قمة باريس الرباعية تسعى للبناء على التقدم الميداني في الملف الأوكراني

قمة باريس الرباعية تسعى للبناء على التقدم الميداني في الملف الأوكراني

الثلاثاء - 22 شهر ربيع الأول 1441 هـ - 19 نوفمبر 2019 مـ رقم العدد [ 14966]
باريس: ميشال أبو نجم

في قمة «حصن بريغونسون»، منتجع الرئاسة الفرنسية المطل على مياه المتوسط، كان الملف الأوكراني أحد المواضيع الأساسية التي تناولها الرئيس إيمانويل ماكرون في 19 أغسطس (آب) الماضي مع ضيفه فلاديمير بوتين. والفكرة التي عرضها ماكرون تقوم على الدعوة لقمة في إطار ما يسمى «صيغة نورماندي» التي تضم أربع دول هي فرنسا وألمانيا وروسيا وأوكرانيا. ورغبة ماكرون في أن يلعب دورا فاعلا في «تسوية» الأزمة الأوكرانية التي اندلعت في العام 2014 ليست جديدة بل تعود لوصوله إلى رئاسية الجمهورية. ومنطلق الجهود الفرنسية وهو الأمر الذي أكد عليه ماكرون أكثر من مرة وخصوصا في خطابه أمام السلك الدبلوماسي الفرنسي نهاية أغسطس، وعاد إليه مؤخرا في مقابلة مطولة مع مجلة «إيكونوميست» البريطانية، اعتباره أن روسيا دولة أوروبية، وأنه يتعين ربطها بالعربة الأوروبية بدل أن تتوجه شرقا نحو الصين. لكن إنجازا كهذا يفترض تطبيع العلاقات معها التي تدهورت مع تدخل موسكو في الحرب الأوكرانية ثم احتلالها لشبه جزيرة القرم وضمها بعد استفتاء مستعجل.
الخلاصة الفرنسية أن تحولا كهذا لن يتحقق ما لم تتم معالجة الملف الأوكراني. وطرحت الفكرة مجددا بمناسبة قمة السبع التي استبعدت منها روسيا بسبب الحرب الأوكرانية. والحال أن الإطار الذي قبله الطرفان لتسوية نزاعهما هو «صيغة نورماندي»، حيث تلعب باريس وبرلين دور الوسيط. لكن هذه الصيغة كانت معطلة منذ العام 2016، ولذا فإن انعقادها يعد مؤشرا أكيدا على حصول تطورات «إيجابية» تبرر اللقاء الذي سيحضره القادة الأربعة. وترى مصادر فرنسية أن هزيمة الرئيس السابق بوروشينكو ووصول فلاديمير زيلينسكي إلى رئاسة أوكرانيا «سهلا» تبريد الأجواء بين موسكو وكييف بالنظر للانفتاح الذي أبداه الأخير بعكس تشدد سابقه.
استغرق التمهيد للقمة التي ستلتئم في قصر الإليزيه الرئاسي في باريس يوم 9 ديسمبر (كانون الأول)، نحو ثلاثة أشهر أنجزت خلالها ثلاث خطوات رئيسية آخرها أمس الإثنين عندما سلمت روسيا ثلاث سفن عسكرية أوكرانية كانت احتجزتها قبل سنة خلال حادث بحري.
وينظر إلى الخطورة الروسية على أنها «بادرة حسن نية» لا بل «هدية» للرئيس الأوكراني الذي يواجه صعوبات في بلاده، حيث يتهمه جانب من الأوكرانيين بـ«التساهل» مع موسكو. وكانت السفن الثلاث قد احتجزت قبل عام مقابل شواطئ شبه جزيرة القرم، واتهمت موسكو وقتها كييف بـ«الاستفزاز» واختراق المياه الإقليمية الروسية. أما البادرة الحسنة الثانية فقد حصلت في سبتمبر (أيلول) الماضي مع تبادل كبير للأسرى بين البلدين. ومن بين الأسرى الأوكرانيين كان بحارة السفن الثلاث الذين احتجزوا لعشرة أشهر في روسيا. وأخيرا، حصلت انسحابات متبادلة من ثلاثة مواقع على خط الجبهة، شرق أوكرانيا، في منطقة الدونباس، التي تتواجه فيها القوات الأوكرانية مع الانفصاليين الذين يحظون بدعم سياسي ومادي وعسكري روسي.
وتجدر الإشارة إلى أن حرب أوكرانيا أوقعت ما لا يقل عن 13 ألف قتيل وشردت عشرات الآلاف من لطرفين وألحقت الدمار بمناطق واسعة شرق البلاد.
يوم أمس، أصدر قصر الإليزيه بيانا جاء فيه أن الرئيس ماكرون اتصل بنظيره الروسي من أجل التحضير للقمة الموعودة. ويأتي هذا الاتصال بعد اتصال مماثل أجراه ماكرون يوم الجمعة الماضي مع الرئيس الأوكراني للغرض نفسه. كذلك تشاور مع المستشارة الألمانية. ومن المنتظر أن يقوم وزير الخارجية الألماني بزيارة إلى كييف، وأن يذهب إلى خط الجبهة في إطار الجهود المشتركة الفرنسية - الألمانية لتحريك بعض خطوط هذا الملف الشائك الذي دفع دول الاتحاد الأوروبي إلى فرض عقوبات اقتصادية على روسيا.
وجاء في بيان الإليزيه أن الإفراج المنتظر عن السفن الثلاث من شأنه أن يقوي الثقة «ويعزز» الحوار بين روسيا وأوكرانيا. وكان الإليزيه قد أعلن انعقاد القمة يوم الجمعة الماضي، معتبرا أن «الإنجازات» التي تحققت منذ الصيف الماضي «تتيح إطلاق مرحلة جديدة على طريق تنفيذ اتفاقيات مينسك» التي أريد لها أن تكون خريطة الطريق لوضع حد للأزمة الأوكرانية. وأكد قصر الكرملين أمس مشاركة بوتين في القمة.
بيد أن «الحماسة» الفرنسية يقابلها «تحفظ» روسي، إذ جاء في بيان الكرملين أنه لا يعتني «المبالغة» في التوقعات المنتظرة من القمة. وليس سرا أن ما حفز موسكو على قبول مبدأ القمة هو تحديدا الانسحابات من ثلاث مناطق على الجبهة، الأمر الذي قبله الرئيس الأوكراني الحالي ورفضه فيما كان بوروشينكو يرفضه قطعيا. وتريد روسيا أن تمنح منطقتي لوغانسك ودونتسيك «المسماة معا الدونباس» المحاذيتين للحدود الروسية وتتكلم غالبية السكان اللغة الروسية، وضع حكم ذاتي، الأمر الذي يرفضه العسكريون القوميون الأوكرانيون.
وتربط كييف إجراء انتخابات لتقرير مصير المنطقة بعودة سيطرتها على الحدود مع روسيا، وأن تضع الأخيرة حدا للدعم الذي تقدمه للانفصاليين، وأن يسلم من تسميهم «المتمردين» أسلحتهم إلى السلطات وخروج العسكريين الروس الذين يقدمون لهم الدعم. وتنفي موسكو كافة هذه الاتهامات.
ويتضمن اتفاق مينسك الذي وقع في 12 فبراير (شباط) من العام 2015 على 13 فقرة تنص على وقف النار وإقامة منطقة عازلة بعرض خمسين كلم وتعيين هيئة للإشراف عليه. أما النقطة الأهم فهي الرابعة التي تنص على إقامة «نظام خاص» يوفر إدارة ذاتية للمناطق المعنية... والحال أن عدة نقاط وخاصة الرابعة لم تنفذ. لذا، فإن مناقشات باريس ستركز على إعادة العمل لتنفيذ المقررات المذكورة. يبقى أن القمة الموعودة ستنحي جانبا، على الأرجح، ملف شبه جزيرة القرم الذي يبدو أن الأوروبيين أصبحوا جاهزين اليوم لطيه انطلاقا من قناعتهم من أن إثارته ستقضي على أي تقدم يرغبون بتحقيقه في الملف الأوكراني، أو أي تقارب مع روسيا بوتين.


فرنسا فرنسا

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة