مفارقات الفانتازيا واللعب المرح... روائياً

إبراهيم عبد المجيد يحاكم أبطاله في «السايكلوب»

مفارقات الفانتازيا واللعب المرح... روائياً
TT

مفارقات الفانتازيا واللعب المرح... روائياً

مفارقات الفانتازيا واللعب المرح... روائياً

يضع إبراهيم عبد المجيد في روايته «السايكلوب»، الصادرة عن دار «مسكيلياني» بتونس، مجموعة من أبطاله في اختبار فارق بين حياة عاشوها روائياً حتى الموت، وموت ينهضون منه وكأنه ظل لحياة أخرى يعيدون اكتشافها من جديد.
لكن أي متعة في أن يحاكم الروائي أبطاله السابقين، يتخفى وراء أقنعتهم وزمنهم الذي لا يتجاوز سبعينات القرن الماضي، ويستحضرهم من عالمهم الأخروي بقوة الخيال والفانتازيا، ليتحولوا إلى محض أشباح في واقع حي؟ هل يريد أن يحاكم من خلالهم واقعه الراهن، أم يريد أن يحاكم زمناً خاصاً هارباً منه في طوايا حيوات هذه الشخوص، أم يريد أن يحاكم نفسه تحت وطأة إحساس بالذنب لأنه قصر مع بعضهم، وقطع الطريق على بعضهم الآخر، سواء بالموت في منتصف الشوط الروائي، كما لم يلتفت لأحدهم رغم أن سيرة حياته تجعل منه بطلاً حقيقياً؟ ثم هل تصلح هذه اللعبة لردم الفجوة الرمادية بين الجريمة والانتقام؛ انتقام الكاتب نفسه مما لحق به من أذى، خصوصاً على يد حبيباته، وأيضاً انتقام الأبطال أنفسهم ممن آذوهم وزجوا بهم في بئر النسيان؟
تتسع مظلة السرد لكل هذا، بل تبدو في كثير من حلقاتها وكأنها سيرة مبطنة لحياة الكاتب نفسه، حيث الإسكندرية (مسقط رأسه) تلقي بظلالها على أجواء الرواية، وتشكل نقطة الوصل والقطع مع الأماكن الأخرى. كما يبدو هذا الاستبطان قوياً إلى حد التشابه في علاقة بطل الرواية سامح عبد الخالق، وهو روائي شهير يعاني من وطأة الشيخوخة، فيقرر أن يستدعي سعيد صابر، المخرج المسرحي اليساري الشاب أحد أبطاله المقربين إلى نفسه في روايته «هنا القاهرة» 2014، ويكلفه بمهمة كتابة روايته الجديدة عن مفارقات هذا العالم المتخيل، وجمع حكاياتها وقصصها من أفواه أبطاله السابقين الذين يتناثرون على مدار صفحات الرواية، ويتقافزون بين خيوطها كأنهم ومضات زمنية شاردة، معبراً له عن سعادته «لأنك ستضعني بين دفتي كتاب، بعد أن عشت عمري على ظهر الغلاف».
ويستطرد: «أسعد حين يعودون شباباً، وأسعد أكثر بالشخصيات الوهمية إذ تتجسد، فذلك يعني أني لن أعود إلى البحث عنهم في الطرقات، لقد أتعبتني جداً وأرهقتني بقدر ما سالت دموعي شوقاً إليها»... من بين هؤلاء الأبطال «البهي» الذي ولد مختوناً، يشع النور من وجهه، وصار أسطورة بين النساء، والذي قتله سامح مبكراً في روايته «لا أحد ينام في الإسكندرية»، فيوصين أن يدفن معه في مقبرته، ويخرج في مظاهرة فجراً معهن تقض مضاجع المدينة ورجال الشرطة، وينتشر صداها على الإنترنت: «ظاهرة عجيبة حدثت في ثغر الإسكندرية. إرهابيون يتحولون إلى أشباح من النساء، ويطفن شوارع الإسكندرية وهن يهتفن: عيش، حرية، عدالة اجتماعية. والبوليس يعجز عن القبض عليهم»؛ و«زين» رفيق سامح في صباه وزميله في سنوات الدراسة الأولى، الذي يتحول بجسده الضئيل من فاشل في التعليم إلى شخصية ذات نفوذ وسطوة، يسافر إلى ليبيا ويحقق ثروة طائلة، ويتعاون مع الشرطة، ويتاجر في المخدرات، ويخشاه تجارها الكبار، ويعيش بمغارة في الجبل حتى بعد أن يتزوج؛ ثم يارا بطلة «الإسكندرية في غيمة»، حبيبة سامح التي ينتقم من زوجها المسن، فيخطط لقتله بيد سعيد صابر، لكن حين يصل إليه الأخير، يجده ميتاً منكفئاً على شاشة الكومبيوتر، بينما يتردد في غبار المشهد صدى عبارة سامح: «هل عرفت الآن حجم جريمتك؟ لقد انتهزت وجودي في السجن وخطفت حبيبتي»؛ ثم صفاء الأولى والثانية؛ وسعدية الساحرة الشابة، ابنة الحي الشعبي التي تتسبب بأنوثتها المتفجرة في تطليق النساء، المولعة بروايات الرعب، وبطلها المفضل «السايكلوب»، هذا الحيوان الخرافي ذو العين الواحدة الذي يعيش على أكل البشر.
شخصيات متنوعة مترعة بالحكايات، عاشتها بعفوية، واتسعت بها أحلامها وعراكها مع الحياة، يحركهم الكاتب في إطار لعبة روائية يتعاقب عليها زمنان، كلاهما له تاريخه الخاص: زمن منقضٍ، وآخر موازٍ له ينهض من بين ركام الذكريات كأنه ظله المتخفي في ظلالها.
ورغم أن الكاتب يبدو متحكماً في مسارات شخوصه المستدعاة، حتى إنه يعود بهم في الزمن إلى الوراء والأمام، ويحدد أوقات ظهورهم وتخفيهم، فإنه أحياناً يفشل في استعادة بعضهم، بل يفاجأ بوقائع لم يخطط لها، مثل واقعة سجن سعيد وتعذيبه، بعد أن تخيل أن القراء أيضاً يمكن أن يستعيدوا شخوص أبطالهم، فيزج به في السجن وعشرين من أشباهه، في محاولة هزلية لفتح السجون، وإطلاق سراح السجناء، كما يفشل في استعادة ريم بطلة «أداجيو»، مبرراً ذلك بأن «الحب الحقيقي لا يعود من الروايات، لكن تكتبه الروايات».
إن ما يطمح إليه الكاتب في اللعبة أن تتحول القماشة السردية إلى خشبة مسرح يتم عليها تبادل الأدوار والأقنعة بين الزمنين، ويتنقلان بسلاسة مغوية في فضاء السرد، وكأنهما نقطة واحدة في صراع لا مترام، مفتوح بحيوية على تخوم البدايات والنهايات. ويصبح السؤال المركزي في الرواية: لماذا لا يتوحد الزمنان في زمن واحد وديمومة واحدة؟ لماذا كل هذه الفواصل والعقد السميكة بين الموت والحياة؟
هذه الأسئلة، بنزقها الوجودي ولا معقوليتها، تشكل عصب الرؤية في الرواية، فالأشياء لا تدوم ولا تنتهي، لكن يبقى الإنسان بطموحه نقطة الانطلاق الأساسية في تحديد معنى كل شيء، وكأننا هنا إزاء تناصٍ مضمر مع نظرية العود الأبدي لنيتشه، فالتجاور بين الواقع والخيال الكامن في معظم أعمال الكاتب لا متناهٍ، وينعكس على فعل الكتابة نفسه، ويجعلها بمثابة صيرورة تتكرر وتتمدد في الزمن.
يوسع الكاتب من فضاء لعبته المتوهمة، ليكسب حيوات أبطالها مسحة واقعية، فيطلع سعيد على وتيرة التغيرات المتسارعة التي طرأت على هذا العالم، يعرفه على الإنترنت وطريقة الدخول إليه، ما يغريه بفتح صفحة خاصة به على «فيسبوك»، يضع بها صورة شمبانزي، فيصبح في عرف القراء «الرجل القرد»، ويتعرف من خلالها على صفحة سعدية، وردود القراء على حيوانها الخرافي «السايكلوب».
تعزز الميديا بفضائها الافتراضي حالة الإيهام لدى القارئ، وأنه إزاء لعبة يقف على حافتها ويتفاعل معها بمعايير الصدق والكذب معاً، بينما تتناثر الفانتازيا في الرواية مختصرة المسافة بين الوهم والحقيقة، كأنهما شبحان يتصارعان من أجل وهم آخر وحقيقة أخرى تبحث عنها الرواية في أفواه الموتى وسيرهم المتتالية.
لذلك يمكن أن نقرأ الرواية من زوايا عدة: فلسفية، حيث صراع الموت والحياة، الوجود والعدم، هو السؤال المحوري الذي يستبطن أنساق السرد وصراعات الشخوص؛ ويمكن أن نقرأها من زاوية الإنسان، بوصفه كائناً أسطورياً يمتلك قدرات عجيبة تنتظر الخروج من برزخ الجسد إلى فضاء العالم؛ ويمكن أن نقرأها من زاوية يوتوبيا المدينة الفاضلة، على غرار جمهورية أفلاطون؛ ويمكن أن نقرأها على هامش الموروث الشعبي والخرافة الشعبية، حيث «السايكلوب» هذا الحيوان الخرافي في الميثولوجيا اليونانية الذي أصبح نمطاً لأفلام الرعب في السينما والأدب، كما تلوح نقاط تماس بينه وبين فكرة استحضار الأرواح وتسخير الجان وإخراجهم من العالم السفلي ليأخذوا سمت البشر العاديين، ويقوموا بأعمال خارقة للعادة؛ أيضاً يمكن أن نقرأها من زاوية زمنية محضة، حيث صراع الكاتب السارد، الذي تجاوز السبعين مع الشيخوخة، وإحساسه بالزمن كنقطة فاصلة بين ما قد كان وما لا يمكن أن يكون.
وأخيراً، يمكن أن نقرأها من زاوية الصراع الاجتماعي - السياسي الذي يضرب عدداً من الدول العربية، وتتناثر مراياه في الرواية، خصوصاً بعد موجة الربيع العربي، ومدى انعكاسه على واقع أبطالها، وواقع الحياة بشكل عام.
لذلك لا يبني الكاتب مشهده السردي على محض الصورة الماثلة للعيان فحسب، وإنما على ما يقبع في خلفيتها أيضاً، ما تستدعيه ويشتبك معها من رموز ودلالات وصور أخرى متنوعة، تاريخياً وإنسانياً. فمشهد سجن سعيد وأقرانه يستدعي مشهد القائد الروماني في فيلم «سبارتاكوس» الشهير وهو يسأل العبيد بعد أن هزموا: من هو سبارتاكوس؟ فيجيبون واحداً بعد الآخر: أنا سبارتاكوس، حتى وصل في النهاية إلى سبارتاكوس الحقيقي؛ أيضاً في مشهد مقتل زين على يد مساعده يستدعي حكاية أدهم الشرقاوي البطل الشعبي الشهير، ويعرج على حكاية سفاح كرموز، بطل رواية محفوظ «اللص والكلاب»، كما نجد تناصاً بصرياً لافتاً في نهاية الرواية مع أسطورة طوفان نوح.
إن الصورة لا تنفصل هنا عن ماضيها، حتى لو كان محض فكرة مجردة، وليس مشهداً بصرياً، وهو ما يطالعنا في التناص مع أفكار وحدوسات معرفية شتى في سياقات السرد، مثل أفكار «ألبير كامو» حول علاقة الإنسان بالمعصية والخلود، خصوصاً في مسرحيته الشهيرة «كاليجولا». لذلك فماضي الصورة ليس مجرد إطار أو خلفيه معجونة فيها، وإنما صيرورة وجود متنامٍ في كل تعرجاتها وأبعادها، تمنح الزمن بتكرارها معنى التمدد والاستدامة.
ولا تخلو الرواية من روح الفكاهة والمرح، بل إن سيكولوجية الكتابة لدى إبراهيم عبد المجيد سيكولوجية مرحة في جوهرها، فهو يلتقط شخوصه من فجوات الحياة بقوة الحلم المَرِح، لذلك هم غالباً شخوص غير نمطية، يمنحهم الحلم نوعاً من الحصانة الفنية، كما يخفف المرح من وطأة آثامهم ومكائدهم الصغيرة، ويحفظ لهم مسافة حية لترحال دائم بين ضفتي الوهم والحقيقة، الواقع والخيال.
وبقوة الحلم نفسه، يستعيدهم في هذه الرواية المتميزة، وفي فضاء لعبة مفتوحة، يوقع بطلها في الوهم تحت مظلتها بأنه الكاتب نفسه، لكنه في النهاية يدرك أنه مجرد ظل لبطل هو الكاتب الحقيقي، وأن أوراق اللعبة والرواية منذ البداية في قبضته، وكأن لسان حال إبراهيم عبد المجيد يقول للقارئ: «هذه بضاعتي ردت إليّ»، لكنها لا تقبل المساومة، فقط تقبل الحلم، في أي زمان ومكان.



عبد الله الخطيب: كواليس إنتاج «وقائع زمن الحصار» كانت استثنائية

تم تصوير الفيلم بين الجزائر والأردن (إدارة المهرجان)
تم تصوير الفيلم بين الجزائر والأردن (إدارة المهرجان)
TT

عبد الله الخطيب: كواليس إنتاج «وقائع زمن الحصار» كانت استثنائية

تم تصوير الفيلم بين الجزائر والأردن (إدارة المهرجان)
تم تصوير الفيلم بين الجزائر والأردن (إدارة المهرجان)

حصد فيلم «وقائع زمن الحصار» للمخرج الفلسطيني عبد الله الخطيب جائزة «أفضل عمل أول» في مهرجان «برلين السينمائي» بنسخته الـ76 التي اختتمت مؤخراً، وهو الفيلم الذي أنتج بتمويل جزائري - فلسطيني - فرنسي، وتحدث مخرجه في حفل الختام رافعاً العلم الفلسطيني عن معاناة أبناء وطنه تحت وطأة الحصار والاحتلال.

يقول الخطيب لـ«الشرق الأوسط»، إنه بصفته مخرجاً فلسطينياً - سورياً، كان يدرك أن الطريق لن يكون سهلاً، لكن إيمانه بالمشروع دفعه للاستمرار، موضحاً أن المشاركة في «برلين» كانت بالنسبة إليه خطوة طبيعية لأي صانع أفلام يؤمن بعمله، لأن المهرجانات الكبرى ليست ترفاً، بل جزء من منظومة صناعة السينما، خصوصاً في العالم العربي، حيث يشكل حضور الفيلم في مهرجان دولي بوابة أساسية لانتشاره.

وعن توقعاته قبل إعلان النتائج، قال إنه كان يتوقع أن يذهب الفيلم بعيداً في المنافسة، لأن المخرج، إذا لم يؤمن بعمله، فلن يُقنع به لجنة التحكيم ولا الجمهور، مؤكداً أنه تمنى الفوز بالجائزة الكبرى، ليس فقط لقيمتها المعنوية، بل أيضاً لما تمثله من دعم مادي مهم في ظل الظروف الإنتاجية الصعبة التي أحاطت بالفيلم.

الفيلم عُرض للمرة الأولى في مهرجان برلين السينمائي (إدارة المهرجان)

وفي حديثه عن العمل نفسه، أوضح الخطيب أن «وقائع زمن الحصار» يتناول فكرة الحصار بوصفها حالة إنسانية متكررة في التاريخ الفلسطيني، وليس حدثاً مرتبطاً بمكان واحد أو زمن محدد، مشيراً إلى أن التصوير تم في الجزائر والأردن وفرنسا، بسبب تعذر العمل في مناطق النزاع المباشر، سواء في سوريا أو غزة.

وأضاف أنه اختار مواقع قريبة بصرياً من بيئة المخيمات المحاصرة، حتى لو لم تكن القصة تدور صراحة في مخيم اليرموك، لأن جوهر الحكاية مستمد من تجربة شخصية عاشها هناك، لافتاً إلى أن جزءاً كبيراً من الفيلم صُوّر في أماكن داخلية، ما سهّل العملية نسبياً، فيما أُنجزت المشاهد الخارجية في الجزائر والأردن.

وعن اختيار الممثلين، قال الخطيب إن «الفيلم يقوم على خمس حكايات تتقاطع، ويضم عشرة ممثلين رئيسيين، والاعتبارات الإنتاجية لعبت دوراً حاسماً في الاختيار، لأن الفيلم أُنجز بميزانية محدودة جداً، مع اعتماد كبير على استثمار شخصي من المنتج، إضافة إلى دعم أصدقاء وفريق عمل آمنوا بالمشروع واشتغل بعضهم بشكل تطوعي أو بأجور رمزية».

وأضاف أن «فريق التمثيل ضم فنانين فلسطينيين وأردنيين وسوريين وجزائريين، وحاول، خصوصاً في الجزائر، العمل على اللغة واللهجة بحيث تبدو قريبة من (الفلسطينية)، لتخدم وحدة العالم الدرامي»، مؤكداً أن الاختيارات، رغم ظروفها، جاءت موفقة فنياً، لأن الممثلين لم يكونوا مجرد مؤدين، بل شركاء حقيقيون في بناء الشخصيات.

وتحدث الخطيب بصراحة عن صعوبة إنجاز فيلم روائي طويل بلا تمويل مسبق، مشيراً إلى أن كل مرحلة من مراحل التصوير شهدت فريقاً مختلفاً تقريباً، باستثناء مدير التصوير الذي بقي ثابتاً، لافتاً إلى أن اختلاف الطواقم بين بلد وآخر فرض تحديات تقنية في ما بعد الإنتاج، سواء على مستوى توحيد اللون أو الصوت أو الإيقاع العام، لكنه رأى في الوقت نفسه أن هذا التنوع لم ينعكس سلباً على روح العمل، لأن الجميع اشتغل بحب وإيمان.

وأضاف أن الفيلم مثال عملي على ما يسمى بـ«السينما المستقلة»، لكنه انتقد في الوقت ذاته المفهوم الشائع للاستقلالية، موضحاً أن «كثيراً من المخرجين يكتبون نصوصهم وهم يفكرون مسبقاً في شروط صناديق الدعم، ما يحدّ من حريتهم الإبداعية. أما في حالته، فقد بدأ التصوير من دون أي تمويل، ولم يتقدم إلى الصناديق إلا بعد انتهاء التصوير، حين كان قد سيطر بالكامل على السرد والشكل النهائي للفيلم».

وعن عملية الكتابة، قال إنه لا يميل إلى النصوص المغلقة، بل يترك مساحة واسعة للتطور أثناء التصوير، موضحاً أن الحوارات وبعض التفاصيل بُنيت في موقع التصوير، لأن اعتماده على تجربة شخصية مع الحصار منحه مرونة لتعديل الأحداث وفق المعطيات المتاحة في كل بلد، من دون المساس بروح القصة.

وأكد الخطيب أن الممثلين أضافوا إلى الشخصيات أكثر مما كان يتوقع، وأن الفيلم نتاج عمل جماعي حقيقي، شارك فيه الجميع، من مدير التصوير إلى المنتج الذي لم يكتف بدوره الإداري، بل كان حاضراً في الموقع، يساهم في تجهيز الديكورات والملابس وحتى التفاصيل التقنية، بسبب محدودية الميزانية.

وفيما يتعلق بعلاقته بالمهرجانات، قال إن الحديث عن عدم الاكتراث بها ليس دقيقاً، لأن المهرجانات الكبرى تشكل منصة أساسية للعرض والتوزيع، مشيراً إلى أن كثيراً من المهرجانات العربية تختار أفلامها بناء على مشاركاتها الدولية، ما يجعل الوجود في مهرجانات مثل «برلين» خطوة استراتيجية لأي فيلم عربي مستقل.

Your Premium trial has ended


الإعلان عن موعد الدورة الثالثة من بينالي الفنون الإسلامية

صالة الحجاج الغربية مقر بينالي الفنون الإسلامية بجدة (مؤسسة بينالي الدرعية)
صالة الحجاج الغربية مقر بينالي الفنون الإسلامية بجدة (مؤسسة بينالي الدرعية)
TT

الإعلان عن موعد الدورة الثالثة من بينالي الفنون الإسلامية

صالة الحجاج الغربية مقر بينالي الفنون الإسلامية بجدة (مؤسسة بينالي الدرعية)
صالة الحجاج الغربية مقر بينالي الفنون الإسلامية بجدة (مؤسسة بينالي الدرعية)

يعود بينالي الفنون الإسلامية في دورته الثالثة في نوفمبر (تشرين الثاني) 2027 لصالة الحجاج الغربية في مدينة جدة، ليبني على النجاحات التي حقّقها في دورتيه الأولى والثانية.

وكانت الدورات السابقة من البينالي قد نجحت في خلق ظاهرة فنية عالمية مدعومةً بعدد من الشراكات الاستراتيجية مع مؤسسات ثقافية سعودية، من بينها الهيئة العامة للعناية بشؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي، ومجمع الملك عبد العزيز للمكتبات الوقفية، ومركز الملك عبد العزيز الثقافي العالمي (إثراء). وقد أسهمت هذه الشراكات في تقديم قطع أثرية وأعمال فنية للجمهور للمرة الأولى، أبرزها عرض كسوة الكعبة المشرفة كاملةً في الدورة الثانية عام 2025، فيما يؤكد التزام المؤسسة بإتاحة الأعمال النادرة ذات الأهمية الثقافية الاستثنائية للجميع.

جائزة المصلى تعود مع الدورة الجديدة لبينالي الفنون الإسلامية بجدة (الشرق الأوسط)

جائزة المصلى

كما شكّل البينالي منصةً لإطلاق مبادرات طموحة، من أبرزها جائزة المصلى، المسابقة المعمارية الدولية التي أطلقتها المؤسسة عام 2024، بهدف تطوير مقاربات مبتكرة في مجال تصميم أماكن العبادة، تعيد تصوّر مستقبل هذه الأماكن كمساحات مؤقتة ومتنقلة، قابلة للتفكيك وإعادة التركيب بسهولة، وقادرة على تجاوز حدود التصميم والتقنيات المستدامة.

المدار... منصة عالمية

ويحتل «المدار» أهمية محورية في هذا التوسّع، وهو مبادرة رائدة ابتكرتها مؤسسة بينالي الدرعية لتحويل البينالي من معرض دوري إلى منصة عالمية مستدامة للفنون الإسلامية، وتجسّد التزام المملكة بالتعاون الثقافي على المستوى الدولي وعبر مختلف التخصصات. أُطلق «المدار» مع الدورة الأولى للبينالي، ويعكس فهماً للتراث الإسلامي باعتباره مجالاً حياً ومتجدداً، حيث يعيد تصوّر آليات جمع كنوز الحضارة الإسلامية من مختلف العصور والجغرافيات ودراستها وتقديمها للجمهور للتفاعل معها.

وتشمل الخطط الجديدة تحويل «المدار» إلى مبادرة فاعلة على مدار العام، ترتكز على 4 محاور رئيسية، هي: «معرض المدار»، الذي يُقام في كل دورة من بينالي الفنون الإسلامية، وتصاحبه برامج ثقافية عامة، و«منصة المدار الرقمية»، التي توظف أحدث التقنيات في أعمال البحث والتبادل الثقافي وصياغة السرديات المتعلّقة بالفنون والثقافة الإسلامية، و«مبادرات المدار»، التي تُعنى بتنظيم الندوات وجلسات الحوار وورش عمل تدعم البحث وتطوير الممارسة الإبداعية، و«مجتمع المدار»، وهو شبكة متخصصة تجمع أهم المؤسسات الدولية بهدف تعزيز تبادل المعرفة وبحث فرص التعاون المشترك.

جانب من قسم «المدار» في بينالي الفنون الإسلامية بجدة (الشرق الأوسط)

الفريق الفني

وقد تم اختيار فريق تقييم فني دولي ليقود بينالي الفنون الإسلامية 2027 بعد عملية اختيار دقيقة، بدأتها المؤسسة بطرح دعوة مفتوحة لتقديم المقترحات، تلتها مراحل تقييم واختيار نهائي من قبل لجنة مختصة. وسيضم فريق القيمين الفنيين كلاً من البروفيسورة أزرا أكشاميا، وندى رضا، وويليام روبنسون بصفته القيّم الفني الرئيسي، ويجمع هذا الفريق خبرات تجمع بين الممارسات الفنية المعاصرة، والأبحاث التاريخية، والقيادة المؤسسية، ما يعزّز دور المؤسسة الريادي في حفظ ودراسة وعرض التراث الثقافي الإسلامي على المستوى الدولي.

جانب من جناح المدينة المنورة في الدورة الثانية لبينالي الفنون الإسلامية بجدة (الشرق الأوسط)

ومن المقرّر أن تقام الدورة الثالثة من بينالي الفنون الإسلامية، والدورات المقبلة من بينالي الدرعية للفن المعاصر في نهاية كل عام، ما يتيح للمؤسسة التركيز على تعميق الشراكات المؤسسية ومواءمة البيناليات مع التقويم الثقافي الأوسع للمملكة. وسيبني بينالي الفنون الإسلامية في نسخته المقبلة على ما حقّقته الدورتان الأولى والثانية من نجاح، نتج عنه عرض ما يزيد عن 500 قطعة أثرية من أكثر من 40 مؤسسة، تمثل أكثر من 20 دولة، حيث ضاعفت الدورة الثانية عدد المؤسسات المشاركة 3 مرات مقارنةً بالدورة الأولى.


«حي الجرادية»... دراما الانتقام من قلب المكان الشعبي

الممثلة السعودية نيرمين محسن في مشهد من المسلسل (شاهد)
الممثلة السعودية نيرمين محسن في مشهد من المسلسل (شاهد)
TT

«حي الجرادية»... دراما الانتقام من قلب المكان الشعبي

الممثلة السعودية نيرمين محسن في مشهد من المسلسل (شاهد)
الممثلة السعودية نيرمين محسن في مشهد من المسلسل (شاهد)

تمتلك الأحياء الشعبية قدرة خاصة على احتضان الحكايات، وإعادة إنتاجها عبر الزمن، ومن هذا الفضاء ينطلق المسلسل السعودي «حي الجرادية»، الذي يتخذ اسمه من أحد أحياء العاصمة الرياض، حيث يتقدّم الماضي بوصفه عنصراً فاعلاً في تشكيل الحاضر، وتتقاطع مصائر الشخصيات على إيقاع ذاكرة جماعية مثقلة بالتجارب.

تتناول قصة العمل عودة رجل كبير بالسن (إبراهيم الحساوي) إلى الحي بعد سنوات طويلة، محملاً بشعور متراكم من الظلم وذاكرة تحتفظ بتفاصيل قاسية، وتتحوّل هذه العودة إلى مشروع انتقام من أهل الحي الذين يرى أنهم كانوا سبباً فيما آل إليه مصيره، وذلك بتنفيذ مباشر من ابنه (محمد القس)، وتعاونه في خططه أخته (نيرمين محسن).

إبراهيم الحساوي ومحمد القس في مشهد يجمع الأب وابنه لتنفيذ خطط الانتقام (شاهد)

خيار التحوّل الفني

وفي قلب المكان المليء بالمكائد، والخطط الإجرامية، تبرز شخصية «منيرة» التي تؤديها الممثلة نيرمين محسن بوصفها الابنة الصغرى للأب المظلوم، في دور يمثّل محطة مهمة في مسار نيرمين التي قدّمت خلال السنوات الماضية أدواراً تميل إلى الكوميديا، والأعمال الخفيفة، قبل أن تختار مؤخراً الانتقال إلى مساحة درامية أكثر كثافة، وتعقيداً.

وفي حديثها لـ«الشرق الأوسط»، تعبّر نيرمين عن سعادتها بهذه التجربة، وترى أن «حي الجرادية» منحها فرصة حقيقية لإظهار جانب آخر من أدواتها التمثيلية. وتوضح أن بداياتها في الكوميديا، وأعمال التقليد جعلت معظم العروض التي تصلها تدور في الإطار نفسه، وهو ما جعلها تنتظر النص الدرامي الذي يفتح أمامها خطاً مختلفاً في مسارها الفني.

من المسرح الجاد إلى الشاشة

تشير نيرمين إلى أنها اشتغلت على هذا النوع من الأداء سابقاً في المسرح الروائي الجاد، وحقّقت فيه حضوراً لافتاً، وكانت تتطلع إلى نقل هذه التجربة إلى الدراما التلفزيونية عبر نص يمنحها مساحة أوسع للتعبير. وتضيف أنها في موسم دراما رمضان قدّمت شخصيتين مختلفتين درامياً، «منيرة» في «حي الجرادية» و«عهود» في مسلسل «أنا ولا أنا»، وهو ما تعتبره خطوة مهمّة في مسيرتها، لأنه يوسّع خياراتها، ويضعها أمام تحديات تمثيلية جديدة.

وبالسؤال عن انجذابها إلى شخصية منيرة، توضّح أن ما لفتها هو طبيعة هذا التكوين النفسي المركّب، مبينة أن الشخصية تقوم على فكرة «شرّ مخفي» يظهر عبر التفاصيل الدقيقة أكثر مما يظهر عبر الملامح، أو السلوك المباشر، وينبع هذا الشر من صدمة طفولة، ومن رغبة دفينة في الانتقام، بينما تحافظ الشخصية في الظاهر على صورة هادئة، ومترددة. وتشرح أنها قرأت الشخصية أكثر من مرة، وحاولت أن تتعرّف عليها بعمق، وأن تفهم ردود فعلها، وأن تقترب منها بوصفها إنسانة تحمل صراعاً داخلياً بين جانب طيب حاضر في تكوينها، ودافع داخلي يدفعها إلى خيارات قاسية.

نيرمين محسن من قلب تصوير المسلسل (انستغرام الممثلة)

بناء المسار النفسي

كما تؤكد نيرمين أن التحضير للشخصية جاء ضمن عمل جماعي عبر بروفات الطاولة التي جمعت فريق العمل تحت إشراف المخرج منير الزعبي. وفي هذه الجلسات، جرى النقاش حول أبعاد الشخصية، وتفاصيلها النفسية، ومسارها داخل الحكاية، وهو ما ساعد على تثبيت ملامحها الداخلية، وضبط إيقاعها النفسي.

وعن أكثر الجوانب التي شكّلت تحدياً لها في تجسيد منيرة، توضّح نيرمين أن طبيعة الدوافع والانفعالات تمثّل المحور الأساسي لهذا التحدي، فالشخصية تعتمد في حركتها الدرامية على ما يجري في الداخل أكثر مما يظهر في الخارج، وذلك من خلال لغة جسد هادئة، ونبرة محسوبة، بينما الداخل مزدحم بالصراعات، والذكريات التي تواصل تأثيرها في قراراتها.

وينسجم حديث نيرمين محسن مع طبيعة «حي الجرادية»، إذ يقوم العمل على بناء توتّر تدريجي يتكشّف عبر الزمن، وتظهر الشخصيات طبقة بعد أخرى، لتتحوّل العلاقات اليومية إلى مساحات مشحونة بالقلق، والخوف، ما بين عالم تجّار المخدرات، وجرائم القتل، والابتزاز، دون أن يكون هناك حد رادع لهوس الانتقام، والرغبة في تدمير سكان الحي.

وبالسؤال عن التفاعل الجماهيري، تقول نيرمين إن الأصداء التي وصلتها تحمل طابعاً مشجّعاً، وتعبّر عن سعادتها برؤية هذا التفاعل مع العمل، ومع الشخصيات. وترى أن الجمهور السعودي اليوم يتمتّع بوعي فني، ونضج في تلقّي الأعمال الدرامية، ويقدّر الجهد حين يُقدَّم بصورة احترافية، وفي ختام حديثها، وجّهت حديثها للمشاهدين بالقول: «إن الأحداث المقبلة تحمل تصاعداً أكبر بكثير».