قصص قصيرة مكتوبة ببنية متوازية وفضاء هجين

«قطارات تصعد نحو السماء» لفاتح عبد السلام

قصص قصيرة مكتوبة ببنية متوازية وفضاء هجين
TT

قصص قصيرة مكتوبة ببنية متوازية وفضاء هجين

قصص قصيرة مكتوبة ببنية متوازية وفضاء هجين

يُبرهن القاص فاتح عبد السلام، في مجموعته القصصية الجديدة «قطارات تصعد نحو السماء»، الصادرة عن «ناشرون»، على مقدرته الواضحة في كتابة النص القصصي، الذي يعتمد على البنية المتوازية، فما من حدث يقع في لندن إلاّ ويقابله حدث آخر في بغداد أو البصرة أو الموصل، أو في جبهات القتال التي كانت مشتعلة في ثمانينيات القرن الماضي على الحدود العراقية الإيرانية. وهذا التوازي هو الذي يمنح قصص فاتح عبد السلام نكهتها الزمكانية متنقلاً بين الماضي والحاضر، بتقنية استرجاعية تقرّب البعيد، وتستفيد من حكمة الآباء والأجداد، وهي تُلقي بظلالها الوارفة على مُخيّلات الأبناء وطرائق تفكيرهم في ظروف شاقّة وعصيّة لا يُحسدون عليها. أما الحبل المتين الذي يشدّ القصص جميعها فهو القطار بوصفه بؤرة مكانية تدور فيها غالبية الأحداث، لكن ذلك لا يمنع من تشظّيها إلى أماكن أخرى كالبيت، والشارع، والمدينة، وجبهة الحرب، وما إلى ذلك.
تتميز القصة الأولى «تحت سماء القبّعات» عن بقية القصص بفضائها السُريالي؛ فكل الرُكّاب الجالسين والواقفين يرتدون القبّعات بعد أن تخلّوا عن رؤوسهم، ما عدا الراوي الذي هرب من الحرب، ونجا بجلده، فهو الوحيد الذي احتفظ برأسه، ولا يريد أن يفرّط به بعد أن خاطر بكل شيء، وقطع آلاف الأميال كي يصل إلى برّ الأمان. أما الاستعادة الذهنية التي تضعنا في قلب البنية المتوازية، فتتمثل بحديث الأم التي تتمنى على ابنها ألا يرثَ منها ألم الأسنان «فالألم يُورَّث، والعذاب مثل الرزق مقدّر من الله».
في قصة «من بغداد إلى ديفالي»، تعود بنا الراوية إلى ذكرياتها القديمة عن طاغور، الشاعر الهندي الكبير الذي كانت تقرأ قصائده في المرحلة الإعدادية، وتتذكّر صورته الفوتوغرافية التي يقف فيها بين الملك وجدها رئيس الحكومة آنذاك. وعلى الرغم من جمالية البنية الفنية لهذه القصة، إلا أن شذراتها الفكرية أكثر أهمية، حينما تؤكد الساردة أن العراقيين يفكرون بالمُشتركات، ولا يعيرون بالاً للاختلافات العرقية والدينية والمذهبية. ولعل أغرب ما في هذه القصة أن الصديقة الهندية قررت ألا تحتفل بديفالي أو «عيد الأنوار»، بعد الآن، لأنها غيّرت ديانتها، وآمنت بديانة جديدة عمرها بضع سنوات. لا بد للقارئ أن يبحث عن المعاني المجازية التي تكمن وراء تغيير الديانة بهذه السهولة، وبين التزمّت والقتل على الهوية الطائفية.
كثيرة هي مفارقات هذه المجموعة القصصية، فالعراقي الذي هرب إلى لندن، طالباً حق اللجوء السياسي، ينضمّ إلى قادة الإضراب الأربعة، ويُدخل الرمز لتتوقف حركة القطارات في محطاتها، فيتذمر الناس، وتتعطّل مصالحهم لبعض الوقت قبل أن يُدخل رقم كسر الإضراب لتعاود القطارات حركتها الطبيعية المنسابة، فلا غرابة أن تنضوي القصة تحت عنوان «العراقي الذي حرّر لندن» بعد أن ارتهنها لمدة 10 دقائق لا غير.
تجمع قصة «لو لم تكن المحطة الأخيرة قريبة» بين ثيمتي الهجرة والحُب، فقد طلب الراوي الإقامة الدائمة للمرة الثانية، لكنهم رفضوا طلبه، لأنّ مدينته أصبحت آمنة، وليس هناك مبرّر لمنحه حق اللجوء. قد لا يركّز القارئ كثيراً على مسار الحدث، لكنه ينتبه بالضرورة إلى لقطة مقرّبة رسمها القاص بذكاء يبيّن فيها تعلّق الفتاة البريطانية بأصابع يده التي تُحبها على وجه التحديد، وتتأكد محبة هذا الجزء من الجسد حينما يخبرها بنيّته حرق بصماته حينما تقول: «أتحرق الأصابع التي أحببتها؟»، علماً بأن مُستهل القصة قد أخذ من كاتبها أكثر من صفحة، وهو يصف هذا التعلّق الحميم بين أصابعها «الناطقة» التي تتحسس أصابعه «المتلعثمة»، وتحتويها في كفها المرتعشة، وكأنها تبحث عن شيء ضائع. ولعل استدراكها الاستفهامي أكثر وقعاً من فكرة التعلّق حين ترد عليه: «ألمْ تقل لي أنهم أخذوا بصمة عينيك؟» فهل يتمكن من مسح هذه البصمة أو إحراقها كي يعود من النافذة إن أخرجوه من الباب، خصوصاً بعد أن بنى حياة أخرى في هذا البلد، الذي لم تنتبه قاضيته إلى صعقة الحُب وأثرها على هذا اللاجئ القادم من أتون الحرب والديكتاتورية؟
في «قفزة القرد»، يدخل مسلّحان ويحتجزان التلاميذ رهائن، وعلى الرغم من أنّ الأب ينقذ ابنه سامي وصديقه الياباني يان، إلا أنّ شرطياً جاء متأخراً ورآه يحمل المسدس الذي أعطاه إياه العقيد فأطلق عليه النار وأصابه برصاصتين أخرجهما الطبيب من ساقه.
تحضر البنية المتوازية، فيتذكر الأب قول الضابط المجنّد: «الأرض مثل جسد المرأة تتسع لك حين تشعر أنها تحبكَ فتحتويك وتضمّكَ وتتستر عليكَ إذا لزم الأمر»، هكذا كان الأب يشعر وهو يفكر بالوصول إلى نافذة القاعة التي تمّ فيها احتجاز التلاميذ.
تنطوي قصة «المرأة القطة والرجل القنفذ» على قدر كبير من البراعة والتشويق والإثارة، ومكتوبة بنَفَس سينمائي واضح، فالمرأة هنا مومس، لكنها في لحظة فارقة قررت أن تحمي الجندي الهارب، وتنقذه من الموت، لأن الإعدام هو عقوبة الهاربين من الجيش العراقي في أثناء المعارك. أجلست الجندي المذعور إلى جوارها، وطلبت منه أن ينام، أو يدّعي النوم، وألاّ يفتح عيناه مهما حصل، وأن يترك الباقي عليها. وحينما اقترب منها أحد رجال المفرزة الذين تعرفهم قالت له: «حبيبي هذا من لوازم الشغل»، بعد أن أسقطته في فخ الغواية ووعد بلقاءٍ قريب.
لا يمكن مقارنة قطة مفقودة مع ألفي طالب مختطَف من طلاب القوة الجوية، لكن دقّة البنية المتوازية بين ضياع قطة بريطانية اسمها «لولايكا» سيتم العثور عليها في نهاية القصة التي تحمل الاسم ذاته، وبين ألفي مُختطَف عراقي سيلقون حتفهم على أيدي عصابات «داعش»، الأمر الذي يدفع شقيقه للعودة إلى العراق محملاً بالنقود التي استدانها من البنك على أمل مقايضة أخيه بفدية يحددها الخاطفون أنفسهم. وعلى الرغم من يأسه المطلق، إلاّ أن شقيقته لم تقطع أملها في العثور عليه حيّاً.
تتمحور «الرغبات المتكسّرة» على قصة جندي يأتي مُجازاً من البصرة إلى الموصل، وهناك يلتقي بصديقته التي أحبّها في الجامعة، ولم يستطع الاقتران بها لضيق ذات اليد. وحينما يعرف أنها ذاهبة إلى بغداد لإنجاز معاملة تتعلق بالسكن، يقرر السفر معها في القطار ذاته، على أمل أن يتسلل إلى مقصورتها، لكنه لم يكن يعرف أن المرور عبر المقصورات ممنوع تماماً.
ينجح الراوي في كتابة قصة كل يوم يرمي فكرتها في ذهن القارئ، ويتركها تنمو بهدوء، وإذا لم تنضج جيداً يُدرك أنها وُلدت ميتة، فلا يأسف عليها، ويشرع في كتابة القصة التالية. تُرى، هل كانت الكتابة اختباراً قوياً لوقته وأفكاره وإرادته، أم رغبة في الخروج من عزلته الاختيارية التي تحولت إلى عزلة إجبارية؟
أما قصة «الضفدع الرمادي»، فتتمحور على شخص يُعتقَد أنه متسوّل، لأنه يجمع النقود في قبّعة متسخة خلال الدقائق التسع، قبل الوصول إلى المحطة الأخيرة، لكن براعة القاص يفاجئنا دائماً بانعطافة فنية محددة تكشف أنّ هذا الشخص الذي لا يراه الرُكّاب هو آخر الخارجين من الحرب بعد أن احترق الجميع. ومع أنه يعيش بينهم منذ 10 سنوات، إلاّ أنه لا يحمل سوى لقب مجنون تتلقفه الشرطة كلما أثار صخباً أو روّع الآخرين في عربة هادئة.



إكسسوارات منزلية مصرية تستلهم «روح رمضان»

معلقات مبهجة من «ميدو - أرت» (الشرق الأوسط)
معلقات مبهجة من «ميدو - أرت» (الشرق الأوسط)
TT

إكسسوارات منزلية مصرية تستلهم «روح رمضان»

معلقات مبهجة من «ميدو - أرت» (الشرق الأوسط)
معلقات مبهجة من «ميدو - أرت» (الشرق الأوسط)

في شهر رمضان تتغير ملامح الكثير من البيوت المصرية؛ فتسودها أجواء احتفالية خاصة بالشهر المبارك؛ فلا تكتفي المساحات الداخلية بإضاءة الفوانيس أو تعليق الزينات التقليدية، إذ تستعيد روح التراث في تفاصيل دافئة من خلال إكسسوارات منزلية تجمع بين الفلكلور الشعبي والتصميم المعاصر.

وفي رمضان 2026 برزت مجموعة من الفنانين والحرفيين المصريين الذين حولوا الإكسسوارات المنزلية إلى أعمال فنية صغيرة تحمل روح الذاكرة المصرية خلال الشهر الكريم، وفي الوقت نفسه تتوفر بأسعار اقتصادية غير مكلفة.

ومن اللافت أنه في السنوات الأخيرة اتسعت دائرة الإبداع في هذا المجال؛ فلم تعد الإكسسوارات الرمضانية مجرد عناصر تزيين وحسب، بل أصبحت تعكس فلسفة تصميم متكاملة، تسعى إلى استحضار أجواء الشهر الكريم داخل البيت، مع الحفاظ على روح عصرية تناسب الذائقة الحديثة، مانحة البيوت حالة من النوستالجيا الممزوجة بالفخامة الهادئة.

ومن بين التجارب اللافتة في هذا المجال تجربة الفنانة إسراء مجدي التي أطلقت مع زوجها الفنان محمد عادل علامة متخصصة في الإكسسوارات المنزلية قبل نحو عشرة أعوام، تحت اسم «ورشة ميدو آرت».

مجموعة الليلة الكبيرة لورشة «ميدو - أرت» (الشرق الأوسط)

وقد نجحت العلامة خلال تلك السنوات في تقديم مجموعات رمضانية متجددة، تعتمد على المزج بين الخامات التقليدية والابتكار الفني في التصميم.

تقول إسراء مجدي لـ«الشرق الأوسط»: «إن شهر رمضان يمثل بالنسبة لنا مصدر إلهام متجدد لا ينضب».

وتشير إلى أن «كل موسم يحمل أفكاراً جديدة تتولد من روح الشهر نفسه؛ لذلك نحرص على تقديم مجموعة مختلفة كل عام، سواء من حيث الألوان أو الخامات أو طبيعة المنتجات».

وتضيف أن «العمل في هذا المجال بدأ من شغف فني قبل أن يتحول إلى مشروع متكامل؛ إذ يجمع الفريق بين خلفيات تعليمية مختلفة، من التجارة والصيدلة إلى خريجي كليات الفنون الجميلة والتربية الفنية؛ مما أتاح مساحة واسعة للتجريب والإبداع».

مزهرية على شكل بلاص ريفي من ورشة «ميدو - أرت» (الشرق الأوسط)

وتوضح أن «روح رمضان تسمح بابتكار الكثير من التفاصيل التي تضفي على البيت لمسة شرقية أنيقة».

ومن أبرز ما قدمته الورشة في مجموعاتها الأخيرة المعلقات الجدارية وأطباق الديكور المصنوعة من الفخار، التي استلهمت أشكالها من أوانٍ تقليدية عرفها المصريون قديماً مثل «القلة» و«البلاص» و«الزير». وتعلو هذه القطع نقوش ورسوم مستوحاة من البيئة المصرية، بعضها يعكس أجواء أوبريت «الليلة الكبيرة»، وبعضها يستحضر مشاهد رمضانية من الريف المصري أو من المدن القديمة.

كنفاني العتبة عمل للفنان أحمد الفايد (مركز تهادوا)

وترى إسراء مجدي أن «لكل قطعة روحها الخاصة؛ فالتعامل معها لا يتم بوصفها مجرد منتج تجاري، بل كعمل فني يحمل شخصية مستقلة».

ولا يقتصر الاهتمام بالإكسسوارات الرمضانية على الجدران أو أركان صالة الاستقبال، بل تمتد العناية بها إلى غرفة الطعام التي تمثل قلب الاحتفال اليومي بالشهر الكريم.

فقد تحولت المائدة الرمضانية بدورها إلى مساحة للتعبير عن أجواء رمضان؛ حيث تتجاور المفارش الخاصة بالشهر مع الفوانيس الصغيرة والمصابيح المتدلية، بينما تزين الجدران مجسمات الهلال والنجوم وأضواء خافتة تضفي على المكان أجواء روحانية.

وفي هذا السياق، برزت علامة «أوريكا» التي رفعت هذا العام شعار أن «مائدة رمضان لا تكتمل إلا بلمسة من الطبيعة والأصالة».

وانطلاقاً من هذا المفهوم قدمت العلامة مجموعة من الأطباق والمشغولات المصنوعة من خشب الزيتون الطبيعي، وهو خشب يتميز بعروقه الفريدة التي لا تتكرر في قطعتين؛ ما يمنح كل قطعة طابعاً خاصاً.

وتجمع هذه القطع بين فخامة التراث وبساطة التصميم المعاصر؛ إذ صنعت بالكامل من خامات طبيعية آمنة للاستخدام في تقديم الطعام.

تصميم عصري للفانوس من خشب الزيتون الطبيعي (صفحة أوريكا على فيسبوك)

وضمت المجموعة أطباقاً متعددة الاستخدامات للسلطات والمقبلات والشوربة، فضلاً عن قطع صغيرة للسحور يمكن استخدامها لتقديم الفول والبيض والجبن.

كما حملت بعض الأطباق زخارف محفورة بفن الخط العربي، تضمنت كلمات وعبارات تعكس روحانيات الشهر الفضيل؛ الأمر الذي يضفى على المائدة بعداً جمالياً وثقافياً في آنٍ واحد.

وتشير العلامة إلى أن كل قطعة صنعت يدوياً بعناية؛ لتمنح البيت دفئاً خاصاً يعكس قيمة الحرف اليدوية في زمن الإنتاج الصناعي السريع.

ولم يغب فانوس رمضان عن هذه التشكيلات، إذ قدمت «أوريكا» تصاميم جديدة للفانوس يتميز بطابعه البسيط والأنيق، ما يجعله مناسباً للديكورات المعاصرة، في حين يحتفظ في الوقت نفسه بدلالته الرمزية.

ومن بين القطع التي عادت بقوة إلى المشهد هذا العام «الطبلية»، تلك المائدة الدائرية المنخفضة التي كانت في الماضي جزءاً أساسياً من الحياة اليومية في البيوت المصرية، خصوصاً في الريف، حيث كانت تجمع أفراد الأسرة حولها أثناء تناول الطعام.

ومع مرور الوقت تراجعت الطبلية أمام موائد الطعام الحديثة، لكنها عادت مؤخراً كعنصر ديكوري يحمل قيمة رمزية مرتبطة بفكرة «لمة العائلة».

وقد قدم أحد المصانع المصرية «أنتيك» تصميماً معاصراً للطبلية للمرة الأولى، يقوم على فكرة الطبلية القابلة للطي بأرجل يمكن فكها وتركيبها بسهولة.

ويتيح هذا التصميم استخدام القطعة خلال رمضان كمائدة إفطار أو سحور تجمع أفراد الأسرة، ثم تحويلها بعد ذلك إلى طاولة قهوة عصرية يمكن وضعها في غرفة المعيشة.

وفي الإسكندرية، قدم مركز «تهادوا» مجموعة لافتة من المجسمات الرمضانية المصغرة من تصميم الفنان أحمد الفايد، تضمنت نماذج لعربة الفول التقليدية ومتجر الكنافة اليدوية، إضافة إلى مبانٍ قديمة تستحضر أجواء المدن المصرية العتيقة.

طبلية رمضان (حساب مصنع أنتيك على فيسبوك)

ويقول الفايد لـ«الشرق الأوسط»: «إن هذه الأعمال استُلهمت من مشاهد الحياة اليومية في الأحياء القديمة، حيث تختلط الروائح والأصوات والأنوار في ليالي رمضان، وقد حاول إعادة تقديم هذه الأجواء في شكل قطع صغيرة تصلح كإكسسوارات منزلية، تحمل في تفاصيلها روح مصر الشعبية».

ويضيف أن «هذه المجسمات لاقت إقبالاً لافتاً من الجمهور، بما في ذلك فئة الشباب الذين ربما لم يعيشوا بعض تلك التفاصيل في حياتهم اليومية، لكنها جذبتهم بفضل طابعها الفلكلوري وتصميمها الذي يستحضر ملامح (مصر زمان)».

ويرى الفايد أن «هذا النوع من الأعمال لا يقتصر على الجانب الجمالي فحسب، بل يمنح أيضاً إحساساً بالطمأنينة والحنين إلى زمن أبسط وأكثر دفئاً».


«فرقة رضا» تسدل الستار على احتفالات ليالي رمضان بمصر

عروض متنوعة قدمتها فرقة رضا (وزارة الثقافة المصرية)
عروض متنوعة قدمتها فرقة رضا (وزارة الثقافة المصرية)
TT

«فرقة رضا» تسدل الستار على احتفالات ليالي رمضان بمصر

عروض متنوعة قدمتها فرقة رضا (وزارة الثقافة المصرية)
عروض متنوعة قدمتها فرقة رضا (وزارة الثقافة المصرية)

بعروضها الشهيرة مثل «الأقصر بلدنا» و«الحجالة» و«الكرنبة» و«النوبة» ورقصة التنورة، اختتمت فرقة رضا للفنون الشعبية ليالي «هل هلالك» التي نظَّمها قطاع المسرح بوزارة الثقافة المصرية على مدى أسبوعين، الخميس، وسط حضور جماهيري حاشد وتفاعل لافت مع التابلوهات الراقصة والاستعراضات والأغاني.

ونظَّمت وزارة الثقافة المصرية برنامج الاحتفالات الرمضاني «هل هلالك» للسنة العاشرة على التوالي بساحة الهناجر في دار الأوبرا المصرية خلال الفترة من 28 فبراير (شباط) الماضي إلى 13 مارس (آذار) الحالي، متضمناً كثيراً من الفقرات وفرق الغناء والموسيقى والفنون الشعبية، بالإضافة إلى عرض العرائس «الليلة الكبيرة».

وأحيت حفل الليلة الختامية، الجمعة، فرقة «رضا للفنون الشعبية»، التي تعدُّ من أعرق الفرق الفنية التابعة للبيت الفني للفنون الشعبية والاستعراضية، وقدَّمت مجموعةً من أشهر استعراضاتها التي اشتهرت بها طوال تاريخها الفني، من روائع رائد الفن الشعبي في مصر، الفنان محمود رضا، وأنغام الموسيقار علي إسماعيل.

جانب من عروض فرقة رضا (وزارة الثقافة المصرية)

وتأسَّست فرقة رضا للفنون الشعبية في نهاية الخمسينات من القرن الماضي على يد مصمم الرقصات محمود رضا وشقيقه المؤلف الموسيقي علي رضا، والفنانة الاستعراضية فريدة فهمي بعد رحيل الفنانة نعيمة عاكف التي كانت ضمن الفرقة في البداية. وفي عام 1961 تمَّ ضم الفرقة إلى وزارة الثقافة، وقام على إدارتها محمود وعلي رضا، وشاركت في كثير من المهرجانات حول العالم. واستوحى محمود رضا رقصات واستعراضات الفرقة من فنون الريف والساحل والصعيد والفنون المصرية القديمة ليقدِّم مدرسةً خاصةً في الرقص الشعبي نالت شهرةً لافتةً في مصر والوطن العربي.

