تراجع إردوغان عن تهديده برفض خطط دفاع «الناتو» يمهّد لتفاهمات

تراجع إردوغان عن تهديده برفض خطط دفاع «الناتو» يمهّد لتفاهمات

تركيا غير قادرة على الاستغناء عن مظلة الحلف نظراً لتعقيدات علاقاتها بروسيا
الجمعة - 9 شهر ربيع الثاني 1441 هـ - 06 ديسمبر 2019 مـ رقم العدد [ 14983]
تراهن أنقرة في محاولاتها اللعب على التناقضات على العلاقة الشخصية بين الرئيسين التركي والأميركي (أ.ف.ب)
واشنطن: إيلي يوسف

تراجع الرئيس التركي رجب طيب إردوغان عن تهديده برفض خطط الدفاع عن شمال وشرق أوروبا ما لم يعلن الشركاء الأوروبيون في حلف الناتو المقاتلين الأكراد في سوريا إرهابيين، فتح الباب أمام إمكانية حصول تفاهمات، قد تنعكس إيجابا على مستقبل علاقة أنقرة، ليس فقط مع الحلف، بل ومع قضايا المنطقة المتفجرة، في ظل الشكاوى المتزايدة من سلوكها الذي وصف بـ«الابتزازي»، في ظل إحساسها بأن موقعها الجغرافي ودورها العسكري، لا يمكن الاستغناء عنهما ببساطة. محاولتها اللعب على التناقضات محمية بعلاقة شخصية تربط الرئيس التركي بنظيره الأميركي دونالد ترمب، الذي يعتقد على نطاق واسع أنه أعطى الضوء الأخضر لإردوغان للتمدد في مناطق الأكراد شمال سوريا. تمدد أنقرة الذي وصل أخيرا إلى ليبيا، فضلا عن خلافاتها مع دول شرق وجنوب البحر المتوسط حول استثمار الغاز، شكلا قضيتين محوريتين في الخلافات المتنامية معها. غير أن حيازتها لصواريخ إس 400 الروسية، تشير إلى المدى الذي بلغه تقاربها مع موسكو، وانعكاسه على علاقاتها مع حلفائها.

في «مؤتمر تركيا» السنوي الذي ينظمه معهد الشرق الأوسط في واشنطن منذ 10 سنوات على التوالي، ناقش عدد من الصحافيين والباحثين الأتراك والأميركيين فضلا عن مسؤولين حاليين وسابقين من ألمانيا والولايات المتحدة، على رأسهم النائب نيلز شميد عضو لجنة العلاقات الخارجية في مجلس النواب الألماني، والجنرال جوزف فوتيل قائد القيادة الأميركية الوسطى الذي تقاعد في الربيع الماضي، مستقبل النظام التركي و«إسلاميته» المعلنة والتحديات التي تواجهه.

وشكلت متغيرات كثيرة داخلية، على رأسها دلالات نتائج الانتخابات البلدية في إسطنبول، وخارجية، على رأسها علاقات أنقرة المتزايدة مع موسكو، العسكرية والأمنية فضلا عن المشروعات الاقتصادية والشراكات التي تتجه لتوقيعها معها، محاور أساسية ناقشها المشاركون. وتزامنت مع انعقاد قمة حلف شمال الأطلسي في لندن وخلافات أعضائه مع تركيا، سواء لدورها الإقليمي أو تعاونها مع روسيا وخصوصا قضية صواريخ إس 400.

كان واضحا أن مناخا من الإحباط وعدم اليقين يسود لدى غالبية المتحدثين من دور تركيا ومستقبلها، سواء في المنطقة أو في عضويتها في حلف شمال الأطلسي.

النائب الألماني شميد، الذي قال إنه لا يزال يعتبر نفسه صديقا لتركيا، عبر عن هذا الإحباط، مضيفا أنه ليس متأكدا من المسار الذي اختطته قيادتها في ظل المشكلات الضخمة التي تثيرها.

الجنرال المتقاعد جوزف فوتيل، قال إن هذا ليس ما كنا نتوقعه من تركيا، ولا يعرف ما إذا كان لا يزال ممكنا اعتبارها عضوا يمكن الاتكال عليه والوثوق به حليفا في الناتو. وأضاف فوتيل أنه لا يعرف ما إذا كان اقتناء تركيا لصواريخ إس 400 هو للتجسس علينا أو لتطوير شراكتها مع روسيا. لكنه اعتبر أن عدم اتخاذ الولايات المتحدة موقفا حازما وفرضها عقوبات جدية على تركيا، بسبب الصواريخ الروسية، جعل موقف الناتو ضعيفا وغير حازم لأن واشنطن هي من يقود حلف شمال الأطلسي. غير أن الكاتب الصحافي التركي إيدين سيلسن قال إن هناك من يعتقد أن إصرار إردوغان على حيازة الإس 400 يهدف إلى ضمان حمايته وخصوصا قصره الرئاسي من أي هجوم جوي محتمل، تخوفا من تكرار محاولة الانقلاب عام 2016، وأضاف أن نشر تلك المنظومة مقتصر على العاصمة فقط، فيما يقول آخرون إن اتجاه تركيا لحيازة منظومة دفاع جوي، هو نتيجة لتراجع اعتمادها على تفوق سلاح الطيران لتأمين الحماية لأجوائها، بعد اعتقال عدد كبير من الطيارين الأتراك إثر محاولة الانقلاب، وباتت الطائرات بلا طيارين بعد فقدان الثقة بهذا القطاع العسكري. سيلسن أضاف أن المشكلة تكمن أيضا في أن العلاقات الدبلوماسية القائمة بين تركيا والولايات المتحدة باتت تقوم على دبلوماسية من غير دبلوماسيين، بعد اختصارها في العلاقة الشخصية بين ترمب وإردوغان، التي غدت مثالا لعلاقات الكثير من الدول مع بعضها البعض في هذه الحقبة. وجاء إعلان رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ السيناتور جيم ريش أن لجنته ستصوت الأسبوع المقبل على فرض عقوبات جديدة على تركيا، ليفرض نفسه على المحاضرين. لكن البعض اعتبر أنه قد لا يكون أكثر من الشيء نفسه. وقال الباحث جيم زانوتي، المتخصص في شؤون المنطقة في مركز أبحاث الكونغرس، إنه من دون تصويت أكثرية مطلقة في الكونغرس لتجاوز الفيتو الرئاسي، فإن أي تصويت جديد قد يكون بلا أي تأثير ولن يؤدي إلى فرض تطبيق العقوبات. وأضاف أن قانون كاتسا الذي يعاقب الدول الحليفة التي تحصل على السلاح الروسي، أقر عام 2017، وبعد شهرين أعلنت أنقرة وموسكو عن بدء التفاوض على صفقة صواريخ إس 400. وقال: «المشكلة أن هذا القانون لا يتحدث عن موعد أو تاريخ لفرض العقوبات، وإذا لم تتحرك الإدارة لفرضها، هل يتحرك الكونغرس ومتى؟» وأضاف أن السيناتور جيم ريش والسيناتور بوب مننديز كبير الديمقراطيين في اللجنة، قد يحاولان الالتفاف على حالة الجمود بالنسبة إلى معاقبة تركيا، آملا أن يتمكنا من ذلك. في المقابل اعتبرت غونول تول مديرة قسم الدراسات التركية في معهد الشرق الأوسط، أن مستقبل تركيا في حلف الناتو لم يصل وقد لا يصل إلى نقطة اللّاعودة في أي وقت قريب. وأضافت في ورقة وزعت على الحضور، على الرغم من التراجع غير المسبوق في هذه العلاقة، مقابل ازدهار علاقات أنقرة بموسكو، إلّا أن تركيا لا تزال غير قادرة على الاستغناء عن مظلة حلف الناتو نظرا لتعقيدات علاقاتها بروسيا.

وقالت تول: «بعد الحرب الباردة، اعتبرت تركيا نفسها لاعبا أساسيا في البحر الأسود، وأقامت علاقات وثيقة مع الكثير من دول الاتحاد السوفياتي السابق، وحاولت إبعاد الغرب عن تلك (البحيرة). لكن تمدد روسيا في المدى الذي تعتبره أنقرة حيويا لها، من حرب جورجيا التي لم تعترض عليها في البداية، إلى ضم شبه جزيرة القرم وصولا إلى تدخلها المباشر في سوريا، حوّل ميزان القوى لمصلحة موسكو، وأجبر الرئيس إردوغان على العودة لمطالبة حلف الناتو عام 2016 بإعادة التوازن مع روسيا». ملف الانتخابات البلدية التي شهدتها تركيا بداية الصيف، شكل محورا خاصا لرصد التحولات السياسية الداخلية التي جرت بنتيجتها.

الكاتب الصحافي التركي روسن ساكير قال إنه على الرغم من فشل حزب العدالة والتنمية في انتخابات إسطنبول وأنقرة وبعض المدن الكبرى الأخرى، فإن المستقبل السياسي لإردوغان ولحزب العدالة، لم يدخل بعد في خانة الخطر، لارتباط ظاهرته بنمو الشعبوية في أكثر من مكان وتبنيه خليطا من الشعارات الإسلامية والقومية.

الباحث في معهد الدفاع عن الديمقراطيات في واشنطن أيكان إرديمير شدد على أن الابتعاد عن مهاجمة إردوغان بشكل مباشر، أفقده القدرة على المناورة ومهاجمة خصومه في الميدان الذي يفضله. وهو ما نجح فيه أكرم إمام أوغلو رئيس بلدية إسطنبول الذي تمكن من هزيمة رئيس الوزراء بن علي يلدريم، معتمدا خطابا اجتماعيا ومعيشيا موجها إلى مواطني المدينة.

وأضاف أنه على الرغم من أن المجتمع التركي مسلم بتركيبته، وقد لا تتغير الأمور فيه دفعة واحدة، فإنه قد لا يواصل أيضا دعم حزب إسلامي في إدارة شؤون البلد. وشدد على ضرورة مراقبة التحولات التي تصيب حزب العدالة والتنمية في ظل تنامي ظاهرة الانشقاق عنه، وخصوصا من رموز أساسية ومؤسسة فيه، كالرئيس السابق عبد الله غل ووزير الخارجية السابق داود أوغلو وعلي باباجان مهندس الصعود الاقتصادي لتركيا.


تركيا الناتو تركيا أخبار

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة