مرشحة لرئاسة أميركا تستعين بالشعر في حملتها الانتخابية

بعدما أصبح الخطاب السياسي كئيباً ومشوهاً

مديرة حملة وارين الرئاسية كامون فيليكس
مديرة حملة وارين الرئاسية كامون فيليكس
TT

مرشحة لرئاسة أميركا تستعين بالشعر في حملتها الانتخابية

مديرة حملة وارين الرئاسية كامون فيليكس
مديرة حملة وارين الرئاسية كامون فيليكس

السيناتور إليزابيث وارين، المرشحة اختارت شاعرة مديرة لحملتها الانتخابية - هل هي فكرة جيدة؟ ربما، بعدما أصبح الخطاب السياسي كئيباً يبعث على السأم. في يونيو (حزيران)، أصبحت كامون فيليكس مديرة لشؤون الاتصالات الاستراتيجية لدى الحملة الرئاسية الخاصة بالسيناتور إليزابيث وارين. وقد أصدرت فيليكس مجموعة شعرية بعنوان «اصنع لنفسك قارباً»، التي جرى ترشيحها قبل وقت قريب لجائزة الكتاب الوطني. وتدور كتابات فيليكس حول انعكاسات التحرش الجنسي على حياة النساء النفسية والاجتماعية، والعنف الذي تمارسه الشرطة، بما في ذلك قصائد حول محاكمة جورج زيمرمان، الرجل الذي أطلق النار على تريفون مارتن.
والآن، هل ينبغي لنا الشعور بالدهشة لوجود مثل هذه الصلة بين أعلى مستويات عالمنا السياسي وأرقى مستويات عالمنا الشعري؟ لا أعتقد ذلك - وإنما يتعين علينا الاستعداد لمعاينة المزيد من هذه الصلات؛ لأنها تبدو قادمة في الأفق ونحن في حاجة إليها بالفعل، وبشدة. وفي الحقيقة، يبدو الخطاب السياسي هذه الأيام مشوهاً للغاية، في ظل التغييرات التي أدخلها الرئيس ترمب ومعاونوه على لغتنا باتجاه الأسوأ، وإعادة تسمية القوميين البيض بـ«اليمين البديل» ووصف الصحافة بـ«الأخبار الزائفة».
وتبقى هناك مشكلة قائمة منذ أمد بعيد في التعبيرات الباهتة (مثل «الشعب الأميركي») التي يجري تكرارها على الصعيد السياسي ببلادنا. ونتاجاً لكل ذلك أصبح الوضع العام اليوم أشبه بهواء محبوس داخل غرفة أغلقت نوافذها بإحكام. ونقف اليوم في مواجهة إخفاقات كثيرة للغاية، بما في ذلك حتى اللغة التي نتواصل من خلالها والسبل التي يمكن لمن هم في السلطة استغلال وإساءة استغلال اللغة من خلالها.
اليوم، تعمل فيليكس وشعراء آخرون على مزج السياسة والحياة العامة والشعر بهدف خلق أعمال تتجاوز حدود اللغة التقليدية وتتحاشى العبارات التي فقدت معناها جراء الاستخدام المفرط. وقد جعلها ذلك مناسبة للعمل مع السيناتور وارين، التي اعتمدت في سيرتها الذاتية التي نشرتها عام 2014 على لغة شعرية وعمدت إلى استخدام تكنيكات لغوية لخلق لحن خفي بين السطور.
في الشهور الأخيرة، أصبحت السيناتور وارين أكثر قدرة على السرد. على سبيل المثال، خلال مؤتمر جماهيري الشهر الماضي، قصت أحداث حريق مصنع «تريانغل للقمصان» بتفاصيل ثرية على النحو التالي: «كان التاريخ 25 مارس (آذار) 1911، وكان يوم سبت. وفي نحو الرابعة و45 دقيقة عصراً، بدأ الناس الذين كانوا يسيرون داخل هذا المتنزه يرفعون رؤوسهم نحو الأعلى ورأوا ألسنة الدخان تتصاعد باتجاه السماء». ورغم استمرار تمسكها بالمهنية، تميل خطابات الحملة الرئاسية لوارين على نحو متزايد باتجاه الشعر.
جدير بالذكر، أن هذه الاستراتيجية سبق وأن أتت بنتائج جيدة لصالح باراك أوباما أثناء حملته الانتخابية عام 2008 ـ ذلك أن الخطابات المؤثرة التي ألقى بها في تلك الفترة غالباً بالشعر، خاصة في ظل إشاراته المتكررة إلى العبارات البليغة لعدد من الخطباء والنشطاء المشاهير، مثل الدكتور مارتن لوثر كينغ ورينهولد نيبوهر. تجدر الإشارة هنا إلى أن أوباما كانت له محاولات شعرية خلال فترة دراسته الجامعية، وكان يبدي دعماً كبيراً للشعراء. وفي خطابه الشهير بعنوان «نحو اتحاد أكثر مثالية» حول التوترات العنصرية، كرر أوباما مراراً «هذا الغضب» للتوكيد:
«هذا الغضب قد لا يجري التعبير عنه علانية، أمام الزملاء أو الأصدقاء البيض». «بعض الأحيان، يجري استغلال هذا الغضب من جانب سياسيين؛ بهدف الفوز بمزيد من الأصوات تبعاً لتقسيمات عنصرية، أو تعويض نقاط قصور لدى السياسي نفسه». «هذا الغضب ليس دوماً مثمراً. في الواقع، في الكثير للغاية من الحالات يشتت الانتباه بعيداً عن حل مشكلات حقيقية».
بوجه عام، هناك بالفعل جمهور عريض للخطب الشعرية، فيما يخص القضايا الاجتماعية. على سبيل المثال، جذب فيديو الكاتبة النسوية ليلي ميرز وهي تلقي قصيدة «نساء منكمشات» أكثر عن 5.8 مليون مشاهدة عبر «يوتيوب». أيضاً، يحظى الشاعر الذي يصف نفسه بالنسوي روبين هولمز، والذي ينشر قصائده تحت اسم مستعار «آر إتش سين»، بمتابعة مليون شخص. وأشارت صحيفة «ذي نيويورك تايمز» إلى مجموعته الشعرية الأخيرة باعتبارها الكتاب الأكثر مبيعاً.
وحقق شعراء آخرون النجاح من خلال قراءات مؤثرة للغاية لنصوص سياسية عبر «يوتيوب». ويمكن القول بوجه عام بأن قراء الشعر في تزايد، فتبعاً لما كشفته دراسة مسحية أجرتها مؤسسة «ناشونال إنداومنت فور ذي آرتس»، قرأ نحو 12 في المائة من الأميركيين البالغين أعمالاً شعرية خلال عام 2017.
وفيما يخصني، أكتب الآن قصائد ذات نبرة سياسية، وأطلقت مبادرة لدعم الشعر الوثائقي، بمعنى الشعر المتداول عبر المقابلات أو التاريخ الشفهي - أعتقد أن المزج بين الشعر والسياسة يتجاوز كونه مجرد أمر يجري من باب التسلية أو كتجربة مثيرة جديدة، وإنما يبدو هذا الخطاب السياسي - الشعري حيوياً للغاية للمرء في مواجهة القصص الكثيرة حول مسائل مثل الغش والاحتيال في أوكرانيا، أو الصعود المستمر للقوميين البيض.
كما أن هناك شعوراً بالإرهاق والسأم يسيطر على القراء لدى مطالعتهم على نحو متكرر قصص حول معسكرات المشردين الكثيرة التي تعج بها كاليفورنيا حالياً، في وقت يشعرون بأنه لم يعد بمقدورهم القراءة أو التصويت بعد تعرضهم لسيل عارم من مثل هذه الأنباء المؤلمة. وهنا، فإن ما يمكن للشعر إنجازه جعل بعض هذه الظواهر حية وذات لمسة شخصية على نحو لم نألفه.
وإذا لم تعد اللغة التي نسمعها عبر نشرات الأخبار التلفزيونية تستفزنا لفعل أي شيء أكثر عن مجرد كتابة تغريدة نعبر خلالها عن صدمتنا، فإن الشعر يعبر عن شيء جديد (أو شيء قديم بأسلوب جديد)، وهذا قد يحفزنا نحو اتخاذ تحركات فعلية على أرض الواقع. إن الشعر باستطاعته محاربة العبارات النمطية والأفكار السائدة.
من ناحية أخرى، يعتبر الشعر الحر الذي يجري في إطاره التعتيم على بعض الكلمات بينما تشكل الكلمات المتبقية القصيدة، نمطاً فنياً متنامياً. وربما تدور مثل هذه الأعمال الشعرية حول جنود في العراق أو أفغانستان أو سجن أبو غريب، مثل بعض أعمال نيك فلين، في الوقت الذي تألف قصائد حرة أخرى باستخدام تقرير مولر.
في هذا الصدد، يمكننا الإشارة إلى «أوليو»، من تأليف تيمبا جيس، الذي كتب عن رجال وسيدات من أصحاب البشرة الداكنة عملوا شعراء منشدين، وكذلك وكتاب مارك نواك الشعري المعنون «كول ماونتن إليمينتري»، بجانب أعمال إريكا ميتنر ومارثا كولينز وآخرين. ومثلما أوضح المؤرخ فيليب متريز، فإن مؤلف هذا النمط من الكتابات يضطلع بدور مختلف يتمثل في دور «المؤرخ والمحقق والفيلسوف والمحرر البديل».
أعتقد هذا النمط من الشعر المدني، حسب رأيي، له تاريخ ـ وقد ربط الشاعر بيرسي بيش شيلي الذي عاش في القرن الـ19 بين الاثنين عندما وصف الشعراء بأنهم «مشرعو العالم غير المعترف بهم».
في ثلاثينات القرن الماضي، رسم موريل روكيسير صورة الرجال العاملين في مناجم ويست فيرجينيا الذين «يصبّون الخرسانة وقواعد الأعمدة، ويعرون الصخر، ويقيمون خلايا الصلب». وفي السنوات الأحدث، ظهر كتاب «مواطن: أغنية أميركية» من تأليف كلوديا رانكين، الذي حقق شهرة واسعة وتضمن قصائد نثرية مروعة حول اعتداءات عنصرية. وتشير الشعبية والمبيعات الكبيرة التي حققها الكتاب، إلى النطاق الواسع الذي يمكن أن يصل إليه المرء من خلال كتابة الشعر السياسي.
أما فيما يخص فيليكس، فإن أشعارها تتميز بطابع مباشر وفج عاطفياً. على سبيل المثال، في قصيدة حول الاعتداء الجنسي، تقول: «هل مسموح لي بتجاهل الشكل. هل مسموح لي بدلاً عن ذلك أن أعلن أنه اغتصبني». وفي القصيدة ذاتها، تقول: «إنني كنت صغيرة ورائعة، شبيهة بفاكهة أو شيء آخر يأخذ من الشمس ويتمدد».
وبالنظر إلى ما وصلت إليه فيليكس، تراودني آمال عريضة بخصوص ما يمكن للشعر تحقيقه إذا ما اندمج بدرجة أكبر في المشهد السياسي الأميركي. وهذه الأيام على وجه الخصوص، نحن في حاجة ماسة إلى ذلك.
- خدمة «نيويورك تايمز»



3 ألواح من قصر الحير الشرقي

ثلاثة ألواح أموية من موقع قصر الحير الشرقي في البادية السورية
ثلاثة ألواح أموية من موقع قصر الحير الشرقي في البادية السورية
TT

3 ألواح من قصر الحير الشرقي

ثلاثة ألواح أموية من موقع قصر الحير الشرقي في البادية السورية
ثلاثة ألواح أموية من موقع قصر الحير الشرقي في البادية السورية

كشفت أعمال التنقيب المتواصلة فيما يُعرف بـ«قصور البادية» خلال القرن الماضي عن فن تصويري أموي مدني، راسخ ومتنوّع، تعدّدت شواهده في ميادين الرسم والنحت والنقش. تتواصل هذه الاكتشافات في زمننا، وأحدثها ثلاثة ألواح مستطيلة منجزة بتقنية الجص الجيري المنحوت، عثرت عليها بعثة سورية سويسرية مشتركة بين 2009 و2010 وسط أطلال موقع سكني يشكّل جزءاً من قصر الحير الشرقي، أكبر القصور الأموية وأضخمها في البادية السورية.

وصل أحد هذه الألواح بشكل كامل، بخلاف اللوحين الآخرين اللذين فقدا جزءاً من عناصرهما، غير أن ما سلم من مكوّناتهما يسمح بتحديد التأليف الأصلي الخاص بكلّ منهما. تتبنّى هذه الأعمال الفنية تقنية النقش الناتئ، وتتبع طرازاً فنياً جامعاً، تتضح خصائصه الأسلوبية عند دراسة ملامح تكوينها. يبلغ طول اللوح الكامل 66 سنتيمتراً، وعرضه 49,5 سنتيمتر، ويحدّه إطار بسيط يخلو من أي حلة زخرفية. يحتلّ وسط التأليف فارس يمتطي جواده، حاملاً طيراً كبيراً. تخرج الصورة عن النسق الكلاسيكي الذي يحاكي المثال الواقعي، وتحلّ في قالب يغلب عليه طابع يجمع بين التحوير والتجريد.

يظهر الرأس والصدر في وضعية المواجهة، وتظهر الساق اليسرى في وضعية جانبية. الوجه بيضاوي، وتتمثّل ملامحه بعينين واسعتين مائلتين فارغتين تخلوان من بؤبؤيهما، وأنف مستطيل ينسلّ من بين وسطهما، وثغر صغير يخرقه شقّ أفقي غائر يفصل بين شفتيه، وذقن مقوّس تكسوه لحية تتصل بشارب عريض. الأنف والحاجبان على نتوء، والشارب واللحية محدّدان بشبكة من الخطوط العمودية المتوازية تمثّل شعيراتهما. يرتدي هذا الفارس بزة تتألف من قطعة واحدة، تكسوها شبكة من الخطوط المتقاطعة، ويعتمر قبة مدبّبة تبدو أشبه بخوذة، تزيّنها كذلك شبكة مماثلة. نراه رافعاً ذراعه اليسرى في اتجاه صدره، قابضاً بيده على لجام حصانه، وفي حركة موازية، رافعاً ذراعه اليمنى نحو الأعلى، حاملاً فوق يده طيراً ضخماً يتدلّى من الأعلى إلى الأسفل.

يصعب تحديد فصيلة هذا الطير، والأرجح أنه صقر. جناحاه مبسوطان ومتلاصقان، وريشهما شبكة من الخطوط المقوّسة. صدره عريض، وريشه شبكة من الخطوط المتقاطعة. ذيله مثلث، وتكسوه خطوط مثلثة. قائمتاه ظاهرتان، وتحدّهما مخالب تحطّ فوق يد الفارس المرفوعة. رأسه صغير، قمّته تلامس خوذة صاحبه، وهو في وضعية جانبية، ومنقاره مدبّب.

يحتلّ الحصان مساحة النصف الأسفل من الصورة، وهو في وضعية جانبية، ويبدو ذيله الطويل متدلياً من خلفه، وتُظهر قائمتاه الخلفيتان حركة بسيطة، مع تقدّم القائمة اليمنى نحو الأمام. في المقابل، تبدو القائمة الأمامية اليسرى مستقيمة وثابتة، وتغيب نظيرتها اليسرى من خلفها بشكل كامل. يحني هذا الحصان رأسه، وتبدو أذناه مدبّبتين على شكل مثلثين متساويين، وعينه لوزة واسعة فارغة، وشدقه شق عمودي غائر. يعلو وسط الظهر سرج عريض، مع شريط يلتف من حوله، تزين طرفه الخلفي أربع كتل دائرية تتدلّى بشكل متناسق. يقابل هذا الشريط الطويل شريط صغير ينعقد فوق الرأس على شكل مثلث تزينه خطوط متوازية.

يحضر الفارس على صهوة حصانه وسط حلة زخرفية نباتية قوامها سعفة كبيرة مقوّسة تحدّها خمس وريقات متوازية من جهة، وغصن مورق يرتفع عمودياً من الجهة الأخرى، تحدّه وريقات صغيرة. تكتمل هذه الحلة بظهور وريقة بيضاوية ضخمة تمتد أفقياً بين قوائم الحصان، في وسط القسم الأسفل من تأليف الصورة.

يقابل هذا اللوح لوح يتبع صياغة فنية مماثلة، غير أنه يبدو أكبر حجماً؛ إذ يبلغ طوله 78,5 سنتيمتر، وعرضه 53.5 سنتيمتر، ويمثّل امرأة تقف في وضعية المواجهة تحت قوس يستقرّ فوق عمودين يعلو كلا منهما تاج، وفقاً لتأليف معروف يُعرف باسم «قوس المجد». الوجه بيضاوي، وتعلوه كتلة من الشعر الكثيف تنعقد نحو الخلف، وفقاً لمثال أنثوي خاص تميّز به الفن التصويري الأموي. العينان لوزيتان واسعتان، ويتوسّط كلا منهما بؤبؤ غائر. الأنف رفيع ومستقيم، والثغر يقتصر على شق أفقي بسيط. العنق قصيرة وشبه غائبة، ويحدّها في الأسفل عقد ينعقد من حول أعلى الكتفين على شكل شريط عريض. ترفع هذه المرأة المكتنزة يديها نحو صدرها، وتتزيّن بسوار عريض يلتف فوق مفصل كوع ذراعها اليمنى. نراها منتصبة وسط سعفتين مورقتين تنعقدان من حول قوس المجد الذي يكلّل هامتها.

