الأزياء المحتشمة... صامدة وتعكس تحولات اجتماعية مهمة

بعضها مستلهم من العصر الفيكتوري وبعضها من تنامي الاهتمام بمنطقة الشرق الأوسط

أزياء من تصميم «فالنتينو»....... من عرض «شانيل»
أزياء من تصميم «فالنتينو»....... من عرض «شانيل»
TT

الأزياء المحتشمة... صامدة وتعكس تحولات اجتماعية مهمة

أزياء من تصميم «فالنتينو»....... من عرض «شانيل»
أزياء من تصميم «فالنتينو»....... من عرض «شانيل»

ضمن التغيرات والتحولات التي تشهدها الموضة في السنوات الأخيرة، نلاحظ بروز مدرستين؛ الأولى تعتمد على الإثارة وتقودها بيوت مثل «فيرساتشي» وبعض المصممين العرب، وتحددها الياقات المفتوحة لتكشف الصدر أو الفتحات الجانبية العالية التي تصل أحياناً إلى الخصر، والثانية ترفع شعار الحشمة وتقودها بيوت مثل «فالنتينو»، و«شانيل»، و«ديور» وغيرها. لكل منهما زبونات. الدليل أن الفستان المثير، بفتحاته وكشفه كثيراً من المفاتن، الذي ظهرت به النجمة جينفر لوبيز في نهاية عرض دار «فيرساتشي» مؤخراً، حقق الملايين من المشاهدات، وانهالت الطلبات عليه حتى قبل أن يُطرح في المحلات. لكن بالنسبة للفريق الثاني، فإن الأمر لا يعدو كونه «ضربة حظ» وعملية تسويقية ناجحة. فعندما يتعلق الأمر بالشراء وأرقام المبيعات، فإن المرأة مستعدة لدفع مبالغ عالية لقاء أزياء برقبة عالية وأكمام مبتكرة وأطوال تتراوح بين «الميدي» و«الماكسي». حتى في مناسبات السجاد الأحمر، انخفض عدد النجمات اللاتي يملن إلى لفت الأنظار بالإثارة، بعد أن أصبحت الفساتين «المحتشمة» هي الورقة الرابحة. تشرح شارون غروبارد، التي تعمل في شركة «مينتمودا»، المعنية بتوقع أهم صيحات الموضة ومقرها نيويورك، أن بعض هذه الملابس بدأت ربما فقط لخض التابوهات في منطقة بروكلين، لكن بمرور الوقت أصبح لها طابع جمالي خاص واكتسبت صبغة ثقافية. وتضيف أنها لم تعد ترتبط بالالتزام الديني، بالنظر إلى أن أغلب النساء إقبالاً عليها ليبراليات وغير الملتزمات بفكر ديني محدد. في الولايات المتحدة الأميركية هناك ما لا يقل عن 8 آلاف عملية بحث في غوغل شهرياً عن هذه الملابس، وتشير الإحصائيات إلى أن الدين ليس هو الدافع الوحيد. فقد تكون هذه الموضة وُلدت وأنعشت لتناسب منطقة الشرق الأوسط، وربما تكون زبونات هذه المنطقة هن المُحرك الأول لها، إلا أن الطلب يتزايد في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة عليها أيضاً.
بدأت هذه الظاهرة منذ أكثر من عقد من الزمن، إلا أنها انتشرت مثل النار في الهشيم مع مصممين لهم شعبية كبيرة، مثل فيبي فيلو عندما كانت في دار «سيلين»، و«إرديم» وسيمون روشا ممن استلهموا تصميمات من العهد الفيكتوري، بل وحتى من اشتهروا بثقافة الشارع مثل ماركة «فيتمون» كان لهم دور في الترويج لهذه الموضة من خلال تصميمات واسعة جداً. وتؤكد خبيرات الموضة أن ما يغطي الجسم من الرأس إلى الكاحل أصبح التيار الرئيسي للعقد الثاني من القرن الحادي والعشرين. وفي حين يفسر البعض هذه الموجة التي تزداد قوة موسماً بعد موسم، إلى تزايد الاهتمام بمنطقة الشرق الأوسط والشرق الأقصى، لا سيما اليابان التي تُعرف أيضاً بتحفظها الاجتماعي، يفسرها البعض الآخر بأنها تمرد أو مضاد لثقافة تلفزيون الواقع، وما سببه من تُخمة فيما يتعلق بكشف لحظات خاصة أمام الجميع. أما ريبيكا أرنولد، المؤرخة والمحاضرة بمجال تاريخ الموضة في معهد كورتولد للفنون في لندن، فلها رأي آخر في هذا الشأن، مشيرة إلى أن الأمر يعود إلى «رغبة الشخصيات التي تتبناه في أن يُنظر إليهن كمُثقفات لا يحتجن لاستعمال أجسامهن للوصول إلى أهدافهن». وتشرح أن التصاميم التي تُخفي تضاريس الجسد ربما تأتي أيضاً كردة فعل للمفاهيم الذكورية للأنوثة قائلة: «في إطار البيئات الاجتماعية الذكورية، ربما يتحول أي شيء يعبر عن رفض القيم والقوالب النمطية التي أنتجها الرجال، إلى بيان سياسي غير منطوق».
وتظل هناك احتمالية واردة ومنطقية مع تزامنها مع الحركة النسوية التي انطلقت مؤخراً، وكانت من ضمنها حملة «#مي تو» ضد التحرش ومطالبة نجمات هوليوود بالمساواة في الأجور مع زملائهن من النجوم، وغيرها. فالأزياء المحتشمة في هذه الحالة تكون بمثابة دروع تحتمي بها المرأة وتمنحها القوة، فضلاً عن أنها فرصة لفرض أسلوبها على المصممين، ونبذ الأفكار التقليدية عن الأناقة والأنوثة كما رسخها الرجل قديماً. وسواء كانت هذه أو تلك هي الأسباب التي ساعدت في انتشار هذه الموضة وصمودها لسنوات، فإن النتيجة واحدة؛ وهي أن المصممين من الولايات المتحدة الأميركية إلى كل العواصم الأوروبية والقارات الأخرى، تبنوها. وجدوا فيها متنفساً لطاقاتهم الإبداعية، وفي الوقت ذاته اكتشفوا أنها مُجدية تجارياً. فعدد النساء اللاتي انخرطن في هذه المدرسة أكبر من عدد النساء اللاتي يُقبلن على مدرسة الإثارة لا سيما من جيل الشابات، الراغبات في التميز، أو اللاتي تراعين البيئة والثقافة الاجتماعية التي يعشن فيها، وأحياناً للتمويه عن عيوب في الجسم، بالنظر إلى أن الكثيرات لا يتمتعن بتضاريس جينفر لوبيز ومثيلاتها ممن يقضين ساعات طويلة في النوادي الرياضية. لكن من الخطأ القول إن هذه التصاميم مجرد قطع للتمويه أو الاستسهال، بل العكس، أكدت أنها تتيح فرصة أكبر للتفنن فيها، من خلال دمج عدة قطع أو ألوان مع بعض، لم يتوقف المصممون على تطويرها وتجديد تفاصيلها. هذا العام برزت التجديدات في الأكمام المنفوخة والياقات المبتكرة وتنورات البليسيه أو المزينة بكشاكش ونقشات ورود أو مربعات هندسية وغيرها.
أربانا راياماجيهي، وهي مصممة المجوهرات، تُرحب بهذا الاتجاه قائلة: «ارتداء هذا النمط من الأزياء الفضفاضة بالنسبة لي بمثابة إعلان تمرد، لأني أشعر فيها أنني مفعمة بالحيوية والجاذبية دون الحاجة لكشف أجزاء حساسة من جسدي».
بيد أننا لا يمكننا تجاهل دور بيوت أزياء لها وزنها مثل «شانيل» و«فالنتينو» وغيرهما ممن تطرح تصاميم في غاية الأناقة والجمال. «فالنتينو» مثلاً تقدم منذ سنوات فساتين طويلة بكشاكش، وأكمام مستديرة كأنها «بالونات» في بعض الأحيان وياقات عالية في صور تشد الأنفاس بحرفيتها الإيطالية واحترامها المرأة. دار «شانيل» هي الأخرى تبنت هذه الموجة بطريقتها الباريسية، من خلال تنورات مستقيمة تصل إلى الكاحل أو جاكيتات مفصلة لا تشد الجسم، فضلاً عن كم هائل من القمصان والكنزات ومعاطف التويد المريحة. حتى مصممي بلجيكا والدانمارك وألمانيا عانقوها بالأحضان، من دريز فان نوتن، إلى ماركة «غاني» الدنماركية و«جيل ساندر»، إلى حد يُشعرك أن هناك منافسة بينهم على من يطرح الحجم الأكبر والأطول من دون التأثير على توازن الإطلالة. حتى «غوتشي» التي كانت في التسعينات واحدة من أهم مدارس الإثارة في العالم، خلال عهد توم فورد فيها، غيّر مصممها الحالي أليساندرو ميشال اتجاهها تماماً. تبنى أسلوب «الماكسيماليزم» الذي يرفع شعار أن الكثير قليل. شعار جسده ليس في التطريزات الغنية والنقشات المتضاربة والألوان الصاخبة فحسب، بل أيضاً في أسلوب الطبقات المتعددة.
ولا يمكننا أن نغفل هنا تأثير نجمات لهن تأثير بمجال الموضة مثل غوينيث بالترو وأنجيلينا جولي وكايت بلانشيت، بل وحتى شخصيات من الطبقات المالكة من مثيلات كايت ميدلتون وميغان ماركل، وليتزيا؛ ملكة إسبانيا، وماري، أميرة الدانمارك وغيرهن.



أناقة العمل بعد الأربعين: كيف تتخلصين من حيرة كل صباح؟

أناقة العمل بعد الأربعين: كيف تتخلصين من حيرة كل صباح؟
TT

أناقة العمل بعد الأربعين: كيف تتخلصين من حيرة كل صباح؟

أناقة العمل بعد الأربعين: كيف تتخلصين من حيرة كل صباح؟

في ظل إيقاع الحياة المتسارع، وتبدّل الفصول، تجد كثيرٌ من النساء أنفسهنّ أمام سؤال يتكرر كل صباح: ماذا أرتدي اليوم؟ وتزيد الحيرة في ظل ضغوطات العمل وما يحتاجه من أزياء، وإكسسوارات تُوازن العملي بالأنيق. ورغم أن هذه الأسئلة تبدو بسيطة، فإنها تختصر حالة من الحيرة تتكرر كل يوم، وتزيد تعقيداً في المواسم الانتقالية. أي حين يتقلب الطقس بين برودة الشتاء واعتدال الربيع.

تحتاج المرأة بعد الأربعين للتعبير عن ثقتها ونجاحها من خلال أزياء متوازنة (هوكرتي)

كل هذا يجعل الحاجة إلى خزانة تجمع بين الأناقة والراحة من دون عناء أمراً مهماً في الحياة المعاصرة. وربما تكون المرأة الأربعينية أكثر ما يحتاج إلى هذه الخزانة. فبعد الأربعين تتغير متطلباتها كما تتغيَر نظرة الناس إليها، وبالتالي تحتاج إلى مظهرٍ متوازنٍ يجمع بين النضج والأناقة المعاصرة، وفي الوقت نفسه يعكس الثقة التي اكتسبتها، وتريد التعبير عنها من خلال إطلالاتها.

الخبراء حلّوا هذه الحيرة ولخصوها لها في قطع أساسية يمكنها تنسيقها مع بعض بسهولة. في هذا السياق، تشير خبيرة تنسيق الأزياء جيما روز بريجر إلى أن التحضير المسبق هو الخطوة الأولى لصباحٍ هادئٍ ومنظم، موضحةً أن ترك الأمور للحظات الأخيرة غالباً ما يخلق توتراً، وتأخيراً.

بعد الأربعين تحتاج المرأة إلى خلق توازن بين الأناقة المعاصرة والراحة (هوكرتي-زارا-ماسيمو دوتي)

وتنصح بريجر بتخصيص وقتٍ لتنظيم خزانة الملابس، إذ إن الاكتظاظ يُعيق رؤية الخيارات المتاحة. وتشير إلى أن القاعدة الأساسية بسيطة: الاحتفاظ فقط بما يُستخدم فعلاً، وما يمنح شعوراً بالثقة. كما تنصح بتقسيم الملابس إلى فئات واضحة، فساتين، سراويل، تنانير، وقطع محبوكة، ما يسهّل عملية الاختيار اليومي.

أما التخطيط المسبق للإطلالات، سواء لليوم التالي أو لأسبوعٍ كاملٍ، فيُعدّ، بحسبها، وسيلةً فعالةً للتخفيف من حيرة كل صباح، وذلك بتنسيق القطع مع الإكسسوارات، والأحذية، والحقائب مسبقاً، بما يتيح ارتداءها سريعاً عند ضيق الوقت.

تنسيق الألوان الداكنة مع ألوان صارخة في الإكسسوارات من النصائح التي أدلى بها الخبراء (فيرساتشي_نوماساي- ماسيمو دوتي)

التنسيق اللوني أيضاً يعد حلاً عملياً آخر يمنح الإطلالة تماسكاً وأناقةً؛ فاختيار درجات متقاربة من لونٍ واحد، كالبني والبيج والجملي، يخلق مظهراً متناغماً أقرب إلى الفخامة. أما في الحالات الطارئة، فالإطلالة السوداء تظل خياراً آمناً وسريعاً، يمكن إضافة بعض الحيوية على اللون بإكسسوارات ملونة، أو أحمر شفاه جريء.

راحة وأناقة... لمختلف البيئات والميزانيات

عند اختيار إطلالات العمل، لا تقل الراحة أهميةً عن المظهر. فالملابس الضيقة أو الأحذية غير المريحة لا مكان لها في يوم عمل طويل. لذلك تبرز السراويل الواسعة والأحذية ذات الكعب المتوسط كخياراتٍ عمليةٍ تجمع بين الأناقة والراحة.

كما أن تنوّع بيئات العمل بين مكاتب رسمية وأخرى مرنة يفرض تنوعاً في الخيارات، يجب أن يُناسب مختلف الأذواق. ويشمل ذلك أيضاً اختلاف الميزانيات؛ فبعض النساء يفضلن التسوق بأسلوبٍ اقتصاديٍ ذكي، فيما تميل أخريات إلى الاستثمار في قطعٍ عالية الجودة تدوم طويلاً.

خزانة مصغّرة... فكرة رائجة لتنظيم الخيارات

أسلوب الطبقات مناسب لكل الأعمار (مانغو)

ومن بين الأفكار التي لاقت رواجاً واسعاً أخيراً، تبرز قاعدة 3-3-3 لخزانة عمل مصغّرة يُمكن ارتداؤها على مدى ثلاثة أشهر. وتهدف هذه القاعدة إلى تبسيط القرارات اليومية، وتعزيز الاستدامة، وتشجيع اعتماد أسلوبٍ أكثر وعياً في اختيار الملابس.

وقد انتشرت هذه الفكرة على منصات التواصل الاجتماعي، حيث وجدت صدىً لدى كثيرٍ من النساء الباحثات عن حلولٍ عمليةٍ تُخفف عبء الاختيار اليومي.

التصاميم الكلاسيكية أصبحت عصرية تناسب كل الأعمار (هوكرتي)

في نهاية المطاف، تبقى الأناقة الحقيقية في البساطة، والقدرة على اختيار ما يعكس الشخصية دون تكلّف. فسواء كانت بيئة العمل رسميةً أو مرنةً، يمكن لكل امرأة أن تبني خزانةً ذكيةً تمنحها إطلالاتٍ متجددةً، وتبدأ يومها بثقةٍ وهدوءٍ، وهو ما يُعد، في حد ذاته، استثماراً يومياً في الراحة النفسية قبل المظهر الخارجي.


