تتشكّل ملامح الموسم الثاني من مسلسل «شارع الأعشى». هنا لا تبدو السمعة مجرد قيمة اجتماعية، بل ساحة صراع مفتوحة تُختبر فيها الشخصيات تحت ضغط مجتمع يضيق فيه هامش الخطأ وتتعاظم التأويلات.

مع انقضاء الأسبوع الأول من رمضان، يواصل المسلسل تصدّر قائمة الأعمال الأكثر متابعة في السعودية وعدد من الدول العربية، مستفيداً من العلاقة التي بناها مع جمهوره منذ الموسم الأول. غير أن العودة هذه المرة لا تكتفي باستثمار النجاح السابق، بل تدفع الشخصيات إلى مرحلة أشد قسوة؛ إذ تنتقل الحكاية من التعريف إلى الاختبار، ومن البناء إلى المواجهة، حيث تتحول النيات الحسنة نقاطَ اشتباك، وتصبح الشائعة أداة تدفع الأحداث نحو مسارات جديدة.

عزيزة... من الاندفاع إلى الاتزان

مشهد من ليلة زواج عزيزة الذي شهد مرحلة انتقالية للشخصية (شاهد)

تتمحور حكاية الموسم الأول حول الشابة المتهورة عزيزة (لمى عبد الوهاب)، التي تدفع نفسها باستمرار إلى قلب المتاعب، واضعة سمعتها على المحك. فبين محاولات الهروب المتكررة والبحث عن الحب بوصفه خلاصاً سريعاً من واقع ضاغط، تنجرف الشخصية نحو سلسلة من القرارات التي تقودها إلى نتائج قاسية. ويبلغ هذا المسار ذروته حين تفكر في الهرب مع حبيبها، قبل أن تنتهي الحكاية بمقتله في ختام الموسم الأول.

في الموسم الثاني، تعود عزيزة بقدر أكبر من الاتزان، مدفوعة بإحساس متزايد بالمسؤولية تجاه حياتها وخياراتها. وتبدأ ملامح التحول مع زواجها من خالد (ناصر الدوسري)، وهي تجربة تضعها أمام واقع مختلف تماماً؛ إذ تواجه علاقة يغلب عليها الطابع العملي والقسوة، بعيداً عن الأحلام الرومانسية التي سعت إليها في السابق.

ورغم صعوبة هذا التحول، تختار عزيزة الصبر والتحمّل، محاولة الحفاظ على ما تبقّى من ثقة عائلتها وإثبات قدرتها على التكيّف داخل الإطار الاجتماعي الذي سعت يوماً إلى التمرد عليه وكسره. بذلك، ينتقل مسار الشخصية من الهروب الدائم إلى مواجهة يومية مع الواقع، في رحلة إعادة بناء الصورة أمام الأهل والمجتمع.

وضحى... مواجهة الثمن الأعلى

إلهام علي تؤدي شخصية وضحى التي تتعرض لمتاعب كبيرة في الموسم الثاني (شاهد)

على خط درامي موازٍ، تتقدّم شخصية وضحى (إلهام علي) إلى واجهة الأحداث بمساحة أوسع وتأثير أشد. وتبدأ افتتاحية المسلسل بالتحدّي المصيري الذي تواجهه بعد سجن ابنها متعب (باسل الصلي)؛ ما يدفعها إلى اتخاذ قرار قاسٍ ببيع منزلها من أجل تأمين إطلاق سراحه. ويحمل هذا القرار تضحية مضاعفة؛ إذ لا يمسّ الاستقرار المادي فحسب، بل يطول الذاكرة العائلية في عمقها.