كما شاركت الفرقة في أكثر من عمل سينمائي بالتمثيل والرقصات والأغاني منذ الستينات وحتى نهاية السبعينات، من بينها أفلام «وا إسلاماه» و«المراهق الكبير» و«أجازة نص السنة» و«غرام في الكرنك» و«حرامي الورقة».

رقصة التنورة ضمن عروض فرقة رضا (وزارة الثقافة المصرية)

ويرى الناقد الفني المصري أحمد سعد الدين أن «اختيار فرقة رضا للفنون الشعبية لختام حفلات (هل هلالك) الرمضانية موفق للغاية، لما تتمتع به الفرقة من شهرة اكتسبتها أساساً من قربها من الناس ونقل الفنون الشعبية من الدلتا والصعيد وكل أنحاء مصر إلى خشبة المسرح».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «أوبريت (الأقصر بلدنا) واحد من أهم أعمال فرقة رضا على مدار 65 سنة، وهو أيقونة في كلماته وألحانه واستعراضاته، وحتى اليوم حين نرى هذا الاستعراض في التلفزيون ينتبه له الجميع، ودائماً يطلبه الجمهور من فرقة رضا، فهو عاشق لهذا الأوبريت تحديداً».

وشهد ختام برنامج «هل هلالك» حضوراً جماهيرياً حاشداً لأوبريت «الليلة الكبيرة» الذي عُرض يومياً على مدى أسبوعين، من أشعار صلاح جاهين وألحان سيد مكاوي، ويعدّ أيقونة لمسرح العرائس بالبيت الفني للمسرح.

وكانت احتفاليات رمضان ضمن برنامج «هل هلالك» استضافت كثيراً من الفرق الفنية ونجوم الطرب، مثل الفنانين ماهر محمود والدكتور أحمد الكحلاوي «مداح الرسول»، وفرقة «راحة الأرواح»، و«الفرقة القومية للفنون الشعبية»، وفرقة «أنغام الشباب»، كما تغنَّت شعبة الإنشاد الديني بالفرقة القومية للموسيقى الشعبية بأشهر الأغاني الدينية يوم الأربعاء11 مارس.

وشارك في الفعاليات أيضاً عدد من الفرق الفنية التي حقَّقت نجاحاً لافتاً فى الفترة الماضية، مثل فرقة «التنورة التراثية» وفرقة «طبلة الست» وفرقة «هنغني»، وفرقة «بورسعيد للفنون الشعبية».


مسلسلات رمضان... ملاذ اللبنانيين للهروب من كوابيس الحرب

تيم حسن يسرق انتباه المُشاهد في «مولانا» (إنستغرام)
تيم حسن يسرق انتباه المُشاهد في «مولانا» (إنستغرام)
TT

مسلسلات رمضان... ملاذ اللبنانيين للهروب من كوابيس الحرب

تيم حسن يسرق انتباه المُشاهد في «مولانا» (إنستغرام)
تيم حسن يسرق انتباه المُشاهد في «مولانا» (إنستغرام)

في ظلّ حرب قاسية تلفّ لبنان، يبحث المرء عمّا يُنسيه شبحها الذي يلاحقه. فنشرات الأخبار من جهة، والتقارير الصحافية من جهة أخرى، تفرض متابعتها. وإذا ما حاول الإفلات من الشاشة الصغيرة، فإن الإشعارات القصيرة التي يتلقّاها عبر هاتفه تُعيده إلى الأمر الواقع.

فئة لا يُستهان بها من اللبنانيين تجد في الدراما الرمضانية ملاذها للهروب من تداعيات الحرب وأخبارها، فتلجأ إليها في لحظات التوتّر لتخفيف ضغط إنذارات القصف المُتتابعة.

يُحلّق المُتفرّج مع قصي خولي وكاريس بشار في مسلسل «بخمس أرواح» إلى عالم من الإثارة، وينتقل عبر «مولانا» إلى فضاء درامي مشوّق بقيادة المخرج سامر البرقاوي وبطولة تيم حسن. ومع مسلسلات مثل: «المحافظة 15»، و«بالحرام»، و«لوبي الغرام»، و«الست موناليزا»، و«على قد الحبّ» وغيرها، يجد المُشاهد برّ أمان ولو لساعات قليلة.

«المحافظة 15» من المسلسلات التي يتشوّق لبنانيون لمتابعتها (إنستغرام)

أحاديث اللبنانيين في زمن الحرب يطغى عليها الخوف والتحليلات السياسية. والجملة التي يردّدونها كثيراً، «شو بعرّفني؟»، تُشكّل بداية هذه الأحاديث ونهايتها؛ إذ لا يجدون بصيص أمل يتّكئون عليه لاستحضار طاقة رجاء، فلا حلول تلوح في الأفق.

من هنا، وجد المُتفرّج في الأعمال الرمضانية فسحة أمل. فهي، على عكس الحرب، تحمل نهايات واضحة. فالحلقات التي يتابعونها على مدى 30 يوماً تصل في النهاية إلى نقطة مُنتظرة. لذلك يشاهدونها صباحاً أو بعد الإفطار والسحور، آملين في لحظات راحة تبعد عنهم أجواء الحرب.

تقول لمياء، المقيمة في مدينة طرابلس، إنّ الأعمال الرمضانية أنقذتها من حالة اكتئاب حادّة كانت ستصيبها. وتضيف لـ«الشرق الأوسط»: «في بداية الحرب كنتُ أتابع الأخبار دقيقة بعد أخرى، ثم لاحظتُ أنّ حالتي النفسية تتدهور بسرعة. قرّرتُ النأي بنفسي والتحوّل إلى متابعة الدراما الرمضانية. معها أجد استراحة بين جولة قصف وأخرى. فإذا انتهيتُ من حلقة من (مولانا) وكانت وتيرة الحرب لا تزال مرتفعة، أبحثُ عن دقائق راحة أخرى مع (بخمس أرواح). وعندما يشتدّ الأمر ويصبح هدير الطيران الحربي مسموعاً أكثر، أشاهد مسلسلاً آخر، حتى لو لم أكن قد تابعته منذ البداية».

«بخمس أرواح» ومتعة متابعة الثنائي قصي خولي وكاريس بشار (إنستغرام)

وما تقوله السيدة الطرابلسية ينطبق أيضاً على نايلة التي تسكن في منطقة بصاليم. وتقول لـ«الشرق الأوسط»: «لا أدري كيف كنتُ سأواجه هذه الأيام الثقيلة من دون مسلسلات. أجدها العلاج الوحيد للتوتّر والأرق اللذَين يصيبانني إثر قصف منطقة أو أخرى. أجلس في صالة الجلوس، أقرمش رقائق البطاطا وأتابع مسلسلاً». وتضيف: «أحياناً، عندما ننعم بساعات هدوء حذر، ألهي نفسي بأعمال المطبخ. لكن المسلسلات وحدها قادرة على أخذي في رحلة حالمة أنسى معها كلّ ما يحيط بي».

لغز اكتشاف ابنة «جود» في «بالحرام» يُحيّر متابعيه (إنستغرام)

ويلجأ بعض اللبنانيين إلى الزيارات القصيرة للجيران لتسجيل نزهة خاطفة خارج المنزل. وفي أحيان أخرى، يتجمّعون في غرف آمنة ليتسلّوا بورق اللعب. لكن منى معيقل، من منطقة الأشرفية، تقول لـ«الشرق الأوسط»: «الحرب تشلّ حركتي وتجعلني أتسمّر أمام الشاشة الصغيرة. هذه المرة، وبفضل الشهر الكريم، حظينا بنعمة الدراما الرمضانية. فهي تُسلّينا وتُنسينا أجواء الحرب، لا سيما أنّ غالبيتها تحمل موضوعات جميلة. وبصراحة لم أعد أهتمّ بموعد انتهاء هذه الحرب الشعواء ومَن سيربح أو يخسر فيها. أشغلُ نفسي بفكّ ألغاز تطرحها مسلسلات عدة، بينها اكتشاف من ستكون ابنة (جود) في مسلسل (بالحرام)».

وتختم: «أحياناً أتعمَّد تفويت بعض الحلقات لأجمعها معاً. وعندما أشاهد 3 حلقات أو أكثر دفعة واحدة، أشعر كأنني حجزت لنفسي موعداً طويلاً يبعدني عن أخبار الحرب لساعات. كأنني أتناول طبق حلوى يسيل له اللعاب كلّما فكّرت به».