المعادلة الإعلامية.. «واشنطن بوست» تستعيد مكانتها على القائمة

شهدت تحولا في نوع التقارير التي تستميل الصحافيين والقراء

المعادلة الإعلامية.. «واشنطن بوست» تستعيد مكانتها على القائمة
TT

المعادلة الإعلامية.. «واشنطن بوست» تستعيد مكانتها على القائمة

المعادلة الإعلامية.. «واشنطن بوست» تستعيد مكانتها على القائمة

صحيفة «واشنطن بوست» التي حوصرت من قبل شهدت أخيرا تحولا في نوع التقارير التي تستميل الصحافيين والقراء. ويشمل ذلك فيما يشمل التغطية التي لعبت دورا في الاستقالة التي تقدمت بها رئيسة جهاز الخدمة السرية الأميركية، وإجراءات التحقيق التي أدت في نهاية المطاف إلى إدانة الحاكم السابق لولاية فيرجينيا، إثر اتهامات بالفساد.
ظل العاملون في الصحيفة لعقود منهكين لعدم تحقيق أمجاد تماثل أيام فضيحة ووترغيت، ومن المشكوك فيه أن ينجح أحد في ذلك الآن، ولكن في الآونة الأخيرة، وبعد سلسلة من حالات الاستحواذ وبعض الأخطاء الإدارية، كان الانخفاض الذي شهده الطموح والجودة واضحا وجليا أمام الجميع، فقد صارت الصحيفة عاجزة وضعيفة بدلا من أن تتقدم صفوف النجاح والتفوق.
وعلى غرار مجلة «بوليتيكو»، التي بدأت على يد محرري «واشنطن بوست» الساخطين، والتي نالت شهرتها إثر تغطياتها السياسية الجريئة، صارت الهمسات أعلى من أن تتجاهلها الآذان، بأن صحيفة «بوست» لم تعد ذات صلة بالواقع. وقالت مجلة «Columbia Journalism Review» إن التخفيضات الكبيرة في عدد الموظفين والقادة في صحيفة «بوست» قد أدت إلى إضعاف جودتها، وانتقدت مجلة «فانيتي فير» الصحيفة، حيث وصفتها بأنها صارت «رمزا للانهيار»، ووسمتها مجلة «الجمهورية الجديدة» الليبرالية بأن «الصحيفة أصابتها حالة من الفوضى».
وقررت عائلة غراهام، رعاة للصحيفة لفترة طويلة، قبل عام مضى، أن التمويل الكبير والتفكير المغاير قد يدفعان إلى المحافظة على الصحيفة، ومن ثم بيعت الصحيفة إلى جيف بيزوس، مؤسس موقع «أمازون».
ولكن الآن، وبعد مرور عام على صفقة البيع، تغير هذا الخطاب، وصارت صحيفة «واشنطن بوست» مثار حديث الجميع للأسباب الصحيحة.
هل أثار بيزوس بعض العواصف الرقمية التي غيرت من معادلات الصحافة الحديثة؟ وبعيدا عن ذلك، فإن استعداده للتمويل من أجل تعيين موظفين جدد (أكثر من مائة موظف حتى الآن خلال هذا العام) قد خلق جوا من الثقة والاستقرار المالي في المؤسسة.
كانت الصحيفة متهمة بإشباع قرائها مللا من أحاديث الماضي، ولكن الإصدار الجديد هو لمؤسسة إخبارية مثيرة للدهشة ومتباهية، ربما ليست هي سفينة القراصنة التي أراد المحرر بين برادلي أن يقودها محررا تنفيذيا، ولكنها صحيفة رقمية صارمة وذات جمهور كبير من القراء. إنها تخلق التحديات، بمزيد من الاهتمام، حيال منافسيها، وتكتسب قدرا عاليا من التقدير، من خلال الخبطات الصحافية التي تحققها.
إن المغفل فقط هو من يدعي تحطيم سمعة صحيفة يومية تصدر في عاصمة البلاد، حيث تغطي صحيفة «بوست»، وتُعدّ جزءا من الطبقة السياسية في العاصمة واشنطن، وهناك اهتمام مدني كبير في الحصول على أخبار من صحيفة ذات تمويل جيد ذات مصادر متعددة ونظرات ثاقبة في الشؤون البيروقراطية والسياسية الأميركية.
واحدة من أمتع اللحظات في تغطية الإعلام العالمي تكمن أحيانا في شخص ما، يصل في الوقت المناسب، ويمكنه تغيير مسار مؤسسة بأسرها. فلنأخذ مثالا بتينا براون في «نيويوركر»، ويوجين روبرتس في «فيلادلفيا انكوايرر»، أو «آدم موس» في مجلة «نيويورك». أما في صحيفة «بوست»، ضمن السيد بيزوس بقاء الأنوار مضاءة، ولكنه السيد مارتن بارون، الذي أصبح محررا في الصحيفة، طليعة عام 2013، دفع الصحيفة مرة أخرى إلى المعترك.
يقول توم روزنستيل، المدير التنفيذي لمعهد الصحافة الأميركية: «إن مارتي رجل أخبار جيد، ولا علاقة له بالهراء، وهو رجل ذكي جدا يؤمن بقوة الخبر، وهو أمر مهم في غرف الأخبار. حيث الزخم ذو أهمية قصوى في المؤسسات الإخبارية».
وبارون إنسان مخضرم ومحنك وخبير كان قد عمل لدى «ميامي هيرالد»، و«لوس أنجليس تايمز»، و«نيويورك تايمز»، قبل أن يصبح المحرر التنفيذي في صحيفة «هيرالد» عام 2000، وسرعان ما انتقل إلى قمة العمل الوظيفي لدى صحيفة «بوسطن غلوب» عام 2001.
وفي تلك الفترة، ميز نفسه بوصفه زعيما للصحافيين، ولكن في صحيفتي «غلوب» و«هيرالد» تزامنت فترة عمله مع الفوضى المالية، مما قلل وقطع السبيل أمام الطموحات.
ولأول مرة يمسك مارتن بارون بهراوة ليست مشتعلة بالنيران، ولكنه ركض بها رغم كل شيء، لم يكن ماركوس بروكلي المحرر السابق معروفا عالميا، ولكنه حقق خطوات مهمة في تحديث نهج الصحيفة إزاء الأخبار.
قال بارون في محادثة هاتفية: «مع جيف، لدينا استقرار وموارد للاستثمار. أعتقد أن هناك أمورا غير ملموسة في مجال عملنا تُعد ذات أهمية قصوى. يحتاج المراسلون إلى الشعور بأنهم مدعومون، وأن زملاءهم لن يختفوا فجأة، وأنهم يمكنهم تأدية أعمالهم من دون الشعور بالقلق طوال الوقت من فقدان وظائفهم. التفاؤل مثله مثل السلبية تماما، يمكن أن يكون معديا».
جزء من الرؤية الحالية للصحيفة يتسق مع التطور المتزايد في تعزيز محتواها على الصعيد الدولي، طبقا إلى شركة «كومسكور»، فإن صحيفة «بوست» تلقت 39.452.000 زيارة على موقعها في شهر يوليو (تموز)، بزيادة قدرها 63% عن العام الماضي. ولكن الأمر أكثر بكثير من مجرد سحر الأرقام، فالتطبيق القاتل، كما كتبت من قبل، هو أمر حقيقي، وهي الأخبار الفعلية. وقد خرجت صحيفة «بوست» بأطنان من ذلك. وبصرف النظر عن القصة المخفية حول سلسلة من الثغرات الأمنية في جهاز الخدمة السرية الأميركية، بما في ذلك الكشف عن تفاصيل جديدة حول الشخص الذي قفز فوق سياج البيت الأبيض، والتقرير الصادر حول الفساد في ولاية فيرجينيا، وتحقيق كبير حول استيلاء الشرطة على ملايين الدولارات من سائقي السيارات غير المتهمين بأي جرائم، ومقالة نشرت حول الإدارة الجيدة للمشروعات التي اتخذت منحى مغايرا إزاء السياسات أثناء التمهيدات لقانون الرعاية الصحية.
كان هناك كثير من المقالات الأخرى، ولكن الشوط الحالي قد بدأ بـ«فرقعة» إعلامية كبيرة في يونيو (حزيران) من عام 2013، حينما جاء بارتون جيلمان بسلسلة من المقالات شديدة الخطورة وشديدة التعقيد إلى الصحيفة، بناء على تسريبات قدمها عن وكالة الأمن القومي الأميركية إدوارد سنودن.
وتلقت الصحيفة، جنبا إلى جنب مع صحيفة «غارديان» البريطانية، جائزة «بوليتزر»، إثر جهودهما في ذلك المضمار.
يقول دين باكوي، المحرر التنفيذي في صحيفة «نيويورك تايمز»، الذي يتنافس مع السيد بارون، وهو كذلك صديق له: «أعتقد أن صحيفة (بوست) تتمتع بثقة عالية في الوقت الحالي. إنهم يختارون القصص الجيدة، ويبعثون بكثير من المراسلين وراءها، ويلاحقون الخبر بمزيد من الجهد. إنها غرفة أخبار ذات قيادة ممتازة».
رغم مظهرهم الخارجي الجريء والمتبجح، فإن العاملين في الصحيفة يمكن أن يكونوا زهورا رقيقة تواجه المزيد من الصعاب في أداء أعمالها، حين يعتقدون أنهم يعملون تحت التهديد.
يقول مارك فيشر، وهو محرر بارز في «واشنطن بوست»: «إنها الطبيعة البشرية. إذا جاءتك دعوة كل يوم جمعة لحضور حفل وداع أحد الزملاء، فسوف ينتابك شعور مختلف قليلا. وفي جو مثل هذا، قطع مارتي شوطا كبيرا، من حيث رفع طموحات الناس في المكان». الأخبار الجيدة عن الصحافة هي من الندرة، مثل تلقي التأييد من الحزبين الرئيسين حيال السياسات الأميركية. وكما اتضح الأمر، فإن تصرف عائلة غراهام الأخير حيال رعاية الصحيفة، من حيث نقل الصحيفة إلى المالك الذي يمكنه تحمل الأمر ودعم الصحيفة، كان من بين أهم القرارات التي اتخذوها.
وفي حين لم يعرف بيزوس حتى الآن كيف سيستخدم أسلوب التحليق عاليا لتغيير اقتصاديات امتلاك الصحيفة، فإنه موَّل الأمر بامتياز، وظل بعيدا عن المتاعب.
لن يخطئه أحد كأطيب الرجال في عالم الصحافة. خلال الشهر الماضي، أعلنت الشركة عن تخفيضات صارمة في المعاشات، مثل إلغاء المزايا الطبية للموظفين المتقاعدين. وجرى أيضا تجميد خطة للمزايا المجزية للمديرين، مع فرض الإجراء نفسه على موظفي النقابة لدى صحيفة «بوست».
ولا يعني الأمر أيضا أن الصحيفة قد أعادت اختراع معادلات الخروج بالمعلومات عالية الدقة، في عصر تحكمه أسعار السلع الاستهلاكية. لكن، وحتى الآن، يبدو أن تمكين الصحافيين من الحصول على الأخبار، والتفرد بالأخبار الصحافية، والحفاظ على الزخم في موقع الإنترنت، يبدو أنه مسار أفضل من السماح لهم بتناول كعكات الوداع.



البث المباشر على المنصات أداة ربح تؤثر في الجودة

جانب من احد استوديوهات القنوات التلفزيونية التقليدية (أ.ف.ب.)
جانب من احد استوديوهات القنوات التلفزيونية التقليدية (أ.ف.ب.)
TT

البث المباشر على المنصات أداة ربح تؤثر في الجودة

جانب من احد استوديوهات القنوات التلفزيونية التقليدية (أ.ف.ب.)
جانب من احد استوديوهات القنوات التلفزيونية التقليدية (أ.ف.ب.)

مع تزايد الاعتماد على منصّات التواصل مصدراً للمعلومات، وفي ظل دراسات تتحدث عن سعي الجمهور لمتابعة الأحداث بشكل لحظي، باتت تقنية «البث المباشر» إحدى الأدوات الرئيسة التي تعتمدها وسائل الإعلام العالمية والعربية لتحقيق الانتشار الجماهيري وزيادة العوائد المالية. وحقاً، «تشير دراسات عدة إلى أن خدمات البث المباشر توفر فرصة لتحقيق الربح، لا سيما في مجالات التغطية الإخبارية الحية والمقابلات والفعاليات»، بحسب وكالة «أسوشييتد برس»، حيث «تسمح منصات مثل (يوتيوب) و(فيسبوك) للمؤسسات الإخبارية ببث الأحداث في وقتها الفعلي، وغالباً ما يكون ذلك مدعوماً بالرعايات أو تبرّعات المشاهدين». وأفادت «أسوشييتد برس» بأن «منصّات التواصل أصبحت قنوات حيوية لتوزيع الفيديو وتحقيق العائدات المادية؛ إذ يمكن للمؤسسات الإخبارية توليد أرباح من مشاركة محتوى فيديو على منصات مثل (تيك توك) و(إنستغرام) و(إكس)».

عربياً، تزايد اعتماد مؤسسات إعلامية وصحافية كبرى على خدمات «البث المباشر» لا سيما مع الأحداث الكبرى، ما عدّه خبراء وسيلة لتحقيق الانتشار وزيادة العوائد المالية، والتي تؤثر على جودة المحتوى ودقة المعلومات.

ولقد أكدت الدكتورة مي عبد الغني، أستاذة الإعلام بجامعة بنغازي في ليبيا والباحثة في الإعلام الرقمي، خلال لقاء مع «الشرق الأوسط»، أن «البث المباشر في الصحافة الرقمية العربية أصبح نموذجاً ربحياً متكاملاً وأداة للهيمنة الخوارزمية ضمن ما يُعرف باقتصاد التفاعل اللحظي». ولفتت إلى أن «البث المباشر وفّر مسارات ربحية بديلة للإعلانات التقليدية مع خفض النفقات التشغيلية بنسبة 60 في المائة خلال البث السحابي».

تقرير «معهد رويترز»

كذلك أوضحت عبد الغني أنه «على صعيد الانتشار، فإن البث المباشر يستمد قوته من الانحياز الخوارزمي للمنصات التي تمنحه أولوية الظهور العضوي». وفي هذا الصدد، أشارت إلى تقرير «معهد رويترز لدراسات الصحافة»، العام الماضي، وتقرير «الابتكار الإعلامي» لعام 2026 بشأن «دور الآنية في تعزيز الموثوقية والمكاسب الرأسمالية للمؤسسات الإعلامية». وأردفت أن «نماذج عربية تتصدر المشهد، إضافة إلى مواقع صحافية عدة على النطاق العربي تتبارى في استخدام البث المباشر لتحقيق مكاسب».

وتابعت عبد الغني أنه رغم مزايا «البث المباشر» وقدرته على «نقل الأحداث بشكل آني، وزيادة التفاعل مع الجمهور وتعزيز المصداقية، فإن البث المباشر يواجه تحديات جوهرية تبدأ بخطر انتشار المحتوى المضلل نتيجة تغليب سرعة النشر على حساب الدقة وعمليات التحقق». كذلك تطرّقت إلى أن «ثمة تبعات أخلاقية وقانونية أيضاً، حيث يتسبب البث المباشر في أزمات تتعلق بانتهاك الخصوصية، كما يزيد من الضغوط النفسية على الصحافيين، ويؤدي لتراجع العمق الصحافي وتآكل الاستقلالية التحريرية لصالح معايير الانتشار اللحظي».

من جهة ثانية، أطلقت منصة «فيسبوك» خدمة البث المباشر في أبريل (نيسان) عام 2016، وكانت الخدمة في البداية متوافرة لمجموعات معينة قبل أن تتيحها للجميع. ومنذ إطلاقها بدأت المواقع الصحافية والإعلامية على مستوى العالم استخدامها، وتزايد استخدام النطاق العربي مع «فيسبوك» نهاية عام 2020، عندما منحت عائدات مالية لناشري فيديوهات البث المباشر نظير بيعه إعلانات تظهر في أثناء البث.

وحول هذا الموضوع، تحدث مهران كيالي، الخبير في إدارة وتحليل بيانات «السوشيال ميديا» بدولة الإمارات العربية المتحدة، في مقابلة مع «الشرق الأوسط»، عن «صعود واضح للبث المباشر على وسائل التواصل الاجتماعي من قبل العديد من الوسائل الإعلامية... وهذا الصعود طبيعي بسبب اعتماد معظم الناس حالياً على استقاء المعلومات من منصات التواصل».

وفي حين أكّد كيالي مزايا البث المباشر، فإنه أشار إلى «مشكلة أساسية وهي أن بعض البلدان لا تمتلك سرعات إنترنت كافية تسمح بمتابعة البث المباشر دون تقطيع، ما يؤثر على تجربة المشاهدة بشكل كبير».

شعار "غوغل" (رويترز)

أداة رئيسة في استراتيجيات المؤسسات

أما الصحافي المصري المتخصص في شؤون الإعلام الرقمي، محمد فتحي، فذكر أن «البث المباشر عبر المنصات لم يعد مجرد خيار تحريري، بل أصبح أداة رئيسة في استراتيجيات المؤسسات الإعلامية، بسبب تغيّر سلوك الجمهور من شاشات التلفزيون إلى الهواتف الذكية». وأضاف: «البث المباشر يسهّل الوصول للجمهور ويحقّق عوائد مادية مباشرة من خلال الإعلانات المدمجة، والرّعايات وميزات الدعم المباشر من المتابعين مثل نظام النجوم في (فيسبوك)، أو الهدايا في (تيك توك)».

ولفت فتحي، في لقاء مع «الشرق الأوسط»، إلى أن «الإحصائيات تشير إلى أن المستخدمين يمضون وقتاً أطول بـ3 أضعاف في مشاهدة الفيديوهات المباشرة مقارنة بالفيديوهات المسجلة»، غير أن هذه الميزة «تكتنفها عيوب وتحديات، على رأسها غياب السيطرة التحريرية، والاعتماد المفرط على التقنيات الذكية، بالإضافة إلى خطر نشر الشائعات على حساب الدقة والتحقق الكافي، والوقوع تحت رهن الخوارزميات الخاصة بالمنصات، ما قد يتسبب في تغيير السياسات التحريرية والمهنية».

من جهته، أوضح الصحافي اللبناني محمود غزيل، المدرّب في مجال التحقق من المعلومات، لـ«الشرق الأوسط»، أن «البث المباشر بات أداة قوية لسرعة الوصول للمستخدمين، وإحدى أبرز الأدوات التي أعادت تشكيل العلاقة بين المؤسسات الإعلامية والجمهور»، مضيفاً أن «معظم المؤسسات الإعلامية تعتمد بشكل متزايد على البث المباشر عبر منصّاتها الرقمية، إلى جانب البث التلفزيوني».

وأرجع غزيل ذلك إلى «تنبّه تلك المؤسسات إلى أن المشاهد لم يعُد جالساً أمام شاشة، كما كانت العادة في السابق، كما أن الجمهور العربي بات أكثر انتقائية؛ إذ يبحث عن المواد التي يراها أكثر قرباً من تطلعاته، ويرغب في متابعة الأحداث لحظة بلحظة وحتى أحياناً التفاعل معها».

ووفق غزيل، يحقق البث المباشر مزايا عدّة، لخصها بـ«إتاحة التواصل الفوري مع الجمهور، وإيصال المعلومة إلى جمهور عالمي من دون قيود جغرافية»، ولكن في الوقت نفسه «يحدّ من قدرة المؤسسات على مراجعة أو تعديل المحتوى، ما يزيد من مخاطر الأخطاء، كما أنه يتأثر بقوة الإنترنت، ويعرض المؤسسة لتبعات قانونية حال انتهاك الخصوصية».

وبحسب غزيل، «البث المباشر، هو أحد أهم محركات التحول في الإعلام العربي، وأداة لا غنى عنها لتعزيز التفاعل، والمصداقية، والابتكار، بشرط أن يُدار بمهنية، ومسؤولية، ووعي بالتحديات والفرص التي يفرضها العصر الرقمي».

وراهناً، يقدّر حجم سوق البث المباشر العالمي، وفق ما نشره موقع «غراند فيو ريسيرش»، بنحو 87.55 مليار دولار أميركي في عام 2023. ومن المتوقع أن يصل إلى345.13 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030، مسجلاً معدل نمو سنوي مركب قدره 23.0 في المائة خلال الفترة من 2024 إلى 2030.


كيف تضاعف المؤسسات الإعلامية أرباحها من «فيسبوك»؟

شعار "فيسبوك" (د ب أ)
شعار "فيسبوك" (د ب أ)
TT

كيف تضاعف المؤسسات الإعلامية أرباحها من «فيسبوك»؟

شعار "فيسبوك" (د ب أ)
شعار "فيسبوك" (د ب أ)

أصدرت شركة «ميتا»، مالكة منصة «فيسبوك»، تحديثات جديدة «تهدف إلى مساعدة منشئي المحتوى لتعميق استفادتهم من أدوات تحقيق الربح المتطورة على المنصة»، وذلك بالتزامن مع سعي الشركة إلى «زيادة معدلات التفاعل داخل التطبيق في خضم المنافسة المحتدمة مع منصات أخرى».

هذا الأمر، أثار تساؤلات حول كيفية استغلال المؤسسات الإعلامية للنموذج الربحي الجديد من المنصة لتعزيز عوائد مستدامة. وللعلم، كانت «ميتا» قد أكدت نهاية مارس (آذار) الماضي أنها «تهدف إلى دعم صُناَّع المحتوى من خلال تحقيق مزيد من الأرباح، كما تسعى لمكافأة المحتوى الأصلي، عبر تخصيص عوائد متدفقة تشمل أنماطاً متعددة من المحتوى، مثل الفيديو القصير، والصور، وكذلك المنشورات النصية وحتى القصص التي لها إطار زمني».

الشركة قدَّمت توصيات عدة، عدّتها شروطاً لتعزيز عوائد مستدامة لصناع المحتوى، إذ أوصت بتجربة أنواع مختلفة من المنشورات، بما في ذلك الصور والنصوص والقصص، لفهم ما يفضِّله الجمهور. إلا أنَّها وضعت الفيديو القصير «الريلز» في صدارة الاهتمامات. وأشارت أيضاً، إلى أنَّ «أصالة المحتوى» عامل مهم لتحقيق أرباح. وفي المقابل، حذَّرت في إرشاداتها من محاولات الوصول التي تعتمد على التلاعب بالخوارزميات، مثل الجمل التحفيزية على شاكلة «شاهد حتى النهاية»، ما لم يكن المحتوى يُقدِّم قيمةً حقيقيةً وملموسةً للمشاهد.

«ميتا» تفيد بأنَّ مقاطع «الريلز» هي المُحرِّك الأساسي للأرباح في الوقت الراهن، فمن بين نحو 3 مليارات دولار دفعها موقع «فيسبوك» لمنشئي المحتوى في عام 2025، استحوذت مقاطع «الريلز» وحدها على 60 في المائة من إجمالي هذه المدفوعات.

محمد الفياض، الباحث في الإعلام الرقمي، أوضح لـ«الشرق الأوسط» أنَّ التحوُّل الأساسي هو الانتقال من «اقتصاد الإحالة» إلى «اقتصاد المنصة». وأردف: «غرف الأخبار لم تعد تُصمِّم محتواها ليدفع المستخدم للنقر ومغادرة فيسبوك نحو موقعها؛ بل صارت تعيد هيكلة فرقها لإنتاج محتوى أصيل يُستهلك بالكامل داخل المنصة، وتحديداً عبر الفيديو القصير».

وشدَّد الفياض على أنَّ «المعايير الآن أصبحت تقنية وإحصائية أكثر منها صحافية تقليدية لتحقيق الربح. إذ يجب أن يتجاوز المحتوى عتبة القيمة المضافة، أي أنَّ مجرد نقل الخبر لم يعد كافياً، بل يجب أن يتضمَّن رؤية أو تحليلاً خاصاً بالمؤسسة». وتابع إن «الخوارزمية الآن تقيس الجودة من خلال معدل الإكمال، أي عدد مشاهدة الفيديو، والتفاعل النوعي - أو النقاشات في التعليقات -، ببساطة، الجودة التي تدرّ مالاً هي التي تبقي المستخدم أطول فترة ممكنة داخل التطبيق».

وعن جدّية المنصة في دعم المحتوى الأصلي، قال الفياض: «تاريخياً تحرّكت فيسبوك وفق البراغماتية الاقتصادية»، واهتمامها الحالي بالمحتوى الأصلي «يندرج تحت بند التنافسية الاستراتيجية للبقاء في سوق المنصات أمام المنافسين، وهو قرار يرتبط بجدوى الأعمال ومسار السوق».

من جهة ثانية، قال عبد الله جمعة، الباحث في التسويق الرقمي، لـ«الشرق الأوسط» إنَّ «فيسبوك» تنتهج مساراً جديداً فيما يتعلق بتعزيز الأرباح منذ أواخر العام الماضي. وأوضح أن هذا المسار ظهر من خلال دعم أشكال الفيديو، حيث منحت المنصة الأولوية للفيديوهات القصيرة (الريلز) من خلال تمديد الإطار الزمني. وهكذا لم تعد مقيدة بعدد دقائق، كما اتجهت لتحويل أنماط الفيديو الأخرى لنمط الريلز، مستفيدة من النجاح الكبير الذي حققه هذا النوع خلال السنوات الماضية، في ظلِّ المنافسة مع باقي المنصات.

وأضاف جمعة: «هذا التغيير أتاح لصالات الأخبار ميزةً مهمةً، وهي عدم التقيُّد بمدة محددة، ما منح الفيديوهات الأطول فرصةً أكبر لظهور الإعلانات، وبالتالي تحقيق أرباح أعلى». واستطرد شارحاً أن دعم «فيسبوك» لهذا البرنامج غيَّر خريطة الأرباح إلى حد ما، و«زادت عوائد الصور بشكل ملحوظ، بينما تراجعت أرباح الفيديو مقارنة بالسابق، في إطار تنويع مصادر الدخل داخل المنصة».

وبحسب جمعة «تعمل فيسبوك حالياً على وضع قيود كبيرة على المحتوى السطحي أو المعاد، في مقابل دعم المحتوى الأصلي غير المكرَّر الذي يقدِّم قيمةً حقيقيةً مثل التحليل أو المعلومات، مع الحفاظ على تفاعل الجمهور ومدة مشاهدة جيدة».

ثم أشار إلى سبيل آخر يمكن للمؤسسات أن تحقِّق من خلاله أرباحاً مستدامة اعتماداً على المسار المستحدث لمنصة «فيسبوك»، قائلاً: «المنصة تتجه حالياً لخلق مسارات جديدة لتحقيق الأرباح، من بينها دعم المعجبين والاشتراكات، التي بوشر بتطبيقها في بعض الدول الأوروبية بوصفها تجربةً قبل التعميم». وأضاف: «بالنسبة للعالم العربي، فإنه يمكن للمؤسسات تحقيق أرباح ثابتة من هذا المسار، لكن بشروط واضحة، أهمها، تقديم محتوى بنّاء، والاعتماد على شخصيات موثوقة ومحببة للجمهور، وتقديم مزايا حقيقية للمشتركين. وفي هذه الحالة يتحوَّل الجمهور من مجرد متابع إلى داعم حقيقي».


استهداف إسرائيلي لكادر «الإخبارية السورية» أثناء تغطية سقوط مسيرة إيرانية

تغطية إعلاميين سوريين في القنيطرة لتجمع الأهالي احتجاجاً على السياسات الإسرائيلية (مركز القنيطرة الإعلامي)
تغطية إعلاميين سوريين في القنيطرة لتجمع الأهالي احتجاجاً على السياسات الإسرائيلية (مركز القنيطرة الإعلامي)
TT

استهداف إسرائيلي لكادر «الإخبارية السورية» أثناء تغطية سقوط مسيرة إيرانية

تغطية إعلاميين سوريين في القنيطرة لتجمع الأهالي احتجاجاً على السياسات الإسرائيلية (مركز القنيطرة الإعلامي)
تغطية إعلاميين سوريين في القنيطرة لتجمع الأهالي احتجاجاً على السياسات الإسرائيلية (مركز القنيطرة الإعلامي)

استهدفت قوات الاحتلال الإسرائيلي كادر «الإخبارية السورية» وعدداً من الإعلاميين بشكل مباشر أثناء تغطيتهم سقوط مسيرة إيرانية بفعل الدفاعات الجوية، دون تسجيل إصابات.

وأوضح مراسل القناة، أنه نجا بأعجوبة من القصف الإسرائيلي بعد سقوط القذيفة المدفعية بجانبه وما ألحقته من تناثر الشظايا في المكان، إضافة لنجاة بقية الإعلاميين الذين كانوا موجودين في المنطقة المستهدفة.

وأضاف المراسل أن الجيش الإسرائيلي أطلق قذائف هاون بين قرية الصمدانية الغربية وسدّ المنطرة في ريف القنيطرة الأوسط، دون ورود معلومات عن إصابات إضافية.

وفي 11 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، توغلت قوات الاحتلال الإسرائيلي عند أطراف مدخل قرية الصمدانية الشرقية، ضمن سلسلة انتهاكات مستمرة جنوب البلاد. وأقامت القوات وفق ما أفاد مراسل «الإخبارية» حاجزاً عند مفرق الصمدانية - العجرف مؤلفاً من ثلاث آليات عسكرية.

وتستمر قوات الاحتلال في اعتداءاتها وتوغلاتها داخل الأراضي السورية، ولا سيما في ريفي القنيطرة ودرعا، وتنفذ اعتداءات بحق المدنيين واعتقالات وتخريب.

الباحث السوري نوار شعبان، وصف ما جرى في القنيطرة بأنه لا يمكن التعامل معه بوصفه حادثة عابرة، بل يمثل تطوراً خطيراً، لأنه لا يتعلق فقط باعتداء عسكري، بل باستهداف مباشر لعمل إعلامي وصحافي.

وأضاف في تغريدة على منصة «إكس»، أن الإعلاميين كانوا يقومون بعملهم الطبيعي في نقل ما يجري على الأرض، وهو عمل يفترض أن يكون محمياً وفق القوانين الدولية التي تحمي الصحافيين أثناء النزاعات. مشدداً على أن استهدافهم بهذا الشكل يفتح سؤالاً كبيراً حول سلامة العمل الإعلامي في الجنوب السوري، خاصة في ظل تكرار القصف والتوغلات الإسرائيلية في ريف القنيطرة خلال الفترة الأخيرة.

صورة للقصف الإسرائيلي على موقع تجمع الصحافيين السوريين في القنيطرة (متداولة)

وطالب شعيب وزارة الخارجية السورية بإصدار بيان رسمي واضح يدين هذا الاعتداء ويستنكره، ويضعه في إطاره الصحيح كونه استهدافاً لحرية العمل الإعلامي وسيادة الأراضي السورية، معتبراً أن ترك مثل هذه الحوادث دون موقف رسمي يعني تحويلها إلى أمر اعتيادي.

عناصر من قوات الأمم المتحدة تتفقد بقايا الصاروخ في قرية الحيران بريف القنيطرة (سانا)

وكانت قوات الاحتلال الإسرائيلي قد توغلت، الثلاثاء، على الطريق الواصل بين قرية نبع الفوار في ريف القنيطرة الشمالي، وقرية حرفا في ريف دمشق الغربي.

وذكر مراسل «سانا» في القنيطرة، أن قوة للاحتلال مؤلفة من عدة آليات عسكرية توغلت على الطريق الواصل بين القريتين، ونصبت حاجزاً مؤقتاً في المنطقة، وعمدت إلى تفتيش المارة، دون ورود أنباء عن أي حالات اعتقال.

ويواصل جيش الاحتلال الإسرائيلي اعتداءاته وخرقه اتفاق فض الاشتباك لعام 1974 عبر التوغلات المتكررة في جنوب سوريا، والاعتداء على المواطنين بالمداهمات والاعتقالات التعسفية والتهجير القسري وتدمير الممتلكات وتجريف الأراضي الزراعية.