نقشات جلود الحيوانات... موضة تتراقص على خيط رفيع بين الأناقة والابتذال

حملات كثيرة من بينها حملة «هارفي نيكولز» احتفلت بهذه الموضة بطرق مبتكرة (هارفي نيكولز)
حملات كثيرة من بينها حملة «هارفي نيكولز» احتفلت بهذه الموضة بطرق مبتكرة (هارفي نيكولز)
TT

نقشات جلود الحيوانات... موضة تتراقص على خيط رفيع بين الأناقة والابتذال

حملات كثيرة من بينها حملة «هارفي نيكولز» احتفلت بهذه الموضة بطرق مبتكرة (هارفي نيكولز)
حملات كثيرة من بينها حملة «هارفي نيكولز» احتفلت بهذه الموضة بطرق مبتكرة (هارفي نيكولز)

شوارع الموضة والمحال في كل أنحاء العالم تصرخ هذه الأيام بأن طبول الغابة تدق عالياً. فطبعات الفهد والنمر وخطوط الحمار الوحشي وجلود الثعابين، تتصدر المشهد. نقوش قوية وجريئة، لافتة ومثيرة، لكنها في الوقت ذاته امتحان دقيق للذوق العام، فبين الأناقة والابتذال خيط رفيع، وبيدك أنت أن تخلقي المعادلة الصعبة بين إثارتها ورسالتها، من خلال طريقة تنسيقك، ونوعية الأقمشة التي تختارينها بما يتناغم مع أسلوبك الشخصي.

كل المحال تقريباً توفر تصاميم متنوعة من هذه النقشات يمكن تنسيقها حسب أسلوبك بسهولة (موقعا «مانغو» و«زارا»)

المهم أن تنتبهي؛ فطريقة تنسيقها سيف ذو حدين. فبينما تضفي هذه النقشات طاقة وقوة، هناك أيضاً اعتقاد قديم بأنها تنقل شيئاً من خصائص الحيوان الذي تُمثِّله إلى من ترتديها. وربما هنا تكمن جاذبيتها التي تلمس شيئاً بدائياً بداخلنا.

تطورها الفني والجمالي

رغم إجماع الأغلبية على أن هذه النقشات واحدة من أهم توجهات الموضة لهذا الموسم، فإنها لم تغب عن الرادار منذ أكثر من قرن، بل إن جذورها بالنسبة للبعض، ومنهم الكاتبة جو ويلدون، مؤلفة كتاب بعنوان Fierce: The History of Leopard Print تمتد إلى العصر الفرعوني؛ حيث تستشهد الكاتبة برسمة على جدران المعابد لـ«سشات»، إلهة الحكمة والمعرفة والكتابة في مصر القديمة، وهي ترتدي ثوباً بنقوش النمر في دلالة مبكرة على ارتباط القوة بالأنوثة.

وفي القرن الثامن عشر ظهرت في ملابس الطبقات الأرستقراطية رمزاً للفخامة، وأيضاً السلطة، قبل أن تنتعش أكثر في عشرينات القرن الماضي. أما حضورها الرسمي على منصات عروض الأزياء فجاء في عام 1947 في مجموعة المصمم كريستيان ديور لربيع وصيف ذلك العام. كان من خلال فستان سهرة وحيد إلا أنه كان مفعماً بالأنوثة والترف. فالطريف أن السيد ديور كان يرى أن نقشة النمر تتمتع بجاذبية حسية لا تقاوم، وبالتالي لا يناسب امرأة تتسم بالهدوء والنعومة، حسب ما كتبه في «القاموس الصغير للموضة» الذي أصدره عام 1954.

من اقتراحات دار «سيلين» لخريف 2025 (سيلين)

بيد أنها وقبل أن تدخل عالم الموضة وعروض الأزياء الباريسية والإيطالية في منتصف القرن الماضي، حملت في طياتها كثيراً من الرموز في ثقافات بعيدة. في أفريقيا مثلاً، ارتبط جلد الفهد بالقوة والسلطة، وفي آسيا، كان الحمار الوحشي رمزاً للتفرد، أما في الموضة، فإن لكل نقشة حيوان تأثيرها، فخطوط الحمار الوحشي مثلاً أقل قوة وأسهل من ناحية تنسيقها من نقشات النمر أو الفهد، ربما لأنها غالباً بالأبيض والأسود.

الثمانينات... زمن الماكسيماليزم

الثمانينات كانت بلا شك العصر الذهبي لهذه النقشات. في هذه الحقبة وجدت مساحتها وفرصتها للتوسع مع تبني الموضة حينها شعار «الكثير قليل»، التي احتفت بكل ما هو صارخ وجريء. عشقها مصممون كبار مثل روبرتو كافالي، والثنائي دولتشي آند غابانا وجياني فيرساتشي وغيرهم، ممن قدموها بلمسات حسية وإثارة أنثوية. وكانت تلك الفترة ترجمة حرفية للجمال الوحشي بمعناه الإيجابي؛ حيث تلتقي الثقة بالإثارة في توازن دقيق. فتحت المجال للمرأة أيضاً أن تتعامل معها حسب ذوقها الخاص، وما تريد أن تعبر عنه من خلال إطلالاتها.

من عرض «فندي» لخريف وشتاء 2025 (فندي)

وكون ثقافة الموضة تقوم على مفهوم التغيير، جعل أسهم هذه النقشات تنخفض تارة وترتفع تارة أخرى. لكنها لم تختفِ تماماً في أي حقبة تلت الثمانينات، فحتى الآن لا تزال لصيقة بدار «روبرتو كافالي»، وتدخل في جيناتها مثلاً.

كانت دائماً تنتظر في الظل مَن يبث فيها الحياة من جديد لتعود أكثر قوة وجمالاً. في عروض الأزياء الأخيرة، ظهر هذا التوجه أكثر إثارة من الناحية البصرية، ولا سيما بعد أن نجح المصممون في تخليصها من أي إيحاءات سلبية يمكن أن ترتبط بها. استعملوها في الجلود كما في أقمشة خفيفة وناعمة مثل الموسلين والمخمل والحرير. كان طبيعياً أن تباركها نجمات وشخصيات لهن تأثير، اعتمدنها في حياتهن اليومية ومناسباتهن الخاصة، وفي كل إطلالة يقدمن لنا صورة معاصرة مفعمة بالجاذبية.

دار «سالفاتوري فيراغامو» خففت من صراخ هذه النقشات في أقمشة منسدلة في عرضها لخريف وشتاء 2025 (سالفاتوري فيراغامو)

ومع تصاعد الوعي البيئي وارتفاع أصوات المعارضين لاستخدام الجلود الطبيعية، اتجهت دور الأزياء العالمية نحو البدائل الصناعية وأبدعت في تصميمها، حتى باتت تتمتع بجاذبية لا تُقاوَم بسهولة. فهي اليوم تمثل موضةً وموقفاً أخلاقياً في آنٍ واحد، ما يؤكد أن المشكلة لا تكمن فيها بحد ذاتها، بل في ذلك الخيط الرفيع الذي يفصلها عن الابتذال، والذي يظهر جلياً في الأسواق الشعبية التي تطرحها بخامات رديئة وتصاميم متدنية لا تخدم الذوق العام بقدر ما تُؤذي العين.

كيف تحققين التناغم؟

من هذا المنظور، يبقى أهم عنصر يجب الانتباه له عند اختيارها، جودة خامتها قبل التصميم، فالقماش الرديء يعكس مظهراً رخيصاً، والعكس صحيح. بعد ذلك تأتي عملية التنسيق الذكي مع الألوان؛ إما لتُهدئها وتخفف من صراخها، وإما لتبث فيها الحياة، سواء جاءت في معطف أو حذاء أو حقيبة اليد، أو حتى فستان سهرة. يفضل دائماً تنسيقها مع ألوان حيادية وداكنة، وإن كان العديد من الخبراء يقولون إنها تتناغم أيضاً مع الأزرق والأحمر، لكن على شرط أن تكون بجرعات خفيفة.

أكسسوارات بهذه النقشات يمكن أن تكون الحل بالنسبة للمرأة المترددة من هذه الموضة (موقع «زارا»)

أما إذا كنت ما زلت مترددة وتخافين من قوتها، فإن الأكسسوارات قد تكون طريقك لمواكبة هذه الموضة من دون أن تغرقي فيها، وذلك بالاكتفاء بحزام أو إيشارب أو حذاء أو حقيبة يد.


جُرعة الجرأة تزيد في صيحات المجوهرات

أقراط لافتة في عرض «ميو ميو» (أ.ف.ب)
أقراط لافتة في عرض «ميو ميو» (أ.ف.ب)
TT

جُرعة الجرأة تزيد في صيحات المجوهرات

أقراط لافتة في عرض «ميو ميو» (أ.ف.ب)
أقراط لافتة في عرض «ميو ميو» (أ.ف.ب)

في عالم الأناقة، ظلّت الإكسسوارات والمجوهرات تلعب دوراً أشبه بالكومبارس في مسرح الأزياء. لكن في عروض الأزياء الأخير، يبدو أنها اقتنصت لنفسها دوراً أكبر. لم تعد مجرد تفصيلة نهائية تضاف إلى الإطلالة، بل عنصر أساسي قادر على تغييرها بالكامل، سواء كانت من خلال قلادة أو أقراط أو أساور. المثير فيها أنها ازدادت جرأة ووضوحاً بفضل أحجامها الكبيرة وألوانها الزاهية. حتى إن بعضها بات يلامس الأكتاف أحياناً. فضل كبير في هذا التصدر يعود إلى دار «سكياباريلي» التي تواصل إتحافنا بأشكال مبتكرة منها، ليلتقط خيطها باقي المصممين من «برادا» و«ميوميو» إلى «فالنتينو» و«إيترو» وغيرهم.

ماكياج شاحب وشعر أبيض مع أقراط نابضة وغير متناظرة (أ.ف.ب)

وما يزيد من جاذبيتها أنها لم تعد حكراً على السهرات والمناسبات المسائية، فارتداؤها مع فستان بسيط، أو كنزة بياقة عالية أو مع قميص أبيض من القطن في النهار لا يجعلها تبدو نشازاً أو خارج إطار الأناقة المتعارف عليه. الشرط الوحيد أن تتم عملية التنسيق بقدر من الحذر، بحيث يُستغنى عن أي من التفاصيل الأخرى كالقلادة أو التطريزات المبالغ فيها، لتبقى هي المحور.

إلى جانب الأحجام الكبيرة، ظهرت على منصات العرض صيحات أخرى لا تقل إثارة، مثل الأقراط غير المتناظرة، أو الاكتفاء بقرط واحد يمنح الإطلالة طابعاً معاصراً وشبابياً.

يمكن لقلادة مبتكرة أن تُغني عن كل الإكسسوارات والارتقاء بأي إطلالة مهما كانت بساطتها (أ.ف.ب)

وينطبق الشيء نفسه على القلادات التي أخذت هذا الموسم أشكالاً هندسية ونحتية، من شأنها أن ترتقي بأبسط الأزياء إلى مستوى أكثر أناقة. ولم تقتصر هذه الموجة على بيوت الأزياء الكبيرة ودور المجوهرات الفاخرة، فقد سارعت العلامات التجارية المتوسطة والمحال الشعبية إلى تبنيها، مقدمة تصاميم مبتكرة بأسعار مُغرية تتيح لعدد أكبر من النساء مواكبة هذه الصيحة.

تباينت الإكسسوارات بين الطويلة والهندسية هذا الموسم (أ.ف.ب)

في نهاية المطاف، ورغم أن هذا الاتجاه يبدو جريئاً، فإن القاعدة التي يكررها الخبراء تقضي بالحفاظ على بساطة الأزياء، حتى تنال المجوهرات والإكسسوارات حقها من البروز. ويزداد هذا التأثير عندما تأتي الألوان نابضة بالحيوية، وكأنها تعويض عن سنوات طويلة من الدرجات الترابية التي سادت عالم الأزياء والمجوهرات على حد سواء. فألوان مثل الأخضر والأزرق والأصفر والأحمر وغيرها قادرة دائماً على ضخ المظهر بجرعة من الديناميكية. وعندما تتجسد هذه الألوان في أحجار كريمة مثل البيريدوت والياقوت والسفير والتوباز أو الزمرد، فإنها لا تكتفي بإضفاء الانتعاش على المظهر، بل تمنحه أيضًا قدراً من الرقي ونوعاً من الطاقة الإيجابية.