جماليات الأثر والشغف بالمكان... قصصياً

يحيي مختار يستعيد روح النوبة في «إندو ماندو»

جماليات الأثر والشغف بالمكان... قصصياً
TT

جماليات الأثر والشغف بالمكان... قصصياً

جماليات الأثر والشغف بالمكان... قصصياً

تشكل جماليات الأثر والشغف بالمكان هاجساً محورياً في المجموعة القصصية «إندو ماندو»، للكاتب الروائي يحيي مختار. كما يأتي العنوان نفسه كعلامة نصية على هذا الهاجس، فهو يعني بالنوبية «هنا وهناك»، كاشفاً ما لحق بالنوبيين جراء موجات التهجير التي باعدت بينهم، وانتزعتهم قسراً من أرضهم وبيوتهم الحاضنة لوجودهم، ليعيشوا غربة مزدوجة بين الداخل والخارج، مشتتين بين ذواتهم وأحلامهم التي حملوها معهم في المهجر، ومعاناتهم في التأقلم والتكيف مع نمط حياة لم يعتادوها، وإحساسهم بأنهم أصبحوا غرباء حتى عن أنفسهم.
فمن تتبع المكان والشغف بروحه، وتتبع الأثر واستجلاء جمالياته وأسراره ورموزه في المكان نفسه، تجدل المجموعة بقصصها الأربع أيقونة جمالية أصبحت مفتقدة، تنعكس ظلالها على السرد، وتشكل بؤرة إيقاعه وحركته المنسابة بين دفتي الماضي والحاضر، بينما تبرز رمزية النهر (نهر النيل) كعلامة قطع ووصل بين الحياتين القديمة والجديدة، في ظل جدل حي بين الذاكرة وسيكولوجيتها الذاتية الحالمة، وبين النسيان وصراعها معه من أجل الحفاظ على الوجود النوبي وامتداده في الزمان والمكان، حتى ولو ظل وجوداً في الذاكرة. إنها إذن الغربة أو الاغتراب بالروح والبدن أيضاً، محاولة لترميم كينونة أصبحت مشققة مشروخة... أن تعيش زمناً وواقعاً فرض عليك بالقوة، وحياتك كلها معلقة في زمن آخر بالفعل... لكن ماذا تملك الذات لتصون وجودها داخل هذه الكينونة سوى الشغف بروح المكان، حتى لو كان مجرد ذكرى وعلامة وأثر غابر وصدى صوت يمر على البال كنسمة حانية.
«ليس الأمر احتمالَ أجساد أو قدرة أرواح، هناك ما يمكن أن يقال عن الاقتراب والاحتراق! إذا أردت أن تجد ما تبحث عنه، فعليك أن تحتضن كل شيء... وإن من يشعر بالظمأ الدائم، سيسعى إلى النهر من تلقاء نفسه»... خلاصة خبرة حياة ووجود تتناثر على لسان إمام مسجد القرية، يقدمها في شكل نصيحة مبطنة بغلالة صوفية وهو يجيب عن سؤال الراوي الحائر المفتون بعبقرية نحت معبدي رمسيس الثاني وزوجته نفرتاني في باطن الجبل بأبي سنبل. وذلك في قصة بعنوان «مشن موليه»، لنكتشف حكاية الجبلين المتفردين بتضاريسهما الاستثنائية، وعلاقتهما برحلة الشمس اليومية، وسر احتضانهما لهذين المعبدين خلفهما حتى اكتسبا كينونة خاصة، وأصبحا يعرفان باسم «سهم الشمس»، وهو الترجمة النوبية لاسم القصة. كما نكتشف أن هذين الجبلين هما امتداد لجبل المقطم في الشمال، في مسيرته نحو الجنوب... «كأنما يوثق الرباط بين الشمال والجنوب، كما وثقه النيل بمجراه وواديه».
يبرز هذا الولع بروح المكان بعين إنسانية أخرى تحاول التجاوز والتخطي لعتبة الزمن القديم، متجسداً في حوار مشبوب على لسان يوسف، الكاتب القاص الشاب المثقف بطل قصة «إندو ماندو» التي وسمت المجموعة، وهي القصة الأطول، حيث تمتد على 44 صفحة من أصل 68 صفحة يضمها الكتاب، وبها طرف من سيرة الكاتب نفسه. يخاطب يوسف زوجته مريم (الفنانة التشكيلية) في محاولة للتخفيف عنها من وطأة الشغف بالمكان والحنين الدائم إليه، لكنها رغم حرصها الشديد على أن يكون بيتهما «الكوني» الجديد في أرض الألج، شمال شرقي القاهرة، صورة طبق الأصل من بيتهما الغابر في قريتها النوبية، تظل مؤرقة تدور في فلك وجود ناتئ، تبحث فيه عن ما تسميه النسيان المستحيل، مدركة -كما يورد الكاتب السارد- أن «استمرارها في الحياة كإنسانة، وبقاء وتماسك قوام حياتها واتساقه حتى لا يتفتت وجودها... ضمان ذلك في التذكر، لا في النسيان»، وهي لا تعبأ كثيراً بمقولات يوسف التي يرددها عن النسيان، مؤكدة أنه غارق في ذكرياته، وأحياناً ينادي -ويكاد يصرخ- أن «دوره الأساسي فيما يكتب ألا ينسى الأهل قراهم القديمة وموطنهم وتربة وجودهم، لكنها مع ذلك تنصت إليه بعقلها، أما قلبها الذي يحبه فلا يزال يخفق بذكرياتهما هناك في بيت العائلة والأجداد... «لا نملك شيئاً إزاء صيرورة الحياة وتبدلها... لِم لا تحاولين النسيان؟! حقيقة أحدثك كثيراً عن ذلك، ولكن حاولي من جانبك. معرفتنا القديمة لحياتنا السابقة، لحياتنا هناك، يجب أن ترافقها قدرة مساوية على نسيانها... ينبغي أن يكون هناك تجاوز لتلك المعرفة... أعرف أن ذلك صعب، ولكني أعلم أن هذا هو الثمن الذي يجب سداده لجعل مجموعة رسوماتك ولوحاتك نوعاً من البداية الخاصة».
وعبر ضمائر السرد المتراوحة الشجية بين الحاضر والغائب، بين المفرد والجمع والمخاطب، يتناثر صراع النوبي مع الذاكرة والنسيان في المجموعة بصور وأنساق فنية مختلفة، ويتكثف حين يغادر منطقة المشاعر والأحلام العابرة، ليصبح صراع هوية ووجود، وهو ما يطالعنا على نحو لافت في قصة «الكرج»، وهو طبق فاكهة مصنوع من خوص النخيل، حوافه مبطنة بنوع خاص من الجلود، تصنعه أخت البطل هدية في يوم زفافه، فيحمله معه في موطنه الجديد بالمهجر... لا يقبع الطبق على رف مكتبة البطل قطعة «أنتيك» نادرة، وإنما يتحول إلى علامة هوية ووجود في المكان، يؤنسنه البطل ويتبادل معه الحوار، كأنه روح تحمل في وعائها صوراً لذكريات ومشاهد وأحلام حميمة تتجدد طقوسها كصيرورة حارة دافئة... «كان طبقاً شهياً قطع حوض الدار مئات المرات محمولاً على الأيدي التي تداولته حاوياً البلح والفشار تحية للضيوف، عابراً من المندرة إلى الديواني، ومن أمام الجوسية الذي يحوي خزين بلح العام، ليقطع رحلة أخرى إلى المصطبة خارج الدار، ليعود إلى المندرة».
ويبلغ صراع الهوية ذروته في حوار البطل مع ابنه الذي يرمز لطبيعة الجيل الجديد غير المكترث بتراث الأجداد وأصلهم ولغتهم، بل يضجر الابن من ذلك، فلا يملك الأب حفاظاً على ما تبقى من هويته في رمزية الطبق إلا أن يسلمه لرئيس جمعية التراث النوبي، ليبقى مع أقرانه من مقتنيات الجمعية شاهداً على عراقة هذا التراث.
ومن ثم، لا يتسم فضاء المجموعة بأنه طقس نوبي دافق، وترنيمة حياة منغلقة على نفسها سردياً، إنما يمتد في التاريخ والجغرافيا عبر رحابة إنسانية ومعرفية، لذلك يبرز الوصف كإحدى مناطق الجدارة الفنية في المجموعة، فرغم أنه وصف لا يخلو من نزعة توثيقية، فإنه مشغول دائماً بالمخزون البصري للمكان، يستحضره ويستجلي رموزه وأسراره، كأنه صورة حية نابضة في الذاكرة والوجدان.
ينهض الوصف على آلية البصر والبصيرة، في استرجاع المشاهد والصور وملامح البيئة، ليس فقط بقوة الذاكرة، وإنما بقوة معايشتها كحلم دائم التجوال في الزمن والتاريخ... يطالعنا ذلك في وصف تعامد الشمس على وجه تمثال رمسيس الثاني (ص67) وكأنه لوحة بصرية ساحرة. كما يمتد الوصف إلى تجسيد الشخصية النوبية، وما تتميز به من البساطة والألفة والتسامح وعشق الحياة ومواجهة ما يهددها من مخاوف ومخاطر... يطالعنا ذلك في قصة «شج فرن»، أو «ممر السيف» بالنوبية، الذي يربط بين قريتين في حضن الجبل، وكيف يتحول البطل من مجرد شاب يسبق أقرانه في الوصول إلى الممر، إلى ما يشبه البطل الشعبي بعد قتله التمساح الضخم الذي تحدى كل رصاصات غفير القرية، وظل يخيف الناس متخذاً من الرمال في نهاية الممر مكاناً لقيلولته المطمئنة، لكن التمساح يصرعه وتغوص جثته في النهر... لنصبح إزاء جدلية سردية شديدة التميز والثراء الدلالي، حيث تمتزج الشجاعة بمعنى التضحية، وتتكثف في التخمين بأن الجثة عبرت من القرية الأم مروراً بالقرى المجاورة حتى خزان أسوان الذي تسببت مشاريع تعليته في تهجير النوبيين، لتتحول مغامرة قتل التمساح إلى أنشودة استثنائية لبطولة تشارف الأسطورة... «توقعوا ظهوره عند قرى الشمال، فأقاموا الراصدين على طول الشاطئ ولم يظهر، توقعوا وصوله لبوابات الخزان في أسوان إذا لم يأكله السمك أو تنهش الحدآن جثته، وانتظروه عبثاً... طالت أيام وليالي الانتظار، حتى أيقنوا أنه ذاب وتلاشي بين (الجنينة والشباك) وخزان أسوان».
ومن ثم، فـ«إندو ماندو» ليست فقط مجموعة قصصية شيقة متميزة، إنما هي صيحة وجود سيظل من أجمل النوافذ للإطلالة على التراث المصري بثرائه وتنوعه الحضاري العريق.



مسجد الطابية بأسوان بحلة جديدة في رمضان

مسجد الطابية يطل على نيل أسوان (محافظة أسوان)
مسجد الطابية يطل على نيل أسوان (محافظة أسوان)
TT

مسجد الطابية بأسوان بحلة جديدة في رمضان

مسجد الطابية يطل على نيل أسوان (محافظة أسوان)
مسجد الطابية يطل على نيل أسوان (محافظة أسوان)

يكتسي مسجد الطابية بمحافظة أسوان (جنوب مصر) بحلة جديدة، بعد سلسلة من أعمال التطوير التي تنفذها شبكة الأغاخان للخدمات الثقافية، وأعلن محافظ أسوان، عمرو لاشين، عن تطوير شامل للمسجد وإعادة المشهد البصرى للمحيط العمراني بالإضاءة المبهرة ليلاً، بفكر احترافي يجمع بين الدقة الهندسية والحس الجمالي.

ويعدّ المسجد الذي يتوسط حديقة خضراء في منطقة الطابية، مصدر جذب سياحي لطبيعته التاريخية المميزة، وهو ما تسعى الشركة المنفذة لمشروع التطوير للحفاظ عليه، لتجعله في صدارة المشهد الحضاري للمدينة السياحية، في إطار رؤية متكاملة تقدر القيمة التاريخية للموقع، وتعيد تقديمه بروح معاصرة تليق بمكانته المتميزة التي تتعانق فيها الطبيعة الخلابة مع التاريخ العريق.

وأكد محافظ أسوان أن «أعمال التطوير تشمل تنفيذ منظومة إضاءة خارجية متكاملة تستهدف إبراز العناصر المعمارية الفريدة للمسجد، بالإضافة إلى إعادة صياغة المشهد البصري للمحيط العمراني من خلال الإضاءة المبهرة للمسجد ليلاً، بما يجعله علامة حضرية مضيئة يمكن رؤيتها من مسافات بعيدة، ويعزز حضوره في الذاكرة البصرية لمدينة أسوان التاريخية»، وفق بيان للمحافظة، الثلاثاء.

ويعود موقع الطابية في قلب أسوان إلى عهد محمد علي باشا، تحديداً عام 1811، حين قرر بناء حصن وتأسيس مدرسة حربية بأسوان، لتأمين الحدود الجنوبية، وتهدم الحصن والمدرسة، وأنشئ المسجد على أطلال الحصن في عهد الرئيس جمال عبد الناصر، وتم افتتاحه في عصر السادات، وهو مبني على الطراز المملوكي ومزين بالزخارف الكوفية، ويلعب المسجد دوراً في استطلاع هلال رمضان بفضل موقعه المرتفع، كما يستقطب الزوار من داخل مصر وخارجها بعروض الصوت والضوء. وفق موقع وزارة الأوقاف المصرية.

مسجد الطابية في أسوان (وزارة الأوقاف)

وأشار محافظ أسوان إلى أن جهود تطوير المسجد امتدت لتشمل محيطه وحديقته، حيث يجرى تنفيذ شبكة ري حديثة تعتمد على زراعة مدروسة للزهور والنباتات، وتحقق توازناً بصرياً وبيئياً، وتعيد للحديقة دورها بوصفها مساحة جمالية مفتوحة تخدم المصلين والزائرين على حد سواء، مع مراعاة اختيار عناصر نباتية تتوافق مع طبيعة أسوان ومناخها، مؤكداً أن أعمال الصيانة والترميم بالمسجد مستمرة ضمن رؤية متكاملة تستهدف الارتقاء بالموقع العام للحديقة والمسجد إلى مستوى احترافي، وبفكر يجمع بين الدقة الهندسية والحس الجمالي والاحترام الكامل للتراث، ليكون نموذجاً لإعادة إحياء المواقع التاريخية بلمسات حضرية وجمالية جديدة، تحافظ على هويتها الأصيلة، وتعكس التزام الدولة بالحفاظ على التراث.

مسجد الطابية يجتذب السائحين في أسوان (محافظة أسوان)

ووفق الخبير الآثاري، الدكتور عبد الرحيم ريحان، عضو لجنة التاريخ والآثار بالمجلس الأعلى للثقافة، فإن مسجد الطابية استمد اسمه من موقعه المشيد عليه، ويرجع تاريخ الطابية إلى بداية القرن الـ19، حيث كان مقاماً عليها طابية حربية لتكون مقراً لأول كلية حربية في مصر، وهي واحدة من طابيتين حربيتين في أسوان تم إنشاؤهما في عهد محمد علي باشا.

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «المسجد ارتبط وجدانياً بشعب أسوان، حيث يقبل عليه الكثير من المواطنين في المناسبات الدينية والاحتفالات والأعياد؛ علاوة على أنه أصبح مزاراً سياحياً لأهميته التاريخية وارتفاعه، حيث يمكن رؤية المدينة بأكملها من فوق سطح المسجد، كما يتم استخدامه لاستطلاع هلال شهر رمضان، وفي المساء يقام به عرض الصوت والضوء».

ويؤكد ريحان أن «تطوير بانوراما المسجد يسهم في تحسين الرؤية البصرية لمدينة أسوان عامة، وزيادة المسطحات الخضراء لتتناغم مع تراثها العظيم وجمال كورنيش النيل، وحدائقها المتعددة لتصبح واحة للجمال قديماً وحديثاً».


ياسر جلال يسامح أحمد ماهر في واقعة «التصريح المسيء»

الفنان أحمد ماهر (يوتيوب)
الفنان أحمد ماهر (يوتيوب)
TT

ياسر جلال يسامح أحمد ماهر في واقعة «التصريح المسيء»

الفنان أحمد ماهر (يوتيوب)
الفنان أحمد ماهر (يوتيوب)

أعلن الفنان ياسر جلال قبوله اعتذار الفنان أحمد ماهر بعد انتشار فيديو يحمل لفظاً مسيئاً للمخرج الراحل جلال توفيق، مما أثار جدلاً طويلاً على مواقع التواصل الاجتماعي، وتدخلت نقابة المهن التمثيلية بمصر في الأزمة وقررت إحالة الفنان أحمد ماهر للتحقيق، عقب انتشار فيديو مسيء منسوب له على عدد من المواقع «السوشيالية»، تضمن لفظاً مسيئاً، وجهه الفنان المصري لأسرة المخرج الراحل جلال توفيق، والد ياسر ورامز جلال.