وتتجلَّى المفارقة حين يكون المشتري جارها أبو إبراهيم (خالد صقر). ومنذ تلك اللحظة، تبدأ الأقاويل بالانتشار داخل الحارة، وتتحول الصفقة من موقف شهم إلى مادة للشك والنميمة. ويجد أهل الحي في تصرفاتهما مساحة للتأويل والمراقبة، في حين يسبق الكلامُ الوقائع بخطوات، لتجد وضحى نفسها في قلب عاصفة اجتماعية تتَّسع دائرتها مع كل حلقة، وتتحول فيها النية الحسنة عبئاً يتطلب دفاعاً يومياً.

الخلوة... لحظة تغيّر المسار

خالد صقر يمر بتحولات جديدة في الموسم الثاني (حساب الفنان في إكس)

تبلغ هذه الحبكة ذروتها في الحلقة السادسة، حين يجتمع أبو إبراهيم ووضحى صدفة في منتصف الليل داخل محل ابنها. ويتحوَّل هذا اللقاء العابر أزمةً كبيرة بعد اقتحام الشرطة المكان والقبض عليهما بتهمة الخلوة غير الشرعية، وهي تهمة كانت تُواجَه بحزم شديد في منتصف ثمانينات القرن الماضي، وهي الفترة الزمنية التي يستلهم منها المسلسل عالمه الاجتماعي خلال الموسم الثاني.

ومنذ تلك اللحظة، تتَّسع دائرة الأقاويل، ويتعرض الاثنان إلى هجوم مباشر من أهل الحارة الذين يرتابون من سلوكهما، لتتحول النظرات والهمسات تدريجياً موقفاً علنياً يضعهما تحت ضغط اجتماعي كثيف.

أمام هذا الواقع، يقرِّر أبو إبراهيم الزواج من وضحى، في خطوة تهدف إلى ردع الأقاويل ووضع حد للتأويلات المتزايدة؛ سعياً إلى حماية السمعة قبل أي اعتبار آخر. غير أن هذه الخطوة تفتح جبهة جديدة داخل بيته، وتضع أسرته أمام اختبار صعب تتداخل فيه المشاعر مع ضغط المجتمع ونظرته.

وتدخل زوجته نورة (عائشة كاي) في تحدٍّ مختلف عمَّا عاشته في الموسم الأول؛ فبعدما تمحورت أزماتها سابقاً حول أبنائها وبناتها، تجد نفسها اليوم أمام أزمة تمس علاقتها الزوجية مباشرة. ومع تراكم الضغوط وتصاعد الكلام داخل الحارة، يلحظ الجمهور بداية تصدّع في هذه العلاقة، تحت وطأة المجتمع وثقل سمعته.

سعد... عودة بوجه مزدوج

براء عالم ملثماً في دور الهارب سعد (حساب الفنان في إكس)

في سياقٍ آخر، يعود الشاب سعد (براء عالم) بعد المسار الذي اتخذه في الموسم الأول، حين انحرف وانضم إلى فئات فكرية ضالّة، وانتشر خبر مقتله. غير أن الموسم الثاني يكشف عن أن سعد ما زال حياً، وأنه يتعامل سراً مع الشرطة للقبض على المطلوبين، ليتحرك بين أزقة الحي متلثماً بشماغه، ويظهر في صورة تجمع بين الغموض والخطر.

ويجعل هذا الحضور الملتبس بعضَ سكان الحارة يلمحونه ويشكّون في هويته، كما يضيف خط سعد طبقة جديدة من التوتر إلى عالم «شارع الأعشى». ويعزّز هذا المسار فكرة السمعة والذاكرة والهوية بوصفها عناصر فاعلة في تشكيل مصائر الشخصيات، مانحاً الموسم بُعداً إضافياً يتجاوز الصراع العائلي إلى صراع مع الماضي وصورته في عيون الآخرين.

وجوه جديدة... وشخصيات تتبدّل

وكذلك، يشهد الموسم الجديد تحولاً في شخصية فواز (محمد الحربي)، الذي كان حضوره هامشياً ومحدوداً في الموسم الأول بوصفه صبياً صغيراً، ليظهر اليوم في صورة مراهق يحاول فرض سيطرته على تصرفات أخواته، ويغار عليهن من شباب الحي، في محاولة لمحاكاة التحولات التي يمر بها الصبيان خلال مرحلة الانتقال من الطفولة إلى الشباب.

ويبدو لافتاً ما يحمله الموسم الثاني من «شارع الأعشى» من مشاركة جديدة لعدد من النجوم الذين انضموا إلى العمل، مثل ناصر الدوسري، ومهند الحمدي، ومها محمد، ومحمد الحجي إلى جانب أسماء أخرى؛ وهو ما أسهم في توسيع عالم الحكاية وفتح مسارات درامية جديدة، ومنح الحارة وجوهاً أخرى تتقاطع مع الشخصيات الأساسية.

في المقابل، شهد الموسم الثاني استبدال شخصية ضاري، التي كان يؤديها الممثل عبد الرحمن بن نافع في الجزء الأول، ليحل محله مصعب المالكي. وأثار هذا التغيير جدلاً واسعاً بين الجمهور خلال الأسبوع الأول من العرض، وفتحِ باب المقارنات بين أداء الممثلين، في نقاش يعكس حجم ارتباط المشاهدين بالشخصيات وتفاصيلها.

ديكور وأزياء أكثر ثراءً

على المستوى البصري، يبرز في هذا الموسم تطور واضح في ديكور الحارة؛ إذ جاء أكثر إتقاناً وغنًى بالتفاصيل، بما يعزّز الإحساس بالمكان والزمن، ويمنح المشاهد شعوراً أعمق بالاندماج في العالم الدرامي. فقد بدت الأزقة والبيوت والمحال وكأنها تحمل طبقات من الذاكرة، وتخدم فكرة الحارة بوصفها كائناً حيّاً يراقب ويحتفظ بالأسرار.

وينسجم هذا التطور مع عناية أكبر بتفاصيل الأزياء، التي جاءت مشغولة بدقة بمشاركة مستشارة الأزياء فوزية بن خميس. كما برز فستان زواج عزيزة من خالد، باللون الوردي المنفوش والمشغولات الذهبية، بوصفه أحد أكثر العناصر البصرية لفتاً للانتباه في الحلقات الأولى.

إلى جانب ذلك، يظهر جانب آخر في شخصية الجازي (أميرة الشريف)، يتمثل في اهتمامها بتصميم الأزياء لسيدات الحارة، وهو تفصيل يضيف بُعداً إنسانياً واجتماعياً جديداً إلى نسيج العمل، ويمنحه مساحة أوسع للتعبير عن الأذواق والطبقات والهوية البصرية للشخصيات.

الحارة... محكمة مفتوحة

إجمالاً، يكشف الموسم الثاني عن تحوّل المكان نفسه إلى سلطة قائمة بذاتها؛ فالحارة هنا ليست مجرد خلفية للأحداث، بل محكمة مفتوحة لا تتوقف عن المراقبة وإصدار الأحكام. تتحول النظرات اتهاماً، والكلمات قرارات مصيرية، في حين تكتسب الشائعات قوة تفوق الحقيقة أحياناً، لتدفع الشخصيات نحو اختيارات قاسية لا يفرضها القدر بقدر ما يفرضها المجتمع.

ومع مواصلة المسلسل تصدُّر المشاهدة منذ أسبوعه الأول، يتضح أن الجمهور يتابع هذه التحولات بوصفها امتداداً طبيعياً لعالم تعرّف إليه سابقاً، ويراه اليوم في مواجهة أكثر حدة مع اختياراته ونتائجها. وهكذا يقدّم «شارع الأعشى» في موسمه الثاني حكاية شارع يحتفظ بذاكرته، وأشخاص يخوضون سباقاً يومياً على السمعة، ومجتمعاً يجعل من الصورة العامة ساحة صراع مفتوحة، تتقاطع فيها النيات الحسنة مع قسوة التأويل.