النصف الأسفل من الصورة زخرفي بامتياز، وقوامه شبكة من الزهور المحوّرة هندسياً، وكلّ منها زهرة منبسطة تحوّلت بتلاتها المجرّدة إلى تقاسيم هندسية. تماثل هذه الشبكة المتقنة المشربيات، وتبدو كأنها تمثّل مقصورة تقف وسطها هذه المرأة التي خصّص لها هذا اللوح الأموي البديع.

عُثر على هذا اللوح، كما على لوح الفارس، خلال عام 2009. وعُثر في العام التالي على اللوح الثالث، ويمثّل رجلاً يقف وسط إطار مشابه. فقد هذا النقش الناتئ جزءاً كبيراً من مكوّناته، وطوله 70 سنتيمتراً، وعرضه 50 سنتيمتراً. يحضر في وسط التأليف رجل بقي من رأسه الجزء الأيسر من وجهه وذقنه. يتمثّل هذا الجزء من الوجه بعين واسعة يتوسطها بؤبؤ، ويتمثّل الذقن بلحية طويلة تعلوها شعيرات طويلة مرصوفة كأسنان المشط. يحلّ هذا الوجه فوق قامة ترتدي لباساً تزينه شبكة من الخطوط المتقاطعة، تماثل تلك التي تزين رداء الفارس ذي الصقر.

سقط الجزء الأيسر من هذه القامة، وما بقي من الجزء الأيمن يكشف عن ذراع تمتد نحو الصدر، تمسك بيدها سيفاً ينسدل عمودياً بين الساقين في وسط الصورة، وفقاً لقالب نموذجي معروف، ارتبط في المقام الأوّل بتصوير الملوك الساسانيين. ضاعت الحلة الزينية التي تشكل خلفية لهذا اللوح، وبقيت منها وريقتان جانبيتان تظهران حول الذراع اليمنى الخاصة بهذا الرجل الملتحي. تماثل هاتان الورقتان الوريقات التي تظهر على لوح الفارس ولوح المرأة، مما يوحي بأنهما تشكّلان جزءاً من حلة نباتية تتبع النسق المعتمد في صياغة هذه الألواح.

في الخلاصة، يتّضح أن هذه الشواهد الثلاثة خرجت من محترف واحد، وتكوّن مجموعة صغيرة، تُشكّل غصناً من أغصان شجرة الفن التصويري الأموي. ينهل هذا الفن من مناهل الفن المتوسطي الذي جمع بين التقاليد الرومانية والفارسية، ويتجلّى في قوالب مبتكرة، تشكّل امتداداً للطرز المحلية التي سادت في القرون الميلادية الأولى.

خرجت الشواهد الثلاثة من محترف واحد وتكوّن مجموعة صغيرة تُشكّل غصناً من أغصان شجرة الفن التصويري الأموي


روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة
TT

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

الخيال العلمي، من بين أمور أخرى، هو أدب الحديث عن أمور لا أحد يتحدث عنها صراحةً. قد يكون من الأسهل استيعاب جاذبية النزعة القبلية عند تناول موضوع الصراع بين المريخ والأرض. ويمكن استخدام معاناة عمال مناجم الكويكبات للتأمل في الصراع الطبقي واستغلال العمال دون المساس بتجارب الناس الحقيقية. ومثل أدب الرعب والفانتازيا، يُعدّ الخيال العلمي أدباً يعتمد على الاستعارات الحرفية. في هذا السياق، تُصبح الكائنات الفضائية بمثابة سفن قادرة على حمل شحنات متنوعة. قد يكون الكائن الفضائي مسافراً تائهاً من النجوم يسعى يائساً لإنقاذ كوكبه الأم المحتضر، أو غازياً مصمماً على إبادة البشرية، أو كائناً غريباً غامضاً يتحدى طبيعة الواقع، أو ضحية للاستعمار البشري، أو إعادة تصور لبابل القديمة كما تراها الشعوب التي غزتها، أو أي شيء آخر من بين آلاف الاحتمالات. تستكشف العديد من أفضل أعمال الخيال العلمي هذه المواضيع، لتخرج بنتائج مختلفة تماماً، وغالباً ما تكون رائعة. إليكم بعضاً من أعمالنا المفضلة.

«الفجر» لأوكتافيا إي بتلر

تدور أحداث رواية «الفجر»، وهي الأولى في ثلاثية «نسل ليليث» لبتلر، بعد 250 عاماً من حرب نووية دمرت الأرض. وقد أنقذ الأونكالي- وهم جنس فضائي لديه دافع لا يُقهر للتزاوج مع الأنواع الأخرى- البشر القلائل الناجين.

بأسلوبٍ موجزٍ وجميل، يستكشف هذا الكتاب الاستعمار والاستعباد والتنازلات التي قد يفرضها البقاء، والفرح والحزن المختلطين اللذين يرافقان ظهور جيلٍ جديدٍ لم يعد يُنظر إليه بسهولةٍ على أنه بشري. المؤلفة أوكتافيا بتلر بارعة في أدب الخيال العلمي، ورواية «الفجر» تُعدّ من أقوى أعمالها؛ إذ نجحت في جعل الكائنات الفضائية مثيرةً للتعاطف ومرعبةً في آنٍ واحد. إنها قصة عن أول اتصال مع كائنات فضائية، وحكاية عن منزل مسكون، ومقال فلسفي مؤثر بأسلوبٍ قاتم حول طبيعة الوعي والأخطاء التي ارتكبها التطور في خلقنا. وتتحدى الكائنات الفضائية هنا افتراضاتنا حول العلاقة بين الذكاء والوعي الذاتي.

«قصص من حياتك وقصص أخرى» لتيد تشيانغ

يُعدّ تشيانغ من أفضل كتّاب الخيال العلمي المعاصرين، وربما تكون روايته القصيرة «قصة حياتك» أفضل أعماله. هذه الرواية، التي تتصدر المجموعة المذهلة «قصص من حياتك وقصص أخرى» والتي ألهمت فيلم «الوصول»، تبدو أروع في أسلوبها النثري. فكل كلمة وقاعدة نحوية فيها تعكس دقة الفيزياء، وعمق اللغويات، والفلسفة الشعرية لهذه القصة الإنسانية العميقة، والمُحكمة الحبكة. من المعروف أن تعلّم لغة جديدة يُغيّر الدماغ. فماذا قد يتغيّر إذا كانت هذه اللغة هي لغة كائنات فضائية ذات مفهوم مختلف تماماً للزمن؟

«المتحدث باسم الموتى» لأورسون سكوت كارد

يشتهر كارد بروايته «لعبة إندر»، التي تدور حول أطفال مجندين يتدربون على قتال حضارة من الكائنات الفضائية الشبيهة بالحشرات، لكن هذا الجزء الثاني يُعدّ، من بعض النواحي، أفضل. فهو يتمحور حول إندر ويغين، بطل الرواية الأولى في مرحلة المراهقة، وقد أصبح أكثر نضجاً وحكمة. لقد أثقل كاهل إندر شعوره بالذنب، ما جعله قادراً على التريث في إصدار الأحكام المتسرعة، ومنح مساحةً وصوتاً لفهم أعمق. هناك العديد من القصص التي ينشأ فيها الصراع من شخصيات تُنسب دوافع بشرية لسلوكيات الكائنات الفضائية. لكن في هذه القصة، تعكس الأخطاء وسوء الفهم بين البشر وملكة الفورميك والكائنات الفضائية الصغيرة حاجةً أكثر شمولاً إلى التسامح والحقيقة.

«فضائي 3» لبات كاديجان؛ (استناداً إلى سيناريو ويليام جيبسون)

إن الجمع بين اثنين من أعظم الأسماء في أدب «السايبربانك» مع أشهر وحش فضائي في القرن الماضي يجعل من هذا المشروع تحفة فنية. سيناريو جيبسون للفيلم الثالث من سلسلة «Alien» الذي لم يُنتج قط، كما حوّله كاديجان إلى رواية، يُعدّ قصةً آسرةً بحدّ ذاتها، ونظرةً خاطفةً على مسارٍ لم يُسلك في واحدةٍ من أهمّ سلاسل الأفلام في هذا النوع.

«بيرسيركر» لفريد سابيرهاجن

«بيرسيركر» هو الكتاب الأول في سلسلة روايات سابيرهاجن الفضائية الملحمية التي غالباً ما تُهمل ظلماً. يستحقّ هذا الكاتب غزير الإنتاج، الذي توفي عام 2007، أن يُصنّف إلى جانب أسيموف وكلارك وبرادبري كأحد مؤسسي الخيال العلمي الحديث، وهذا الكتاب هو الذي بدأ السلسلة. آلات القتل عديمة العقل ولكنها ماكرة كما تخيّلها عام 1967. للأسف، يبدو عمله أكثر أهمية اليوم. هذا الكتاب متوفر حالياً ككتاب إلكتروني فقط، ولكن يمكن العثور على نسخ ورقية في مكتبات بيع الكتب المستعملة.

«نزهة على جانب الطريق» لأركادي وبوريس ستروغاتسكي؛ (ترجمة أولينا بورماشينكو)

تعدّ رواية «نزهة على جانب الطريق»، بلا منازع أهم أعمال الخيال العلمي السوفياتي الكلاسيكي، وهي رمز فريد للكون المجهول الذي لا يُمكن إدراكه. تدور أحداث هذه الرواية، التي كتبها الأخوان ستروغاتسكي (عالم فيزياء فلكية ومترجم قبل أن يتجها إلى كتابة الروايات)، بعد اتصال غريب وكارثي مع كائنات فضائية، وتتتبع شاباً متمرداً يستكشف ويستغل المنطقة الغريبة التي خلّفها هذا الاتصال، على أمل العثور على آثار فضائية.

إنها قصة عن دوافع الإنسان وإخفاقاته في ظل شيء يتجاوز فهمنا. ولأن هذا وصف دقيق لتجاربنا الحياتية، لا تزال القصة تُؤثر في أجيال بعد نشرها في سبعينيات القرن الماضي.

في هذه الروايات الكائنات الفضائية هي بمثابة سفن قادرة على حمل شحنات متنوعة

«اليد اليسرى للظلام» لأورسولا ك. لو غوين

لا بدّ لأي قائمة تضمّ أعظم كتّاب الخيال العلمي أن تشمل لو غوين، و«اليد اليسرى للظلام» من بين أفضل أعمالها. يخوض الإنسان الذكر جينلي آي والكائن الفضائي ثنائي الميول الجنسية إسترافين غمار كوكب جليدي معقد وواقعي ومليء بالتحديات، تماماً كأي رواية تجسس لجون لو كاريه. إلى جانب كونها قصة مغامرات آسرة، تُعدّ الرواية استكشافاً عميقاً لما يتبقى بعد أن يتخلى جنسٌ ما عن المفاهيم النمطية للجنس. كانت الرواية مثيرة للجدل عند صدورها، ولا تزال كذلك حتى اليوم.

«العدالة التابعة» لآن ليكي

بينما تُمهّد رواية «العدالة التابعة» لثلاثية ليكي «إمبريال رادش»، إلا أنها تتميز أيضاً بقوتها الخاصة. تدور أحداثها حول سفينة حربية واعية محاصرة في جسد بشري، وهي تتلاعب بتقاليد النوع الاجتماعي، وتستكشف آفاقاً رائعة من خلال تناولها لمفهوم الوعي المشترك (مع ما قد يكون تلميحاً خفياً لمتلازمة كوتارد). في عالم ليكي، تبدأ بعض أغرب الكائنات الفضائية حياتها كبشر، على الأقل جزئياً.

* خدمة «نيويورك تايمز»

وجيمس إس إيه كوري هو الاسم المستعار لدانيال أبراهام وتاي فرانك، مؤلفي سلسلة «ذا إكسبانس» التي قاما بتحويلها إلى مسلسل تلفزيوني.

أحدث رواياتهما بعنوان «إيمان الوحوش».

 


بهجة الحظ على الطريقة الصينية

بهجة الحظ على الطريقة الصينية
TT

بهجة الحظ على الطريقة الصينية

بهجة الحظ على الطريقة الصينية

تحمس النقاد لرواية «نادي بهجة الحظ»، الصادرة عن «دار الكرمة» بالقاهرة، للكاتبة الأميركية من أصل صيني إمي تان بشكل لافت حتى أنهم وصفوها بـ«القوية كالأسطورة» و«المذهلة»، فيما اعتبرت الناقدة أليس ووكر أنها «صادقة ومؤثرة وشجاعة بشكل غاية في الجمال حيث لغز رابطة الأم والابنة بطرق لم نعرفها من قبل».

وأجمعت مراجعات عديدة أننا أمام نص أشبه بعلبة أحجية صينية معقدة وغامضة ومترابطة بطريقة تكاد تكون أسطورية في بنيتها مثل حكايات شهرزاد الساحرة لكنها أيضاً واقعية للغاية. تروي الرواية، التي ترجمتها إيناس التركي، كيف أنه في عام 1949 اجتمعت أربع نساء صينيات هاجرن حديثاً إلى سان فرانسيسكو لممارسة لعبة «الماه جونغ» واسترجاع ذكريات الماضي وتبادل الأحاديث والثرثرة حتى وقت متأخر من الليل وقد جمعتهن خسارات لا توصف وأمل جديد فأطلقن على أنفسهن اسم «نادي بهجة الحظ».

تستعرض المؤلفة بذكاء وحساسية تلك الذكريات الموجعة والرقيقة في أحيان أخرى، التي تكشف عن قوة هؤلاء النسوة وهموهن وعزيمتهن، وهي أمور تراها بناتهن المولودات في أميركا غير ذات صلة بحياتهن، كما تستعيد البنات بدورهن لحظات محورية من ماضيهن ويعتقدن أن توقعات أمهاتهن أعاقت قدرتهن على مواجهة غموض المستقبل.

تبدو بنية الرواية السردية وأجواؤها العامة بالفعل ذات طابع مؤثر وحميم حيث نرى من خلال الحبكة الدرامية كيف يمكن أن يؤدي ميراث الألم والأسرار غير المعلنة إلى سوء الفهم، وكيف تكون المحبة قادرة على محو الضرر وتحقيق المصالحة على الرغم من كل شيء، وهو ما يفسر ترجمة الرواية إلى أكثر من 35 لغة، ولماذا باعت عدة ملايين من النسخ وتحولت إلى فيلم سينمائي ناجح.

من أجواء الرواية نقرأ:

«أسست والدتي النسخة الخاصة بسان فرانسسيكو من نادي بهجة الحظ علم 1949 قبل عامين من ولادتي، كان هذا هو العام الذي غادرت فيه أمي وأبي الصين ومعهما صندوق جلدي صلب واحد ممتلئ فقط بالفساتين الحريرية الفاخرة. أوضحت أمي لأبي بعد صعودهما على متن القارب أنه لم يكن هناك وقت لحزم أي شيء آخر ومع ذلك تحركت يداه على نحو محموم بين الحرير الزلق بحثاً عن قمصانه القطنية وسراويله الصوفية.

عندما وصلا إلى سان فرانسيسكو جعلها والدي تخفي تلك الملابس اللامعة وظلت ترتدي نفس الفستان الصيني، بني اللون، المنقوش بالمربعات حتى منحتها جمعية الترحيب باللاجئين فستانين مستعملين كلاهما أكبر بكثير من مقاسات النساء الأميركيات. تألفت الجمعية من مجموعة من السيدات المبشرات الأميركيات ذوات الشعر الأشيب من الكنيسة المعمدانية الصينية الأولى وبسبب هداياهن لم يستطع والدايّ تجاهل نصيحة السيدات المسنات العملية لتحسين لغتهما الإنجليزية من خلال دروس مساء أيام الأربعاء ولاحقاً من خلال تدريب صباح أيام السبت.

هكذا التقى والداي بآل شو وآل جونغ وآل سانت كلير، شعرت أمي بأن نساء هذه العائلات كانت لديهن أيضاً مآس لا توصف تركنها وراءهن في الصين وآمال لم يتمكن من التعبير عنها بلغتهن الانجليزية الضعيفة أو على الأقل لاحظت أمي التبلد في وجوه هؤلاء النساء ورأت كيف تحركت أعينهن بسرعة عندما أخبرتهن بفكرتها عن نادي بهجة الحظ.

كان النادي فكرة تذكرتها أمي من أيام زيجتها الأولى قبل مجيء اليابانيين، لهذا السبب أفكر في نادي بهجة الحظ بوصفه قصتها في الصين كانت ترويها لي دائماً عندما تشعر بالملل وعندما لا يكون هناك ما يمكن فعله بعد غسل كل الأطباق ومسح الطاولة ذات السطح الفورميكا مرتين وعندما يجلس أبي ليقرأ الصحيفة ويدخن سجائره واحدة تلو الأخرى مطالباً بعدم إزعاجه».