مناقشات بين صندوق النقد والأردن لبرنامج اقتصادي جديد مدته 3 سنوات

الأولويات تتمثل في الحفاظ على الاستقرار وخلق الوظائف ودعم النمو

أشاد صندوق النقد الدولي بالإجراءات المهمة التي اتخذتها السلطات الأردنية لتحسين مناخ الأعمال (رويترز)
أشاد صندوق النقد الدولي بالإجراءات المهمة التي اتخذتها السلطات الأردنية لتحسين مناخ الأعمال (رويترز)
TT

مناقشات بين صندوق النقد والأردن لبرنامج اقتصادي جديد مدته 3 سنوات

أشاد صندوق النقد الدولي بالإجراءات المهمة التي اتخذتها السلطات الأردنية لتحسين مناخ الأعمال (رويترز)
أشاد صندوق النقد الدولي بالإجراءات المهمة التي اتخذتها السلطات الأردنية لتحسين مناخ الأعمال (رويترز)

أشار صندوق النقد الدولي في بيان إلى وجود مناقشات مع الأردن من أجل احتمالية اعتماد برنامج اقتصادي جديد مدته ثلاث سنوات يدعمه الصندوق، مشيراً إلى أن السلطات الأردنية اتخذت إجراءات مهمة لتحسين مناخ الأعمال، مما وضع الأردن ضمن قائمة أفضل ثلاثة بلدان في العالم تحسيناً لمناخ الأعمال، وفقاً لتقرير ممارسة أنشطة الأعمال الصادر عن البنك الدولي.
وقامت بعثة من صندوق النقد الدولي يقودها كريس جارفيس، بزيارة العاصمة الأردنية عمّان في الفترة من 11 إلى 20 نوفمبر (تشرين الثاني) الجاري، لإجراء مناقشات في إطار مشاورات المادة الرابعة لعام 2019 ومراجعة أداء الاقتصاد الأردني بموجب الاتفاق الممدد مع الأردن في ظل برنامج «تسهيل الصندوق الممدد».
وأصدر الصندوق بياناً، أمس، نقل فيه عن جارفيس قوله: «عقدت البعثة مناقشات مثمرة مع السلطات الأردنية، تناولت آخر المستجدات والتوقعات الاقتصادية والمخاطر المحيطة بالاقتصاد. واتفقنا على أن الأولويات في السنوات المقبلة تتمثل في الحفاظ على الاستقرار الاقتصادي، ودعم النمو، وخلق الوظائف، وتعزيز الحماية الاجتماعية. ونظراً إلى عدم إمكانية تحقيق هذه الأولويات بالكامل خلال الشهور القليلة المتبقية من البرنامج الاقتصادي الحالي الذي يدعمه الصندوق، فقد بدأنا المناقشات حول اعتماد برنامج اقتصادي جديد مدته ثلاث سنوات يمكن أن يدعمه الصندوق. وقد حققنا تقدماً جيداً خلال هذه البعثة نحو الاتفاق على الأهداف العامة لمثل هذا البرنامج. ونهدف في الفترة المقبلة لاستكمال هذه المناقشات والاتفاق على السياسات المحددة اللازمة. ولذلك، نتوقع العودة إلى عمان في أواخر شهر يناير (كانون الثاني) المقبل لاستكمال المناقشات».
وأشار جارفيس إلى أن الحكومة الأردنية أكدت «التزامها وعزمها على مواصلة عملية الإصلاح والتغلب على العقبات الحالية أمام النمو. وقد أحرزت السلطات في السنوات الأخيرة تقدماً ملحوظاً في الحفاظ على الاستقرار الاقتصادي والمالي. حيث يتمثل ذلك بانخفاض التضخم، وتحسن ميزان المدفوعات، كما سجلت الاحتياطيات الدولية تعافياً في الآونة الأخيرة. وبالإضافة إلى ذلك، لا يزال القطاع المالي مستقراً، واتخذت السلطات إجراءات مهمة لتحسين مناخ الأعمال، مما وضع الأردن ضمن قائمة أفضل ثلاثة بلدان في العالم تحسيناً لمناخ الأعمال، وفقاً لما ورد في تقرير ممارسة أنشطة الأعمال الصادر عن البنك الدولي».
وتابع البيان: «ولا يزال موقف السياسة النقدية وسياسة سعر الصرف ملائماً، ومستويات احتياطي النقد الأجنبي مريحة. وينبغي أن تواصل السلطات تعديل أسعار الفائدة حسب الحاجة لضمان استقرار العملة والحفاظ على الثقة بها... ورغم هذه الجهود، لا تزال هنالك تحديات قائمة. فمتوسط نمو إجمالي الناتج المحلي الحقيقي لا يزال في حدود 2 إلى 2.5% فقط منذ عام 2010، والبطالة لا تزال مرتفعة، خصوصاً بين فئتي الشباب والنساء. كذلك لا تزال وتيرة الإصلاح المالي أبطأ مما كان متوقعاً. أما العائدات المتوقعة من جهود زيادة الإيرادات وتوسيع القاعدة الضريبية فإنها لم ترقَ إلى المستويات المنشودة لدعم الاحتياجات المالية للأردن، مما أدى إلى لجوء السلطات إلى خفض النفقات عن طريق تخفيض الاستثمارات العامة. وكانت الانحرافات عن المسار المتوقع ملحوظة بصفة خاصة في عام 2019، ولا يزال الدين العام مرتفعاً للغاية. وفي هذا الشأن، فإن الحيز المالي المتاح سيكون محدوداً، مما يعني ضرورة زيادة المساعدات الدولية لمواصلة الإصلاح الداعم للنمو».
وأشار جارفيس إلى أنه «في المرحلة المقبلة، سيكون من المهم مواصلة الجهود للحد من مواطن الضعف، وزيادة منعة الاقتصاد، والدفع إلى تحقيق نمو أقوى. ولبلوغ هذا الهدف، نوصي بمزيج من الإصلاحات الهيكلية العميقة مع الاستمرار بالإصلاح المالي تدريجياً وبعملية منتظمة لتضع الدين العام بصورة موثوقة على مسار تنازلي في المدى المتوسط، مع تحسين إجراءات الحماية الاجتماعية... وينبغي دعم استراتيجية المالية العامة بجهود متواصلة لتقوية الإدارة الضريبية والجمركية، بالإضافة إلى إجراءات لتعزيز إدارة المالية العامة، وشفافيتها، وتحسين الحوكمة».
كما أكد أن «إصلاحات الكهرباء تتسم بأهمية بالغة. حيث تمثل خريطة طريق قطاع الكهرباء خطوة أولى ضرورية لوضع شركة الكهرباء الوطنية على مسار أكثر ثباتاً؛ ولكن ينبغي إكمال هذه الخطوة بمزيد من الجهود للحد من الخسائر، مع تخفيض التعريفات المطبقة على القطاعات المنتجة بما يؤثر على تنافسية مؤسسات الأعمال في الأردن... كما أننا نشجع السلطات على مواصلة تعزيز نمو القطاع الخاص على نطاق أوسع. وقد وضعت السلطات، بمساعدة البنك الدولي وشركاء آخرين، مصفوفة محددة للإصلاحات التي يتوقع لها -إذا نُفِّذت على وجه السرعة- أن تحقق الكثير في مجال تحسين مناخ الأعمال وتعزيز التنافسية. وبالإضافة إلى ذلك، ستكون الإصلاحات المؤدية إلى التوظيف عاملاً حاسماً لتحقيق النمو الشامل وتعزيز الاستقرار الاقتصادي. حيث تمثل التعديلات الأخيرة في قانون الضمان الاجتماعي تطوراً جديراً بالترحيب. وبالنسبة إلى الحزمة الجديدة من الحوافز النقدية القائمة على التوظيف، والتي تم تصميمها لزيادة خلق الوظائف وتعزيز النمو، من المهم أن تُراعى الشفافية في تنفيذ هذه الإجراءات، وأن تأخذ في الاعتبار قيود المالية العامة الضاغطة في الأردن. أما إجراءات دعم تنمية القطاع المالي فهي عامل أساسي أيضاً في دعم النمو الشامل، وسيساعد الاستمرار في تنفيذ استراتيجية السلطات للشمول المالي على التوسع في إتاحة الخدمات المالية، خصوصاً للنساء والطبقات الفقيرة والمشروعات الصغيرة والمتوسطة».
وأوضح رئيس البعثة في البيان أنه «يمكن للأردن مواصلة الحفاظ على الاستقرار الاقتصادي وتعزيز النمو استناداً إلى استراتيجية جيدة التصميم وجديرة بالثقة، يدعمها المجتمع الدولي. ولا يزال الصندوق ملتزماً بدعم السلطات في سعيها لتحقيق نمو أقوى وأكثر استدامة، والتقليل من عدم توازن المالية العامة، وتعزيز بيئة الأعمال، وزيادة الشفافية، وتحسين مستويات المعيشة، وضمان حماية الفئات الأضعف في المجتمع الأردني»، مشيراً إلى أن «زيارتنا أتاحت الفرصة للالتقاء مع مجموعة كبيرة من النظراء، ومنهم دولة الدكتور عمر الرزاز رئيس الوزراء، والدكتور محمد العسعس وزير المالية، والدكتور زياد فريز محافظ البنك المركزي، وعدد آخر من الوزراء، وأعضاء مجلس الأمة، وممثلين للقطاع الخاص والمجتمع المدني والمجتمع الدولي. ونود الإعراب عن امتناننا للمحادثات التي اتسمت بدرجة كبيرة من الإيجابية والصراحة، ولاستمرار تعاون السلطات وكرم ضيافتها».



الذهب يتراجع بأكثر من 6 % والفضة تهوي 10.7 % مع اشتعال جبهة النفط

سبائك ذهب وفضة بمصنع «أوغوسا» في فيينا (رويترز)
سبائك ذهب وفضة بمصنع «أوغوسا» في فيينا (رويترز)
TT

الذهب يتراجع بأكثر من 6 % والفضة تهوي 10.7 % مع اشتعال جبهة النفط

سبائك ذهب وفضة بمصنع «أوغوسا» في فيينا (رويترز)
سبائك ذهب وفضة بمصنع «أوغوسا» في فيينا (رويترز)

سجلت أسعار الذهب تراجعاً حاداً يوم الخميس، مسجلة الجلسة الـ7 على التوالي من الانخفاض، في ظل ارتفاع أسعار الطاقة الناجم عن الصراع في الشرق الأوسط، وتصاعد المخاوف من التضخم؛ مما عزز التوقعات بأن البنوك المركزية الكبرى ستستمر في إبقاء تكاليف الاقتراض مرتفعة.

وانخفض سعر الذهب الفوري وتراجع بأكثر من 6 في المائة إلى 4514.90 دولار للأونصة، وهو أدنى مستوى له منذ أوائل فبراير (شباط) الماضي.

وقال دانيال غالي، استراتيجي السلع في شركة «تي دي» للأوراق المالية: «يُعدّ الذهب الآن مركزاً استثمارياً شائعاً جداً لدى المستثمرين المؤسسيين، وقد عزز هذا التوجه عمليات التداول التي شهدت انخفاضاً في قيمته خلال العام الماضي. ومع ذلك، فقد بدأت أسس هذا التوجه تضعف». وأضاف: «على المدى القريب، ما زلنا نرى مخاطر هبوطية، وهناك مجال واسع لانخفاض أسعار الذهب مع الحفاظ على دعم اتجاه السوق الصاعدة»، وفق «رويترز».

ويُعدّ الذهب ملاذاً آمناً ضد التضخم والاضطرابات الجيوسياسية، لكنه يفقد جاذبيته في فترات ارتفاع أسعار الفائدة نظراً إلى عدم توليده عوائد.

وقد اتخذت البنوك المركزية الكبرى موقفاً متشدداً مع ارتفاع أسعار الطاقة بشكل حاد نتيجة الحرب الإيرانية، لكنها أكدت أن حالة عدم اليقين بشأن تأثير ذلك على الاقتصاد العالمي تتطلب الحذر في خطواتها السياسية المقبلة.

وتجاوزت أسعار «خام برنت القياسي» 110 دولارات للبرميل بعد أن شنت إيران هجمات على منشآت الطاقة في أنحاء الشرق الأوسط، رداً على الضربة الإسرائيلية على حقل غاز جنوب محافظة فارس.

وفي الوقت ذاته، أفاد مسؤول أميركي و3 مصادر مطلعة بأن إدارة الرئيس دونالد ترمب تدرس نشر آلاف الجنود لتعزيز العمليات الأميركية في الشرق الأوسط مع دخول الحرب مع إيران مرحلة جديدة محتملة.

وأشار محللون في شركة «إس بي آنجل» إلى أن الذهب تأثر بجني الأرباح وارتفاع قيمة الدولار، مؤكدين أن الصعود القوي الذي شهده المعدن في 2025 دفع بالمتداولين إلى تغطية نداءات الهامش والتحول إلى صفقات جديدة مثل النفط وسط تقلبات السوق المتجددة.

كما تراجعت المعادن الأخرى، حيث هبط سعر الفضة الفوري بنسبة 10.7 في المائة إلى 67.26 دولار للأونصة، وانخفض البلاتين الفوري بنسبة 6.8 في المائة إلى 1886.13 دولار، وخسر البلاديوم 4.1 في المائة ليصل إلى 1415.41 دولار للأونصة.


كيف أعادت أسابيع من الصراع رسم خريطة الغاز العالمي؟

مدينة رأس لفان الصناعية الموقع الرئيسي في قطر لإنتاج الغاز الطبيعي المسال (أ.ف.ب)
مدينة رأس لفان الصناعية الموقع الرئيسي في قطر لإنتاج الغاز الطبيعي المسال (أ.ف.ب)
TT

كيف أعادت أسابيع من الصراع رسم خريطة الغاز العالمي؟

مدينة رأس لفان الصناعية الموقع الرئيسي في قطر لإنتاج الغاز الطبيعي المسال (أ.ف.ب)
مدينة رأس لفان الصناعية الموقع الرئيسي في قطر لإنتاج الغاز الطبيعي المسال (أ.ف.ب)

بدأت أصداء الانفجارات في مجمع رأس لفان الصناعي في قطر، والذي يضم أكبر منشأة للغاز الطبيعي المسال في العالم، تتردد في أروقة البورصات العالمية، منبئة باضطراب طويل الأمد في سوق الغاز الطبيعي المسال. فخروج خُمس الإمدادات العالمية عن الخدمة، وتوقف الملاحة عبر مضيق هرمز، لم يرفعا الأسعار فحسب؛ بل أعادا صياغة خريطة الطاقة لعام 2026، وحوَّلا التفاؤل بوفرة المعروض إلى سباق محموم بين الدول لتفادي شلل صناعي وتضخم في فواتير الطاقة المنزلية لا يمكن التنبؤ بنهايته.

وأفادت شركة «قطر للطاقة» بأن كثيراً من منشآت الغاز الطبيعي المسال في رأس لفان تعرضت لهجمات صاروخية، ما أدى إلى اندلاع حرائق وإلحاق أضرار جسيمة؛ بينما أوضحت شركة «شل» أن الهجوم تسبب ‌في أضرار بمشروع «اللؤلؤة» (بيرل) لتحويل ⁠الغاز إلى سوائل، وأن الحريق جرى إخماده بسرعة، ولم يجرِ الإبلاغ عن ⁠وقوع إصابات، وأن ‌المنشأة ‌أصبحت الآن في «حالة ​آمنة».

وتمتلك «‌شل» حصة مائة في المائة في مشروع «اللؤلؤة» والذي ‌تبلغ طاقته الاستيعابية معالجة ما يصل ⁠إلى ⁠1.6 مليار قدم مكعبة يومياً من الغاز عند فوهة البئر، وتحويله إلى 140 ألف برميل يومياً من السوائل المشتقة من الغاز.

ويتوقع المحللون أن تستغرق أعمال إصلاح أكبر محطة لتصدير الغاز الطبيعي المسال في العالم عدة أشهر، إن لم تكن سنوات، وذلك تبعاً لحجم الأضرار، وقد رفع بعضهم توقعاته لأسعار الغاز لعام 2026.

تأتي قطر في المرتبة الثانية بعد الولايات المتحدة كأكبر مُصدِّر للغاز الطبيعي المسال في العالم؛ إذ تُنتج ما يقارب 20 في المائة من الإمدادات العالمية لهذا الغاز فائق التبريد. وقد توقف إنتاجها قبل أسبوعين بسبب إغلاق مضيق هرمز.

منشآت إنتاج الغاز الطبيعي المسال التابعة لشركة «قطر للطاقة» (رويترز)

القلب النابض للطاقة

تُصنَّف مدينة رأس لفان الصناعية كواحدة من أهم المناطق الاستراتيجية على خريطة الطاقة الدولية؛ فهي تمتد على مساحة شاسعة تبلغ 295 كيلومتراً مربعاً، ما يعادل ثلث مساحة مدينة نيويورك تقريباً. ولا تقتصر أهميتها على كونها العمود الفقري للاقتصاد القطري فحسب؛ بل هي الضمانة الأولى لاستقرار إمدادات الغاز في عشرات الدول، مما يجعل أي ضرر يلحق بها بمنزلة تهديد مباشر للتوازن الطاقي العالمي.

وتضم المدينة أكبر مجمع لوحدات تسييل الغاز الطبيعي المسال على مستوى العالم، وهي ليست مجرد منشأة إنتاجية؛ بل هي مركز لوجستي هائل. ففي عام 2025، كانت رأس لفان وحدها مسؤولة عن إنتاج وتصدير نحو 19 في المائة من إجمالي الغاز المسال عالمياً. هذا الثقل يعني بلغة الأرقام أن توقُّف العمل في هذا المجمع يؤدي إلى اختفاء خُمس المعروض العالمي فجأة، وهو عجز لا يمكن للسوق العالمية استيعابه بسهولة.

كما تمثل رأس لفان «المُغذِّي الرئيسي» لأكبر الاقتصادات الصاعدة في آسيا؛ حيث تعتمد هذه القوى بشكل شبه كلي على إنتاجها. وتكشف البيانات أن شحنات المجمع تغطي أكثر من 20 في المائة من استهلاك الغاز في دول حيوية، مثل الهند وباكستان وتايوان. وتشكل أيضاً جزءاً لا يتجزأ من أمن الطاقة في الصين وكوريا الجنوبية، مما يعني أن أي انقطاع طويل الأمد يهدد بشلل النشاط الصناعي وارتفاع تكاليف المعيشة في تلك الدول.

ومع التحولات الجيوسياسية المتسارعة، برزت رأس لفان كأهم مورِّد بديل وموثوق للقارة الأوروبية الساعية لتنويع مصادر طاقتها. ومن شأن غياب هذه الإمدادات في التوقيت الراهن أن يضع الأسواق الأوروبية تحت ضغط سعري هائل، ويجبر الدول هناك على الدخول في منافسة مكلفة للحصول على الشحنات الفورية المتاحة، مما يفاقم من أزمة التضخم الطاقي في القارة العجوز.

مضخات البنزين والديزل في محطة وقود بمدينة هدرسفيلد، شمال إنجلترا (أ.ف.ب)

قفزة كبيرة في الأسعار

وقد انعكست هذه التطورات الميدانية فوراً على بورصات الطاقة؛ فقد قفزت عقود الغاز الأوروبية بنسبة تتجاوز 70 في المائة، بينما سجلت العقود الآسيوية ارتفاعاً قياسياً بنسبة 88 في المائة. حتى السوق الأميركية التي تظل عادة بمنأى عن التقلبات العالمية، لم تسلم من الارتفاع. وتشير التوقعات المحدَّثة لعام 2026 إلى أن متوسط أسعار الغاز قد يستقر عند 30 دولاراً لكل مليون وحدة حرارية، وهو ما يمثل ثلاثة أضعاف التوقعات السابقة التي كانت تشير إلى 9 دولارات فقط، ما يعكس تحولاً جذرياً في التوازنات المالية للدول المستوردة.

وقال كوشال راميش، نائب رئيس قسم الغاز والغاز الطبيعي المسال في شركة «ريستاد إنرجي»، إن أسعار الغاز الطبيعي المسال التي تضاعفت تقريباً منذ الضربات الأولية على إيران في 28 فبراير (شباط) لتتجاوز 20 دولاراً للوحدة، قد ترتفع الآن إلى 30 دولاراً في المتوسط ​​لهذا العام، إذا كانت الأضرار جسيمة وأدت إلى انقطاع أشهراً عدة.

من جهته، قال شاؤول كافونيك، محلل الطاقة في شركة «إم إس تي ماركي»: «قد تتسبب الهجمات على رأس لفان في نقص عالمي طويل الأمد في الغاز». وأضاف: «إنها (الهجوم) بالغة الأهمية؛ لأنه حتى بعد انتهاء الحرب، قد يستمر تأثيرها على الإمدادات أشهراً أو حتى سنوات، ريثما يتم تنفيذ أعمال الإصلاح وتوفير قطع الغيار».

ويرى المراقبون أن التطورات الأخيرة تعني أن إعادة فتح المضيق لن تُفضي فوراً إلى استئناف كامل لصادرات قطر، المورد الرئيسي للهند وباكستان والصين وكوريا، فضلاً عن أوروبا. ويقولون إن أستراليا -بصفتها ثالث أكبر مُصدّر للغاز الطبيعي المسال في العالم- لا تملك مجالاً يُذكر لزيادة إنتاجها لتعويض الصادرات القطرية المفقودة.

أحد الزبائن يقوم بتعبئة سيارته بالوقود في محطة وقود بمدينة ميلنسبريدغ، إحدى ضواحي هدرسفيلد (أ.ف.ب)

تهديد للإمدادات العالمية

يُؤدي انقطاع إنتاج محطة رأس لفان إلى تضييق حاد في سوق الغاز الطبيعي المسال العالمية التي كان من المتوقع أن تُحقق فائضاً هذا العام، مع بدء مشاريع جديدة. ويُهدد هذا الوضع بنقص في الإمدادات في دول نامية تعاني من ضائقة مالية، كالهند وبنغلاديش، فضلاً عن تباطؤ النشاط الصناعي وارتفاع فواتير الطاقة من المملكة المتحدة إلى اليابان.

وتغطي مدينة رأس لفان الصناعية مساحة 295 كيلومتراً مربعاً، أي ما يُعادل ثلث مساحة مدينة نيويورك تقريباً، وفق «بلومبرغ».

إلى جانب معالجة الغاز الطبيعي المسال، تضم المدينة منشآت أخرى متعلقة بالغاز، تشمل محطة لتحويل الغاز إلى سوائل، ومرافق تخزين الغاز الطبيعي المسال، ووحدات فصل المكثفات، ومصفاة نفط.

وكانت «قطر للطاقة» قد أعلنت أن هجوماً وقع مساء الأربعاء ألحق أضراراً بمحطة تحويل الغاز إلى سوائل، بينما استُهدفت معدات الغاز الطبيعي المسال في هجوم ثانٍ صباح الخميس.

وكانت عمليات الإنتاج في رأس لفان قد توقفت مطلع هذا الشهر إثر هجوم إيراني بطائرة مُسيَّرة، ما دفع شركة «قطر للطاقة» إلى إعلان حالة «القوة القاهرة» على الشحنات، ودفع المشترين إلى البحث عن مصادر بديلة.

ووفقاً لبيانات تتبع السفن التي جمعتها «بلومبرغ»، شكّلت منشأة رأس لفان للغاز الطبيعي المسال نحو 19 في المائة من صادرات الغاز الطبيعي المسال العالمية في عام 2025. كما مثَّلت شحناتها أكثر من خمس إجمالي استهلاك الغاز في الهند وتايوان وباكستان، وفقاً لبيانات معهد الطاقة.


المركزي الأوروبي يتمسك بـ«ثبات الفائدة» وسط مخاطر تضخم الحرب

رجل يمر أمام شعار البنك المركزي الأوروبي في مقره الرئيسي بمدينة فرانكفورت (أ.ف.ب)
رجل يمر أمام شعار البنك المركزي الأوروبي في مقره الرئيسي بمدينة فرانكفورت (أ.ف.ب)
TT

المركزي الأوروبي يتمسك بـ«ثبات الفائدة» وسط مخاطر تضخم الحرب

رجل يمر أمام شعار البنك المركزي الأوروبي في مقره الرئيسي بمدينة فرانكفورت (أ.ف.ب)
رجل يمر أمام شعار البنك المركزي الأوروبي في مقره الرئيسي بمدينة فرانكفورت (أ.ف.ب)

قرر مجلس إدارة البنك المركزي الأوروبي، يوم الخميس، الإبقاء على أسعار الفائدة الرئيسية الثلاثة دون تغيير، مع التأكيد على التزامه بضمان استقرار التضخم عند المستوى المستهدف البالغ 2 في المائة على المدى المتوسط. وقد أدت الحرب في الشرق الأوسط إلى زيادة حالة عدم اليقين بشأن التوقعات الاقتصادية، مما رفع من المخاطر المرتبطة بارتفاع التضخم وانخفاض النمو الاقتصادي. ومن المتوقع أن يكون لتداعيات الحرب أثر ملموس على التضخم على المدى القريب عبر ارتفاع أسعار الطاقة، في حين ستعتمد تأثيراتها على المدى المتوسط على شدة النزاع ومدته، فضلاً عن كيفية انعكاس تحركات أسعار الطاقة على أسعار المستهلكين والاقتصاد بشكل عام.وبحسب البنك، يتمتع مجلس الإدارة بقدرة جيدة على مواجهة هذه المرحلة من عدم اليقين، إذ استقر التضخم عند المستوى المستهدف البالغ 2 في المائة، كما أن توقعات التضخم طويلة الأجل راسخة، في حين أظهر الاقتصاد مرونة خلال الفصول الأخيرة. وستساعد البيانات القادمة مجلس الإدارة على تقييم تأثير الحرب على توقعات التضخم والمخاطر المحيطة بها، مع استمرار متابعة الوضع عن كثب واتخاذ القرارات النقدية بناءً على البيانات.