مستقبل غامض للسدود الضخمة حول العالم

شكوك حول الجدوى الاقتصادية والأثر البيئي

السدود تسبب كوارث للبيئة والثروة المائية
السدود تسبب كوارث للبيئة والثروة المائية
TT

مستقبل غامض للسدود الضخمة حول العالم

السدود تسبب كوارث للبيئة والثروة المائية
السدود تسبب كوارث للبيئة والثروة المائية

شهدت السدود الضخمة خلال السنوات القليلة الماضية زيادة لافتة في الحوادث. فقد أدّى انهيار سد قيد الإنشاء في لاوس إلى إغراق مساحات واسعة من الأراضي الزراعية ومقتل نحو 200 شخص خلال السنة الماضية. وفي الولايات المتحدة أوشك سد أوروفيل على الانهيار سنة 2017. مما أدى إلى نزوح 190 ألف شخص وإنفاق أكثر من مليار دولار على إصلاحه. وفي العراق كان سد الموصل عرضة للانهيار نتيجة توقف أعمال حقن قاعدته بالإسمنت بعد سيطرة مسلحي تنظيم الدولة عليه في منتصف 2014.
كما تم إلغاء أو تعليق العمل في عدد من مشاريع السدود الكبرى في ميانمار وتايلاند وتشيلي والبرازيل، وفي بعض الحالات خسر المستثمرون مئات ملايين الدولارات من جراء ذلك. وكان البنك الدولي، الذي تؤثر قراراته الاستثمارية على المقرضين الآخرين، بدأ منذ سنة 2013 بالابتعاد عن تمويل بناء السدود الضخمة لتصبح الشركات الصينية لأول مرة الممول الأكبر لبناء السدود حول العالم.
ولا تقتصر الاعتراضات على السدود الكبيرة. فقد أوقفت مجموعات من السكان المحليين والناشطين البيئيين العمل مؤخّراً في سد بسري المتوسط الحجم في لبنان، لأنه «يقضي على موائل طبيعية مهمة ويقع في منطقة معرّضة لمخاطر الزلازل»، وفق المحتجّين. وقد تقدّم المعترضون بدراسات أظهرت أنه يمكن الاستعاضة عن السد بحفر آبار جوفية في الموقع نفسه لاستخراج المياه، إذ إن الهدف الأساسي منه مدّ مدينة بيروت بالمياه وليس إنتاج الكهرباء.
في العالم العربي، يبلغ عدد السدود القائمة والمخططة حالياً 688 سداً بسعة تخزينية إجمالية تبلغ 395 مليار متر مكعب من المياه. ويتركز في مصر والعراق نحو 80 في المائة من هذه السعة، يليهما السودان وسوريا والمغرب بما نسبته 5 في المائة لكلٍ منها. ومن الملاحظ أن عدد السدود المخططة أو التي شيدت منذ بداية هذا القرن هو 242 سداً، جميعها سدود صغيرة، لا يزيد مجموع سعتها عن 24 مليار متر مكعب باستثناء سد مروي في السودان.
ويفضل البنك الدولي حالياً تمويل مشاريع الطاقة المتجددة على تمويل مشاريع بناء السدود الضخمة لإنتاج الكهرباء، إذ أصبح الاستثمار العالمي في طاقة الرياح والطاقة الشمسية يفوق بكثير الاستثمار في الطاقة الكهرومائية. واللافت أن شركة «ثري غورغس» الصينية، التي بنت أحد أضخم السدود في العالم على نهر اليانغتسي سنة 2012. تستثمر الآن بكثافة في مشاريع طاقة الرياح والطاقة الشمسية.
ويبدو أن الحصة السوقية للطاقة الكهرومائية آخذة في التناقص أمام حصة مصادر الطاقة المتجددة الأخرى. ورغم الفوائد الجمّة على المدى القصير والمدى المتوسط، إلا أن الكلفة الاقتصادية والبيئية والاجتماعية للسدود باهظة، خاصةً على المجتمعات المقيمة في أحواض الأنهار المتأثرة بالسدود التي يبلغ تعداد سكانها عالمياً نحو نصف مليار شخص.
ومن الآثار السلبية للسدود تدميرها لمصائد الأسماك بسبب منع هجرتها وإيقاف المواد المغذية التي كانت تصل مصبات الأنهار. كما تسبب السدود خللاً في النظم الهيدرولوجية للأنهار، التي تعتمد عليها النباتات والحيوانات والبشر. وتوجد أدلة متزايدة حول انبعاث غاز الميثان بكميات كبيرة من بحيرات السدود. كما أنها تهدد بزوال مواقع طبيعية وأثرية ونزوح سكاني.
في مصر، أدّى بناء السد العالي في ستينيات القرن الماضي إلى مجموعة من الآثار السلبية التي بدأت بالظهور تدريجياً. ومن بينها فقدان دلتا النيل لمائة مليون طن من الرواسب والطمي كانت تجلبها الفيضانات سنوياً، وهي تترسب حالياً خلف السد العالي وتقلص من جدواه.
وتنشر الدوريات العلمية بشكل متواتر مزيداً من الأبحاث التي تقوض افتراضاتنا الرئيسية حول السدود، ومن بينها البحث الذي أجراه دارسون من جامعة أكسفورد سنة 2014 وشمل 245 سداً بنيت بين 1934 و2007. وخلص البحث إلى أن تكاليف بناء وتشغيل السدود تفوق عوائدها المالية، بغض النظر عن آثارها السلبية الاجتماعية والبيئية.
ووجد البحث أن السدود في المتوسط كانت أعلى كلفة بنسبة 96 في المائة عن الميزانيات المرصودة لها، وأن مدة تنفيذها غالباً ما تزيد بمقدار 44 في المائة عما هو مخطط. ومقارنة بتقنيات توليد الطاقة الأخرى، فإن مشاريع السدود هي صاحبة أسوأ سجل في تجاوز الكلفة والبرنامج الزمني بعد مشاريع الطاقة النووية، في حين تحقق مشاريع الطاقة الشمسية وطاقة الرياح أفضل سجلّ.
وفيما يعتبر المدافعون عن البيئة بأن هذه المعطيات كافية للتوقف عن بناء السدود، يتابع المستثمرون وحلفاؤهم السياسيون جني الأموال من هذه المشاريع، معتمدين في تبرير الجدوى على حساب الكلفة على المدى القصير والمتوسط، مع تجاهل الأعباء التشغيلية والآثار السلبية على المدى الطويل.
وعادةً ما تقترن مشاريع السدود الكبيرة بقضايا الفساد، لأنها تنطوي على إنفاق مليارات الدولارات في أعمال جيولوجية لا يمكن تحديدها بدقة. وفي كثير من الأحيان، تستهلك مشاريع السدود جزءاً كبيراً من المبالغ المخصصة للبنى التحتية، مما يتسبب في أزمة ديون، كما جرى في تركيا والبرازيل والمكسيك ويوغوسلافيا السابقة.
من ناحية أخرى، يؤدّي تغيُّر المناخ إلى تقويض جدوى السدود، نتيجة ازدياد حدوث فترات جفاف أطول وفيضانات أشد. ففي حالة الفيضانات الهائلة، يفترض بناء سدود ضخمة تستطيع استيعاب مساحات واسعة لتخزين المياه، أما في حالة الجفاف فالأمثل أن يكون سطح التخزين أصغر لإقلال التبخر وتحسين التدفق. كما أن خفض مستويات التخزين في السدود لتوفير حيز لاستقبال مياه الفيضانات يعيق توليد الكهرباء كما يزيد من تراكم الطمي.
إن تغيُّر المناخ وزيادة تكرار دورات الجفاف، بالإضافة إلى تراكم الطمي والمشاريع المائية لدول المنبع، تجعل الجدوى من السدود في حدودها الدنيا. وعلى سبيل المثال، شهد سد المسيرة، الذي يعد ثاني أضخم سد في المغرب بعد سد الوحدة، تقلصاً في مساحته السطحية بمقدار 60 في المائة خلال الفترة بين 2016 و2018 نتيجة الجفاف الشديد وتأخر هطول الأمطار، وذلك بشكل مماثل لما أصاب السد بين 2005 و2008، عندما أثّر الجفاف سلباً على معيشة 700 ألف مغربي وأنقص إنتاج الحبوب بمقدار 50 في المائة.
وفي العراق، تراجعت مناسيب السدود نتيجة سوء إدارة الموارد المائية في البلاد ودورات الجفاف القاسية التي أصابت المنطقة خلال السنوات الماضية. كما ارتبط التراجع الحاد لتدفق المياه في نهري الفرات ودجلة ضمن الأراضي العراقية مع مشروع جنوب شرقي الأناضول (غاب) الذي تنفذه الحكومة التركية، ويضم 22 سداً و19 محطة كهرومائية. ووفقاً لتقديرات الحكومة العراقية، أدى مشروع غاب إلى تناقص غزارة نهري دجلة والفرات بمقدار 80 في المائة حتى الآن.
ووفقاً لتقديرات مؤسسة الموارد العالمية التي صدرت السنة الماضية، تراجعت المساحة السطحية لسد الموصل بمقدار 60 في المائة اعتباراً من تسعينيات القرن الماضي. وهذا يؤشر على الوضع الخطير الذي وصلت إليه الموارد المائية السطحية في العراق، علماً أن ملايين العراقيين يعتمدون بشكل كامل على نهري دجلة والفرات لتأمين احتياجاتهم من ماء الشرب والري الزراعي والطاقة والانتقال.
ولا تتأثر السدود بتغيُّر المناخ فحسب، بل تساهم أيضاً في انبعاث غازات الدفيئة. وكانت دراسة نشرت في دورية «بيو ساينس» في سنة 2016 كشفت أن انبعاثات غاز الميثان نتيجة تحلل المواد العضوية في السدود تشكل 1.3 في المائة من مجمل الانبعاثات التي يسببها الإنسان. ومع ذلك فإن الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغيُّر المناخ لا تدرج انبعاثات السدود في حساباتها.
لم تعد صناعة السدود تقدم نفسها باعتبارها خياراً مستقلاً لتوليد «الكهرباء النظيفة»، بل أصبحت تطرح ما تسميه «السدود الذكية»، التي تمثل منتجاً مكملاً لمصادر الطاقة المتجددة الأخرى. فعلى سبيل المثال، يمكن معالجة الاختلافات الموسمية في هطول الأمطار بالاعتماد على الطاقة الشمسية خلال موسم الجفاف والطاقة الكهرومائية خلال موسم الأمطار. وتوجد في الصين سدود تطفو على سطحها ألواح شمسية عائمة، مما يقلل من إشغال الأراضي ويحد من تبخر المياه في بحيرات السدود ويقلل من كلفة الربط مع خطوط شبكة الكهرباء العامة.


مقالات ذات صلة

دراسة: تغيير توقيت استهلاك مراكز البيانات للطاقة قد يخفض التكاليف

تكنولوجيا يمكن لمراكز البيانات خفض تكاليف الكهرباء عبر نقل جزء من أحمالها الحاسوبية إلى الساعات الأقل طلباً على الشبكة (غيتي)

دراسة: تغيير توقيت استهلاك مراكز البيانات للطاقة قد يخفض التكاليف

تُظهر دراسة أن تغيير توقيت استهلاك مراكز البيانات قد يخفض تكاليف الكهرباء؛ لكن أثره البيئي يختلف حسب مصادر الطاقة المحلية.

نسيم رمضان (لندن)
بيئة ألفارو لاريو رئيس الصندوق الدولي للتنمية الزراعية (إيفاد)

«إيفاد» لـ«الشرق الأوسط»: السعودية من أكبر المانحين... ويمكننا دعم مبادراتها بالزراعة الذكية

أكد رئيس الصندوق الدولي للتنمية الزراعية (إيفاد)، ألفارو لاريو، أن السعودية ترتبط مع الصندوق بشراكة استراتيجية طويلة الأمد تعود إلى بداية المؤسسة عام 1978،…

غازي الحارثي (الرياض)
الولايات المتحدة​ الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» في باريس حيث تعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)

غوتيريش: على الحكومات اعتبار مكافحة تغير المناخ أولوية رئيسية

قال الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش اليوم الأربعاء إنه ينبغي للحكومات وضع مكافحة تغير المناخ ضمن أولوياتها ​الرئيسية، مع ازدياد حدة المخاطر المناخية

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك أشخاص يحتمون بالمظلات من أشعة الشمس مع ارتفاع درجات الحرارة خلال فعاليات أسبوع الموضة في ميلانو بإيطاليا 22 يونيو 2026 (رويترز)

دراسة: عدد الأشخاص المعرّضين لإجهاد حراري خطير يرتفع عالمياً

ارتفع عدد الأشخاص المعرّضين لإجهاد حراري خطير بشكل حاد عالمياً خلال السنوات الخمسين الأخيرة بسبب التغيّر المناخي، وفق ما كشفت دراسة نُشرت نتائجها الاثنين.

«الشرق الأوسط» (باريس)
يوميات الشرق الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» في باريس حيث تعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)

أوروبا تشهد موجة حر شديد وفرنسا تعقد اجتماعات طارئة

أدت موجة من الحر الشديد تجتاح معظم أنحاء أوروبا إلى عقد اجتماعات طارئة في فرنسا، وإصدار تحذيرات على مستوى البلاد في ألمانيا.

«الشرق الأوسط» (باريس)

حرّ أوروبا يتخطى 35 درجة... ويطول 150 مليون شخص على الأقل

امرأة تحمل مظلة للحماية من أشعة الشمس بالقرب من النصب التذكاري للملكة فيكتوريا خارج قصر باكنغهام وسط موجة حارة في لندن... 26 يونيو 2026 (رويترز)
امرأة تحمل مظلة للحماية من أشعة الشمس بالقرب من النصب التذكاري للملكة فيكتوريا خارج قصر باكنغهام وسط موجة حارة في لندن... 26 يونيو 2026 (رويترز)
TT

حرّ أوروبا يتخطى 35 درجة... ويطول 150 مليون شخص على الأقل

امرأة تحمل مظلة للحماية من أشعة الشمس بالقرب من النصب التذكاري للملكة فيكتوريا خارج قصر باكنغهام وسط موجة حارة في لندن... 26 يونيو 2026 (رويترز)
امرأة تحمل مظلة للحماية من أشعة الشمس بالقرب من النصب التذكاري للملكة فيكتوريا خارج قصر باكنغهام وسط موجة حارة في لندن... 26 يونيو 2026 (رويترز)

من المتوقع أن تتخطى موجة الحر التي تجتاح أوروبا 35 درجة مئوية لفترة، الجمعة، وأن تطول 150 مليون شخص على الأقل، بينهم أكثر من 50 مليوناً في ألمانيا و30 مليوناً في فرنسا، وفق تحليلات «وكالة الصحافة الفرنسية».

وتشير تحليلات «وكالة الصحافة الفرنسية» إلى أنَّ الحرارة ستتخطى 30 درجة مئوية بالنسبة إلى أكثر من 420 مليون شخص في أوروبا (من دون احتساب تركيا)، ما يعني أنها ستطول نحو 7 أشخاص من كلّ 10 بالقارة، حسب أرقام تستند إلى توقعات خدمة الأرصاد الجوية الألمانية ومركز الأبحاث المشتركة، وتتقاطع مع أرقام منظمة «كليماداشبورد» النمساوية غير الحكومية.

وهذه الأرقام تتجاوز التوقعات الصادرة عن المعهد الألماني للأحوال الجوية، والتي حُسبت بالنسبة إلى الخميس في الساعة 3.00 بتوقيت غرينتش. وتوقَّعت أن تتجاوز الحرارة 35 درجة مئوية وأن تطول 101 مليون نسمة.

امرأة تدفع عربة أطفال وسط المدينة خلال موجة حارة في فيينا بالنمسا 26 يونيو 2026 (رويترز)

وعلى عكس الخميس، لم تعد المنطقة الأكثر تضرراً من موجة الحر هي البر الفرنسي بل ألمانيا، حيث من المتوقع أن تصل درجات الحرارة إلى أكثر من 30 درجة مئوية، الجمعة، وأن تطول نحو 82 مليون نسمة، بينهم 52 مليوناً ستطولهم درجات حرارة تصل إلى 35 مئوية.

ولا تزال التوقعات تشير إلى أنّ درجات الحرارة ستتجاوز 35 مئوية لنحو 34 مليون نسمة في فرنسا و17 مليوناً في إيطاليا و15 مليوناً في هولندا. وأصدر «المعهد الهولندي للأرصاد الجوية» أول إنذار له بشأن موجة الحر الشديد، الذي يسري مفعوله الجمعة في معظم أنحاء البلاد.

ومن المتوقع أيضاً أن تؤثر مستويات درجات الحرارة هذه بشكل كبير على كل من المجر وبلجيكا ولوكسمبورغ.

ويُتوقع أن تطول موجة الحرّ التي شهدتها أوروبا الغربية في الأيام الأخيرة منطقة البلقان اعتباراً من السبت، فيما كان كامل ساحل البحر الأدرياتيكي مشمولاً، الجمعة، بتحذيرات من المستوى الأحمر، حسب وكالة «ميتيو ألارم».

ومن المنتظَر أن تصل مستويات الحرارة إلى 39 درجة، اعتباراً من الأحد حتى الاثنين على الأقل، في بعض مناطق صربيا ومقدونيا الشمالية والبوسنة ومونتينيغرو، وفق مختلف الهيئات الوطنية للأرصاد الجوية.

رجل يضع غطاءً على رأسه لتخفيف أثر الحرارة في روتردام بهولندا (إ.ب.أ)

وفي بلغراد، يُفترَض أن تصل الحرارة إلى 36 درجة السبت، و38 الأحد، و39 الاثنين والثلاثاء، متجاوزة الرقم القياسي البالغ 38.7 درجة الذي سُجّل في العاصمة في يونيو (حزيران) 2021.

وفي صربيا التي شهدت في السنوات الثلاث الأخيرة معدلات الحرارة الأشدّ صيفاً منذ بدء القياسات عام 1951، يعمل أكثر من عامل من كل خمسة في الهواء الطلق، حسب موقع «كليما 101» المتخصص، وشوهد عمّال في ورش البناء ظهر الجمعة تحت الشمس الحارقة. ورغم الحرّ، يُتوقَّع أن يشارك آلاف الأشخاص في بلغراد السبت في تجمّع ينظمه الحزب التقدمي الصربي الحاكم، وفقاً لوكالة الصحافة الفرنسية.

ومع تجاوز درجات الحرارة 35 درجة، قصد كثير من السكان، الجمعة، الأماكن المظَلَّلة وتلك التي يتوافر فيها الماء. وقال ألكسندر (60 عاماً) وقد غمر قدميه في نافورة بوسط المدينة، لوكالة الصحافة الفرنسية: «أعاني كثيراً من الحر الشديد، وهذا المكان هو الأنسب لي».

وفي بريشتينا، عاصمة كوسوفو، كان الشارع الرئيسي الذي يكون عادة مزدحماً بالمارة شبه خالٍ ظهر الجمعة، فيما كان القلائل الذين يمرّون فيه يسرعون الخطى كي لا يمكثوا طويلاً في الحرّ.

وقالت الموظفة الحكومية (41 عاماً) مايليندا التي كانت تشتري أدويتها سريعاً قبل عطلة نهاية الأسبوع لوكالة الصحافة الفرنسية: «من المتوقع أن تشتدّ موجة الحر خلال عطلة نهاية الأسبوع، وأريد أن أؤمّن كل ما أحتاج إليه حتى لا أضطر للخروج غداً وبعد غد».

وعلى الساحل الأدرياتيكي، امتد الحرّ إلى مياه البحر أيضاً؛ إذ تجاوزت حرارة المياه في بولا بكرواتيا صباح الجمعة 27 درجة عند الساعة الثامنة.

رجل يضع قطعة قماش مبللة على رقبته للتخفيف من أثر الحرارة في وردريكت بهولندا (إ.ب.أ)

وسبق أن شهد صيف 2025 موجات حرّ عدة في البلقان، وسُجِّل في كوسوفو في يوليو (تموز) 2025 أشد يوم حرّ على الإطلاق مع تسجيل 42.4 درجة مئوية. وتعرضت ألبانيا لحرائق عدة التهمت عشرات آلاف الهكتارات واضطر آلاف السكان إلى إخلاء منازلهم.

التغير المناخي مسؤول

وخلصت شبكة علمية دولية في دراسة نشرت نتائجها الجمعة، إلى أن التغير المناخي مسؤول «في شكل لا لبس فيه» عن موجة الحرّ الشديدة التي تضرب أوروبا الغربية راهناً، والتي كانت ستكون شبه مستحيلة الحدوث قبل نحو 50 عاماً.

وأكّد علماء شبكة «وورلد ويذر أتريبيوشن» (دبليو دبليو إيه) الذين يدرسون مسؤولية الاختلالات المناخية الناجمة عن الأنشطة البشرية في الظواهر المناخية القصوى، أن درجات الحرارة المرتفعة جدّاً خلال النهار والليل أيضاً كانت ستكون «شبه مستحيلة» في هذه الفترة من عام 1976 الذي شهد بدوره قيظاً استثنائياً.

ولو وقعت موجة حرّ من هذا القبيل، لكانت ألطف بـ3.5 درجات مئوية نهاراً و2.4 درجة ليلاً، حسب حسابات العلماء.

وقال تيودور كيبينغ من جامعة «إمبيريال كولدج» في لندن الذي شارك في هذه الأبحاث: «خلصنا إلى أنه خلال السنوات الخمسين الأخيرة التي زادت فيها حرارة الكوكب 1.1 درجة مئوية، تغيّرت أرجحية وقوع موجة قيظ كهذه بدرجة فائقة».

وصرّح خلال عرض الدراسة على وسائل الإعلام بأن «موجة كهذه ما كانت ممكنة في يونيو من دون التغيّر المناخي».

وأشارت فريديريكه أوتو من جامعة «إمبيريال كولدج» في لندن إلى أن «هذه الظاهرة المناخية ليست غير الاعتيادية لكن درجات الحرارة كذلك» بسبب التغيّر المناخي البشري المصدر.

«مزعج وخطير»

يتأتّى هذا التغيّر المناخي البشري المصدر من الاستخدام الكثيف لمصادر الطاقة الأحفورية، من فحم ونفط وغاز أحفوري، فضلاً عن قطع الغابات.

واستند العلماء المقيمون في عدّة بلدان أوروبية في أبحاثهم إلى بيانات أرصاد جوية حالية وتوقّعات الأيام المقبلة؛ إذ إن موجة الحرّ ما زالت متواصلة، وقارنوها بالمعطيات المسجّلة في 2003 و1976.

طفل يحاول التخفيف من أثر الحرارة بالوقوف داخل نافورة ماء في تورين بإيطاليا (إ.ب.أ)

ولم تلق هذه الأبحاث التي أجريت بوتيرة متسارعة مراجعة من باحثين خارجيين، وفق الإجراءات المعمول بها في إطار المنشورات العلمية. غير أن المنهجية المعتمدة سبق أن صادقت عليها الأسرة العلمية، حسبما ذكّر القيّمون على هذه الأبحاث.

وباتت الليالي الحارة أكثر ترجيحاً بمائة مرّة اليوم مما كانت عليه الحال خلال موجة الحرّ القياسي في 2003. وباتت الحرارة القصوى خلال النهار أكثر ترجيحاً بعشر مرّات، حسب الباحثين.

واستبعد العلماء مسؤولية ظاهرة «إل نينيو» الطبيعية التي ترفع الحرارة على سطح الأرض في وسط المحيط الهادئ الاستوائي وشرقه، متسبّبة بموجات جفاف وفيضانات وحرارة قياسية في العالم. ولاحظوا أن هذه الظاهرة لم تؤد «أيّ دور» في موجة الحرّ الحالية.

ويجعل «الإجهاد الحراري» الناجم عن درجات حرارة ومستويات رطوبة عالية هذا القيظ «مزعجاً وخطيراً بشكل خاص»، حسب فريديريكه أوتو.

وكشفت الدراسة أن نحو 45 في المائة من المدن الـ854 المشمولة بالتحليل في 30 دولة أوروبية حطّمت المستويات القياسية للإجهاد الحراري أو أنها على وشك تحطيمها.

وتستند هذه الخلاصات إلى مؤشّر حرارة يعرف بـ«مقياس حرارة ذي بُصيلة مخضّلة» يقوم على الحرارة والرطوبة ونسبة الإشماس والغطاء السحابي. ويستخدم هذا المؤشّر خصوصاً في عالم الرياضة.

و​ذكر مكتب الأرصاد الجوية البريطاني أن ‌درجة ‌الحرارة ​في ‌سوفوك بشرق ​إنجلترا بلغت 36.9 درجة مئوية، اليوم الجمعة، ‌لتحطم الرقم ‌القياسي ​لأشد ‌أيام ‌يونيو حرارة لليوم ‌الثالث على التوالي، وذلك مع اقتراب موجة الحر من نهايتها.


«إيفاد» لـ«الشرق الأوسط»: السعودية من أكبر المانحين... ويمكننا دعم مبادراتها بالزراعة الذكية

ألفارو لاريو رئيس الصندوق الدولي للتنمية الزراعية (إيفاد)
ألفارو لاريو رئيس الصندوق الدولي للتنمية الزراعية (إيفاد)
TT

«إيفاد» لـ«الشرق الأوسط»: السعودية من أكبر المانحين... ويمكننا دعم مبادراتها بالزراعة الذكية

ألفارو لاريو رئيس الصندوق الدولي للتنمية الزراعية (إيفاد)
ألفارو لاريو رئيس الصندوق الدولي للتنمية الزراعية (إيفاد)

أكد رئيس الصندوق الدولي للتنمية الزراعية (إيفاد)، ألفارو لاريو، أن السعودية ترتبط مع الصندوق بشراكة استراتيجية طويلة الأمد تعود إلى بداية المؤسسة عام 1978، مشيراً إلى أن المملكة كانت عضواً مؤسساً وأحد أوائل الداعمين للصندوق.

وقال لاريو لـ«الشرق الأوسط» إن أول رئيس للصندوق الدولي للتنمية الزراعية كان السعودي عبد المحسن السديري، موضحاً أن العلاقة بين الجانبين تطورت على مر السنين إلى شراكة تشغيلية واسعة تشمل التعاون الفني وتبادل المعرفة والاستثمارات المشتركة الرامية إلى تعزيز التنمية الزراعية والأمن الغذائي والتحول الريفي، مشدّداً على أن إنشاء مكتب الاتصال التابع للصندوق في الرياض يعكس العمق والأهمية الاستراتيجية المتزايدة لهذا التعاون، لافتاً إلى أن السعودية تعد من بين أكبر 20 دولة مانحة للصندوق، بمساهمات بلغت نحو 536.4 مليون دولار منذ عام 1978.

رؤية السعودية والأمن الغذائي وإدارة المياه

وأشار لاريو إلى أن «رؤية السعودية 2030» تعترف بأن الأمن الغذائي، وإدارة المياه المستدامة، والاقتصادات الريفية المرنة، ضرورية للازدهار طويل الأمد، مؤكداً أن تجربة الصندوق تظهر أن الاستثمار في المنتجين الصغار والمجتمعات الريفية يعد من أكثر الوسائل فاعلية لتحقيق هذه الأهداف.

أكد لاريو أنه يمكن للصندوق دعم طموحات مبادرتي السعودية الخضراء والشرق الأوسط الأخضر (واس)

وأوضح أن الصندوق، استناداً إلى خبرته العالمية في الزراعة الصغيرة وأنظمة الغذاء المقاومة للمناخ والتنمية الريفية، قادر على تقديم حلول عملية تدعم أولويات المملكة ومستهدفات رؤية 2030، مشيراً إلى الشراكات القائمة مع «وزارة البيئة والمياه والزراعة» و«صندوق التنمية الزراعية السعودي»، قائلاً إنها يمكن أن تسهم في تعزيز الشركات الصغيرة والمتوسطة في المناطق الريفية، وخلق فرص للنساء والشباب، وتسهيل الوصول إلى المعرفة والتكنولوجيا والابتكار.

التوافق مع السعودية الخضراء والشرق الأوسط الأخضر

وحول مبادرتي «السعودية الخضراء» و«الشرق الأوسط الأخضر»، أكد رئيس «إيفاد» بأنهما مبادرتان طموحتان وتحوليّتان تتوافقان بشكل وثيق مع مهمة الصندوق في تعزيز الزراعة المستدامة والمرنة مناخياً والتنمية الريفية المستدامة، وتابع: «يمكن للصندوق دعم هذه الطموحات من خلال جلب خبرة عالمية في الزراعة المقاومة للمناخ، وكفاءة المياه، واستعادة الأراضي»، واستعرض لاريو شراكة الصندوق مع وزارة البيئة والمياه والزراعة السعودية في جازان (جنوبي السعودية)، لافتاً إلى أنها دعمت سلاسل قيمة القهوة والمانجو الذكية مناخياً، إلى جانب 60 مزرعة ذكية مناخية، مما عزّز تقنيات توفير المياه وممارسات الزراعة المستدامة التي قدمت نموذجاً مستداماً وقابلاً للتوسُّع يساهم في أجندة السعودية الخضراء.

مكتب للتنسيق في الرياض

وأكد لاريو أن الصندوق يرى إمكانات قوية لتعميق التعاون مع السعودية في السنوات المقبلة، مشيراً إلى أن ذلك يأتي بالتزامن مع توسع دور المملكة وريادتها العالمية في مجالات المناخ والبيئة، واستدرك أن «إيفاد» يتطلع إلى التعاون مستقبلاً مع صندوق التنمية الزراعية السعودي من خلال تبادل المعرفة وبناء القدرات وإطلاق مبادرات مشتركة في التمويل، خصوصاً في أفريقيا، فضلاً عن تعزيز التعاون مع مراكز البحث والقطاع الخاص والمؤسسات في منطقة الخليج عبر مكتب التنسيق في الرياض.

تهديد تغيّر المناخ لسبل العيش الريفية

وعلى الصعيد الدولي، شدد رئيس الصندوق الدولي للتنمية الزراعية على أن تغير المناخ أصبح أحد أكبر التهديدات لسبل العيش الريفية في العالم النامي، محذراً من أن إنتاجية المحاصيل الزراعية قد تنخفض بأكثر من 25 في المائة في بعض المناطق بحلول نهاية القرن، وأوضح أن ارتفاع درجات الحرارة والظواهر الجويّة المتطرّفة باتا يؤثران بالفعل على المحاصيل والثروة الحيوانية ومصايد الأسماك، ويفرضان ضغوطاً متزايدة على الموارد الطبيعية التي تعتمد عليها المجتمعات الريفية.

شراكة الصندوق مع وزارة البيئة والمياه والزراعة السعودية دعمت سلاسل قيمة القهوة (إيفاد)

وأشار لاريو إلى أن صغار المزارعين هم الأكثر عرضة لتداعيات التغير المناخي، نظراً لافتقار كثير منهم إلى المدخرات أو أدوات التأمين أو شبكات الحماية التي تمكنهم من التعافي من الخسائر المتكررة، مؤكداً أن الاستثمار في بناء القدرة على الصمود لم يعد خياراً، بل ضرورة ملحة لحماية سبل العيش والاقتصادات الريفية وأنظمة الغذاء، وكشف عن أن الصندوق يعد من أكبر مزودي التمويل المناخي للزراعة الصغيرة في العالم، موضحاً أن تمويل المناخ شكّل 60 في المائة من برنامج القروض والمنح المعتمد خلال السنة الأولى من دورة التجديد الحالية، بقيمة بلغت 616.2 مليون دولار، متجاوزاً الهدف المحدد عند 45 في المائة.

يؤكد الصندوق أن الاستثمار في المنتجين الصغار والمجتمعات الريفية من أكثر الطرق فاعلية لتحقيق أهداف رؤية السعودية في التنمية الزراعية والريفية (إيفاد)

وأضاف أن الصندوق يدعم مجموعة واسعة من الحلول، تشمل المحاصيل المقاومة للجفاف، والري الموفر للمياه، والإدارة المستدامة للأراضي، وحفظ التربة والمياه، فضلاً عن تطوير البنية التحتية المقاومة للمناخ، مثل الطرق والتخزين وأنظمة الإنذار المبكر، وأكد أن التحدي الرئيسي لم يعد يكمن في إيجاد الحلول التقنية، بل في إيصال التمويل إلى المجتمعات الريفية التي تحتاج إليه على نطاق واسع، مشيراً إلى أن كل دولار يُستثمر في التكيف مع تغير المناخ يمكن أن يولد أكثر من عشرة دولارات من الفوائد الاقتصادية والاجتماعية والبيئية.

استعادة التربة وتأهيل أحواض المياه

وشدّد رئيس الصندوق الدولي للتنمية الزراعية على أهمية الحلول القائمة على الطبيعة، مثل استعادة التربة وتأهيل أحواض المياه والتوسع في أنظمة الزراعة الحرجيّة، موضحاً أن هذه الاستثمارات تسهم في تعزيز الإنتاجية والدخل والقدرة على الصمود أمام الجفاف والفيضانات وموجات الحرارة الشديدة، ونوّه بأن مشاريع الصندوق أسهمت في وضع 2.5 مليون هكتار تحت إدارة زراعية مقاومة للمناخ، كما ساعدت على تجنب أو احتجاز ما يعادل 48.2 مليون طن من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون.

الشراكة بين السعودية والصندوق عززت تقنيات توفير المياه وممارسات الزراعة المستدامة في 60 مزرعة بمنطقة جازان (إيفاد)

وجاءت تصريحات لاريو على هامش مشاركته في الاحتفال باليوبيل الذهبي لمرور 50 عاماً على تأسيس صندوق «أوبك للتنمية الدولية»، واعتبر في هذا الصدد أن «صندوق أوبك» واحد من الأمثلة على توجيه الدول النامية والمنتجة للنفط مواردها نحو التنمية إلى الجنوب العالمي، مضيفاً أن الصندوق لعب دوراً مهماً في تشكيل الاستقرار الاقتصادي العالمي والتنمية والمرونة، حيث خصص أكثر من 32 مليار دولار أميركي لمشاريع في أكثر من 125 دولة.

وذكّر لاريو بأن دول «أوبك» الأعضاء، هم المؤسسون للصندوق الدولي للتنمية الزراعية، ودعا لاريو في رسالة إلى القادة العالميين خلال حديثه مع «الشرق الأوسط»، إلى النظر للتكيّف المناخي وبناء القدرة على الصمود باعتبارهما استثماراً في النمو والاستقرار والازدهار المشترك، وليس مجرد تكلفة تنموية، مؤكداً أن مستقبل الأمن الغذائي العالمي يتوقف على زيادة الاستثمارات الموجهة إلى المجتمعات الريفية وصغار المنتجين.


«حاجز أوميغا»... ظاهرة جوية وراء موجة الحر الشديدة في أوروبا

أشخاص عند نافورة تروكاديرو أمام برج إيفل مع ارتفاع درجات الحرارة في باريس... 23 يونيو 2026 (رويترز)
أشخاص عند نافورة تروكاديرو أمام برج إيفل مع ارتفاع درجات الحرارة في باريس... 23 يونيو 2026 (رويترز)
TT

«حاجز أوميغا»... ظاهرة جوية وراء موجة الحر الشديدة في أوروبا

أشخاص عند نافورة تروكاديرو أمام برج إيفل مع ارتفاع درجات الحرارة في باريس... 23 يونيو 2026 (رويترز)
أشخاص عند نافورة تروكاديرو أمام برج إيفل مع ارتفاع درجات الحرارة في باريس... 23 يونيو 2026 (رويترز)

تواصل موجة حر شديدة اجتياح غرب أوروبا، متسببة في وفاة أكثر من 40 شخصاً في فرنسا وحدها، وذلك بفعل ظاهرة جوية تعرف باسم «حاجز أوميغا».

إليك ما ينبغي معرفته عن ظاهرة «حاجز أوميغا» وما إذا كان تغيّر المناخ يعني أنها قد تصبح أكثر تواتراً في السنوات المقبلة، وفق تقرير لوكالة «رويترز» للأنباء.

ما ظاهرة «حاجز أوميغا»؟

تستمد الظاهرة الجوية اسمها من شكل الحرف اليوناني Ω، وتنحصر فيها كتلة مستقرة من الهواء الساخن ذات الضغط المرتفع بين نظامين من الضغط المنخفض الأكثر برودة.

ويشير عنصر «الحجز» إلى كيفية احتجاز منطقة الهواء الساخن ذات الضغط المرتفع. ففي الظروف العادية، ينقل التيار النفاث الأنظمة الجوية بثبات من الغرب إلى الشرق.

ولكن خلال حدوث ظاهرة «حاجز أوميغا»، يتعطل هذا التدفق وقد ينحرف بنحو كبير شمالاً وجنوباً؛ ما يؤدي إلى عزل أنظمة الضغط. ويسهم ضعف الرياح والتباينات في درجات حرارة الغلاف الجوي في ظهور هذه الأنماط المستقرة بطيئة الحركة.

ونتيجة ذلك، يستقر الهواء الساخن فوق المنطقة نفسها. وعادة ما تستمر ظاهرة «حاجز أوميغا» ما بين ثلاثة إلى عشرة أيام، لكنها قد تستمر أسابيع.

امرأة تستخدم مظلة لحماية نفسها من الشمس في أثناء سيرها في شارع أكسفورد حيث تشهد بريطانيا درجات حرارة قياسية... لندن يوم 23 يونيو 2026 (رويترز)

ماذا يحدث خلال «حاجز أوميغا»؟

أسفل منطقة الضغط المرتفع في الوسط، تصبح الأحوال الجوية حارة وجافة. ويمنع الضغط المرتفع أيضا تشكّل السحب؛ ما يؤدي إلى سماء صافية ومشمسة تسمح بارتفاع درجات الحرارة.

وهذه الظروف هي التي تسبب موجة الحر الشديدة في فرنسا وإسبانيا حيث تجاوزت درجات الحرارة 40 درجة مئوية.

وفي الوقت نفسه، من المرجح أن تشهد المناطق الواقعة في مناطق الضغط المنخفض المحيطة بموجة الحر ظروفاً أكثر برودة وأمطاراً.

وتقع بريطانيا على الحدود بين نظام الضغط المرتفع والهواء الأكثر برودة في شمال الغرب. ويقول مكتب الأرصاد الجوية البريطاني إن ذلك يؤدي إلى حرارة شديدة في الجنوب والشرق، وظروف أكثر برودة ورطوبة في الشمال والغرب.

هل تغيّر المناخ هو السبب؟

لم يتفق العلماء بعد على كيفية تأثير تغيّر المناخ على تواتر ظواهر الحواجز الجوية مثل «حاجز أوميغا».

ومع ذلك، فإن الإجماع العلمي العالمي يؤكد أن تغيّر المناخ يزيد من تواتر موجات الحرارة وشدتها.

وأدت انبعاثات غازات الاحتباس الحراري، الناجمة في الأساس من حرق الفحم والنفط والغاز، إلى ارتفاع درجة حرارة الكوكب بنحو 1.3 درجة مئوية منذ عصر ما قبل الثورة الصناعية.

ويعني هذا الارتفاع في درجة الحرارة أن موجات الطقس الحار تصل إلى درجات حرارة أعلى.

وقالت كلير بارنز، الباحثة المشاركة في مجال الظواهر الجوية والمناخية المتطرفة في «إمبريال كوليدج لندن»، إن أوروبا تشهد حالياً موجات حرارة أعلى بمقدار درجتين إلى 4 درجات مئوية عما كانت لتصبح عليه لولا الاحتباس الحراري الناجم عن الأنشطة البشرية.

ونتيجة ذلك، عندما تحدث ظواهر مثل «حاجز أوميغا»، قد تكون الحرارة الناتجة أشد بنحو ملحوظ.