وتقدمت نقابة الممثلين في بيان أصدرته، الثلاثاء، باعتذار رسمي لأسرة المخرج الراحل، بينما أعلن المكتب القانوني للفنانين ياسر ورامز جلال في بيان صحافي متابعة إجراءات التحقيق التي تجريها النقابة بشأن ما صدر عن الفنان أحمد ماهر من إساءة للمخرج الراحل جلال توفيق، وانتظار النتائج.

وأوضح الوكيل القانوني لياسر ورامز جلال، أن المكتب يتابع ما تسفر عنه تحقيقات النقابة، برئاسة الدكتور أشرف زكي، تمهيداً لاتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة حيال ما بدر من إساءة وسب بحق أسرة المخرج الراحل، وكذلك ضد كل من قام بتصوير مقطع الفيديو المتداول، أو نشره أو إعادة نشره عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

وتصدر اسم الفنان أحمد ماهر «الترند»، على موقع «غوغل»، الثلاثاء، عقب إصدار نقابة المهن التمثيلية بيانها وإحالته للتحقيق، وعن رأيه القانوني في الواقعة، أكد المستشار صبرة القاسمي، أن أحمد ماهر وقع ضحية «فخ الخصوصية»، وأن الناشر هو الجاني الحقيقي.

وأضاف القاسمي لـ«الشرق الأوسط» أن «واقعة الفيديو المتداول للفنان أحمد ماهر، الذي ظهر فيه وهو يوجه عبارات حادة للفنان رامز جلال خلال مكالمة هاتفية، بدت عبارات عفوية وأبوية وليست إهانة مقصودة».

الفنان ياسر جلال (حسابه على موقع فيسبوك)

وأشار المحامي المصري إلى أن «الفيديو المسرب يفتقر إلى أهم أركان جريمة (السب والقذف)، وهو القصد الجنائي العلني»، موضحاً أن «من يشاهد المقطع بتمعن يدرك أن الفنان أحمد ماهر كان يتحدث في مكالمة هاتفية خاصة، وبنبرة يغلب عليها (العشم والأبوة)، ولم يكن يعلم مطلقاً أن هناك من يتربص به ويسجل له خلسة، بدليل استنكار إحدى المرافقات له وتسجيلها اعتراضاً بقولها للمصور، (إنت بتصور إيه؟)».

وشدد صبرة القاسمي على أن «الجرم الأكبر يقع على عاتق (الناشر والمصور)، فهما الأجدر بالملاحقة القضائية»، استناداً إلى القواعد القانونية التي تحمي حرمة الحياة الخاصة، وانتهاك الخصوصية وفقاً للمادة 309 مكرر من قانون العقوبات، فإن تسجيل مكالمة أو حديث خاص دون إذن صاحبه هو جريمة «استراق سمع» واعتداء على حرمة الحياة الخاصة.

ونوه القاسمي، بأنه «وفق قانون تقنية المعلومات، فإن الناشر ارتكب جريمة مركبة بنشره محتوى خاصاً بهدف الإساءة والتشهير، وهي من الجرائم التي يعاقب عليها القانون بالحبس مدة لا تقل عن 6 أشهر وغرامة مالية تصل إلى 100 ألف جنيه».

واختتم صبرة القاسمي حديثه قائلاً: «القانون لم يوضع لمعاقبة الناس على أحاديثهم العفوية في هواتفهم، بل وضع لردع من يستغلون التقنية لاختراق خصوصيات البشر»، مشيراً إلى «أن أحمد ماهر في هذه الواقعة هو (مجني عليه)، والعبء القانوني يقع على من خطط وسجل، ونشر هذا المحتوى المسيء».

الفنان رامز جلال (حسابه على موقع فيسبوك)

فيما قال الناقد الفني المصري طارق الشناوي إن «أحمد ماهر من حقه الانتقاد، ولكن دون تجاوز بكلمات لا تليق، بعكس ما جرى في الفيديو، حيث سب الأب بكلمة تتجاوز أي قدرة على الاحتمال».

وأضاف طارق الشناوي لـ«الشرق الأوسط»: «من حق أسرة المخرج الراحل التحرك والغضب، ومن واجب النقابة اتخاذ ما يلزم»، موضحاً أن «الكلام الذي قاله أحمد ماهر يسيء إليه أيضاً، وأن هذه الواقعة لم تكن الأولى التي لم يستطع فيها ضبط رد فعله، فهناك بوصلة لإدراك الخط الفاصل بين الخاص والعام، وما يجوز وما لا يجوز».

ويطمح الشناوي، أن ينتهي الأمر باعتذار أحمد ماهر.

وفي تصريح خاص لـ«الشرق الأوسط» أكد الفنان أحمد ماهر تقديره لموقف النقابة وموقف نجلي المخرج الراحل جلال توفيق، ياسر ورامز جلال تجاهه، لافتاً إلى أن «ما أثير حول الواقعة أمر طبيعي وسلوك قانوني متبع ومحترم».

وأضاف أحمد ماهر: «تصوير الواقعة تم وأنا في حالة نفسية سيئة، وتحديداً وقت خروجي من تقديم واجب عزاء، وحينها تكالبت علي الكاميرات وتم توقيف سيارتي قسراً للحصول على تصريحات، بينما اندس مصور الفيديو وسألني عن برنامج رامز، حيث جاء ردي بشكل عفوي للخروج من الموقف، ولم أقصد الإساءة مطلقاً لهذه الأسرة الكريمة».

وأوضح أحمد ماهر أنه سيذكر جميع ملابسات الواقعة خلال تحقيق النقابة، مشيراً إلى أنه كانت تربطه علاقة قوية وصلة وطيدة بالمخرج الراحل جلال توفيق وعملاً معاً في أعمال فنية عدة، ومن المستحيل أن يذكره بسوء.

إلى ذلك، أعلن الفنان المصري ياسر جلال، قبوله اعتذار الفنان أحمد ماهر ومسامحته، بعد تصريح «مثير» من الأخير، وصف بأنه مسيء وغير مقبول؛ وفق بيان لنقابة المهن التمثيلية بمصر.

ونشر الفنان ياسر جلال مقطع فيديو على صفحته في «فيسبوك»، قال إنه موجه للفنان الكبير أحمد ماهر، وإنه علم باعتذار عن اللفظ المسيء، ويعلم تماماً أنه لم يقصد، مؤكداً أنه قَبِل اعتذاره، ويعرف قدر محبة أحمد ماهر لأبيهما المخرج الراحل. وبصوت مؤثر قال ياسر جلال: «هل تتذكر حين هاتفتك وأخبرتك بأنني أشعر بالحنين لأبي، وأنني أحدثك لأنك تذكرني به، أنت بالفعل أب لنا وأخ كبير، وحصل خير، كلنا بنحبك وبنحترمك».


«حديقة آدم السرية»... الهروب من الحروب على أجنحة الورود

التجهيز الفني الذي يمثّل «حديقة آدم السرية» (الشرق الأوسط)
التجهيز الفني الذي يمثّل «حديقة آدم السرية» (الشرق الأوسط)
TT

«حديقة آدم السرية»... الهروب من الحروب على أجنحة الورود

التجهيز الفني الذي يمثّل «حديقة آدم السرية» (الشرق الأوسط)
التجهيز الفني الذي يمثّل «حديقة آدم السرية» (الشرق الأوسط)

دفع الشعور بعدم الانتماء إلى هذا العالم الفنان التشكيلي السوري سبهان آدم إلى ابتكار الكائنات الممسوخة التي اشتهر بها، وترتبط ارتباطاً مباشراً بشخصه وأوجاعه وآلامه المولودة من أفعال البشر. صحيح أنه يحب الناس والطبيعة، لكنه وجد في هذه المخلوقات ملاذاً له، وهو يردد: «عندما يكون ذلك الكمّ الكبير من الألم داخلك وحولك، يصبح من المستحيل رسم عصافير وأزهار».

ولكن في معرضه «حديقة آدم السرية» يقلب سبهان الصفحة تماماً، متجهاً نحو تجربة تشكيلية جديدة ترسو على أسس مختلفة. فاختار الورود لتشكّل نماذج بشرية تسقط ثم تنتصب، تتألم وتضحك ثم تذبل.

يصوّر سبهان آدم الورود كأشخاص يحزنون ويفرحون (الشرق الأوسط)

في غاليري «ميشن آرت» في شارع مار مخايل، تصطف لوحات سبهان المنفذة بالأكريليك و«الميكسد ميديا». وقد شيّد لكل مجموعة منها عالمها الخاص، مستخدماً ألواناً فاقعة يهرب عبرها من واقع الحروب. وفي رحلة يحلّق فيها على بتلات الزهور، يعبّر عن مشاعر الناس وأحاسيسهم. وعلى خلفيات بيضاء وخضراء وحمراء، يرشد زائر المعرض إلى عالم جديد يخلقه بعيداً عن كائناته البشرية الممسوخة التي طبعت مسيرته.

ويرى مدير أعماله غيث المشنوق أن هذا المعرض يشكّل نقلة نوعية في تجربة سبهان آدم. فمن خلاله يرسم بخياله عالماً آخر يهرب معه من قسوة الحروب. وقد اختار الورود ليحلِّق على أجنحتها في فضاء البشر، ويقول لـ«الشرق الأوسط»: «الأزهار التي يرسمها تشبهنا، فهي تنكسر ثم تعيش، تتحاور في جدالات طويلة ثم تلوذ بالصمت. إنها نماذج إنسانية لا ترضى بحدود اللوحة، فتبحث عن وطن خارجها».

لا يضع سبهان آدم أسماء أو عناوين للوحات، فيترك لأشكالها وألوانها حرية التأويل. ولئلا تغيب كائناته البشرية التي وسمت مسيرته، يقدّمها هذه المرة في منحوتات تتوزع ضمن تجهيز فني صاغه كحديقة غنّاء، يستحضر فيه جمال الحديقة التي خلق فيها الإنسان الأول.

بألوان جريئة وفاقعة تتميّز لوحات سبهان آدم (الشرق الأوسط)

في لوحاته، تشعر بأن لا وردة راضية بواقعها. يضعها في إناء أحمر فتتدلّى بأعناقها الطويلة، زهرية تارةً، وحمراء وزرقاء، خانعة ومنتصبة، على خلفية خضراء، تارة أخرى. وفي مجموعة غيرها بخلفية بيضاء، تخاطبك الزهور برؤوسها البرتقالية والبنفسجية والصفراء الخارجة من إناء أخضر. بعضها يزهو مبتسماً بأكسجين الحياة، وأخرى تختنق مطأطئة الرأس.

يشرح المشنوق: «أن سبهان من الفنانين غزيري الإنتاج. لذلك نرى عشرات اللوحات تتجاور ضمن مجموعات متلاحقة. جرأته في استخدام الألوان الزاهية والمنعشة تعبير عن تمرّد، وكأنها ترفض الواقع الأسود، فتسبح في فضاء الأمل، لأن الألم لا يدوم».

وعن سبب هذه الغزارة، يقول: «تنطلق من شغفه بالرسم، وتعكس في الوقت نفسه أحاسيس جياشة تجتاحه أينما كان. ما إن يمسك الفرشاة حتى تتوالد الأفكار بلا نهاية»، ويضيف: «حين أسأله عن ذلك، يجيب بأن هناك ملايين لم يشاهدوا لوحاته بعد. وهو يتوق إلى إيصالها للعالم كي تجول على كوكب الأرض بأسره».

يهرب الفنان السوري من الحروب عبر أجنحة الورود (الشرق الأوسط)

بدأ سهبان آدم رحلته الفنية بالعمل الدؤوب والتعلّم الذاتي. أحلامه الطفولية كانت تتمحور حول مهن كثيرة إلا الرسم. راحت موهبته الفنية تتبلور منذ بلوغه الخامسة عشرة، حتى وصلت أعماله إلى أعرق دور العرض والمتاحف الحديثة. فجابت باريس، وديجون، وأفينيون، وستراسبورغ، وجنيف، وبيروت، ومدريد. صدر كتاب عنه بتقديم الشاعر أدونيس. وتندرج طريقته ضمن المدرسة التعبيرية التي عُرفت بتشويه الجسد البشري.

ويشير المشنوق، ممثلاً سبهان المقيم حالياً في سوريا، إلى أن «حديقة آدم السرية» يعد أول معرض ملوّن له: «غالباً ما يعبّر في أعماله عن عالم سوداوي، لكنه ينتقل هنا إلى فضاء يحمل رسائل حب، وعنف، وحنين وهجرة. خرج من ذاته ليقدّم المختلف. فهو لا يخزّن المشاهد كما تراها العين، بل يرتكز على اللحظة ومشاعرها ليخلق لوحاته بخياله».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended