سبايا «داعش».. غنائم أبو بكر البغدادي ورفاقه في العراق

في تحقيق تنشره الشقيقة «المجلة».. سعر الجارية في أسواق «داعش» يبدأ من 10 دولارات

لاجئة بالقرب من نهر دجلة (أ.ف.ب)
لاجئة بالقرب من نهر دجلة (أ.ف.ب)
TT

سبايا «داعش».. غنائم أبو بكر البغدادي ورفاقه في العراق

لاجئة بالقرب من نهر دجلة (أ.ف.ب)
لاجئة بالقرب من نهر دجلة (أ.ف.ب)

أن تتحدى مصيرا محتوما ليس بالأمر السهل، وأن تعلن في قرارة نفسك أنك لن تستسلم وأن هناك حظا في أن تغير الأحداث، وفي أن تعلن عدم رغبتك في الاستسلام لما فرض عليك، مع الإصرار على أن تستمر في الحياة، رغم هول الفاجعة بهذه الكلمات اختصرن تجربتهن.. هن سبايا، ولكن عائدات إلى الحياة.
وفيما يلي تحقيق ميداني نشر في عدد الشهر الحالي من الشقيقة «المجلة». بشأن سبي وبيع تنظيم «داعش» للنساء في العراق.
عمشة (19 عاما) أم لطفل لم يكمل عامه الثاني بعد، وجنين في رحمها ما زال أمامه 4 أشهر ليرى النور، وهو يتيم الأب الذي ذبح على أيدي تنظيم «داعش»، وأم أجبرت على خوض تجربة مريرة تحت عنوان «السبايا».
تتحدث عمشة التي نجحت في الفرار من رجل مسن من أهالي الموصل، (كان ينوي اصطحابها معه إلى سوريا لبيعها هناك) قالت: «نحن كنا من بين الذين فشلوا في الهروب إلى جبل سنجار، والذي فر إليه مئات الآلاف من الإيزيديين بعد مهاجمة (داعش) مناطقنا»، مضيفة: أنني «شاهدت بأم عيني كيف كان يذبح الرجال والعجزة من الرجال والنساء، وحتى الأطفال ممن تجاوزا الـ10 أعوام». وبحسرة تتابع: «ومن بين من ذبح زوجي وعائلته، وجرى اقتيادنا نحن النساء في سيارة (بيك أب) إلى قاعة كبيرة في مدينة موصل».

وتستأنف سردها بأن «عددنا كان كبيرا، يزيد على الألفين، جميعنا كنا من الإيزيديات اللاتي جرى اختطافهن»، نافية «وجود أي من المسيحيات أو التركمانيات في القاعة»، مضيفة: «كانت تجربة مريرة، لقد رأيت بأم عيني كيف أن الفتيات الإيزيديات كان يجري بيعهن فقط بـ10000 أو 15000 دينار عراقي، أي ما يعادل 10 دولارات أميركية، لليلة الواحدة، وهكذا تباع لأكثر من مرة، وعلى مرات متتالية يجري اغتصابهن، وفي بعض الأحيان كان هناك أنصار من التنظيم من مختلف الجنسيات يقصدون المكان الذي احتجزن فيه، حيث إنهم كانوا يشترون الإيزيديات بـ10000 أو 15000 دينار عراقي ثم يجري بيعهن في سوريا وبلدان أخرى بـ200 دولار»، مؤكدة أنه كان يجري إجبارهن على اعتناق الإسلام ليجري تزويجهن بعناصر من التنظيم فيما بعد، ومن يمتنعن يجري تهديدهن بذبح أطفالهن أو ذبحهن، وفي كثير من الأحيان كان يطلب من بعضهن الحديث لعائلاتهن وسرد ما يتعرضن له من اغتصاب وعنف.
كانت عمشة إحدى الضحايا التي اختطفت مع مئات الإيزيديات الأخريات بعد هجوم «داعش» في 3 من الشهر الماضي ناحية القحطانية أو ما يعرف بـ«بمجمع القحطانية» الذي يقطنه أبناء الطائفة الإيزيدية بالقرب من ناحية سنجار (محافظة نينوى) بشمال العراق، والتي لها تجارب مريرة مع المتطرفين، ففي 14 أغسطس (آب) 2007 شهدت هجوما عد آنذاك الأكثر دموية خلال سلسلة بصهريج وقود و3 شاحنات محملة بمواد تفجيرية وقنابل، والعقل المدبر للتفجيرات كان المدعو أبو محمد العفري من أهالي تلعفر، على بعد عدة كيلومترات كانت دنيا من قرية كوجو التي تبعد 15 كم عن سنجار تلاقي نفس المصير، فقد حاصر التنظيم القرية وأمهلوا أهلها بضع سويعات لإعلان إسلامهم وفيما بعد أخبروهم بأنه صدر عفو عن أهالي القرية. دنيا 22 عاما كانت وأخواتها الـ4 سبايا لدى «داعش» ووصلت فقط قبل يومين إلى ذويها بعد هروبها وإخوتها الـ4. تقول دنيا: «لقد جرى جمع الأهالي في مدرسة القرية وفصل الرجال عن النساء، فيما بعد سمعنا أصوات طلقات وحتى الآن لا نعرف ماذا حصل لهم، وبقيت النساء فقط داخل المدرسة وطلبوا منا وضع الهواتف والحلي والذهب وما نحمله من النقود وإلا سوف يجري ذبح من تخبئ أي شيء مما ذكرته».
وتتابع: «لقد أخذونا إلى معهد تلعفر، وهناك طلبوا أن تنفصل الأبكار عن النساء المتزوجات، إلا أننا لم نقبل وأمي رفضت بشدة فصلنا عنها، وعندما حاول أحدهم التحرش بأختي ونزع غطاء رأسها قام بذبح أمي وأخي أمام أعيننا». تضيف وهي تجهش بالبكاء: «أخذونا بسيارات (بيك أب) إلى بيت في موصل. كنا نحو 500 إيزيدية، كان أعضاء التنظيم يطلبون منا الوقوف ليجري اختيار من سيجري تزويجها ولدى اعتراض أي واحدة يجري الاعتداء عليها بالضرب، حيث كانت تؤخذ الفتيات خاصة الأبكار على دفعات ولم نعرف أين كانت وجهتهم»، مستأنفة: «ولكن أحيانا كانت تعود فتيات كن قد اغتصبن من قبل أعضاء التنظيم، وإحداهن كانت قاصرا، أي 15 عاما، وقد جرى اغتصابها من قبل 4 داعشيين، وما زلت أتذكر آثار الضرب بالسلاح على جسدها»، مضيفة: «كانت صغيرة لا تعرف أصلا ماذا يعني الزواج، حتى إنها كانت غير قادرة على وصف ما جرى لها هناك، حيث كان يجري اغتصاب الفتيات». وتكشف عن أن غالبية أعضاء التنظيم الذين اختطفوا الإيزيديات وهاجموا قريتها كانوا عراقيين، وكلهم «عافرة»، أي تلعفر.

* مساع مستعصية
* وفي الوقت الذي تتمنى فيه الكثيرات من أبناء جلدة عمشة ودنيا، نهاية تشبه نهاية تجربتهما المريرة مع السبي، فقد تواردت أنباء حول شراء شيوخ عشائر في قضاء الحويجة 55 كلم غرب مدينة كركوك، نساء إيزيديات جرى جلبهن من محافظة نينوى، وإن مفاوضات مع تنظيم «داعش» في القضاء، تجري لإطلاق سراحهن.
والحديث عن أن مئات النساء الإيزيديات جرى جلبهن إلى الحويجة، المدينة ذات الغالبية العربية السنية، والتي يفرض تنظيم داعش سيطرته عليها، منذ أكثر من 3 أشهر ويحكم قبضته على مركز القضاء و5 نواح أخرى هي الزاب الأسفل والعباسي والرياض والرشاد والملتقى.
ويكشف مصدر فضل عدم ذكر اسمه أن عددا من شيوخ العشائر وغيرهم قاموا بشرائهن، بـ800 دولار، وأن أبناء أحد الشيوخ قد اشترى بـ3 منهن الإيزيديات»، مضيفا أن «المفاوضات عصية ولم يجر التوصل إلى إطلاق سراح النساء وأنه لم يستطع التوصل إلى جهة تعلن استعدادها للتعاون بشكل فعلي من العشائر حول هذا الأمر، وأن عدد النساء الإيزيديات اللاتي جرى جلبهن إلى مناطق جنوب غربي كركوك يتراوح بين 500 و600 امرأة».
وكان المرصد السوري لحقوق الإنسان أعلن أن تنظيم «داعش»، «وزع على عناصره في سوريا، خلال الأيام والأسابيع الماضية نحو 300 فتاة وسيدة من أتباع الديانة الإيزيدية، ممن اختطفن في العراق قبل عدة أسابيع، وذلك على أساس أنهن سبايا من غنائم الحرب»
وأكد المرصد قيام «عناصر التنظيم ببيع تلك المختطفات لعناصر آخرين من التنظيم بمبلغ مالي قدره ألف دولار أميركي للأنثى الواحدة، بعد أن قيل إنهن دخلن الإسلام».
وفي حالة مماثلة وبهدف إنقاذ ضحايا النساء من الإيزيديات في سوريا فقد حاول بعض وجهاء العرب والكرد دفع الأموال من خلال وسطاء لعناصر تنظيم داعش بحجة أنهم يريدون الزواج من الإناث الإيزيديات المختطفات، وذلك ضمن عملية التفاف من أجل تحريرهن وإعادتهن إلى ذويهن، ولكن المحاولة لم تظهر نتائجها حتى الآن.
من جهتها، طالبت بخشان زنكنة، الأمين العام للمجلس الأعلى لشؤون المرأة في إقليم كردستان، الجهات الدولية والعربية والإسلامية بأن تلعب دورها من أجل إنقاذ هؤلاء الفتيات، عادة أن «تحرير المختطفات وإنقاذهن والمحافظة على حياتهن وكرامتهن واجب إنساني».
وتحث زنكنة في حديثها لنا على «ضرورة احتضانهن والاهتمام بهن من أجل تجاوز هذه النكسة التي تعرضن لها، وأن هناك خططا لمساعدتهن على تجاوز هذه المحنة والأهوال التي تفوق قدرة تحمل البشر»، مشيرة إلى «الدور الإيجابي الذي لعبته المرجعية الدينية والشيوخ الإيزيديون في هذا المجال»، كاشفة عن بيان صدر من شيخ الديانة الإيزيدية يوصي بحسن معاملة النسوة الإيزيديات ضحايا الممارسات الإجرامية لـ«داعش».
وتنتقد زنكنة صمت المنظمات النسوية العربية إزاء سبي النساء الإيزيديات من قبل مسلحي «داعش»، التي عدتها جرائم حرب، مضيفة أن «على المجلس الأعلى لشؤون المرأة بتحديد أولياته، لإغاثة المناطق المنكوبة، العمل مع الجهات المختصة في الإقليم لمعرفة مصير المفقودين وتحرير الأسرى الذين ما زالوا على قيد الحياة، والضغط على المجتمع الدولي لاستصدار قرار خاص بالممارسات الوحشية التي قام بها الإرهابيون بحق الأطفال والنساء، وإعلان حملة وطنية لجمع المساعدات الإنسانية للنازحين، وخصوصا المتعلقة باحتياجات النساء والأطفال».
وتؤكد زنكنة أن «اللاتي جرى اختطافهن من قبل الجماعات الإرهابية هن ضحايا حرب، وعلى المجتمع التعامل معهن بكل احترام والعمل على معالجة الأضرار النفسية التي ألحقت بهن».

* حكم جبري
* خالد دخيل سيدو حمو باشا، زعيم قبيلة الفقراء الإيزيديين وأحد شيوخ الديانة الإيزيدية، كشف لنا عن قصص مروعة للنازحين من أبناء الطائفة الإيزيدية الذين فروا من ملاحقة مسلحي «داعش» ووصلوا إلى دهوك، ومنهم فتيات إيزيديات ألقين بأنفسهن من فوق جبل سنجار تجنبا لاختطافهن على أيدي الجهاديين وأخذهن سبايا وأبناء تركوا أمهاتهم في مغارات الجبل لعدم قدرتهن على مواصلة رحلة النزوح إلى مكان آمن. في حين روى صحافي أنه شاهد الكلاب تتغذى على جثث الموتى.
ويؤكد دخيل أن الشيوخ الإيزيديين أصدروا بيانات بمعاملة الفتيات الفارات من «داعش» بكل احترام، وأن ما تعرضن له هو حكم جبري، وأن هؤلاء الفتيات لسن من اخترن خوض هذه المحنة أو أنهن بإرادتهن غيرن دينهن وعقيدتهن.
ونفى وجود أي مفاوضات مع أمراء «داعش» لتحرير الإيزيديات قائلا، إن «دورنا يقتصر على علاقاتنا الشخصية مع بعض من رؤساء العشائر العربية، ولكن ليس لدينا أي علاقة مع أمرائهم وليس هناك سبيل للتدخل».
ويكشف عن «وجود تشكيلات عسكرية من أبناء الإيزيديين في سبيل استعادة مناطقهم وحمايتها»، مؤكدا أن هناك «قوة تتشكل حاليا من قبل الإقليم من أبناء الإيزيديين، وتوجد قوة من وحدات الحماية الشعبية الـ«ypG» من الإيزيديين تتولى حماية مناطقنا التي جرى تحريرها إلى أن يجري تحرير سنجار عندها سنطالب بتشكيل قوة رسمية من الإقليم تتكون من أهالي المنطقة.
وينتقد دخيل الحكومة العراقية المركزية وقدرتها على حمية أبناء العراق، مؤكدا أن عدد الإيزيديات يتجاوز 4000 امرأة، إضافة إلى أعداد كبيرة يعتبرن مفقودات.

* العودة إلى الحياة
* مراد علي، أخو عمشة يقول: «في الثانية والنصف بعد منتصف الليل هجم (داعش) على ناحية القحطانية، واستمرت مقاومتنا 4 ساعات، في السادسة صباحا. فر غالبية سكان المجمع إلى جبل سنجار، وكل من كان لديهم عربات نقل استطاعوا الهروب في حال لم يحالفهم الحظ ولم تصادفهم عناصر (داعش) التي كانت تتقدم من الغرب من جبل سنجار من الحدود السورية العراقية باتجاه هذه المجمعات، أما كل من لم تكن لديهم حافلات جرى أسرهم، وعمشة كانت ضمن من حاصرهم (داعش) ومنعت فرارهم إلى جبل سنجار».
ويتابع قائلا: «لقد استطاعت أختي الهرب من الرجل الذي اشتراها، وهو من أهالي موصل، وكان ينوي بيعها في سوريا، إلا أنها استطاعت الهرب منهم، فعلت المستحيل لتنقذ ابنها ورغم خوفها استطاعت الهرب وسارت الليل وحيدة في شوارع الموصل وهي تبحث عن أحد ينقذها، إلى أن لجأت إلى إحدى العائلات التي منحتني فرصة اللقاء بها مجددا بعد إنقاذها ومساعدتها في الوصول إلى منطقة (برده رش) بين شيخان أربيل وبمجرد لقائي بها شعرت أنني ولدت من جديد».
من جهته، بكى أبو تركي خال الضحية دنيا، إلا أنه ممتن إلى الله لاستطاعة دنيا الهروب مع أخواتها والعودة إلى عائلتها التي لم يبق منهم ألا أبو تركي.
ويقول: «يكفيني أنني الآن مع بنات أختي، فلم يتبق أحد من أفراد عائلتنا ارتكبت مجازر بحقنا. معاناتنا مستمرة، ليس لدينا كسرة خبز، لكن نشكر الله على عودة دنيا وأخواتنا وأفتخر بدنيا التي لم تيأس». ويتابع أبو تركي قائلا: «لطالما كانت دنيا ذكية، فقد أوهمتهم بأنها متزوجة وأختها رغم أنهم لم يصدقوا وهددوها بأنهم سيجرون فحصا لأختها، إلا أنها أصرت على أنها مستعدة لمرافقة أختها وإجراء فحص اختبار الحمل»، مضيفا: «فقد ماطلت في موضوع زواجها من اليد اليمنى للبغدادي متحججة بأنها لا يمكن أن تقبل الزواج، ولن تتزوج إلا بعد مرور 40 يوما على وفاة أمها، وهكذا جرى بيعها وأخواتها إلى رجل من التنظيم، وجرى حجزهن في منزل، إلا أن الرجل على ما يبدو كان من المقاتلين لا يأتي إلا متأخرا في الليل، ولم يمر أسبوع إلا واستطاعت دنيا الهرب، وطلبت المساعدة من سائق تاكسي أوصلها إلى خارج المدينة، وهناك لجأت هي وأخواتها إلى رجل فقير معدم الحال، إلا أنه لم يمانع في مساعدتهن والتواصل معنا في سبيل تسليمهن إلينا، وبالفعل فقط ليلة أول من أمس جرى تسليمهن لنا في كركوك».
ويذكر أنه في الثالث من أغسطس الماضي بسط تنظيم «داعش» سيطرته على مناطق واسعة في محافظة نينوى ومن ضمنها قضاء سنجار 124 كلم غرب الموصل، والذي تقطنه أغلبية من الإيزيديين، الأمر الذي تسبب بعملية نزوح غير مسبوقة بينهم، فضلا عن قتل وخطف وسبي ما يزيد على 3000 من النساء الإيزيديات. والإيزيديون هم مجموعة دينية يعيش أغلب أفرادها قرب الموصل ومنطقة جبال سنجار في العراق، ويقدر عددهم بنحو 600 ألف نسمة، وتعيش مجموعات أصغر في تركيا وسوريا وإيران وجورجيا وأرمينيا. وبحسب باحثين، تعد الديانة الإيزيدية من الديانات الكردية القديمة، وتتلى جميع نصوصها في مناسباتهم وطقوسهم الدينية باللغة الكردية.



اتهامات بالتجسس ترافق موجة اعتقالات حوثية ضد المدنيين

حوثيون يرفعون صورة زعيمهم خلال مظاهرة في صنعاء لتأييد إيران في حربها مع أميركا وإسرائيل (أ.ب)
حوثيون يرفعون صورة زعيمهم خلال مظاهرة في صنعاء لتأييد إيران في حربها مع أميركا وإسرائيل (أ.ب)
TT

اتهامات بالتجسس ترافق موجة اعتقالات حوثية ضد المدنيين

حوثيون يرفعون صورة زعيمهم خلال مظاهرة في صنعاء لتأييد إيران في حربها مع أميركا وإسرائيل (أ.ب)
حوثيون يرفعون صورة زعيمهم خلال مظاهرة في صنعاء لتأييد إيران في حربها مع أميركا وإسرائيل (أ.ب)

تصاعدت خلال الأيام الأخيرة حملات الملاحقة والاعتقال التي تنفذها الجماعة الحوثية في عدد من المحافظات اليمنية الخاضعة لسيطرتها، مستهدفة المدنيين الرافضين الانخراط في صفوفها، في وقت أصدرت فيه أجهزتها الأمنية بياناً أعلنت فيه ضبط ما وصفتها بـ«خلايا تجسس» مرتبطة بإسرائيل، في خطوة يرى مراقبون أنها تُستخدم لتبرير تشديد الإجراءات الأمنية والتوسع في حملات القمع.

ويأتي هذا التصعيد في ظل خطاب حوثي يربط بين التطورات الداخلية في اليمن والصراع الإقليمي، حيث تؤكد الجماعة أن تحركاتها تأتي في إطار دعم ما تسميه «المحور الإيراني» ونصرة القضايا الإقليمية، في حين يحذر مراقبون من انعكاسات ذلك على الوضع الإنساني والأمني داخل البلاد.

وفي هذا السياق، أعلن ما يسمى جهاز الأمن والمخابرات، التابع للجماعة الحوثية، إلقاء القبض على عدد من الأشخاص الذين قال إنهم عملوا بصورة مباشرة مع أجهزة استخبارات إسرائيلية، بينها «أمان» و«الموساد»، إلى جانب جهات أخرى.

عنصر حوثي في صنعاء يمسك بسلاح رشاش على متن عربة أمنية (إ.ب.أ)

وزعم البيان أن المعتقلين متهمون بتنفيذ أعمال تجسسية، شملت تزويد جهات خارجية بمعلومات عسكرية وأمنية، وإحداثيات لمواقع حساسة، فضلاً عن بيانات تتعلق بمنشآت اقتصادية.

وادّعت الجماعة الحوثية أن هذه العناصر استخدمت برامج «تجسسية» ووسائل اتصال خاصة لتنفيذ مهامها، وأن ضبطها يمثل «إنجازاً أمنياً» تحقق بفضل ما وصفته بتعاون المواطنين. كما دعا البيان السكان إلى مزيد من «اليقظة»، محذراً من مخاطر ما اعتبره «مؤامرات» تستهدف الجماعة.

ويرى محللون أن توقيت هذا البيان ليس معزولاً عن تصاعد حملات الاعتقال، إذ يُستخدم، بحسب تقديراتهم، لتعزيز السردية الأمنية التي تبرر ملاحقة المعارضين أو الرافضين للتجنيد، عبر ربطهم ضمنياً بتهديدات خارجية.

ملاحقات واعتقالات

وفي محافظة حجة، أفادت مصادر محلية بأن الجماعة كثّفت حملات الملاحقة بحقّ شبان رفضوا الاستجابة لدعوات التجنيد، حيث جرى اعتقال عدد منهم من منازلهم، فيما تم توقيف آخرين في نقاط تفتيش. وتحدثت المصادر عن استمرار احتجاز عشرات المدنيين منذ أسابيع، دون معلومات واضحة عن مصيرهم.

كما أشار شهود إلى استخدام قوائم بأسماء مطلوبين، إلى جانب تهديدات بفرض عقوبات على الرافضين، في إطار حملة تقودها جهات إشرافية محلية لتجنيد مزيد من المقاتلين، في ظل استنزاف بشري تشهده الجبهات.

حشد من الحوثيين في صنعاء للتضامن مع إيران (رويترز)

وفي محافظة الحديدة، شهدت مديرية جبل راس حملات مشابهة، طالت شباناً وأولياء أمور، على خلفية رفضهم إرسال أبنائهم إلى القتال. وأفاد سكان باستخدام وسائل ضغط متعددة، بينها التهديد بالعقوبات أو الاحتجاز، لإجبار العائلات على الامتثال.

ويقول مراقبون إن ربط هذه الحملات بملفات أمنية، مثل «التجسس»، يعكس اتجاهاً نحو توسيع دائرة الاشتباه، بما يسمح بملاحقة فئات أوسع من السكان تحت مبررات أمنية.

وفي محافظة إب، اتسعت دائرة الاستهداف لتشمل معلمين وموظفين وشرائح مدنية مختلفة، في عدد من المديريات. وأكدت مصادر محلية أن الحملات ترافقت مع خطاب تعبوي يربط بين التجنيد و«نصرة المحور الإيراني» ومواجهة ما تصفه الجماعة بالتحديات الإقليمية.

في المقابل، أدّت هذه التطورات إلى حالة من القلق داخل المجتمعات المحلية، حيث لجأت بعض الأسر إلى إخفاء أبنائها أو نقلهم إلى مناطق أخرى، خشية الاعتقال أو إجبارهم على القتال.

تداعيات حقوقية وإنسانية

يثير تصاعد حملات الاعتقال المرتبطة بالتجنيد القسري مخاوف حقوقية متزايدة، حيث يؤكد ناشطون أن العديد من المحتجزين يتم توقيفهم دون أوامر قضائية، مع حرمانهم من حقوقهم الأساسية، بما في ذلك التواصل مع أسرهم أو الحصول على تمثيل قانوني.

كما يشير هؤلاء إلى أن استخدام اتهامات مثل «التجسس» قد يفتح الباب أمام انتهاكات أوسع، في ظل غياب الشفافية والإجراءات القانونية الواضحة. ويرون أن هذه الممارسات تتعارض مع القوانين الدولية التي تحظر إجبار المدنيين على المشاركة في النزاعات المسلحة.

الجماعة الحوثية أعلنت الانخراط في الحرب إلى جانب إيران (إ.ب.أ)

ويربط محللون تصاعد هذه الإجراءات بالضغوط التي تواجهها الجماعة لتعزيز قدراتها العسكرية، في وقت تشهد فيه الجبهات تعزيزات مستمرة، ما يدفعها إلى تكثيف عمليات التجنيد، حتى عبر وسائل قسرية.

وفي ظل هذه التطورات، دعت منظمات حقوقية إلى وقف حملات الاعتقال والتجنيد القسري، والإفراج عن المحتجزين، واحترام المعايير الدولية، محذرة من أن استمرار هذه السياسات قد يؤدي إلى تفاقم الأزمة الإنسانية، ويقوض فرص التوصل إلى تسوية سياسية في اليمن.


محاولة اغتيال رئيس الصومال... رسالة تصعيد وسط أزمة سياسية

الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود خلال زيارة ميدانية إلى مدينة بيدوا العاصمة المؤقتة لولاية جنوب الغرب (وكالة الأنباء الصومالية)
الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود خلال زيارة ميدانية إلى مدينة بيدوا العاصمة المؤقتة لولاية جنوب الغرب (وكالة الأنباء الصومالية)
TT

محاولة اغتيال رئيس الصومال... رسالة تصعيد وسط أزمة سياسية

الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود خلال زيارة ميدانية إلى مدينة بيدوا العاصمة المؤقتة لولاية جنوب الغرب (وكالة الأنباء الصومالية)
الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود خلال زيارة ميدانية إلى مدينة بيدوا العاصمة المؤقتة لولاية جنوب الغرب (وكالة الأنباء الصومالية)

نجا الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود من استهداف قُبيل بدء زيارته لمدينة بيدوا عاصمة ولاية جنوب غرب (جنوب البلاد)، في أعقاب تغييرات رسمية جذرية أطاحت برئيس الولاية.

ذلك الاستهداف هو الثاني الذي تدبره «حركة الشباب» الإرهابية ضد رئيس الصومال وينجو منه، خلال نحو عام... ويرى خبير في الشأن الأفريقي، تحدث لـ«الشرق الأوسط»، أنه يحمل «رسالة مزدوجة من الحركة، بأن لديها قدرة عملياتية وبإمكانها أن تستغل الظرف السياسي المتوتر»، متوقعاً أن تفرض الحكومة إجراءات أشد ضد الحركة، وتُحكم قبضتها السياسية والأمنية مؤقتاً في ضوء هذا الاستهداف.

وأفادت «وكالة بلومبرغ»، السبت، بأن حسن شيخ محمود نجا دون أن يُصاب بأذى، بعد تعرضه ومرافقيه لوابل من قذائف الهاون في مدينة بيدوا جنوب البلاد، مساء الجمعة، بعد وقت قصير من نزول الرئيس من طائرته، وبدئه في تحية وحدات من الجيش والشرطة ومسؤولين حكوميين.

الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود (وكالة الأنباء الصومالية)

وأطلقت قذائف الهاون على المطار مباشرة بعد هبوط الطائرة الرئاسية أو أثناء وجود الموكب في المنطقة.

وأظهرت مقاطع فيديو متداولة على الإنترنت، عناصر الحماية الخاصة بالرئيس الصومالي وهم يطوقونه بسرعة قبل إدخاله إلى مركبة مصفحة ضد الرصاص، كما تم الإبلاغ عن وقوع انفجارات بالقرب من المطار في ذلك الوقت.

وكان الرئيس حسن شيخ محمود في زيارة رسمية إلى المدينة، لتفقد العمليات الأمنية ولقاء قادة محليين، وأعلنت مصادر حكومية، أن الهجوم «فشل في تحقيق هدفه، وأن الرئيس واصل برنامجه دون انقطاع». فيما أعلنت «حركة الشباب» المسلحة المرتبطة بتنظيم «القاعدة» مسؤوليتها قائلة إنها استهدفت مطار بيدوا بقذائف هاون موجهة نحو الرئيس والوفد المرافق له، وفق إعلام صومالي محلي.

وهذه ثاني محاولة لاغتيال الرئيس الصومالي من «حركة الشباب» الإرهابية، وذلك بعد محاولة فاشلة أولى في مارس (آذار) 2025 بمقديشو باستخدام عبوة ناسفة، أسفرت عن قتلى وجرحى بين المدنيين والأمنيين.

الجيش الصومالي أثناء تنفيذ عملية عسكرية سابقة (وكالة الأنباء الصومالية)

ويرى المحلل في الشأن الأفريقي والصومالي، عبد الولي جامع بري، أن استهداف موكب حسن شيخ محمود بقذائف هاون «حدث مهم سياسياً وأمنياً؛ لأنه وقع لحظة وصوله إلى المطار خلال زيارة حساسة مرتبطة بترتيبات سياسية في إقليم جنوب غرب».

وأكد أن الحادث يحمل عدة رسائل؛ لأن «(حركة الشباب) هدفت للتأكيد على أن لديها قدرة عملياتية وتستطيع ضرب أهداف عالية المستوى حتى أثناء زيارات رسمية، كما أنها رسالة تحدٍّ للدولة ومحاولة إظهار أنها لا تستطيع السيطرة الأمنية بالكامل، لا سيما خارج العاصمة، ورسالة نفسية للرأي العام لإضعاف ثقة المواطنين».

ولم تؤكد «وكالة الأنباء الصومالية» هذه الأنباء، غير أنها أفادت، السبت، بأن زيارة الرئيس الصومالي المهمة لبيدوا «تأتي في إطار ترسيخ دعائم الدولة، واضعاً ملفات المصالحة الوطنية والتحول الديمقراطي على رأس أولويات الأجندة الرئاسية».

قوات من الجيش الصومالي تنتشر في مدينة بلدوين عقب هجوم سابق من «حركة الشباب» (أ.ب)

وجاءت الزيارة بعد أيام قليلة من إعلان الحكومة الفيدرالية «السيطرة الكاملة على مدينة بيدوا، وهي العاصمة المؤقتة لولاية (جنوب غرب)، ووصول قوات مسلحة للعاصمة استجابة لإرادة السكان»، وتعيين رئيس جديد للولاية خلفاً للمقال عبد العزيز لفتاغرين.

ويشير بري إلى أن الهجوم بقذائف الهاون غالباً «ليس عملية اغتيال دقيقة بقدر ما هو عملية استعراض قدرة وإرباك سياسي وإعلامي»، لافتاً إلى «أن التوقيت هنا أهم من الهجوم نفسه، حيث تأتي زيارة الرئيس إلى بيدوا في سياق تغييرات سياسية في إدارة جنوب غرب، وخلافات مع الحكومة وترتيبات انتقالية وإعادة ترتيب النفوذ الأمني في المدينة».

وأضاف: «الهجوم يحمل رسالة مزدوجة ضد الحكومة الفيدرالية، والترتيبات السياسية الجديدة في الإقليم».

ويعتقد بري أنه من المتوقع أن تتعزز شرعية العمليات العسكرية ضد «حركة الشباب» وترتفع لغة التعبئة الوطنية، لافتاً إلى أن الهجوم جاء في لحظة حساسة بعد تغييرات في قيادة الإقليم، «لذلك قد تستخدمه المعارضة للقول إن الوضع الأمني والسياسي غير مستقر نتيجة القرارات الأخيرة، مما قد يتحول إلى ورقة سياسية داخلية».


الحكومة اليمنية تطلق برنامجاً شاملاً لخطة تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية

وزير المالية اليمني مروان بن غانم خلال لقاء عُقد مؤخراً مع مسؤولي «البنك الدولي» في عدن (سبأ)
وزير المالية اليمني مروان بن غانم خلال لقاء عُقد مؤخراً مع مسؤولي «البنك الدولي» في عدن (سبأ)
TT

الحكومة اليمنية تطلق برنامجاً شاملاً لخطة تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية

وزير المالية اليمني مروان بن غانم خلال لقاء عُقد مؤخراً مع مسؤولي «البنك الدولي» في عدن (سبأ)
وزير المالية اليمني مروان بن غانم خلال لقاء عُقد مؤخراً مع مسؤولي «البنك الدولي» في عدن (سبأ)

أعلنت وزارة المالية اليمنية إطلاق برنامج تصحيح مالي وهيكلي شامل؛ لاستئناف تنفيذ خطة أولويات الإصلاحات الاقتصادية التي تقودها الحكومة؛ بهدف ضبط الوضع الاقتصادي بشكل مستدام.

وزير المالية اليمني مروان بن غانم خلال لقاء عُقد مؤخراً مع مسؤولي «البنك الدولي» في عدن (سبأ)

ومن المنتظر أن «يؤسس البرنامج لإدارة متكاملة تربط بين استعادة الموارد العامة وحوكمتها، وإلغاء الرسوم والجبايات غير القانونية، إلى جانب إخضاع مختلف الأوعية الإيرادية والكيانات الاقتصادية لرقابة الدولة، بما يعزز كفاءة الإدارة المالية، ويحد من الهدر والتشوهات الاقتصادية».

وتأتي هذه الخطوة في أعقاب إقرار «المجلس التنفيذي» لـ«صندوق النقد الدولي» نتائج مشاورات «المادة الرابعة» لعام 2025، عقب انقطاع لأكثر من 11 عاماً، التي تُعدّ نافذة محورية لإعادة دمج الاقتصاد اليمني في المنظومة المالية الدولية.

وأشاد «صندوق النقد الدولي» بـ«الجهود التي بذلتها الحكومة اليمنية، والتي أسهمت في استقرار الاقتصاد وبدء التعافي التدريجي من الركود العميق الذي أعقب توقف صادرات النفط في عام 2022، مع تباطؤ وتيرة الانكماش وتراجع الضغوط المالية والخارجية».

وأشارت وزارة المالية، في بيان، إلى أن هذا التوجه «يمثل استجابة عاجلة لمعالجة الاختلالات الهيكلية في الاقتصاد الوطني الناجمة عن الحرب التي فرضتها ميليشيا الحوثي، والتي تسببت في صدمات مالية حادة، أبرزها تعطل مصادر النقد الأجنبي، وتوقف صادرات النفط الخام التي تمثل 65 في المائة من موارد الموازنة العامة للدولة».

كما أدت الحرب إلى «انقطاع تدفق الموارد المركزية إلى الخزانة العامة؛ مما قلّص الحيز المالي للدولة، وحدّ من قدرتها على التدخل الاقتصادي، وزاد من انكشاف الاقتصاد أمام الصدمات الداخلية والخارجية»، وفقاً للوزارة.

أعلنت وزارة المالية إطلاق برنامج تصحيح مالي شامل لاستئناف خطة أولويات الإصلاحات الاقتصادية (سبأ)

وشددت «المالية» اليمنية على أنها تقود «جهوداً حثيثة لإعادة ضبط المسار المالي والاقتصادي، والانتقال من مرحلة التشخيص إلى التنفيذ المؤسسي الفعلي، متصدرة الجهود لاستئناف الإجراءات العملية بموجب القرار رقم (11) لسنة 2025 الصادر عن مجلس القيادة الرئاسي بشأن خطة أولويات الإصلاحات الاقتصادية الشاملة».

وتوقعت أن تسهم هذه الخطوة في تعزيز الشفافية وترسيخ المصداقية الائتمانية للحكومة لدى المانحين والمستثمرين، بما يهيئ بيئة جاذبة للدعم الخارجي والتدفقات الاستثمارية.

وعلى الصعيد المحلي، رجّحت الوزارة أن تسهم الإجراءات في تحسين بيئة الثقة ورفع جودة السياسات الاقتصادية وتهيئة الظروف لاستقطاب الدعم والاستثمارات.

وفي السياق ذاته، أكدت أن نجاح هذه الجهود يتطلب «تفعيل الأدوات الرقابية، وفي مقدمتها الجهاز المركزي للرقابة والمحاسبة، والهيئة الوطنية العليا لمكافحة الفساد، والسلطة القضائية ممثلة في نيابة الأموال العامة، إلى جانب مختلف الجهات ذات العلاقة».

كما شددت على أهمية إعادة تفعيل «اللجنة العليا للمناقصات والمزايدات الحكومية»، بما «يعزز الرقابة على المال العام، ويضمن استكمال الدورة المستندية وفق الأطر القانونية، ويسهم في رفع كفاءة الإنفاق العام وضبط صرف المرتبات، ودعم مسارات التعافي الاقتصادي والتنمية المستدامة».

وأكدت وزارة المالية أن المرحلة المقبلة تتطلب ترجمة هذه التوجهات إلى ممارسات مؤسسية مستدامة، بوصفها المدخل الأساسي لإخراج الاقتصاد الوطني من أزمته الراهنة وتحقيق الاستقرار المالي والاقتصادي المنشود.

Your Premium trial has ended