مستقبل غامض للسدود الضخمة حول العالم

شكوك حول الجدوى الاقتصادية والأثر البيئي

السدود تسبب كوارث للبيئة والثروة المائية
السدود تسبب كوارث للبيئة والثروة المائية
TT

مستقبل غامض للسدود الضخمة حول العالم

السدود تسبب كوارث للبيئة والثروة المائية
السدود تسبب كوارث للبيئة والثروة المائية

شهدت السدود الضخمة خلال السنوات القليلة الماضية زيادة لافتة في الحوادث. فقد أدّى انهيار سد قيد الإنشاء في لاوس إلى إغراق مساحات واسعة من الأراضي الزراعية ومقتل نحو 200 شخص خلال السنة الماضية. وفي الولايات المتحدة أوشك سد أوروفيل على الانهيار سنة 2017. مما أدى إلى نزوح 190 ألف شخص وإنفاق أكثر من مليار دولار على إصلاحه. وفي العراق كان سد الموصل عرضة للانهيار نتيجة توقف أعمال حقن قاعدته بالإسمنت بعد سيطرة مسلحي تنظيم الدولة عليه في منتصف 2014.
كما تم إلغاء أو تعليق العمل في عدد من مشاريع السدود الكبرى في ميانمار وتايلاند وتشيلي والبرازيل، وفي بعض الحالات خسر المستثمرون مئات ملايين الدولارات من جراء ذلك. وكان البنك الدولي، الذي تؤثر قراراته الاستثمارية على المقرضين الآخرين، بدأ منذ سنة 2013 بالابتعاد عن تمويل بناء السدود الضخمة لتصبح الشركات الصينية لأول مرة الممول الأكبر لبناء السدود حول العالم.
ولا تقتصر الاعتراضات على السدود الكبيرة. فقد أوقفت مجموعات من السكان المحليين والناشطين البيئيين العمل مؤخّراً في سد بسري المتوسط الحجم في لبنان، لأنه «يقضي على موائل طبيعية مهمة ويقع في منطقة معرّضة لمخاطر الزلازل»، وفق المحتجّين. وقد تقدّم المعترضون بدراسات أظهرت أنه يمكن الاستعاضة عن السد بحفر آبار جوفية في الموقع نفسه لاستخراج المياه، إذ إن الهدف الأساسي منه مدّ مدينة بيروت بالمياه وليس إنتاج الكهرباء.
في العالم العربي، يبلغ عدد السدود القائمة والمخططة حالياً 688 سداً بسعة تخزينية إجمالية تبلغ 395 مليار متر مكعب من المياه. ويتركز في مصر والعراق نحو 80 في المائة من هذه السعة، يليهما السودان وسوريا والمغرب بما نسبته 5 في المائة لكلٍ منها. ومن الملاحظ أن عدد السدود المخططة أو التي شيدت منذ بداية هذا القرن هو 242 سداً، جميعها سدود صغيرة، لا يزيد مجموع سعتها عن 24 مليار متر مكعب باستثناء سد مروي في السودان.
ويفضل البنك الدولي حالياً تمويل مشاريع الطاقة المتجددة على تمويل مشاريع بناء السدود الضخمة لإنتاج الكهرباء، إذ أصبح الاستثمار العالمي في طاقة الرياح والطاقة الشمسية يفوق بكثير الاستثمار في الطاقة الكهرومائية. واللافت أن شركة «ثري غورغس» الصينية، التي بنت أحد أضخم السدود في العالم على نهر اليانغتسي سنة 2012. تستثمر الآن بكثافة في مشاريع طاقة الرياح والطاقة الشمسية.
ويبدو أن الحصة السوقية للطاقة الكهرومائية آخذة في التناقص أمام حصة مصادر الطاقة المتجددة الأخرى. ورغم الفوائد الجمّة على المدى القصير والمدى المتوسط، إلا أن الكلفة الاقتصادية والبيئية والاجتماعية للسدود باهظة، خاصةً على المجتمعات المقيمة في أحواض الأنهار المتأثرة بالسدود التي يبلغ تعداد سكانها عالمياً نحو نصف مليار شخص.
ومن الآثار السلبية للسدود تدميرها لمصائد الأسماك بسبب منع هجرتها وإيقاف المواد المغذية التي كانت تصل مصبات الأنهار. كما تسبب السدود خللاً في النظم الهيدرولوجية للأنهار، التي تعتمد عليها النباتات والحيوانات والبشر. وتوجد أدلة متزايدة حول انبعاث غاز الميثان بكميات كبيرة من بحيرات السدود. كما أنها تهدد بزوال مواقع طبيعية وأثرية ونزوح سكاني.
في مصر، أدّى بناء السد العالي في ستينيات القرن الماضي إلى مجموعة من الآثار السلبية التي بدأت بالظهور تدريجياً. ومن بينها فقدان دلتا النيل لمائة مليون طن من الرواسب والطمي كانت تجلبها الفيضانات سنوياً، وهي تترسب حالياً خلف السد العالي وتقلص من جدواه.
وتنشر الدوريات العلمية بشكل متواتر مزيداً من الأبحاث التي تقوض افتراضاتنا الرئيسية حول السدود، ومن بينها البحث الذي أجراه دارسون من جامعة أكسفورد سنة 2014 وشمل 245 سداً بنيت بين 1934 و2007. وخلص البحث إلى أن تكاليف بناء وتشغيل السدود تفوق عوائدها المالية، بغض النظر عن آثارها السلبية الاجتماعية والبيئية.
ووجد البحث أن السدود في المتوسط كانت أعلى كلفة بنسبة 96 في المائة عن الميزانيات المرصودة لها، وأن مدة تنفيذها غالباً ما تزيد بمقدار 44 في المائة عما هو مخطط. ومقارنة بتقنيات توليد الطاقة الأخرى، فإن مشاريع السدود هي صاحبة أسوأ سجل في تجاوز الكلفة والبرنامج الزمني بعد مشاريع الطاقة النووية، في حين تحقق مشاريع الطاقة الشمسية وطاقة الرياح أفضل سجلّ.
وفيما يعتبر المدافعون عن البيئة بأن هذه المعطيات كافية للتوقف عن بناء السدود، يتابع المستثمرون وحلفاؤهم السياسيون جني الأموال من هذه المشاريع، معتمدين في تبرير الجدوى على حساب الكلفة على المدى القصير والمتوسط، مع تجاهل الأعباء التشغيلية والآثار السلبية على المدى الطويل.
وعادةً ما تقترن مشاريع السدود الكبيرة بقضايا الفساد، لأنها تنطوي على إنفاق مليارات الدولارات في أعمال جيولوجية لا يمكن تحديدها بدقة. وفي كثير من الأحيان، تستهلك مشاريع السدود جزءاً كبيراً من المبالغ المخصصة للبنى التحتية، مما يتسبب في أزمة ديون، كما جرى في تركيا والبرازيل والمكسيك ويوغوسلافيا السابقة.
من ناحية أخرى، يؤدّي تغيُّر المناخ إلى تقويض جدوى السدود، نتيجة ازدياد حدوث فترات جفاف أطول وفيضانات أشد. ففي حالة الفيضانات الهائلة، يفترض بناء سدود ضخمة تستطيع استيعاب مساحات واسعة لتخزين المياه، أما في حالة الجفاف فالأمثل أن يكون سطح التخزين أصغر لإقلال التبخر وتحسين التدفق. كما أن خفض مستويات التخزين في السدود لتوفير حيز لاستقبال مياه الفيضانات يعيق توليد الكهرباء كما يزيد من تراكم الطمي.
إن تغيُّر المناخ وزيادة تكرار دورات الجفاف، بالإضافة إلى تراكم الطمي والمشاريع المائية لدول المنبع، تجعل الجدوى من السدود في حدودها الدنيا. وعلى سبيل المثال، شهد سد المسيرة، الذي يعد ثاني أضخم سد في المغرب بعد سد الوحدة، تقلصاً في مساحته السطحية بمقدار 60 في المائة خلال الفترة بين 2016 و2018 نتيجة الجفاف الشديد وتأخر هطول الأمطار، وذلك بشكل مماثل لما أصاب السد بين 2005 و2008، عندما أثّر الجفاف سلباً على معيشة 700 ألف مغربي وأنقص إنتاج الحبوب بمقدار 50 في المائة.
وفي العراق، تراجعت مناسيب السدود نتيجة سوء إدارة الموارد المائية في البلاد ودورات الجفاف القاسية التي أصابت المنطقة خلال السنوات الماضية. كما ارتبط التراجع الحاد لتدفق المياه في نهري الفرات ودجلة ضمن الأراضي العراقية مع مشروع جنوب شرقي الأناضول (غاب) الذي تنفذه الحكومة التركية، ويضم 22 سداً و19 محطة كهرومائية. ووفقاً لتقديرات الحكومة العراقية، أدى مشروع غاب إلى تناقص غزارة نهري دجلة والفرات بمقدار 80 في المائة حتى الآن.
ووفقاً لتقديرات مؤسسة الموارد العالمية التي صدرت السنة الماضية، تراجعت المساحة السطحية لسد الموصل بمقدار 60 في المائة اعتباراً من تسعينيات القرن الماضي. وهذا يؤشر على الوضع الخطير الذي وصلت إليه الموارد المائية السطحية في العراق، علماً أن ملايين العراقيين يعتمدون بشكل كامل على نهري دجلة والفرات لتأمين احتياجاتهم من ماء الشرب والري الزراعي والطاقة والانتقال.
ولا تتأثر السدود بتغيُّر المناخ فحسب، بل تساهم أيضاً في انبعاث غازات الدفيئة. وكانت دراسة نشرت في دورية «بيو ساينس» في سنة 2016 كشفت أن انبعاثات غاز الميثان نتيجة تحلل المواد العضوية في السدود تشكل 1.3 في المائة من مجمل الانبعاثات التي يسببها الإنسان. ومع ذلك فإن الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغيُّر المناخ لا تدرج انبعاثات السدود في حساباتها.
لم تعد صناعة السدود تقدم نفسها باعتبارها خياراً مستقلاً لتوليد «الكهرباء النظيفة»، بل أصبحت تطرح ما تسميه «السدود الذكية»، التي تمثل منتجاً مكملاً لمصادر الطاقة المتجددة الأخرى. فعلى سبيل المثال، يمكن معالجة الاختلافات الموسمية في هطول الأمطار بالاعتماد على الطاقة الشمسية خلال موسم الجفاف والطاقة الكهرومائية خلال موسم الأمطار. وتوجد في الصين سدود تطفو على سطحها ألواح شمسية عائمة، مما يقلل من إشغال الأراضي ويحد من تبخر المياه في بحيرات السدود ويقلل من كلفة الربط مع خطوط شبكة الكهرباء العامة.


مقالات ذات صلة

إيطاليا في حالة تأهب قصوى والمجر تطفئ الأنوار مع موجة حر تجتاح أوروبا

أوروبا أعلنت بعض المستشفيات في إيطاليا الطوارئ بسبب ارتفاع درجات الحرارة (أ.ب)

إيطاليا في حالة تأهب قصوى والمجر تطفئ الأنوار مع موجة حر تجتاح أوروبا

اتخذت ‌إيطاليا خطوة غير مسبوقة بوضع كل مدنها الكبرى في أعلى مستويات التأهب الصحي، بسبب ارتفاع ​درجات الحرارة اليوم الخميس

«الشرق الأوسط» (روما)
أوروبا صورة من بحيرة بايكال في روسيا (أ.ف.ب-أرشيفية)

مشروع سياحي في روسيا يهدد «بايكال» أكبر خزان للمياه العذبة في العالم

يثير مشروع لتطوير السياحة حول بحيرة بايكال في روسيا مخاوف بيئية متزايدة، بعدما سمحت تعديلات قانونية بقطع الأشجار في مناطق كانت تخضع لحماية مشددة.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
العالم مارة يسيرون حاملين المظلات في شارع جيزو-دوري التجاري بسبب موجة حر شديدة بطوكيو يوم 23 يوليو 2026 (رويترز)

نقل المئات إلى المستشفيات جراء «كارثة» الحر الشديد في اليابان

نُقل أكثر من 450 شخصاً في طوكيو إلى المستشفيات خلال يوم واحد؛ للعلاج من مشكلات مرتبطة بالإجهاد الحراري.

«الشرق الأوسط» (طوكيو - باريس)
يوميات الشرق ما نمنحه للكائنات الصغيرة يعود إلينا على هيئة حياة (مجلس مدينة ويستبري وبريندن مورليس)

تمثال مُصمَّم لجذب الحشرات في بريطانيا

في مبادرة تجمع بين الفنّ والحفاظ على البيئة، تُركَّب منحوتة فنية جديدة في متنزه «بينلي بارك» بمدينة ويستبري في مقاطعة ويلتشير البريطانية...

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» بباريس حيث تُعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)

فرنسا تحت وطأة موجة حر جديدة وتحذيرات مع توسع الحرائق

أعلنت فرنسا حال تأهب قصوى في ربع أراضيها تقريباً بسبب موجة حر تؤجج أيضاً الحرائق، فيما قرر عدد من المعالم السياحية مثل برج إيفل الإغلاق باكراً.

«الشرق الأوسط» (باريس)

من نفوق الأسماك إلى القلق والاكتئاب... كيف تؤثر حرارة البحر في البشر؟

موجة الحر البحرية هي فترة ترتفع خلالها درجات حرارة سطح البحر عن المستويات المعتادة (بكسلز)
موجة الحر البحرية هي فترة ترتفع خلالها درجات حرارة سطح البحر عن المستويات المعتادة (بكسلز)
TT

من نفوق الأسماك إلى القلق والاكتئاب... كيف تؤثر حرارة البحر في البشر؟

موجة الحر البحرية هي فترة ترتفع خلالها درجات حرارة سطح البحر عن المستويات المعتادة (بكسلز)
موجة الحر البحرية هي فترة ترتفع خلالها درجات حرارة سطح البحر عن المستويات المعتادة (بكسلز)

لم تعد موجات الحر البحرية مجرد مشكلة بيئية تهدد الشعاب المرجانية والكائنات التي تعيش في المحيطات؛ إذ تشير أبحاث حديثة إلى أن ارتفاع حرارة مياه البحر لفترات طويلة قد يمتد تأثيره إلى صحة الإنسان والأمن الغذائي وسبل العيش وحتى الصحة النفسية.

وخلص فريق من الباحثين من جامعة أديلايد وجامعة هونغ كونغ، في دراسة نُشرت في دورية «Nature Sustainability»، ونقلها موقع «ذا هيلث سايت»، إلى أن موجات الحر البحرية قد تطلق سلسلة من التأثيرات التي تمتد من النظم البيئية البحرية إلى المجتمعات الساحلية والأشخاص الذين يعتمدون على المحيط في غذائهم وأعمالهم وحياتهم اليومية.

ما هي موجة الحر البحرية؟

تُعرّف موجة الحر البحرية بأنها فترة ترتفع خلالها درجات حرارة سطح البحر عن المستويات المعتادة في مكان وزمان محددين، وتستمر لفترة زمنية ممتدة.

ويحذر العلماء من أن هذه الظواهر يمكن أن تؤثر في أعداد كبيرة من البشر والنظم البيئية البحرية، وقد ارتبطت بظواهر مثل ابيضاض الشعاب المرجانية، والنفوق واسع النطاق للكائنات البحرية، وازدهار الطحالب الضارة، واضطرابات كبيرة في مصايد الأسماك وتربية الأحياء المائية.

ومع استمرار ارتفاع درجات الحرارة العالمية، يتوقع الخبراء أن تزداد وتيرة موجات الحر البحرية ومدتها وشدتها، ما قد يجعل آثارها تتجاوز البيئة البحرية لتشكل تهديداً للمجتمعات البشرية أيضاً.

كيف يمكن أن تؤثر موجات الحر البحرية على صحة الإنسان؟

رصد الباحثون مجموعة من التأثيرات المباشرة وغير المباشرة لموجات الحر البحرية على البشر.

ووفق نتائج الدراسة، يمكن لارتفاع حرارة المحيطات أن يزيد من قوة العواصف وغيرها من الظواهر الجوية المتطرفة، وهو ما قد يؤدي إلى إصابات ووفيات وتشريد السكان وتدمير المنازل والممتلكات.

وأشار الباحثون، على سبيل المثال، إلى إعصار أوتيس الذي ضرب المكسيك عام 2023، وشهد اشتداداً سريعاً بشكل غير معتاد فوق مياه دافئة، وتسبب في أضرار قُدرت بنحو 15 مليار دولار.

كما أشاروا إلى إعصار دوكسوري الذي ارتبط بمياه بحرية دافئة بصورة استثنائية، وأثر في أكثر من مليونَي شخص في آسيا عام 2023.

هل تصبح المأكولات البحرية أقل أماناً؟

تمثل سلامة المأكولات البحرية وتوافرها أحد أبرز المخاوف المرتبطة بموجات الحر البحرية. ويمكن للمياه الدافئة أن تشجع على ازدهار أنواع من الطحالب التي تنتج سموماً، ما قد يجعل بعض المأكولات البحرية خطرة على صحة الإنسان.

ولا يقتصر التأثير على سلامة الغذاء؛ إذ يمكن لموجات الحر البحرية أن تؤثر أيضاً في مصايد الأسماك وتربية الأحياء المائية، ما ينعكس على إنتاج المأكولات البحرية وعلى سبل عيش المجتمعات التي تعتمد على المحيط.

ويحذر الباحثون من أن هذه التداعيات قد تتحول إلى مشكلة تتعلق بالأمن الغذائي، خصوصاً في المجتمعات التي تعتمد على المأكولات البحرية مصدراً رئيسياً للغذاء.

هل تمتد آثار موجات الحر البحرية إلى الصحة النفسية؟

من أكثر جوانب الدراسة إثارة للقلق إشارة الباحثين إلى احتمال تأثير موجات الحر البحرية في الصحة النفسية. فالأشخاص الذين ترتبط حياتهم ارتباطاً وثيقاً بالمحيط، سواء من خلال العمل أو الممارسات الثقافية أو الأنشطة الترفيهية، قد يواجهون ضغوطاً عاطفية عندما تتدهور النظم البيئية البحرية التي يعتمدون عليها.

وقد يؤدي تكرار الأضرار البيئية إلى مشاعر مثل القلق والحزن والإحباط والاكتئاب، في إطار ما يُعرف أحياناً بـ«القلق البيئي».

كما ربط الباحثون بين ازدهار الطحالب السامة الذي شهدته جنوب أستراليا عام 2025 وبعض المعاناة النفسية، إلى جانب مشكلات صحية جسدية مثل تهيّج الجهاز التنفسي والربو.

دعوة إلى الاستعداد لتداعيات موجات الحر البحرية

ويرى مؤلفو الدراسة أن على الحكومات ومنظمات الصحة العامة أخذ توقعات موجات الحر البحرية في الاعتبار عند إعداد خطط الاستعداد للطوارئ الصحية.

كما يمكن أن يساعد تعزيز التعاون بين باحثي المحيطات ومسؤولي الصحة ومديري الموارد الساحلية المجتمعات على الاستعداد بشكل أفضل لهذه الظواهر والاستجابة لها بصورة أكثر فاعلية.

وتشير الدراسة في النهاية إلى أن موجات الحر البحرية لا ينبغي التعامل معها باعتبارها أزمة تخص المحيطات وحدها؛ لأن تأثيراتها قد تمتد عبر سلسلة مترابطة تبدأ بالنظم البيئية البحرية وتنتهي بصحة الإنسان وغذائه وسبل عيشه وصحته النفسية.


مركز التنبؤات المناخية الأميركي يحذّر من ظاهرة «النينيو» في الخريف والشتاء

ظاهرة «النينيو» (أ.ف.ب)
ظاهرة «النينيو» (أ.ف.ب)
TT

مركز التنبؤات المناخية الأميركي يحذّر من ظاهرة «النينيو» في الخريف والشتاء

ظاهرة «النينيو» (أ.ف.ب)
ظاهرة «النينيو» (أ.ف.ب)

قال مركز التنبؤات المناخية الأميركي، الخميس، إن ظاهرة «النينيو» تزداد قوة، مرجحاً بنسبة تزيد على 90 في المائة أن تبلغ مستويات شديدة خلال خريف وشتاء 2026- 2027 في النصف الشمالي من الكرة الأرضية.

وأضاف المركز أن هناك احتمالاً بنسبة 69 في المائة لأن تتحول الظاهرة بين أكتوبر (تشرين الأول) وديسمبر (أيلول) 2026 واحدةً من أقوى موجات «النينيو» المسجلة منذ بدء السجلات المناخية الحديثة عام 1950، وربما تتجاوز في شدتها جميع الموجات السابقة.


إطلاق الفقاعات يساعد حيتان العنبر على عدم الطفو إلى السطح خلال الاسترخاء

مجموعة من حيتان العنبر وهي تسبح قبالة ساحل ميلاتسو الصقلي (رويترز)
مجموعة من حيتان العنبر وهي تسبح قبالة ساحل ميلاتسو الصقلي (رويترز)
TT

إطلاق الفقاعات يساعد حيتان العنبر على عدم الطفو إلى السطح خلال الاسترخاء

مجموعة من حيتان العنبر وهي تسبح قبالة ساحل ميلاتسو الصقلي (رويترز)
مجموعة من حيتان العنبر وهي تسبح قبالة ساحل ميلاتسو الصقلي (رويترز)

يعلم أي شخص حاول إبقاء سدادة من الفلين مغمورة تحت الماء أن ذلك يتطلب جهداً، لكن حيتان العنبر تستطيع أن تظل تحت سطح المحيط على الرغم من امتلاكها رؤوساً ضخمة مملوءة بالزيت والشمع والهواء، مما يبدو أنها ستدفعها للطفو صعوداً، وهو إنجاز يعتقد العلماء الآن أنه أصبح ممكناً بفضل نفخ الفقاعات.

وحيتان العنبر هي الحيتان الوحيدة المعروفة التي تستريح في الوضع العمودي في الماء ورؤوسها متجهة نحو الأعلى. ويعتقد العلماء أن هذا الوضع يسهم في حمايتها من حركة الأمواج السطحية دون الحاجة إلى الطاقة اللازمة للغوص إلى أعماق أكبر، لكن الطريقة الدقيقة التي تبقى بها مغمورة ظلت غير واضحة. واكتشف الباحثون الآن أن الحيتان تطلق الفقاعات لتنظيم طفوها في أثناء استراحتها في وضع عمودي تحت سطح المحيط مباشرة.

وقال باتريك ميلر، الباحث في الثدييات البحرية بجامعة سانت آندروز في اسكوتلندا، إن الباحثين يشيرون إلى هذا السلوك بـ«الاسترخاء» بدلاً من «النوم»؛ لأن النوم يؤكد عادة بقياس نشاط الدماغ، وهو أمر لم يتسنَّ التحقق منه بعد في حالة حيتان العنبر. وميلر هو المعد الرئيسي للدراسة المنشورة في دورية (جورنال أوف إكسبيريمينتال بايولوجي) العلمية. ويعتقد العلماء أن هذه الحيوانات نائمة، لكنهم يفضلون استخدام المصطلح الأكثر حذراً لأن الأمر لم يثبت بنحوٍ قاطع.

ولتحري كيفية بقاء الحيتان مغمورة بالمياه في أثناء الاسترخاء، ثبّت الباحثون أجهزة تتبع صغيرة مزودة بكؤوس شفط على حيتان العنبر قبالة سواحل النرويج. وسجلت هذه الأجهزة بيانات الصوت والحركة ثلاثية الأبعاد، مما سمح للعلماء برصد انبعاث الفقاعات ومحاكاة تأثيراتها على وضع هذه الثدييات البحرية في الماء.

ووجد الباحثون أن الفقاعات تقلل من الطفو الإيجابي للحوت؛ أي ميله للاتجاه نحو الأعلى في الماء.

وتميل حيتان العنبر بطبيعتها إلى الطفو بسبب الكميات الكبيرة من زيت العنبر، وهو مادة شمعية موجودة في رؤوسها. ومع انجراف الحيتان ببطء إلى الأعلى في وضع الاسترخاء، تتوسع الغازات الموجودة في رئتيها بسبب انخفاض ضغط الماء قرب السطح. ويساعد إطلاق الفقاعات على مواجهة هذا التأثير، مما يسمح للحيتان بالبقاء شبه معدومة الوزن تحت سطح المياه.

وقال ميلر إن إطلاق الفقاعات يبدو متعمداً. وأضاف أن بعد أكثر من عقدين من تتبع حيتان العنبر باستخدام أجهزة تسجيل الصوت المثبتة عليها «لا نسمع إطلاق الفقاعات إلا في سياق سلوكي محدد للاسترخاء؛ لذا فإن الإطلاق العرضي للغازات هو أمر لا يبدو أن حيتان العنبر تفعله».

ويشتبه العلماء أيضاً في أن هذا السلوك قد يساعد الحيتان على نقل الغازات الزائدة مثل ثاني أكسيد الكربون والنيتروجين من الأنسجة إلى الرئتين، مما قد يؤدي دوراً في تبادل الغازات في عملية الأيض.

وحيتان العنبر هي أكبر الحيتان ذات الأسنان في العالم ويمكنها الغوص إلى أعماق سحيقة بحثاً عن فرائس مثل الحبار العملاق، وتعتمد في التنقل داخل المياه المعتمة على تقنية تحديد الموقع بالصدى؛ إذ تطلق أصوات نقر عالية ثم تستمع إلى الأصداء العائدة لرسم خريطة لمحيطها.

وقال ميلر: «تقضي حيتان العنبر نحو 80 في المائة من وقتها في الغوص إلى أعماق سحيقة بحثاً عن فرائسها. وبسبب الضغط الشديد في أثناء تلك الغطسات، يميل جسمها إلى مراكمة غازات غير مرغوب فيها مثل النيتروجين وثاني أكسيد الكربون التي قد يستغرق انتقالها من الدم إلى الرئتين وقتاً طويلاً. ونظراً لأنها تستريح على مسافات ضحلة جداً، فإن هذه هي الظروف المثالية لتفريغ تلك الغازات غير المرغوب فيها الناتجة عن بحثها عن الطعام في الأعماق».

وأضاف ميلر أن هذه الفكرة يمكن اختبارها في أبحاث مستقبلية.

وتترك الدراسة الجديدة بعض الأسئلة دون إجابة. فعلى سبيل المثال، لا يزال يتعين إثبات ما إذا كانت الحيتان تطلق الفقاعات عمداً، وماهية الإشارات التي تنبهها إلى الحاجة إلى إجراء تعديل.

ويأمل الباحثون أيضاً في تحديد ما إذا كانت حيتان العنبر تنام بنصف دماغ واحد في كل مرة، كما تفعل الدلافين، أم أن نصفي الدماغ ينامان معاً. ويمكن للدراسات المستقبلية استخدام أجهزة استشعار موجات الدماغ أو مراقبة عيون الحيتان في أثناء الاسترخاء للمساعدة في الإجابة عن هذا السؤال.

وفي الوقت الحالي، تشير النتائج إلى أن حيتان العنبر، مثل البشر، قد تكون على استعداد لفعل أي شيء للحصول على قسطٍ جيد من الراحة.