تقارير متضاربة حول اتفاق التجارة الأولي تربك الأسواق

تفسيرات متباينة تسفر عن تحركات غير متوازية

تقارير متضاربة حول اتفاق التجارة الأولي تربك الأسواق
TT

تقارير متضاربة حول اتفاق التجارة الأولي تربك الأسواق

تقارير متضاربة حول اتفاق التجارة الأولي تربك الأسواق

تضاربت أمس التقارير والمؤشرات حول الموقف الأميركي الصيني من مفاوضات التجارة، وبينما أسفرت التصريحات الرسمية خلال الساعات الماضية عن تراجع آمال التوصل لاتفاق بين أكبر اقتصادين في العالم، أشار تقرير صحافي إلى اقتراب الطرفين من ذلك، ما أسفر عن تفسيرات مختلطة أدت إلى ردة فعل شديدة التباين في الأسواق.
وذكرت بلومبرغ نقلا عن مصادر الأربعاء أن الولايات المتحدة والصين تقتربان من الاتفاق على حجم الرسوم الجمركية التي سيتم إلغاؤها في اتفاق المرحلة واحد التجاري... وذلك على الرغم من السجال الساخن بينهما على خلفية تمرير الكونغرس الأميركي مشروع قرار يدعم متظاهري هونغ كونغ، ويدين الممارسات التي تتم ضد الأقلية المسلمة في الصين.
وأكدت «بلومبرغ» أمس أن «الجانبين الأميركي والصيني قاب قوسين أو أدني من الاتفاق حول نسب الرسوم الجمركية التي سيتم إلغاؤها كجزء من اتفاق مبدئي يمهد الطريق للتوصل إلى اتفاق أشمل».
ويأتي ذلك على الرغم من تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترمب مساء أول من أمس، بأنه من الأفضل الانتظار حتى إجراء انتخابات الرئاسة الأميركية ليرى «حقيقة نوايا» الجانب الصيني، وهي التعليقات التي أثارت القلق من جديد بشأن استمرار النزاع بين القطبين العالميين، وثبطت الآمال في التوصل إلى تسوية قريبا لنزاع ألقى بظلاله على الاقتصاد العالمي.
كما هاجمت مصادر صينية تقرير «بلومبرغ»، ونفى هيو شين، محرر صحيفة (غلوبال تايمز)، التابعة للحزب الشيوعي الحاكم، تلك الأنباء، ووصفها بأنها «محض تلاعب بالأسواق».
ورأت صحيفة «فاينانشيال تايمز» البريطانية، أمس، أنه يتعين على حلفاء الولايات المتحدة الاستعداد للمزيد من الصدمات والمواجهات التجارية، وذلك على خلفية النزاع التجاري الجديد الذي اندلع مع فرنسا وحلفاء آخرين.
وأردفت تقول إن «الآمال في أن يقوم ترمب بتخفيض التوترات التجارية قبل جهود إعادة انتخابه لم تسر بعد في مكانها الصحيح... فحتى الآن، لم يخرج أي حديث حول إبرام (صفقة صغيرة) مع الصين، وكذلك لم يؤد قراره بعدم فرض رسوم على السيارات القادمة من الاتحاد الأوروبي إلى سلام دائم، وبدلاً من ذلك، أعلن ترمب أول من أمس عن سعادته بالانتظار حتى بعد الانتخابات لعقد صفقة مع الصين».
وأخيراً، رأت الصحيفة البريطانية أنه يتحتم على المفوضية الأوروبية أن تدافع عن فرنسا وتقف إلى جوارها، حيث إنه لا يمكن استخدام نهج التهديد بفرض الرسوم لمنع الدول ذات السيادة من اتخاذ قراراتها بشأن الضرائب، ومع ذلك، يجب ألا ينتقد الاتحاد الأوروبي واشنطن بشكل عشوائي.
وبدوره، قال مايك بنس نائب الرئيس الأميركي الثلاثاء إن الرئيس ترمب مستعد لاستخدام الرسوم الجمركية وفتح أسواق الولايات المتحدة كـ«أداة ضغط»، بينما يسعى للتوصل إلى اتفاقيات للتجارة مع الصين وفرنسا وحلفاء أوروبيين آخرين. وأضاف في مقابلة مع شبكة فوكس بيزنس: «الرئيس يعتبر الرسوم الجمركية وسيلة إلى غاية، والغاية هي... التجارة الحرة».
وفي سياق يعزز تصريحات الرئيس، رفض وزير التجارة الأميركي ويلبور روس تحديد أي موعد نهائي للتوصل لاتفاق تجارة مع الصين، وشن هجوما جديدا على عملاق الاتصالات هواوي، مما يزيد من انحسار الآمال في وضع نهاية لحرب تجارية مستمرة منذ 17 شهرا أبطأت النمو العالمي.
وقال روس في مقابلة مع «رويترز» مساء الثلاثاء إن التوصل إلى اتفاق تجارة مع الصين يكون في صالح الولايات المتحدة أهم من التعجل وإبرام اتفاق بحلول نهاية العام الحالي أو حتى العام المقبل. وأضاف أن أكبر اقتصادين في العالم لا يزالان بحاجة للعمل على تفاصيل تتعلق بشراء الصين منتجات زراعية وبعض المسائل الهيكلية وآلية إنفاذ من أجل توقيع اتفاق تجارة مؤقت كان الرئيس ترمب يأمل في إتمامه الشهر الماضي.
وفي مقابلة أوسع خلال زيارة إلى نيويورك، قال روس إن «النقطة التي كان يحاول (ترمب) توضيحها هي أننا بحاجة لاتفاق ملائم، وسواء جاء في ديسمبر (كانون الأول) الجاري أو في ديسمبر المقبل أو أي موعد آخر فإن ذلك أقل أهمية بكثير من التوصل لاتفاق ملائم».
وهاجم الوزير الأميركي هواوي قائلا إن الشركة الصينية التي وضعتها الحكومة الأميركية على قائمة سوداء في مايو (أيار) تشجع مورديها على انتهاك القانون الأميركي من خلال إبلاغهم بأن ينقلوا عملياتهم إلى خارج البلاد لتفادي العقوبات الأميركية.
كما مالت التصريحات الصينية إلى ذات النمط، إذ قالت وزارة الخارجية الصينية، الأربعاء، إن الصين ترفض تحديد أي جدول زمني أو موعد نهائي لصفقة التجارة مع الولايات المتحدة، وتعتزم اتخاذ التدابير المضادة اللازمة للدفاع عن حقوقها ومصالحها المشروعة. وأضافت أن أي اتفاق تجاري يجب أن يكون مفيداً ومقبولاً للطرفين.
وكانت واشنطن وبكين قد اتفقتا من قبل على توقيع اتفاق «المرحلة الأولى» التجاري لوضع حد للنزاع التجاري الذي يخيم على نفسه. وأعلن البيت الأبيض سابقاً أن «المرحلة الأولى» من الصفقة التجارية بين الولايات المتحدة والصين يجري إعدادها، لكن ليس هناك جدول زمني لموعد الانتهاء منها.
* تباين بالأسواق:
وتباينت ردود فعل الأسواق العالمية أمس تجاه التقارير المتضاربة، إذ تمسكت الأسواق الأميركية والأوروبية بالجانب الإيجابي، بينما مالت أسواق آسيا إلى التشاؤم.
وارتفعت الأسهم الأميركية عند الفتح الأربعاء، وصعد المؤشر داو جونز الصناعي 131.82 نقطة، أو 0.48 في المائة، إلى 27634.63 نقطة. بينما ارتفع المؤشر ستاندرد آند بورز 500 الأوسع نطاقا 10.30 نقطة، أو 0.33 في المائة، إلى 3103.50 نقطة. وقفز المؤشر ناسداك المجمع‭ ‬36.80 نقطة، أو 0.43 في المائة، إلى 8557.45 نقطة.‬
وفي أوروبا، ارتفعت الأسهم بعد أن مُنيت بخسائر على مدى أربعة أيام، بعد أن ساهمت في ذلك مكاسب أسهم التكنولوجيا وبيانات مشجعة من قطاع الخدمات الصيني، إضافة إلى الرؤية الإيجابية لموقف مباحثات التجارة.
وارتفع المؤشر ستوكس 600 الأوروبي 1.12 في المائة بحلول الساعة 15:35 بتوقيت غرينيتش بعدما لامس أقل مستوى في شهر الثلاثاء. وارتفعت الأسهم الألمانية الشديدة التأثر بالتجارة نحو 1.19 في المائة متعافية أيضا من أقل مستوى في شهر، وصعدت أسهم شركات صناعة الرقائق عقب توقعات أرباح إيجابية صادرة عن الأميركية.
لكن على الجانب الآخر، انخفض المؤشر نيكي القياسي في بورصة طوكيو للأوراق المالية أمس بدافع التشاؤم في مسألة التجارة، كما أن تجدد المخاوف بشأن آفاق الاقتصاد العالمي دفعت المستثمرين لتحويل أموالهم من الأسهم المرتبطة بالدورة الاقتصادية العالمية لتلك المعتمدة على الطلب المحلي.
وهبط نيكي 1.05 في المائة ليصل إلى 23135.23 نقطة ليغلق دون المتوسط المتحرك في 25 يوما عند 23555 نقطة وهو مستوى دعم فني مهم، لأول مرة في نحو شهرين.
وتراجع المؤشر توبكس الأوسع نطاقا 0.2 في المائة مسجلا 1703.27 نقطة لكن عدد الأسهم الرابحة تجاوز تلك الخاسرة بمعدل 57 إلى 43 وهو وضع غير معتاد.



«وول ستريت» تسجل أطول سلسلة خسائر منذ 4 سنوات

متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)
متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)
TT

«وول ستريت» تسجل أطول سلسلة خسائر منذ 4 سنوات

متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)
متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)

واصلت الأسهم الأميركية تراجعها، يوم الجمعة، مع تعثر «وول ستريت» في ختام أسبوعها الخامس على التوالي من الخسائر، في أطول سلسلة خسائر منذ نحو أربع سنوات.

وهبط مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة 0.8 في المائة في مستهل التداولات، موسّعاً خسائره، عقب تسجيله في الجلسة السابقة أكبر تراجع له منذ اندلاع الحرب مع إيران. كما خسر مؤشر «داو جونز» الصناعي 402 نقطة؛ أي ما يعادل 0.9 في المائة، بحلول الساعة 9:35 صباحاً بتوقيت شرق الولايات المتحدة، في حين انخفض مؤشر ناسداك المركب بنسبة 1 في المائة، وفق «وكالة أسوشييتد برس».

وتعكس هذه الخسائر تحولاً عن نمط التداول خلال الأسبوع، حيث تأرجحت السوق الأميركية يومياً بين الصعود والهبوط مع تبدّل الآمال بشأن إمكانية إنهاء الحرب.

وبعد دقائق من إغلاق جلسة الخميس القاتمة، أطلق الرئيس الأميركي دونالد ترمب إشارة جديدة عُدّت بمثابة بارقة أمل، إذ قرر تمديد المهلة التي حددها لنفسه لـ«تدمير» محطات الطاقة الإيرانية حتى السادس من أبريل (نيسان) المقبل، في حال لم تسمح طهران لناقلات النفط باستئناف المرور من الخليج العربي عبر مضيق هرمز إلى المياه المفتوحة.

وعقب الإعلان، تراجعت أسعار النفط مؤقتاً؛ في إشارة إلى تفاؤل حذِر بإمكانية استعادة بعض الاستقرار في مضيق هرمز. غير أن هذا التفاؤل سرعان ما تبدَّد، لتعاود الأسعار الارتفاع مع انتقال التداولات من آسيا إلى أوروبا، ثم إلى «وول ستريت».

ورغم إعلان ترمب تأجيلاً ثانياً خلال الأسبوع، استمرت المواجهات في الشرق الأوسط دون بوادر تهدئة، في وقتٍ لم تُظهر فيه إيران أي استعداد للتراجع، بينما لوّحت إسرائيل بـ«تصعيد وتوسيع» هجماتها.

وقال دوغ بيث، استراتيجي الأسهم العالمية بمعهد «ويلز فارغو» للاستثمار: «إن التباين في المسار الدبلوماسي بين الولايات المتحدة وإيران، هذا الأسبوع، أثار استياء المستثمرين، ومع نهاية الأسبوع لم يعد بإمكانهم تحمُّل ضبابية المشهد».

من جهته، كتب جيم بيانكو، رئيس استراتيجيات الاقتصاد الكلي بشركة «بيانكو» للأبحاث، أن «أي تصريحات إضافية من ترمب بشأن اتفاق محتمل لن يكون لها تأثير يُذكر على الأسواق، ما لم يؤكد الجانب الإيراني أن المفاوضات تمضي في الاتجاه الصحيح».

وارتفع سعر خام برنت بنسبة 2.2 في المائة ليبلغ 104.15 دولار للبرميل، مقارنة بنحو 70 دولاراً قبل اندلاع الحرب، في حين صعد خام غرب تكساس الوسيط الأميركي بنسبة 3 في المائة إلى 97.28 دولار.

ويخشى المستثمرون من أن تؤدي الحرب إلى اضطرابات ممتدة في إنتاج ونقل النفط والغاز بالخليج العربي، ما قد يحجب كميات كبيرة من الإمدادات عن الأسواق العالمية، ويشعل موجة تضخم حادة. ولن يقتصر أثر ذلك على ارتفاع أسعار الوقود، بل سيمتد إلى زيادة تكاليف النقل والشحن، ما يدفع الشركات لرفع أسعار منتجاتها.

وتشير تقديرات محللي «ماكواري» إلى أن أسعار النفط قد تصل إلى 200 دولار للبرميل في حال استمرت الحرب حتى نهاية يونيو (حزيران) المقبل، وهو مستوى قياسي غير مسبوق.

وقد بدّدت هذه المخاوف، إلى حد كبير، رهانات المستثمرين على خفض أسعار الفائدة من قِبل «الاحتياطي الفيدرالي»، هذا العام، إذ إن أي تيسير نقدي قد يُغذي الضغوط التضخمية بدل كبحها.

ومع ارتفاع أسعار النفط، صعدت عوائد سندات الخزانة الأميركية طويلة الأجل، حيث ارتفع العائد على السندات لأجل 10 سنوات إلى 4.46 في المائة، مقارنة بـ4.42 في المائة في ختام تعاملات الخميس، ومن 3.97 في المائة فقط قبل اندلاع الحرب.

وقد انعكس هذا الارتفاع، بالفعل، على تكاليف الاقتراض، مع صعود أسعار الفائدة على الرهون العقارية والقروض، ما يضيف ضغوطاً إضافية على النشاط الاقتصادي.

وفي «وول ستريت»، تراجعت غالبية الأسهم، حيث انخفضت أربعة من كل خمسة أسهم ضِمن مؤشر «ستاندرد آند بورز 500». في المقابل، كان سهم «نتفليكس» من بين الاستثناءات القليلة، مرتفعاً بنسبة 0.8 في المائة، عقب إعلانه زيادة أسعار خدماته. وعلى الصعيد العالمي، تراجعت الأسهم الأوروبية، في حين جاءت التداولات الآسيوية متباينة.


غيوم حرب إيران... بين أسواق مضطربة ومستثمرين بلا ملاذ آمن

متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)
متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)
TT

غيوم حرب إيران... بين أسواق مضطربة ومستثمرين بلا ملاذ آمن

متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)
متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)

تبدو غيوم حرب إيران في غاية السوء بالنسبة للمتعاملين في الأسواق العالمية شرقاً وغرباً. وبالنسبة لوانغ يابي على سبيل المثال، فإن الأمر كله يتعلق بالنوم الهانئ ليلاً. فقد قام مدير الصندوق، ومقره شنغهاي، بتقليص مراكزه بشكل حاد في مواجهة موجة بيع شديدة اجتاحت الأسواق العالمية مع استمرار الحرب في الشرق الأوسط.

وقال وانغ، مدير صندوق «زيجي» الخاص، في إشارة إلى الانهيار الحاد الذي شهدته الأسهم الصينية يوم الاثنين: «لا أحب التقلبات الحادة... كان الافتتاح سيئاً، لذلك خفّضت مراكز المحفظة إلى نحو 30 في المائة». وأضاف: «ثم شعرت بارتياح كبير».

وعلى الرغم من انتعاش طفيف في وقت لاحق من الأسبوع، لا ينوي وانغ إضافة أي مراكز استثمارية جديدة نظراً للتقلبات الحادة وغير المتوقعة في جميع فئات الأصول عالمياً، من الأسهم إلى النفط والسندات والذهب.

ويقول وانغ: «اليوم، تسعى لاقتناص الفرص عند أدنى مستويات الأسعار، وفي اليوم التالي، تعاني من موجة بيع أخرى. عندما يسود عدم اليقين، تُقلل من حيازاتك لتنعم براحة البال». ووانغ ليس الوحيد الذي يواجه هذه التحديات، فمن شنغهاي إلى نيويورك، يعاني المتداولون والمستثمرون ومديرو الثروات والمصرفيون من ليالٍ بلا نوم، وعمل في عطلات نهاية الأسبوع، واجتماعات مطولة مع العملاء، وتقلبات سريعة في المحافظ الاستثمارية، وتوتر في اللحظات الأخيرة عند تنفيذ الصفقات.

وتنبع هذه التحديات أساساً من عدم اليقين بشأن مدة استمرار الحرب الأميركية الإسرائيلية مع إيران، وتأثيرها على أسعار النفط -التي تجاوزت بالفعل 100 دولار للبرميل- بالإضافة إلى التضخم وأسعار الفائدة وإجراءات البنوك المركزية. والحرب، التي توشك على دخول أسبوعها الخامس، دفعت الذهب، الملاذ الآمن التقليدي، نحو تسجيل أكبر انخفاض شهري له منذ عام 2008، بانخفاض قدره نحو 16 في المائة. وارتفعت عوائد سندات الخزانة الأميركية بمقدار 46 نقطة أساس هذا الشهر، وهو أكبر مكسب لها منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2024.

وبينما يعتمد بعض المشاركين في السوق على تجارب سابقة، بما في ذلك الحرب الروسية الأوكرانية التي اندلعت عام 2022 وتداعيات جائحة كوفيد-19، يجد معظمهم أن الاستراتيجيات القديمة لم تعد مجدية.

الأصول الآمنة

ويقول راجيف دي ميلو، كبير مسؤولي الاستثمار في شركة «غاما» لإدارة الأصول، والذي يعمل خلال عطلات نهاية الأسبوع ويعقد اجتماعات فريق أطول من المعتاد: «هناك عدد قليل جداً من الأصول الآمنة... سندات الخزانة لا تجدي نفعاً، والعملات الآمنة التقليدية مثل الين والفرنك السويسري لا تجدي نفعاً أيضاً. والذهب والفضة كذلك لا يُسهمان في تحسين الوضع».

وأدت الحرب التي استمرت قرابة شهر، والتي اندلعت إثر الضربات الأميركية الإسرائيلية المشتركة على إيران في أواخر فبراير (شباط)، إلى إغلاق طهران فعلياً لمضيق هرمز، وهو ممر مائي يمر عبره خُمس تدفقات النفط والغاز الطبيعي المسال في العالم. وقد أثار ذلك شبح الركود التضخمي (التضخم المرتفع مع ضعف النمو)، ودفع المستثمرين إلى بيع كل شيء تقريباً باستثناء الدولار الأميركي. ويقول دي ميلو، المقيم في سنغافورة: «منذ اندلاع الحرب، خفضنا استثماراتنا في الأسهم لأنه لا يوجد مكان للاختباء».

وقد تضررت الأسهم الآسيوية بشدة؛ إذ انخفضت الأسهم الكورية الجنوبية بنحو 13 في المائة هذا الشهر، بينما انخفض مؤشر نيكي الياباني بنحو 9 في المائة. في المقابل، كان أداء الأسهم الأميركية أفضل، حيث انخفضت بنسبة 6 في المائة فقط. وقد اجتذب هذا الأداء الأفضل قليلاً للأسهم الأميركية بعض المستثمرين.

وقال كينيون تسيه، رئيس قسم مبيعات التداول في بنك «يو بي إس» بهونغ كونغ، يوم الثلاثاء، إن مكتب التداول التابع لشركته شهد يومياً منذ بداية مارس (آذار) عمليات بيع صافية في أسهم شركة «تي إس إم سي»، أكبر شركة آسيوية من حيث القيمة السوقية، والتي تمثل أكبر انكشاف للمستثمرين العالميين على تايوان.

وقال ماتياس شايبر، من شركة «أولسبرينغ غلوبال إنفستمنتس» في لندن، إنه قلّص مراكزه في الأسواق الناشئة، وزاد بشكل تكتيكي من انكشافه على الولايات المتحدة، لكنه حذر من أن الضغوط قد تتفاقم إذا حذت البنوك المركزية العالمية حذو أستراليا في رفع أسعار الفائدة.

أما بالنسبة لمن كانوا على الجانب الخاسر من اضطرابات السوق، فقد كانت الأمور بالغة الصعوبة. وقال أحد المتداولين في شركة طاقة إن اندلاع الحرب تسبب في ليالٍ بلا نوم، حيث كانت شركته تحتفظ ببعض المراكز التي راهنت على انخفاض أسعار النفط.

وأضاف المتداول: «لم أستطع النوم حرفياً في تلك العطلة الأسبوعية التي بدأت فيها الحرب»، مشيراً إلى أن الأسبوع التالي كان شديد التوتر وسط تقلبات حادة وتزايد في الاجتماعات الداخلية. وتحدث المتداول شريطة عدم الكشف عن هويته لعدم حصوله على إذن بالتحدث إلى وسائل الإعلام.

صدمة غير مسبوقة

وبالنسبة لكينيث جوه، مدير إدارة الثروات الخاصة في بنك «يو أو بي كاي هيان»، تسببت الحرب في ليالٍ بلا نوم تقريباً، ليس بسبب رهانات خاسرة، بل بسبب إدارة محافظ العملاء في ظل صدمة غير مسبوقة. وقال جوه: «الأمر متواصل بلا توقف. إن حالفني الحظ، أنام عند منتصف الليل. وإلا، أنام في الثانية أو الثالثة أو الرابعة صباحاً. لكن هذه هي الحياة التي اخترتها». وأثرت حالة عدم اليقين المستمرة بشأن الصراع في الشرق الأوسط على الصفقات الجديدة في أسواق ائتمان الشركات. وفي نيويورك، قامت البنوك بضمان ديون بقيمة 18 مليار دولار تقريباً للاستحواذ على شركة تطوير ألعاب الفيديو «إلكترونيك آرتس» مقابل 55 مليار دولار.

وتابعت السلطات عن كثب التطورات المتعلقة بالمهلة التي حددها الرئيس الأميركي دونالد ترمب يوم الاثنين لشنّ ضربات على شبكة الكهرباء الإيرانية. وتزامن هذا الموعد النهائي مع المراحل الأخيرة من تسويق سندات شركة الكهرباء الإيرانية للمستثمرين في بداية الأسبوع، وكان من الممكن أن يؤدي إلى شروط أقل ملاءمة للمقترضين، وفقاً لما ذكره مصرفيان مطلعان على الأمر.

وأوضح المصرفيان أن المصرفيين المشاركين في الصفقة خلال عطلة نهاية الأسبوع كانوا يستعدون لاحتمال شنّ ضربات على البنية التحتية الإيرانية، وما قد يتبع ذلك من ارتفاع محتمل في أسعار سندات شركة الكهرباء الإيرانية. وبعد إعلان ترمب يوم الاثنين تأجيل الضربات لمدة خمسة أيام، تمكنت البنوك من خفض تكاليف الاقتراض على جزء السندات عالية العائد المقوّمة بعملات مختلفة، والذي يبلغ نحو 6.6 مليار دولار، حسب المصرفيين. ويوم الخميس، أعلن ترمب تعليق الهجمات المُهددة على محطات الطاقة الإيرانية لمدة عشرة أيام حتى السادس من أبريل (نيسان). وقد أدى هذا التقلب المستمر إلى إجبار المستثمرين على متابعة السوق عن كثب. ويقول موكيش ديف، كبير مسؤولي الاستثمار في شركة «أرافالي» لإدارة الأصول: «يجب عليك باستمرار مراقبة السوق والتفاعل معه، وهذا يؤثر بلا شك على قدراتك الذهنية». وأضاف ديف، المقيم في سنغافورة، أنه شهد تقلبات مماثلة في عام 2008 وخلال الأزمة المالية الآسيوية في أواخر التسعينات، لكنه لم يُجزم ما إذا كان الوضع الحالي يُضاهي تلك اللحظات -في الوقت الراهن. وقال: «إذا استمر هذا الوضع لأسبوع آخر أو نحوه، فسنرى. لا مجال للخطأ، فالأخطاء غير مقبولة بتاتاً».


الحرب الإيرانية تهدد اقتصاد الاتحاد الأوروبي بالركود التضخمي

فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)
فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)
TT

الحرب الإيرانية تهدد اقتصاد الاتحاد الأوروبي بالركود التضخمي

فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)
فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)

حذَّر المفوض الاقتصادي الأوروبي، فالديس دومبروفسكيس، من أن اقتصاد الاتحاد الأوروبي يواجه خطر الركود التضخمي نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة الناجم عن الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران.

وقال دومبروفسكيس في مؤتمر صحافي عقب اجتماع وزراء مالية الاتحاد الأوروبي: «التوقعات محاطة بغموض كبير، لكن من الواضح أننا معرضون لخطر صدمة ركود تضخمي، أي سيناريو يتزامن فيه تباطؤ النمو مع ارتفاع التضخم»، وفق «رويترز».

وأضاف: «حتى لو كانت اضطرابات إمدادات الطاقة قصيرة الأجل نسبياً، تشير تحليلاتنا إلى أن نمو الاتحاد الأوروبي في 2026 قد يكون أقل بنحو 0.4 نقطة مئوية عن توقعاتنا الاقتصادية السابقة، مع احتمال ارتفاع التضخم بنحو نقطة مئوية واحدة».

وتابع: «إذا تبيَّن أن الاضطرابات أكثر جوهرية وأطول أمداً، فإن العواقب السلبية على النمو ستكون أكبر، وقد ينخفض النمو بنسبة تصل إلى 0.6 نقطة مئوية في كل من عامي 2026 و2027».

وأكد دومبروفسكيس أن نطاق الحرب وشدتها وتأثيرها قد ازدادت منذ آخر اجتماع لوزراء مالية الاتحاد الأوروبي قبل أكثر من أسبوعين؛ ما يزيد غموض التوقعات الاقتصادية.