مستقبل غامض للسدود الضخمة حول العالم

شكوك حول الجدوى الاقتصادية والأثر البيئي

السدود تسبب كوارث للبيئة والثروة المائية
السدود تسبب كوارث للبيئة والثروة المائية
TT

مستقبل غامض للسدود الضخمة حول العالم

السدود تسبب كوارث للبيئة والثروة المائية
السدود تسبب كوارث للبيئة والثروة المائية

شهدت السدود الضخمة خلال السنوات القليلة الماضية زيادة لافتة في الحوادث. فقد أدّى انهيار سد قيد الإنشاء في لاوس إلى إغراق مساحات واسعة من الأراضي الزراعية ومقتل نحو 200 شخص خلال السنة الماضية. وفي الولايات المتحدة أوشك سد أوروفيل على الانهيار سنة 2017. مما أدى إلى نزوح 190 ألف شخص وإنفاق أكثر من مليار دولار على إصلاحه. وفي العراق كان سد الموصل عرضة للانهيار نتيجة توقف أعمال حقن قاعدته بالإسمنت بعد سيطرة مسلحي تنظيم الدولة عليه في منتصف 2014.
كما تم إلغاء أو تعليق العمل في عدد من مشاريع السدود الكبرى في ميانمار وتايلاند وتشيلي والبرازيل، وفي بعض الحالات خسر المستثمرون مئات ملايين الدولارات من جراء ذلك. وكان البنك الدولي، الذي تؤثر قراراته الاستثمارية على المقرضين الآخرين، بدأ منذ سنة 2013 بالابتعاد عن تمويل بناء السدود الضخمة لتصبح الشركات الصينية لأول مرة الممول الأكبر لبناء السدود حول العالم.
ولا تقتصر الاعتراضات على السدود الكبيرة. فقد أوقفت مجموعات من السكان المحليين والناشطين البيئيين العمل مؤخّراً في سد بسري المتوسط الحجم في لبنان، لأنه «يقضي على موائل طبيعية مهمة ويقع في منطقة معرّضة لمخاطر الزلازل»، وفق المحتجّين. وقد تقدّم المعترضون بدراسات أظهرت أنه يمكن الاستعاضة عن السد بحفر آبار جوفية في الموقع نفسه لاستخراج المياه، إذ إن الهدف الأساسي منه مدّ مدينة بيروت بالمياه وليس إنتاج الكهرباء.
في العالم العربي، يبلغ عدد السدود القائمة والمخططة حالياً 688 سداً بسعة تخزينية إجمالية تبلغ 395 مليار متر مكعب من المياه. ويتركز في مصر والعراق نحو 80 في المائة من هذه السعة، يليهما السودان وسوريا والمغرب بما نسبته 5 في المائة لكلٍ منها. ومن الملاحظ أن عدد السدود المخططة أو التي شيدت منذ بداية هذا القرن هو 242 سداً، جميعها سدود صغيرة، لا يزيد مجموع سعتها عن 24 مليار متر مكعب باستثناء سد مروي في السودان.
ويفضل البنك الدولي حالياً تمويل مشاريع الطاقة المتجددة على تمويل مشاريع بناء السدود الضخمة لإنتاج الكهرباء، إذ أصبح الاستثمار العالمي في طاقة الرياح والطاقة الشمسية يفوق بكثير الاستثمار في الطاقة الكهرومائية. واللافت أن شركة «ثري غورغس» الصينية، التي بنت أحد أضخم السدود في العالم على نهر اليانغتسي سنة 2012. تستثمر الآن بكثافة في مشاريع طاقة الرياح والطاقة الشمسية.
ويبدو أن الحصة السوقية للطاقة الكهرومائية آخذة في التناقص أمام حصة مصادر الطاقة المتجددة الأخرى. ورغم الفوائد الجمّة على المدى القصير والمدى المتوسط، إلا أن الكلفة الاقتصادية والبيئية والاجتماعية للسدود باهظة، خاصةً على المجتمعات المقيمة في أحواض الأنهار المتأثرة بالسدود التي يبلغ تعداد سكانها عالمياً نحو نصف مليار شخص.
ومن الآثار السلبية للسدود تدميرها لمصائد الأسماك بسبب منع هجرتها وإيقاف المواد المغذية التي كانت تصل مصبات الأنهار. كما تسبب السدود خللاً في النظم الهيدرولوجية للأنهار، التي تعتمد عليها النباتات والحيوانات والبشر. وتوجد أدلة متزايدة حول انبعاث غاز الميثان بكميات كبيرة من بحيرات السدود. كما أنها تهدد بزوال مواقع طبيعية وأثرية ونزوح سكاني.
في مصر، أدّى بناء السد العالي في ستينيات القرن الماضي إلى مجموعة من الآثار السلبية التي بدأت بالظهور تدريجياً. ومن بينها فقدان دلتا النيل لمائة مليون طن من الرواسب والطمي كانت تجلبها الفيضانات سنوياً، وهي تترسب حالياً خلف السد العالي وتقلص من جدواه.
وتنشر الدوريات العلمية بشكل متواتر مزيداً من الأبحاث التي تقوض افتراضاتنا الرئيسية حول السدود، ومن بينها البحث الذي أجراه دارسون من جامعة أكسفورد سنة 2014 وشمل 245 سداً بنيت بين 1934 و2007. وخلص البحث إلى أن تكاليف بناء وتشغيل السدود تفوق عوائدها المالية، بغض النظر عن آثارها السلبية الاجتماعية والبيئية.
ووجد البحث أن السدود في المتوسط كانت أعلى كلفة بنسبة 96 في المائة عن الميزانيات المرصودة لها، وأن مدة تنفيذها غالباً ما تزيد بمقدار 44 في المائة عما هو مخطط. ومقارنة بتقنيات توليد الطاقة الأخرى، فإن مشاريع السدود هي صاحبة أسوأ سجل في تجاوز الكلفة والبرنامج الزمني بعد مشاريع الطاقة النووية، في حين تحقق مشاريع الطاقة الشمسية وطاقة الرياح أفضل سجلّ.
وفيما يعتبر المدافعون عن البيئة بأن هذه المعطيات كافية للتوقف عن بناء السدود، يتابع المستثمرون وحلفاؤهم السياسيون جني الأموال من هذه المشاريع، معتمدين في تبرير الجدوى على حساب الكلفة على المدى القصير والمتوسط، مع تجاهل الأعباء التشغيلية والآثار السلبية على المدى الطويل.
وعادةً ما تقترن مشاريع السدود الكبيرة بقضايا الفساد، لأنها تنطوي على إنفاق مليارات الدولارات في أعمال جيولوجية لا يمكن تحديدها بدقة. وفي كثير من الأحيان، تستهلك مشاريع السدود جزءاً كبيراً من المبالغ المخصصة للبنى التحتية، مما يتسبب في أزمة ديون، كما جرى في تركيا والبرازيل والمكسيك ويوغوسلافيا السابقة.
من ناحية أخرى، يؤدّي تغيُّر المناخ إلى تقويض جدوى السدود، نتيجة ازدياد حدوث فترات جفاف أطول وفيضانات أشد. ففي حالة الفيضانات الهائلة، يفترض بناء سدود ضخمة تستطيع استيعاب مساحات واسعة لتخزين المياه، أما في حالة الجفاف فالأمثل أن يكون سطح التخزين أصغر لإقلال التبخر وتحسين التدفق. كما أن خفض مستويات التخزين في السدود لتوفير حيز لاستقبال مياه الفيضانات يعيق توليد الكهرباء كما يزيد من تراكم الطمي.
إن تغيُّر المناخ وزيادة تكرار دورات الجفاف، بالإضافة إلى تراكم الطمي والمشاريع المائية لدول المنبع، تجعل الجدوى من السدود في حدودها الدنيا. وعلى سبيل المثال، شهد سد المسيرة، الذي يعد ثاني أضخم سد في المغرب بعد سد الوحدة، تقلصاً في مساحته السطحية بمقدار 60 في المائة خلال الفترة بين 2016 و2018 نتيجة الجفاف الشديد وتأخر هطول الأمطار، وذلك بشكل مماثل لما أصاب السد بين 2005 و2008، عندما أثّر الجفاف سلباً على معيشة 700 ألف مغربي وأنقص إنتاج الحبوب بمقدار 50 في المائة.
وفي العراق، تراجعت مناسيب السدود نتيجة سوء إدارة الموارد المائية في البلاد ودورات الجفاف القاسية التي أصابت المنطقة خلال السنوات الماضية. كما ارتبط التراجع الحاد لتدفق المياه في نهري الفرات ودجلة ضمن الأراضي العراقية مع مشروع جنوب شرقي الأناضول (غاب) الذي تنفذه الحكومة التركية، ويضم 22 سداً و19 محطة كهرومائية. ووفقاً لتقديرات الحكومة العراقية، أدى مشروع غاب إلى تناقص غزارة نهري دجلة والفرات بمقدار 80 في المائة حتى الآن.
ووفقاً لتقديرات مؤسسة الموارد العالمية التي صدرت السنة الماضية، تراجعت المساحة السطحية لسد الموصل بمقدار 60 في المائة اعتباراً من تسعينيات القرن الماضي. وهذا يؤشر على الوضع الخطير الذي وصلت إليه الموارد المائية السطحية في العراق، علماً أن ملايين العراقيين يعتمدون بشكل كامل على نهري دجلة والفرات لتأمين احتياجاتهم من ماء الشرب والري الزراعي والطاقة والانتقال.
ولا تتأثر السدود بتغيُّر المناخ فحسب، بل تساهم أيضاً في انبعاث غازات الدفيئة. وكانت دراسة نشرت في دورية «بيو ساينس» في سنة 2016 كشفت أن انبعاثات غاز الميثان نتيجة تحلل المواد العضوية في السدود تشكل 1.3 في المائة من مجمل الانبعاثات التي يسببها الإنسان. ومع ذلك فإن الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغيُّر المناخ لا تدرج انبعاثات السدود في حساباتها.
لم تعد صناعة السدود تقدم نفسها باعتبارها خياراً مستقلاً لتوليد «الكهرباء النظيفة»، بل أصبحت تطرح ما تسميه «السدود الذكية»، التي تمثل منتجاً مكملاً لمصادر الطاقة المتجددة الأخرى. فعلى سبيل المثال، يمكن معالجة الاختلافات الموسمية في هطول الأمطار بالاعتماد على الطاقة الشمسية خلال موسم الجفاف والطاقة الكهرومائية خلال موسم الأمطار. وتوجد في الصين سدود تطفو على سطحها ألواح شمسية عائمة، مما يقلل من إشغال الأراضي ويحد من تبخر المياه في بحيرات السدود ويقلل من كلفة الربط مع خطوط شبكة الكهرباء العامة.


مقالات ذات صلة

السعودية تسجل ولادة أحد أندر الحيوانات في العالم

يوميات الشرق تسجيل ولادة أول مُهر للحمار البري الآسيوي على أرض المملكة منذ أكثر من 100 عام (واس)

السعودية تسجل ولادة أحد أندر الحيوانات في العالم

نجحت جهود الحماية الفطرية في تسجيل ولادة أول مهر للحمار البري الآسيوي على أرض المملكة منذ أكثر من 100 عام، في مؤشر لعودة كائن غاب عن صحاري الجزيرة العربية.

«الشرق الأوسط» (تبوك)
بيئة الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» في باريس حيث تعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)

فرنسا تحذّر من عواصف قوية قد تنهي موجة الحر القياسية

حذّرت هيئة الأرصاد الجوية الفرنسية السبت من عواصف قوية قد تنهي موجة الحر القياسية التي تسببت في عدد من الوفيات في أنحاء غرب أوروبا.

«الشرق الأوسط» (باريس)
شمال افريقيا من تحرك احتجاجي في العاصمة التونسية قبل أيام (رويترز)

تونس: مسيرة على الأقدام ضد التلوث البيئي

خرج محتجون من منطقة «الرويسات» بولاية القيروان الاثنين، في مسيرة على الأقدام نحو «قصر قرطاج» الرئاسي بالعاصمة، احتجاجاً على التلوث البيئي الصادر عن مصنع للأسمنت

«الشرق الأوسط» (تونس)
الخليج يجسد إعادة تأهيل أول مليون هكتار من أراضي الغطاء النباتي التزام السعودية بالاستدامة البيئية (واس)

يوم «السعودية الخضراء» يُجسِّد التحول نحو التنمية المستدامة

يُجسِّد «يوم مبادرة السعودية الخضراء» توجُّه البلاد نحو ترسيخ ثقافة الاستدامة، وتعزيز تكامل الجهود الوطنية في العمل البيئي، وتحفيز مختلف القطاعات للإسهام فيها.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
المشرق العربي فيضانات نهر الخابور في الجزيرة السورية شمال شرقي سوريا (الدافع المدني السوري)

«الألغام ومخلفات الحرب»... تحدٍّ جديد خلال التصدي للفيضانات في سوريا

فيما تواصل فرق الدفاع المدني السوري الاستجابة للتأثيرات الواسعة للمنخفضات الجوية المتتابعة، التي تشهدها المحافظات السورية تظهر للفرق مخاطر لم تكن في الحسبان.

«الشرق الأوسط» (لندن)

فرنسا تحذّر من عواصف قوية قد تنهي موجة الحر القياسية

الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» في باريس حيث تعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)
الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» في باريس حيث تعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تحذّر من عواصف قوية قد تنهي موجة الحر القياسية

الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» في باريس حيث تعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)
الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» في باريس حيث تعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)

حذّرت هيئة الأرصاد الجوية الفرنسية السبت من عواصف قوية قد تنهي موجة الحر القياسية التي تسببت في عدد من الوفيات في أنحاء غرب أوروبا.

وسجلت فرنسا وبريطانيا والبرتغال أعلى درجات حرارة لها على الإطلاق خلال شهر مايو (أيار) في موجة الحر.

وظلت الحرارة أعلى من 33 درجة في باريس وضواحيها السبت، وتجاوزت في عدة مناطق أخرى من فرنسا 30 درجة.

وقالت هيئة الأرصاد الجوية الفرنسية إن «وصول كتلة هوائية أبرد قليلاً» سيؤدي إلى انخفاض درجات الحرارة ليل السبت.

لكنها حذّرت من عواصف في أنحاء شمال فرنسا ستكون «محلية، ولكنها قوية في بعض الأحيان مع تساقط البرد وهبات رياح» تزيد سرعتها على 80 كيلومتراً في الساعة.

ودعت إلى الحذر مع تجمع حشود ضخمة في شوارع باريس لمشاهدة مباراة نهائي دوري أبطال أوروبا لكرة القدم بين فريقَي آرسنال وباريس سان جيرمان، بالإضافة إلى بطولة فرنسا المفتوحة لكرة المضرب، وحفلات موسيقية كبرى.

وسجلت فرنسا أعلى حرارة بلغت 37.8 درجة في مقاطعة شارنت. وأدى ارتفاع الحرارة إلى إلغاء رحلات قطارات، وانقطاع الكهرباء في بعض المدن. ونُسبت بعض الوفيات في فرنسا وبريطانيا إلى موجة الحر.

وقال ماتيو سوريل، الخبير في هيئة الأرصاد الجوية الفرنسية، إنه «من المرجح جداً» أن تشهد البلاد موجات حر شديدة أخرى هذا الصيف.


الذكاء الاصطناعي... دور حاسم في الاقتصاد البيئي

الذكاء الاصطناعي... دور حاسم في الاقتصاد البيئي
TT

الذكاء الاصطناعي... دور حاسم في الاقتصاد البيئي

الذكاء الاصطناعي... دور حاسم في الاقتصاد البيئي

تُذكرني طفرة الذكاء الاصطناعي الحالية بعصر «نشوء» شركات الإنترنت، الذي تابعتُ تطوره من خلال رأس المال الاستثماري في أواخر التسعينيات وأوائل الألفية الجديدة... ضجة إعلامية كبيرة... استثمارات ضخمة... إمكانات لتحولات حقيقية، كما كتب: بول رايلي، مؤسس والرئيس التنفيذي لشركة سامسارا إيكو البيئية(*).

إمكانات الذكاء الاصطناعي

تُركز معظم النقاشات حول الذكاء الاصطناعي اليوم على المكاسب الواضحة في القيمة والإنتاجية والكفاءة. هذا صحيح، ولكنه ليس سوى جزء بسيط من الصورة. أما الإمكانات الأعمق فهي شيء آخر تماماً: إنهاء اقتصاد الاستهلاك الخطي القائم على الاستخراج والإنتاج والتخلص من الوقود الأحفوري، وبالتالي، إنهاء اعتمادنا عليه.

دورة استهلاكية مدمرة

على مدى نصف قرن، عمل الاقتصاد العالمي وفق نموذج بسيط ومدمر: استخراج موارد محدودة من الأرض، وتصنيع منتجات تُستخدم لمرة واحدة في الغالب... ثم التخلص منها. وأخيراً تكرار العملية.

وهكذا تم توظيف البترول في التغليف والملابس، وفي السيارات. كما وُظِّفت المعادن الأساسية في صميم كل تقنية حديثة تقريباً. وهذه القائمة طويلة، لكن النمط واحد، إذ إننا نتعامل مع الموارد المحدودة وكأنها لا تنضب، مع أننا نعلم جميعاً أنها ليست كذلك.

وقد أظهرت جائحة «كوفيد - 19» والنزاع الأخير حول مضيق هرمز مدى هشاشة سلاسل التوريد هذه، ولماذا لم يعد اعتمادنا على موارد محدودة مُركّزة في مناطق جغرافية محدودة استراتيجيةً، مُبرّرة.

البديل: الاقتصاد الدائري

إن «الاقتصاد الدائري» ليس مفهوماً جديداً. إنه نموذج اقتصادي يُعاد فيه تدوير المواد الموجودة بالفعل بشكل لا نهائي، ما يُقلل الحاجة إلى الاستخراج ويُوظّف ما هو موجود فوق سطح الأرض، والذي يُرمى معظمه حالياً في مكبات النفايات.

يُحقق الاقتصاد الدائري كفاءة في استخدام الموارد، ويُعزز سلاسل التوريد، ويفتح آفاقاً جديدة لمصادر المواد. فبدلاً من الاعتماد على عدد قليل من مراكز الاستخراج، تتنوع الاحتياطيات بشكل كبير. وتكتسب الدول والصناعات سيطرة حقيقية على المواد التي تحتاجها. كما أن جدوى إعادة استخدام ما هو موجود بالفعل، بدلاً من إرساله إلى مكبات النفايات، باتت أكثر وضوحاً.

تكلفة عالية للهدر

وحسب تقرير جديد صادر عن «سيركل إيكونومي وديلويت»، يُكلّف غياب مفهوم الاقتصاد الدائري العالم 25.4 تريليون يورو سنوياً، أي ما يعادل نحو 31 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي.

إنَّ الاقتصاد الدائري ليس مجرد إجراء للاستدامة، بل هو ضرورة اقتصادية، وتكلفة تجاهله اليوم تتجلَّى في عدم كفاءة استخدام الموارد، والتخلُّص المبكر من المنتجات، وعدم استغلال الأصول بالشكل الأمثل، وتزايد المخاطر السيادية ومخاطر سلاسل التوريد.

دور الذكاء الاصطناعي

يُقرّبنا الذكاء الاصطناعي من جعل الاقتصاد الدائري النموذج الاقتصادي الافتراضي للمستقبل، لا الاستثناء.

لطالما استُخدمت التقنية الحيوية، وهي ممارسة هندسة الأحياء لتصميم عمليات صناعية جديدة، لحلّ التحديات العالمية، مثل تطوير الإنسولين واللقاحات والوقود الحيوي والمواد الحيوية. غير أن إمكاناتها في مجال الاقتصاد الدائري كانت محدودة بسبب التعقيد الهائل للأنظمة البيولوجية والوقت اللازم لاكتشاف حلول جديدة والتحقق من صحتها.

تقليل وقت الاكتشافات العلمية

تكمن قوة الذكاء الاصطناعي في إيجاد أنماط في مجموعات البيانات البيولوجية الضخمة والمعقدة التي تتجاوز القدرة الإدراكية البشرية. فهو يُضيّق نطاق البحث بشكل كبير ويُقلّل وقت الاكتشاف والتحقق.

تصميم بروتينات وإنزيمات لتدوير المواد

بالنسبة لمفهوم الاقتصاد الدائري، يفتح ذلك الباب أمام مجالات سريعة التطور مثل تصميم البروتينات واكتشاف إنزيمات جديدة قادرة على إعادة تدوير المواد المستهلكة (مثل عبوات البلاستيك والملابس والمعادن الأساسية في النفايات الإلكترونية) وتحويلها إلى مواد خام مطابقة لها.

يُعدّ الذكاء الاصطناعي المُطبّق على التكنولوجيا الحيوية الآلية التي تجعل الاقتصاد الدائري قابلاً للتطبيق على نطاق عالمي، وبالتالي إنهاء اعتماد المجتمع الحديث على الوقود الأحفوري والاقتصاد الخطي.

مرحلة الخمسين عاماً القادمة

لن ينطبق النظام العالمي السائد في الخمسين عاماً الماضية على الخمسين عاماً القادمة، إذ ستزداد قيمة المواد الخام التي تُشغّل حياتنا اليومية، لا العكس. وستمتلك الاقتصادات التي تُسيطر عليها قوة استراتيجية هائلة.

ويُنهي الاقتصاد الدائري هذا الاعتماد. والذكاء الاصطناعي، وهو نفس التقنية التي يُروّج لها اليوم لزيادة الإنتاجية، هو ما يُتيح ذلك بالسرعة والنطاق اللذين يحتاجهما العالم فعلاً.

تصميم النظم الذكية بمسؤولية

لا يخلو الذكاء الاصطناعي من المخاطر، إذ يجب تصميمه بمسؤولية، وبناؤه وفقاً للمعايير الأخلاقية، وتشغيله بالطاقة النظيفة. وإلا، فإنه ببساطة يُفاقم المشكلة التي يُمكنه حلّها. لكن إذا نجحنا في ذلك، فسيبدو عصر شركات الإنترنت متواضعاً بالمقارنة. هذه هي التقنية التي قد تُنهي أخيراً دورة الاستهلاك، وبالتالي تُنهي اعتمادنا على الوقود الأحفوري.

* مجلة «فاست كومباني».


نباتات مهددة بالانقراض بسبب تغيُّر المناخ

غابة محترقة جرّاء ارتفاع درجات الحرارة في مدينة قادس الإسبانية (أ.ف.ب)
غابة محترقة جرّاء ارتفاع درجات الحرارة في مدينة قادس الإسبانية (أ.ف.ب)
TT

نباتات مهددة بالانقراض بسبب تغيُّر المناخ

غابة محترقة جرّاء ارتفاع درجات الحرارة في مدينة قادس الإسبانية (أ.ف.ب)
غابة محترقة جرّاء ارتفاع درجات الحرارة في مدينة قادس الإسبانية (أ.ف.ب)

يرى خبراء أن بعض النباتات التي تضفي طابعاً مميزاً على المناظر الطبيعية المألوفة قد تختفي بحلول نهاية هذا القرن، مع تزايد تأثيرات تغير المناخ في اندثار أنواع نباتية متعددة، من خلال إعادة تشكيل الموائل الملائمة لبقائها، بل تقليصها في كثير من الأحيان.

ووضع الباحثون نماذج لمناطق انتشار عدد من أنواع النباتات الوعائية في المستقبل، وهي فئة تُمثل تقريباً جميع نباتات العالم، وهي تلك التي تحتوي على أنسجة تنقل الماء والمغذيات. ودرسوا أكثر من 67 ألف نوع، أي نحو 18 في المائة من النباتات الوعائية المعروفة في العالم.

ووجد الباحثون أن ما بين 7 و16 في المائة من هذه النباتات قد تفقد أكثر من 90 في المائة من نطاق انتشارها، ما يضعها أمام خطر مرتفع للغاية للانقراض. ومن بين الأمثلة على ذلك شجرة كاتالينا الحديدية، المعروفة أيضاً بشجرة الجزيرة الحديدية، وهي من الأشجار النادرة التي تنحصر موائلها في ولاية كاليفورنيا الأميركية، وطحلب السنبلة المزرق المنتمي إلى سلالة نباتية يعود تاريخها إلى أكثر من 400 مليون سنة، إضافة إلى نحو ثلث أنواع الأوكالبتوس، إحدى أشهر المجموعات النباتية في أستراليا.

أشعة الشمس تظهر وسط أشجار في غابة بسويسرا (رويترز)

وتوصل الباحثون إلى هذه التقديرات بعد فحص ملايين السجلات المتعلقة بمواقع النباتات، بالإضافة إلى سيناريوهات انبعاثات غازات الاحتباس الحراري للفترة من عام 2081 إلى 2100.

وموطن النبات ليس مجرد مكان على الخريطة، بل مجموعة كاملة من الظروف التي يحتاج إليها، من درجة الحرارة والأمطار والتربة واستخدام الأراضي وخصائص المناظر الطبيعية مثل الظل.

وقالت جونا وانغ، التي تجري أبحاث ما بعد الدكتوراه بجامعة ييل وشياولي دونغ أستاذة العلوم والسياسات البيئية بجامعة كاليفورنيا في ديفيس، في تعليقات مشتركة لـ«رويترز»: «إحدى الطرق لتصور ذلك تخيل النباتات وهي تحاول اتباع (غلاف مناخي) متحرك. مع ارتفاع درجات الحرارة، يمكن لكثير من الأنواع أن تنتقل شمالاً أو صعوداً لتبقى في مكان بارد بما يكفي. لكن درجة الحرارة ليست سوى جزء من القصة».

وساعدت جونا وانغ وشياولي دونغ في قيادة الدراسة التي نشرت في مجلة «ساينس».

وأشارت الدراسة إلى أن تغيُّر المناخ يقلص في كثير من المناطق هذه المجموعة من الظروف، ليترك عدداً أقل من المناطق التي لا تزال تتوفر فيها جميع الظروف التي تحتاج إليها الأنواع معاً.

وبالنسبة للنباتات، عادة ما يحدث الانتقال أو الانتشار عبر الأجيال، عن طريق البذور التي تحملها الرياح أو المياه أو الحيوانات أو الجاذبية. ومع ذلك، عندما قارن الباحثون الانتقال الواقعي بسيناريو يمكن فيه للنباتات الوصول إلى أي موطن جديد مناسب كانت معدلات الانقراض متشابهة جداً.

وتُشكل النباتات أساس معظم النظم البيئية على الأرض، فهي تخزن الكربون، وتعمل على توازن التربة وتدعم الحياة البرية وتوفر الغذاء والخشب والأدوية والمواد الأخرى. لذا، يمكن أن يكون للتغيرات في تنوع النباتات آثار متتالية على الطبيعة والبشر.

وقالت جونا وانغ وشياولي دونغ: «إذا أدّى تغير المناخ إلى تقليل الغطاء النباتي فقد تمتص النظم البيئية كمية أقل من ثاني أكسيد الكربون من الغلاف الجوي، ما قد يؤدي إلى زيادة حدة الاحتباس الحراري. وهذا يخلق حلقة مفرغة يؤدي فيها تغير المناخ إلى الإضرار بالنباتات، ويؤدي انخفاض الغطاء النباتي أو الإنتاجية بدوره إلى تفاقم تغير المناخ».

وأضافتا: «في نهاية المطاف، لا تقتصر حماية التنوع النباتي على الحفاظ على الطبيعة لذاتها فحسب، بل تتعلق أيضاً بالحفاظ على النظم البيئية التي تدعم المجتمعات البشرية».