عبد المهدي يطرح استقالته بضغط من السيستاني... والحراك الشعبي مستمر

صالح لرئاسة الحكومة مؤقتاً... قوى سياسية تدعو البرلمان للانعقاد وعلاوي يعتزم إرسال شكوى لمنظمة التعاون الإسلامي ضد تدخلات إيران

مواجهة بين الجيش والمحتجين في بغداد (رويترز) - (في الإطار) رئيس الوزراء العراقي عادل عبد المهدي (رويترز)
مواجهة بين الجيش والمحتجين في بغداد (رويترز) - (في الإطار) رئيس الوزراء العراقي عادل عبد المهدي (رويترز)
TT

عبد المهدي يطرح استقالته بضغط من السيستاني... والحراك الشعبي مستمر

مواجهة بين الجيش والمحتجين في بغداد (رويترز) - (في الإطار) رئيس الوزراء العراقي عادل عبد المهدي (رويترز)
مواجهة بين الجيش والمحتجين في بغداد (رويترز) - (في الإطار) رئيس الوزراء العراقي عادل عبد المهدي (رويترز)

أعلن رئيس الوزراء العراقي عادل عبد المهدي عزمه على الاستقالة بُعيد دعوة المرجع الشيعي الأعلى في العراق آية الله علي السيستاني مجلس النواب العراقي إلى سحب الثقة من الحكومة، لكن ذلك لم يوقف القمع الدامي الذي خلف عشرات القتلى والجرحى أمس.
وبدا واضحاً للمرة الأولى، دعم المرجع السيستاني، للاحتجاجات الغاضبة التي تدعو منذ الأول من أكتوبر (تشرين الأول)، إلى «إقالة الحكومة» وتغيير الطبقة السياسية التي تسيطر على العراق منذ 16 عاماً، مع اتهامها بالفساد وهدر ثروات هذا البلد الغني.
وقال السيستاني في خطبة الجمعة التي تلاها ممثله السيد أحمد الصافي في كربلاء، إن «مجلس النواب الذي انبثقت عنه الحكومة الراهنة مدعوّ إلى أن يعيد النظر في خياراته بهذا الشأن ويتصرف بما تمليه مصلحة العراق والمحافظة على دماء أبنائه، وتفادي انزلاقه إلى دوامة العنف والفوضى والخراب».
وبعد ساعات، أعلن عبد المهدي، المستقل الذي تولى منصبه منذ أكثر من عام، عزمه على الاستقالة، وقال في بيان: «سأرفع إلى مجلس النواب الموقر الكتاب الرسمي بطلب الاستقالة من رئاسة الحكومة الحالية ليتسنى للمجلس إعادة النظر في خياراته».
وعلى الفور، هتف متظاهرون في ساحة التحرير بوسط بغداد، معبرين عن فرحهم بهذه الخطوة التي تندرج في إطار مطالبهم بـ«إسقاط الحكومة» وتغيير القادة السياسيين. وقال أحد المتظاهرين لوكالة الصحافة الفرنسية: «هذا أول نصر لنا، وستكون هناك انتصارات أخرى على الآخرين». وأضاف وسط هتافات وأبواق عربات «التوك توك» ثلاثية العجلات التي باتت رمز الاحتجاجات في بغداد: «إنه انتصار كذلك للشهداء الذين سقطوا» خلال الاحتجاجات. ويقدر عدد هؤلاء بأكثر من 400 عراقي منذ الأول من أكتوبر، إضافة إلى آلاف المصابين والمعوقين، وفق حصيلة أعدتها وكالة الصحافة الفرنسية استناداً إلى مصادر طبية وأمنية.
وقتل 10 متظاهرين بالرصاص الحي وأصيب عشرات أمس، في مدينة الناصرية بجنوب العراق، خلال مواجهات دامية بين المحتجين وقوات الأمن، بحسب ما أفادت مصادر طبية.
وكان مدير شرطة المدينة الجنوبية أعلن في وقت سابق الجمعة، استقالته غداة استقالة المحافظ وإقالة القائد العسكري المكلف إدارة خلية الأزمة، عقب أعمال الفوضى الدامية في المدينة التابعة لمحافظة ذي قار التي تضم آثاراً تاريخية.
ومن غير المرجح أن تحد الخطوة التي اتخذها رئيس الوزراء من موجة العنف التي تضرب مناطق جنوب العراق، حيث التقاليد العشائرية، بعد مقتل وجرح عدد كبير من أبناء تلك العشائر.
وفي مدينة الديوانية، جنوب البلاد، حيث أقيم تشييع رمزي تكريماً لـ46 متظاهراً قتلوا الخميس بالرصاص في مدن متفرقة من البلاد، أعرب متظاهر عن سعادته، مشيراً في الوقت نفسه إلى أن «مشكلتنا ليست رئيس الوزراء (فقط)، نريد أن يرحل جميع الأحزاب»، في إشارة إلى فشل السياسيين في إدارة البلاد وما ترتب على ذلك من سوء الخدمات وفساد وارتفاع معدلات البطالة في العراق الذي يعدّ بين أغنى دول العالم بالنفط.
وقال المحامي سجاد حسين (35 عاماً)، متحدثا من ساحة التظاهر وسط مدينة الكوت، جنوب بغداد، إن «هذه الاستقالة بداية لتنفيذ مطالب المحتجين، وانطلاقة لتصحيح مسار العملية السياسية وحقن الدماء».
وأورد المتظاهر علي حسين من ساحة الحبوبي وسط مدينة الناصرية، جنوب بغداد، أن «هذه خطوة مهمة رغم كونها متأخرة، وبعد أيام دموية خصوصاً هنا في الناصرية».
ورحبت جهات بينها كتل سياسية بالدعوة التي كان أطلقها المرجع الشيعي. وقال تحالف النصر بزعامة رئيس الوزراء السابق حيدر العبادي: «ندعو مجلس النواب العراقي لعقد جلسة خاصة اليوم (السبت) لسحب الثقة من الحكومة وتشكيل حكومة جديدة مستقلة». وقال العبادي في بيان إن «مجلس النواب العراقي مطالب بإعداد قانون انتخابي منصف، وتشكيل مفوضية انتخابات مستقلة لإجراء انتخابات حرة مبكرة ونزيهة بشراكة مع الأمم المتحدة».
كما طالب الزعيم الشيعي مقتدى الصدر البرلمان العراقي بعقد جلسة طارئة لقبول استقالة رئيس الحكومة عادل عبد المهدي. وقال في بيان: «نطالب بأن تكون الحكومة المقبلة بعيدة عن التدخلات الخارجية، وأن تمهد للانتخابات المقبلة وتغير كادر مفوضية الانتخابات العراقية».
وأعرب تحالف «الفتح» الذي يمثل فصائل الحشد الشعبي المدعومة أغلبها من إيران، ويعدّ ثاني أكبر الكتل البرلمانية، عن موقفه المؤيد لتوجيهات المرجعية الشيعية. وقال قيس الخزعلي، أحد أبرز قادة فصائل الحشد الشعبي في تغريدة: «أمري لأمركُم مُتبع»، في إشارة إلى المرجعية الشيعية.
بدوره، قال رئيس ائتلاف الوطنية، إياد علاوي إنه قرر الانسحاب من العملية السياسية بشكلها الحالي والعمل على تقويضها وإعادة بنائها سلمياً بسبب كثرة إراقة الدماء. وقال إنه سيتقدم بشكوى إلى منظمة التعاون الإسلامي، ضد تدخلات إيران في العراق، حسب مصادر عراقية.
ورغم قمع المظاهرات، يواصل المحتجون التمسك بمطالبهم بـ«إسقاط النظام» السياسي المستمر منذ 16 عاماً، بعد إسقاط نظام صدام حسين عام 2003، خصوصاً مع النفوذ المتنامي لإيران سواء في صفوف الطبقة السياسية أو على الصعيد الاقتصادي.
وأدى العصيان المدني والاحتجاجات إلى إغلاق مؤسسات حكومية ومدارس ومقار مختلفة في عدد كبير من المدن خصوصاً في جنوب العراق، حيث يعيش واحد من كل 5 أشخاص تحت خط الفقر رغم الثروة النفطية الهائلة. ولم يتمكن المتظاهرون حتى الآن من الوصول إلى حقول النفط التي تمثل مصدر الدخل الرئيسي وتشكل 90 في المائة من موازنة العراق المثقل بالديون.
إلى ذلك، أكد الخبير القانوني العراقي أحمد العبادي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن «هناك آلية دستورية لإقالة الحكومة، تتم بموافقة الأغلبية المطلقة للبرلمان، وذلك طبقاً للمادة 81 أولاً»، مبيناً أنه «بموجب هذه الآلية فإن رئيس الجمهورية (برهم صالح) هو من يتولى رئاسة الوزراء عند خلو المنصب».
ويضيف النائب العبادي أن «رئيس الجمهورية يكلف في مدة أقصاها 15 يوماً مرشحاً آخر لتشكيل الحكومة وفقاً للمادة 76 من الدستور». وأوضح أنه يمكن «لخمس أعضاء البرلمان الطلب من رئاسة البرلمان استجواب رئيس مجلس الوزراء وللأسباب المقدمة منهم ويمكن إقالة الحكومة بالأغلبية المطلقة لعدد أعضاء البرلمان وتعد الحكومة مستقيلة في حالة إقالة رئيسها».
إلى ذلك أكد رئيس كتلة تحالف القوى في البرلمان العراقي محمد الكربولي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن «تحالف القوى العراقية (يتزعمه رئيس البرلمان محمد الحلبوسي) سبق أن حذر عادل عبد المهدي من أن إصراره على سفك الدماء سيعجل من نهايته السياسية». وأوضح الكربولي أن «بقاء عبد المهدي هو انتحار للعملية السياسية، وبالتالي فإننا مع عدم بقاء هذه الحكومة التي تسببت في إراقة الدم العراقي».



«الجامعة العربية» لإصدار قرار بشأن الاعتداءات الإيرانية

جانب من اجتماع المندوبين الدائمين (الجامعة العربية)
جانب من اجتماع المندوبين الدائمين (الجامعة العربية)
TT

«الجامعة العربية» لإصدار قرار بشأن الاعتداءات الإيرانية

جانب من اجتماع المندوبين الدائمين (الجامعة العربية)
جانب من اجتماع المندوبين الدائمين (الجامعة العربية)

يعقد وزراء الخارجية العرب اجتماعاً، الاثنين، في بداية الدورة الـ«166» لمجلس الجامعة العربية على مستوى وزراء الخارجية، وقال مصدر دبلوماسي عربي إن «الاجتماع سيصدر قراراً بشأن الاعتداءات الإيرانية على الدول العربية».

وأضاف المصدر لـ«الشرق الأوسط» أن «اجتماع المندوبين الدائمين للجامعة العربية، الذي عُقد السبت، ناقش جدول أعمال الاجتماع الوزاري»، مشيراً إلى أن «المندوبين بحثوا تطورات الأوضاع الإقليمية وتداعيات الحرب الإيرانية، إضافة إلى مستجدات القضية الفلسطينية باعتبارها قضية العرب الرئيسية».

وكشف المصدر عن «توافق المندوبين الدائمين على إصدار بيان بشأن الانتهاكات الإسرائيلية في ختام الاجتماع الوزاري الاثنين المقبل، جنباً إلى جنب مع قرارات الاجتماع التي ستُركز على إدانة الاعتداءات الإيرانية على الدول العربية».

وعقد المندوبون الدائمون اجتماعاً، السبت، بمقر الأمانة العامة للجامعة العربية بالقاهرة، في سياق الإعداد لاجتماع وزراء الخارجية العرب، بحضور السفير شريف كامل، رئيس مكتب الأمين العام للجامعة العربية. وشهد الاجتماع تسلُّم تونس رئاسة الدورة الـ«166» لمجلس الجامعة خلفاً للبحرين.

وأكدت السفيرة فوزية بنت عبد الله زينل، المندوبة الدائمة للبحرين، في كلمتها خلال الاجتماع أن الأمن القومي العربي «وحدة واحدة لا تتجزأ»، وأن فلسطين ستظل قضية العرب المركزية.

وأدانت مندوبة البحرين الهجمات الإيرانية التي استهدفت دولاً في مجلس التعاون الخليجي والمملكة الأردنية، ووصفتها بأنها «انتهاك صارخ للقانون الدولي، وتهديد للسلم والأمن في المنطقة، خصوصاً في ظل استهداف المدنيين والأعيان المدنية».

وجددت البحرين موقفها «الرافض لأي اعتداءات تستهدف سيادة الدول العربية أو أمن مواطنيها»، محذرة من «خطورة مثل هذه الهجمات على استقرار المنطقة».

بدوره، قال الهاشمي العجيلي، مدير عام المنظمات المغاربية والعربية والإسلامية بوزارة الشؤون الخارجية والهجرة والتونسيين بالخارج، في كلمته إن بلاده «تتولى رئاسة هذه الدورة في ظرف إقليمي دقيق وحساس، تتزايد فيه التحديات التي تواجه المنطقة»، مشدداً على «أهمية التضامن والتشاور والتنسيق العربي».

وأكد «دعم تونس للقضية الفلسطينية، وحق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته، والتمسك بسيادة الدول العربية ووحدة أراضيها، وتعزيز التضامن العربي ووحدة الصف، بما يخدم أمن المنطقة واستقرارها».

وكان المجلس الاقتصادي والاجتماعي للجامعة العربية قد عقد اجتماعاً على المستوى الوزاري في القاهرة الخميس الماضي، دعا خلاله إلى تعزيز الدعم للاقتصاد الفلسطيني من خلال برنامج متعدد السنوات لبناء القدرات وتقديم المساعدات الفنية، وأكد ضرورة الانتقال بالعمل الاقتصادي والاجتماعي العربي المشترك من مرحلة «التنسيق وتبادل الرؤى، إلى التنفيذ وتحقيق نتائج ملموسة، ومساعدة الدول غير المستقرة».

وطرح الأمين العام لجامعة الدول العربية نبيل فهمي، في كلمته خلال اجتماع المجلس الاقتصادي والاجتماعي، 10 أولويات للمرحلة المقبلة، تبدأ بتطوير «نموذج عربي للتنمية الشاملة يستفيد من الموارد البشرية والطبيعية للمنطقة»، إضافة إلى دعم الشعب الفلسطيني وتطوير آليات تنفيذية فعالة لمساندة اقتصاده ودعم الدول العربية التي تواجه أوضاعاً غير مستقرة، وتفعيل استراتيجيات الأمن الغذائي العربي.


تصعيد الحوثيين ينقلب عليهم في تعز والساحل الغربي

القوات الحكومية اليمنية بدأت هجوماً عكسياً ضد الحوثيين في تعز والحديدة (إعلام عسكري)
القوات الحكومية اليمنية بدأت هجوماً عكسياً ضد الحوثيين في تعز والحديدة (إعلام عسكري)
TT

تصعيد الحوثيين ينقلب عليهم في تعز والساحل الغربي

القوات الحكومية اليمنية بدأت هجوماً عكسياً ضد الحوثيين في تعز والحديدة (إعلام عسكري)
القوات الحكومية اليمنية بدأت هجوماً عكسياً ضد الحوثيين في تعز والحديدة (إعلام عسكري)

بدأ الهجوم البري الواسع الذي شنته الجماعة الحوثية منذ الخميس الماضي على جبهات الساحل الغربي وجنوب الحديدة وغرب تعز بالارتداد عليها، مع انتقال القوات الحكومية اليمنية إلى الهجوم المضاد، وتحقيق تقدم ميداني في أكثر من محور، في وقت تتكثف فيه الغارات الجوية على مواقع الجماعة، وتحاول قوات الجيش والمقاومة قطع خطوط إمدادها.

وفي أبرز التطورات الميدانية صباح السبت، بدأت قوات المقاومة الوطنية، مسنودة بوحدات من ألوية العمالقة، هجوماً معاكساً جنوب مديرية الجراحي في محافظة الحديدة، بالتزامن مع تنفيذ مسيّراتها ضربات استهدفت تعزيزات حوثية في المنطقة، وفقاً للإعلام العسكري للمقاومة.

ويأتي هذا التحرك مع تقدم القوات الحكومية من حيس باتجاه الجراحي، في جنوب الحديدة الشرقي، في محاولة لاستعادة زمام المبادرة على أحد المحاور التي شهدت خلال الأيام الماضية هجمات حوثية واسعة، بينما أفادت مصادر عسكرية بتكبد الجماعة خسائر بشرية ومادية كبيرة خلال المواجهات.

جندي من الجيش اليمني يرفع العلم بعد تحرير أحد المواقع (إعلام عسكري)

وفي جنوب شرقي تعز، حققت القوات الحكومية تقدماً جديداً في جبهة حيفان، وسيطرت، وفقاً لمصدر عسكري، على تبة «الوثرة»، وتبة «سعيد طه» في منطقة المفاليس، إضافة إلى تباب «ذيبان»، و«الخضيرة»، و«النجدين».

وتكتسب المواقع التي استعادت القوات السيطرة عليها أهمية عسكرية، لكونها تشرف على سوق الخزجة، وخطوط إمداد حوثية باتجاه جبهات في شمال غربي لحج، وجنوبي تعز، بحسب المصدر نفسه، الذي أشار إلى سقوط خسائر بشرية ومادية في صفوف الجماعة، وفرار عدد من عناصرها من مواقع المواجهات.

هجوم مضاد

في غرب تعز، كانت القوات الحكومية قد استعادت، الجمعة، تبة الخزان في مديرية جبل حبشي، خلال مواجهات عنيفة مع الحوثيين، وبالتزامن مع اشتداد المعارك في جبهتي مقبنة، والكدحة، ووصول تعزيزات إلى القوات الحكومية.

وتشير التطورات المتلاحقة في هذه الجبهات إلى انتقال المبادرة تدريجياً من الهجوم الحوثي إلى القوات الحكومية، بعد ثلاثة أيام من المعارك التي حاولت خلالها الجماعة إحداث اختراقات ميدانية في جنوب الحديدة، وغرب تعز، وخصوصاً في جبل حبشي.

آثار قصف صاروخي سابق للحوثيين على ميناء المخا اليمني (أ.ف.ب)

وفي محور سقم، أفاد الإعلام العسكري للمقاومة الوطنية، السبت، بأن قوات الفرقة الثانية «تنكل» بالحوثيين في جبال المحرق، بينما أعلنت القوات البحرية للمقاومة تدمير زورقين مفخخين حوثيين حاولا استهداف منطقة الفجرة جنوب الخوخة، وميناء المخا.

كما أعلنت مصادر عسكرية إحباط محاولة تسلل حوثية من المدخل الشرقي لمدينة تعز، ومقتل عدد من عناصر الجماعة، في حين استمرت المواجهات في قطاعات مختلفة من الجبهة.

وتزامن ذلك مع تعرض طريق هيجة العبد الرابط بين تعز وعدن لقصف حوثي، أسفر، وفق مصادر محلية وطبية، عن مقتل أربعة مدنيين، وإصابة تسعة آخرين، فضلاً عن أضرار مادية في الموقع.

وتعكس هذه الحوادث اتساع نطاق التصعيد الحوثي ليشمل طرقاً ومناطق مدنية، بالتزامن مع العمليات البرية التي تخوضها الجماعة على خطوط التماس.

الغارات تدخل المعركة

للمرة الأولى أعلن الجيش اليمني استخدام طيرانه الحربي في استهداف مواقع الحوثيين في جبهات تعز، والحديدة، في تطور لافت في مسار المعارك الحالية.

وقال المركز الإعلامي للقوات المسلحة، مساء الجمعة، إن الطيران الحربي شن أكثر من 15 غارة على مواقع وتجمعات وآليات حوثية في جبهات الساحل الغربي بمحافظتي تعز، والحديدة، بالتزامن مع استمرار القصف المدفعي، والاشتباكات البرية.

وأفادت مصادر عسكرية بأن الطيران اليمني واصل غاراته على مواقع الجماعة في تعز، والحديدة، واستهدف خطوط إمداد، ومخازن أسلحة، في وقت تعرضت فيه مواقع حوثية في مدينة الحزم بمحافظة الجوف لغارات جوية، وفق مصادر عسكرية.

مقاتلة تابعة للقوات المسلحة اليمنية (إعلام عسكري)

وتقول مصادر ميدانية إن الخسائر الحوثية خلال الأيام الثلاثة من المواجهات كبيرة، وإن مئات القتلى والجرحى سقطوا في صفوف الجماعة، بينما تواجه المستشفيات الخاضعة لسيطرتها في الحديدة ضغطاً متزايداً جراء وصول قتلى وجرحى المعارك.

ونقلت الجماعة دفعة جديدة من قتلى وجرحى المواجهات إلى مستشفيات الجراحي، وزبيد، بحسب مصادر إعلامية محلية، في مؤشر على حجم الخسائر التي لحقت بقواتها خلال الهجوم، ومحاولات صد الهجمات المضادة.

وفي المقابل، يواصل الحوثيون الدفع بتعزيزات إلى مناطق المواجهات، في محاولة للحفاظ على المواقع التي حققوا فيها تقدماً أولياً، واحتواء الهجوم المعاكس للقوات الحكومية.

حماية باب المندب

في ظل اتساع رقعة المواجهات، تابع رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي وأعضاء المجلس تطورات العمليات العسكرية، وأجروا اتصالات بالقيادات العسكرية والميدانية للاطلاع على سير المعارك، والجاهزية، والاحتياجات العملياتية، واللوجستية، وفق بيان صادر عن مكتب القائد الأعلى للقوات المسلحة.

وكان العليمي حذر، مساء الجمعة، من تداعيات التصعيد الحوثي، محملاً الجماعة مسؤولية الآثار الإنسانية المترتبة عليه، بما في ذلك نزوح مئات الأسر من مناطق المواجهات.

ناقلة حاويات تمر بالقرب من باب المندب في جنوب البحر الأحمر (أ.ف.ب)

وشدد على أن القوات الحكومية لن تسمح بتحقيق ما وصفه بهدف إيران في السيطرة على مضيق باب المندب، مؤكداً أن أي تحرك باتجاه هذه المناطق سيؤدي إلى استنزاف حاد للحوثيين.

ويأتي ذلك فيما دعت وزارة التخطيط والتعاون الدولي المنظمات الدولية والمانحين إلى تدخل إنساني عاجل لمساعدة الأسر النازحة والمتضررة في تعز، والحديدة، محذرة من الاحتياجات المتزايدة للمأوى، والغذاء، والأدوية، والمياه، والخدمات الطبية، ومطالبة بإنشاء مستشفيات ميدانية لاستقبال الجرحى.

وكانت المخا وميناؤها قد تعرضا خلال أغسطس (آب) الماضي لسلسلة من الهجمات الحوثية بالصواريخ الباليستية، والمسيّرات، في تصعيد طال منشآت وأعياناً مدنية، وأدى إلى تعطيل حركة الميناء، وخروج منشآته عن الخدمة، في وقت ردت فيه القوات الحكومية بعمليات عسكرية، وضربات استهدفت تحركات الجماعة، وقدراتها الهجومية.


جثث متراكمة وتجنيد في المدارس يعكسان نزيف الحوثيين

محاولة حوثية للتوفيق بين الالتزام بتكريم القتلى وتجنب انكشاف أعدادهم (إعلام حوثي)
محاولة حوثية للتوفيق بين الالتزام بتكريم القتلى وتجنب انكشاف أعدادهم (إعلام حوثي)
TT

جثث متراكمة وتجنيد في المدارس يعكسان نزيف الحوثيين

محاولة حوثية للتوفيق بين الالتزام بتكريم القتلى وتجنب انكشاف أعدادهم (إعلام حوثي)
محاولة حوثية للتوفيق بين الالتزام بتكريم القتلى وتجنب انكشاف أعدادهم (إعلام حوثي)

لجأت الجماعة الحوثية إلى حيل جديدة لتعويض النزيف البشري في التصعيد العسكري لاستدراج طلاب المدارس الثانوية، بينما تواجه المستشفيات والمرافق الطبية في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء والمناطق الخاضعة لسيطرتها، أزمة خانقة غير مسبوقة منذ نحو شهر ونصف الشهر، تمثلت في امتلاء كلي لثلاجات حفظ الجثث وغرف العناية المركزة، وسط تعتيم إخباري متشدد.

وتقول مصادر طبية في صنعاء لـ«الشرق الأوسط» إن هذه الأزمة المتفاقمة نتيجة مباشرة للتصعيد العسكري الحوثي والتحول التكتيكي البارز بدخول الطيران المسيّر ضمن عتاد الجيش اليمني، مما ألحق خسائر بشرية فادحة في صفوف المهاجمين، مشيرة إلى أن غالبية القتلى والجرحى سقطوا في الجبهات القتالية بين محافظتي تعز والحديدة جنوب غربي البلاد.

وحسب المصادر، فإن الجماعة تفرض تعتيماً إخبارياً صارماً حول حجم هذه الخسائر، وتصاحب ذلك موجة من التهديدات المباشرة للأطباء والعاملين في القطاع الصحي لمنع تسريب أي بيانات أو إحصاءات طبية، أو حول ازدحام الثلاجات بالجثث وامتلاء غرف العناية المركزة بالجرحى.

الطيران المسيّر التابع للجيش اليمني أسهم في رفع أعداد قتلى الحوثيين (الجيش اليمني)

وانعكست هذه الأزمة على حياة المرضى والمصابين بحالات صحية حرجة أو جرحى الحوادث من المدنيين؛ إذ أصدرت قيادات الجماعة توجيهات صارمة بمنح الأولوية المطلقة لعناصرها في غرف العناية المركزة وثلاجات الموتى في المستشفيات الكبرى مثل (الثورة، والكويت، والجمهوري) إلى جانب إلزام المستشفيات الخاصة بذلك.

التشييع بالتقسيط

أدى هذا الاحتكار الطبي إلى رفض المستشفيات أو عدم قدرتها على استقبال مئات الحالات الطبية وأجبر ذوي الحالات على التنقل لساعات طويلة بين المرافق الطبية أو إبقائها في سيارات خاصة.

وتشير المصادر إلى أن التوجيهات شملت إلزام الطب الجنائي بسرعة التعامل مع الجثث المحفوظة على ذمة قضايا قتل أو حوادث مرورية وسرعة الإفراج عنها والسماح بدفنها، أو إبلاغ عائلات أصحابها باستلامها بعد مزاعم استكمال التحقيقات، إلى جانب التخلص من جثث مجهولي الهوية بدفنها.

ووضع هذا التدفق الهائل للجثامين قيادة الجماعة أمام معضلة مركبة؛ إذ تحاول من جهة الالتزام ببروتوكولاتها العقائدية والسياسية المتمثلة في تكريم قتلاها بمراسم تشييع علنية أمام عائلاتهم وقبائلهم للحفاظ على الولاء المجتمعي، ومن جهة أخرى تخشى انكشاف الحصيلة الكبيرة لأعداد القتلى لتجنب انهيار معنويات أنصارها، والحد من مخاوف القبائل المترددة في الدفع بأبنائها إلى جبهات القتال.

حراسة الفعاليات والتظاهرات إحدى الوسائل الحوثية لاستدراج الأطفال للقتال (غيتي)

وتسعى الجماعة الحوثية عبر هجمات مكثفة إلى تطويق مدينة تعز (جنوب غرب) من الجهة الغربية، بهدف قطع الشريان الحيوي والطريق الاستراتيجي الرابط بينها وبين مدينة المخا على الساحل الغربي بالقرب من باب المندب.

وكشفت المصادر عن أن الجماعة اضطرت إلى استراتيجية «التشييع بالتقسيط»، عبر تنظيم جنازات محدودة على فترات زمنية متباعدة وفي ساحات متفرقة، لتشتيت الانتباه عن الحجم الفعلي للفاتورة البشرية.

وذكرت مصادر أخرى لـ«الشرق الأوسط» أن الجماعة التي تواجه أزمة عميقة في عمليات الحشد والتجنيد التقليدية خلال الآونة الأخيرة، لجأت إلى نقل ثقل استقطابها نحو القطاع التعليمي، وحوّلت عدداً من المدارس الثانوية ومعاملها العلمية إلى ورش تدريبية لتعليم الطلاب آليات تفكيك وتركيب الأسلحة.

من الفعاليات إلى الجبهات

شددت الجماعة الحوثية على توظيف «فرق الكشافة» لعمليات استدراج ممنهجة تستهدف اليافعين والشباب، وتبدأ آلية الاستدراج بإقناع الطلاب والشباب بالمشاركة في تأمين الاحتفالات والتجمعات والوقفات التي تنظمها بشكل دوري في الساحات والميادين، إلى جانب «دورات ثقافية» في المقرات التابعة لها أو المساجد بهدف خلق تأثير نفسي وفكري تدريجي عليهم.

الحوثيون يحاولون من قرابة شهرين الوصول إلى مضيق باب المندب وتهديد الملاحة فيه (أ.ف.ب)

وخلال هذه الأنشطة، يحصل المشاركون على مكافآت مالية ووجبات غذائية، ويُلزمون بارتداء الملابس العسكرية لتعزيز شعور الانتماء لديهم.

ولاحقاً، وتحت مسمى «المكافأة على الانضباط»، يتم نقلهم إلى مستويات أعلى تشمل دورات على استخدام السلاح الخفيف، ثم دورات قتالية ومناورات ميدانية، ليجد هؤلاء الطلاب أنفسهم في نهاية المطاف في خطوط النار الأمامية.

ولجأت الجماعة الحوثية إلى التصعيد العسكري داخلياً في عدد واسع من الجبهات، إلا أنها ركزت هجماتها على المحاور الجنوبية الغربية للبلاد، في محاولة لفرض سيطرتها على كامل الساحل الغربي اليمني والاقتراب من مضيق باب المندب، استجابة لمساعي إيرانية لتوسيع نطاق المواجهة الإقليمية وأزمة النقل البحري وتشديد الخناق على حركة تصدير الطاقة من المنطقة.