شبح التدخل الدولي يخيم على العراق بعد فشل الحكومة في حماية المظاهرات

شبح التدخل الدولي يخيم على العراق بعد فشل الحكومة في حماية المظاهرات

الأحد - 11 شهر ربيع الثاني 1441 هـ - 08 ديسمبر 2019 مـ رقم العدد [ 14985]
بغداد: حمزة مصطفى
في العراق دائماً تأتي الإصلاحات والإجراءات متأخرة. فرضية أن تأتي متأخراً أفضل من ألا تأتي، لا تنطبق على الوضع العراقي. بل باتت تزيد الأوضاع المعقدة أصلاً تعقيداً إضافياً. حكومة عادل عبد المهدي، التي سميت حكومة «الفرصة الأخيرة»، أضاعت بإصرارها على عدم الاستقالة في وقت مبكر، بعد بدء الاحتجاجات في الأول من أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، الفرصة الأخيرة تماماً. فالحجج التي كان يسوقها رئيس الوزراء المستقيل عادل عبد المهدي، بأن الأوضاع يمكن أن تذهب إلى الفوضى في حال قدم استقالته لم تقنع المتظاهرين. ففيما كان شرطهم الأساس هو استقالة الحكومة عند بدء الاحتجاجات تحول هذا الشرط إلى محاسبتها بأثر رجعي بعد قمع الاحتجاجات.

لم تسمع الحكومة صوت المتظاهرين، على الرغم من توالي سقوط الضحايا، قتلى بالمئات، جرحى بعشرات الآلاف، معاقون بعدة آلاف. لكن عبد المهدي نفذ فوراً أمر المرجعية الدينية العليا التي طالبت البرلمان بإقالته. لم يكن أمر التنفيذ يقتصر على تقديم استقالة فقط، بل كان بمثابة إطاعة إلى حد الاستعداد للذبح حين استعان بالآية القرآنية «يا أبتِ افعل ما تؤْمر ستجدني إن شاء اللَّه من الصابرين».

الاستقالة المتأخرة بقدر ما أججت الأوضاع في البلاد، فإنها فتحت بابين في آن واحد؛ الأول باب التصعيد الداخلي الذي بدأه المتظاهرون حين راحوا يرفعون سقوف مطالبهم، بعد أن أدركوا أن الاستقالة كانت بسبب إصرارهم وثباتهم، والثاني شبح التدخل الدولي بدءاً من تقرير ممثلة الأمم المتحدة في العراق جينين بلاسخارت، وصولاً إلى العقوبات الأميركية ضد أربع شخصيات عراقية توصف بأنها مقربة من إيران.

عضو لجنة العلاقات الخارجية في البرلمان العراقي آلا طالباني، تقول لـ«الشرق الأوسط»، إن «المجتمع الدولي لم يعد يقف مكتوف الأيدي حيال ما يجري في العراق، وقد بدأت مؤشرات ذلك خلال اليومين الأخيرين»، مبينة أنه «بالإضافة إلى ما أعلنه سفير الاتحاد الأوروبي في العراق، فإن دولاً مثل بريطانيا وفرنسا دعت إلى محاسبة الجهات المسؤولة عن قتل المتظاهرين السلميين في بغداد، وهو أمر يتزامن مع التصعيد الأميركي الأخير، فضلاً عن تقرير الأمم المتحدة الذي كان صدمة بحد ذاته».

وفيما تتوقع طالباني أن «يكون هناك عنف أكبر خلال الفترة المقبلة»، فإنها ترى أن «كل المؤشرات تؤكد أن رئيس الوزراء المقبل سيتم فرضه من الخارج، لكن الغربي هذه المرة»، في إشارة إلى عدم قدرة إيران على إحكام سيطرتها على الأوضاع في العراق حالياً.

في السياق نفسه، يرى الدكتور ظافر العاني نائب رئيس لجنة العلاقات الخارجية في البرلمان العراقي لـ«الشرق الأوسط»، إن «استقالة رئيس الوزراء والقائد العام للقوات المسلحة لن تعفيه من المساءلة القضائية عن عملية القتل الممنهجة التي تحدث في ظل حكومته، بل ولن تمنع عنه المساءلة الدولية فيما لو عجز القضاء العراقي عن القيام بواجبه تجاه هذه الجرائم».

ويضيف العاني أنه «في الوقت الذي يتوجب على المتظاهرين السلميين الاستمرار في حراكهم، فإنه يتوجب على الحكومة التوقف عن التمادي في استخدام العنف، لأن ذلك ليس في مصلحة البلاد». في سياق ذلك، وصف سفير الاتحاد الأوروبي لدى العراق مارتن هوث، أحداث ساحة الخلاني وجسر السنك وسط بغداد، التي حصلت أول من أمس، بـ«جرائم قتل». وقال في تغريدة له على «تويتر»، إن «ما حدث أمس (الأول) وسط العاصمة العراقية بغداد هو جرائم قتل». وأضاف: «غاضب وأشعر بالحزن العميق على جرائم القتل ضد أعداد من المتظاهرين والقوات الأمنية من قبل عناصر مجرمة من طرف ثالث». وتساءل سفير الاتحاد الأوروبي عمن وصفهم بالمخربين: «من هم المخربون الحقيقيون؟»، في السياق نفسه تساءل السفير الكندي لدى العراق، أولريك شانون، «كيف نعيد استقرار العراق، والدولة تسمح بوجود مجموعات مسلحة تمثل أجندات خاصة؟». وقال شانون في تغريدة له، إنه «لا يجوز في أي بلد ذي سيادة أن تسمح الدولة بوجود مجموعات مسلّحة تمثّل أجندات خاصة. بعد أحداث أمس (الأول) الشنيعة، أدعو السلطات إلى أداء مسؤولياتهم بمحاسبة المجرمين، الذين هاجموا المتظاهرين بشكل مخطّط»، وأوضح قائلاً: «على الدولة حماية مواطنيها في سياق القانون. وإلا فكيف نعيد الاستقرار». أما أستاذ العلوم السياسية في جامعة بغداد الدكتور خالد عبد الإله، فإنه في الوقت الذي يستبعد «تدخلاً دولياً مباشراً في الشأن العراقي حالياً، نتيجة تعقيد العديد من الملفات في المنطقة والحاجة إلى التهدئة في ملفات أخرى»، فإنه يقول في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، إن «هناك شعوراً أميركاً بدأ يتصاعد بأهمية أن يكون العراق أميركياً بامتياز، لا سيما أن المحافظين الجدد يقولون إننا خسرنا الكثير من أجل العراق وقدمناه لإيران»، مبيناً أن «الرئيس الأميركي ترمب بدأ يلمح لأن العراق لم يعط تميزاً للشركات الأميركية النفطية أو غيرها، وهو أمر لن تقبل به الإدارة الأميركية، التي بدأت تفكر بإعادة هيكلة وضعها في العراق، وبدأت تعطي رسائل قوية لإيران بأن تتخلى عن العراق».
العراق أخبار العراق

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة