لبنان: دعوة لاستشارات مُلزمة لإخراج التكليف من الحلقة المفرغة

انسحاب الصفدي يعيد الأزمة الحكومية إلى نقطة الصفر

TT

لبنان: دعوة لاستشارات مُلزمة لإخراج التكليف من الحلقة المفرغة

قال مصدر سياسي مواكب للأجواء التي سادت الاتصالات التي سبقت انسحاب الوزير السابق محمد الصفدي، كمرشح لتشكيل الحكومة الجديدة، إنه بانسحابه أعاد الكرة إلى مرمى رئيس الجمهورية ميشال عون الذي بات عليه أن يبادر بتحديد مواعيد للكتل النيابية للقيام باستشارات مُلزمة لتسمية الرئيس المكلف بتأليف الحكومة العتيدة.
ولفت المصدر السياسي إلى أن «التأزّم المالي والاقتصادي بلغ ذروته»، وقال لـ«الشرق الأوسط» إنه «لم يعد من الجائز اللعب على عامل الوقت، لأن التريُّث بذريعة إجراء جولة جديدة من المشاورات والاتصالات لعلها تقود إلى إحداث خرق في جدار الأزمة قبل أن تصل إلى طريق مسدود ما هو إلا محاولة للهروب إلى الأمام».
وسأل المصدر: «ما الجدوى من التمادي في هدر الوقت ما دام أن مواقف الكتل النيابية أصبحت معروفة ولا مجال لدفعها إلى أن تعيد النظر في خياراتها السياسية، بعد أن استقرت وبصورة نهائية وحتى إشعار آخر بين فريق يصر على تشكيل حكومة تكنو – سياسية، وآخر يرى أن هناك استحالة أمام القفز فوق حكومة تكنوقراط تُشكّل من اختصاصيين؟».
ورأى أن «انسحاب الصفدي كمرشح لتشكيل الحكومة ما هو إلا تعبير عن رفض شعبي لحكومة مختلطة، خصوصاً أن انسحابه جاء بعد تقويمه للواقع السياسي الراهن، في ضوء رفض كتل نيابية تنتمي إلى قوى (8 آذار) و(التيار الوطني الحر) الاستجابة لشروطه، وفرض شروط مضادة عليه». وقال إن «حكومة من اختصاصيين يمكن أن تُحدث صدمة سياسية لا تؤدي إلى تبريد الأجواء فحسب، وإنما إلى محاكاة الحراك الشعبي».
وعد المصدر السياسي أن «هناك ضرورة لكسر الحلقة المفرغة التي أقحمت البلد في مراوحة غير مسبوقة تلو الأخرى»، مشيراً إلى أن «كسرها ليس في التمديد للحكومة المستقيلة في مهمة تصريف الأعمال، وإنما في مبادرة الرئيس عون اليوم قبل الغد إلى دعوة الكتل النيابية لإجراء الاستشارات المُلزمة».
ورأى أن «التذرّع بعدم وجود مهلة دستورية لتسمية الرئيس المكلّف بتشكيل حكومة جديدة لن يُصرف في مكان، وسيُرتّب على البلد المزيد من الأزمات الاقتصادية والمالية التي قد تصعب السيطرة عليها».
ودعا رئيس الجمهورية إلى «الخروج من دائرة التريُّث والانتظار، والإسراع بإجراء الاستشارات المُلزمة»، موضحاً أن «التمهّل يمكن أن يبرره الفريق الوزاري لو أن البلد يمر بظروف سياسية عادية غير تلك الظروف الضاغطة التي تلح على جميع المعنيين، وأولهم عون، للخروج من دائرة المراوحة القاتلة».
ورأى أنه «لا مانع يدفع الرئيس عون إلى التردّد، وعليه أن يباشر في إجراء الاستشارات لتسمية الرئيس المكلّف بتشكيل الحكومة، خصوصاً أن فريقه النيابي، والآخر المتحالف معه الذي يمثل قوى (8 آذار)، يضم 73 نائباً، وهذا ما يسمح بإخراج البلد من دوامة تصريف الأعمال التي لم تعد تقتصر على الحكومة المستقيلة، وإنما تجاوزتها لتشمل الواقع السياسي في البلد الذي تحوّل أيضاً إلى تصريف للأعمال، في ظل مجموعة من الأزمات العاتية».
وأكد أن انسحاب الصفدي من السباق على رئاسة الحكومة «أدى إلى حشر الرئيس عون في الزاوية، والممر الإلزامي الوحيد للخروج منها يكون بإجراء الاستشارات ما دام أن الأكثرية النيابية متحالفة معه، رغم أن رئيس المجلس النيابي نبيه بري كرر أمام زواره، بعد أن أُحيط علماً بانسحاب الوزير السابق، أنه لا يزال على موقفه الداعم لعودة الرئيس سعد الحريري إلى رئاسة الحكومة، باعتبار أن لديه القدرة على مخاطبة المجتمع الدولي، ويتمتع بصداقات خارجية تميّزه عن غيره من المرشحين، ويمكنه توظيفها لإخراج البلد على مراحل من أزمته المالية والاقتصادية».
لذلك، قال مصدر وزاري إن انسحاب الصفدي «أحرج الجميع»، وعلى رأسهم رئيس «التيار الوطني الحر» جبران باسيل الذي كان أول من سمّاه، وأيّده «الثنائي الشيعي»، أي حركة «أمل» و«حزب الله»، مع أن باسيل أسهم في حرق اسمه قبل أن ينسحب، عندما حدد المواعيد لإجراء الاستشارات بالنيابة عن الرئيس عون، وحسم نتائجها لصالح الصفدي، وأكد أن الحريري دعم تسميته بعد أن رفضت قوى «8 آذار» و«التيار الوطني» التوافق معه على تسمية القاضي نواف سلام.
وكشف المصدر أن ممثلي «الثنائي الشيعي» أحضرا معهما عندما التقيا الحريري لائحة من 3 مرشحين لرئاسة الحكومة، وأن الأخير اختار الصفدي، مع أنه لفت نظرهما عندما التقاهما إلى أن رد فعل «الحراك الشعبي» حيال تشكيل حكومة تكنو - سياسية لن يكون مريحاً.
لكن الحريري أيده، كما يقول المصدر «كي لا يقال إنه يعيق تسميته، ليعود هو شخصياً على رأس الحكومة». وعد أن «انفتاح الحريري على الصفدي أسقط ذرائع الآخرين، خصوصاً أنه صارحه على المكشوف بالصعوبات التي تنتظره، إضافة إلى تأييده له، لأنه يريد الخروج من الحلقة المفرغة المترتبة على تصريف الأعمال».
وعلمت «الشرق الأوسط» أن الحريري أكد دعمه للصفدي ومنح حكومته الثقة حتى لا يقال إن حجبه عنها سيؤدي إلى التعامل معها على أنها فاقدة للميثاقية.
لكن الحريري أبلغه رفض مشاركة كتلة «المستقبل» في الحكومة، انسجاماً مع قناعته بضرورة تشكيل حكومة تكنوقراط، كما وعد بالتواصل مع مفتي الجمهورية اللبنانية الشيخ عبد اللطيف دريان، والتمني عليه بتأييد الحكومة.
ونفى المصدر ما تردد بأن الحريري أبلغ ممثلي «الثنائي الشيعي»، الوزير علي حسن خليل وحسين خليل، بأن «المستقبل» سيتمثل في الحكومة، وقال إن الحريري كان قد رفض مجرد البحث في أي صيغة تجمع بين التكنوقراط والسياسة، مع أن من طرحها عليه حاول أن يغريه بتشكيل حكومة عشرينية (19 وزيراً إضافة إلى رئيسها)، تتمثل فيها القوى السياسية بـ5 وزراء دولة، في مقابل 14 وزيراً من التكنوقراط يشغلون جميع الحقائب، بما فيها تلك السيادية.
ولفت إلى أن باسيل «حاول أن يتفادى الورطة التي أوقع نفسه فيها، وأقحم البلد، وذلك من خلال تسريبه لمعلومات بأنه لا يعترض على تشكيل حكومة من اختصاصيين، وأن الثنائي الشيعي هو من يعارضها».
كما أن الحريري كان قد طرح على رئيس الحكومة السابق تمام سلام تولي تشكيل الحكومة، قبل يوم من حضور الأخير إلى جانب الرئيسين نجيب ميقاتي وفؤاد السنيورة اللقاء الذي جمع ثلاثتهم به، لكن سلام شكره على ما أبداه من تقدير لدوره، مؤكداً له رفضه العودة إلى رئاسة الحكومة.
ناهيك من أن التباساً كاد يحدث إرباكاً في الساحة السياسية، ويتعلق بما أُشيع لجهة تأييد رؤساء الحكومة السابقين لتسمية الصفدي، لكن سرعان ما اتضح أنهم سجلوا اعتراضهم على تسميته، وهذا ما تبين من خلال تأييدهم لعودة الحريري على رأس حكومة من اختصاصيين.
وعليه، فإن الإرباك السياسي لا يزال يطغى على مواقف الأطراف المعنية بتوفير مخرج لإنهاء الأزمة الحكومية، وهذا ما أعاد الكرة إلى مرمى رئيس الجمهورية، أملاً بأن يقدم على مبادرة تُحدث خرقاً للحلقة المفرغة التي يدور فيها البلد، في وقت يرزح فيه تحت وطأة من الأزمات الاقتصادية والمالية غير المسبوقة، خصوصاً أن المواقف أصبحت واضحة، وأن عودة الحريري إلى رئاسة الحكومة مشروطة بتشكيل حكومة من اختصاصيين.
ومع أن المشاورات استؤنفت، وكان الحريري الحاضر الأبرز فيها، علمت «الشرق الأوسط» أنها «ظلت بلا نتائج تذكر»، ولم تفعل «التسريبات» فعلها في إجراء أي تغيير في الواقع السياسي المأزوم، رغم أن الأزمة الحكومية عادت إلى نقطة الصفر.



اليمن يحذر من تصعيد الحوثيين وتنسيقهم مع «جماعات إرهابية»

الأمن اليمني حقق نجاحات متعددة في مواجهة التنظيمات المتطرفة (إعلام حكومي)
الأمن اليمني حقق نجاحات متعددة في مواجهة التنظيمات المتطرفة (إعلام حكومي)
TT

اليمن يحذر من تصعيد الحوثيين وتنسيقهم مع «جماعات إرهابية»

الأمن اليمني حقق نجاحات متعددة في مواجهة التنظيمات المتطرفة (إعلام حكومي)
الأمن اليمني حقق نجاحات متعددة في مواجهة التنظيمات المتطرفة (إعلام حكومي)

جدّدت الحكومة اليمنية تحذيرها من خطورة التصعيد الحوثي في مختلف جبهات القتال، مؤكدة امتلاكها أدلة على وجود تنسيق وتخادم بين الجماعة وتنظيمات إرهابية، في الوقت الذي كثّفت فيه تحركاتها الدبلوماسية لحشد دعم دولي أوسع لتعزيز قدرات جهاز مكافحة الإرهاب، ومواجهة التهديدات المتزايدة التي تطول الأمنين الإقليمي والدولي.

ووفق مصادر رسمية، ترى الحكومة أن استمرار هذا التصعيد يُقوّض فرص السلام، ويعزز بيئة الفوضى التي تستغلها التنظيمات المتطرفة، مشددة على أن أي تسوية سياسية لن تكون قابلة للاستدامة دون إنهاء الانقلاب الحوثي، وتجفيف منابع الإرهاب بكل أشكاله.

وخلال لقاء جمع رئيس جهاز مكافحة الإرهاب في اليمن اللواء شلال شايع مع سفيرة المملكة المتحدة لدى اليمن عبدة شريف، ناقش الجانبان التهديدات الأمنية الراهنة، وفي مقدمتها ما وصفه المسؤول اليمني بـ«التخادم الميداني» بين الحوثيين وتنظيمات مثل «القاعدة» و«داعش» وحركة «الشباب» الصومالية.

اليمن يتطلع إلى مزيد من الدعم الدولي لجهاز مكافحة الإرهاب (إعلام حكومي)

وأوضح شايع أن هذا التنسيق لا يقتصر على تبادل المصالح، بل يمتد إلى تنسيق عملياتيّ يهدف إلى زعزعة الاستقرار، وخلق بؤر توتر تستنزف قدرات الدولة، وتهدد أمن الممرات البحرية وخطوط التجارة الدولية.

وأشار إلى أن التصعيد الحوثي الأخير في عدد من الجبهات يأتي ضمن استراتيجية أوسع لخلط الأوراق، وإرباك المشهد الأمني، بما يمنح التنظيمات الإرهابية مساحة أكبر لإعادة تنظيم صفوفها، وتنفيذ عمليات نوعية.

جهود أمنية

في موازاة التحذيرات، استعرض رئيس جهاز مكافحة الإرهاب اليمني سلسلة من العمليات الأمنية التي نفّذتها القوات المختصة، وأسفرت عن تفكيك خلايا إرهابية، وإحباط مخططات استهدفت منشآت حيوية، إلى جانب ضبط شبكات تهريب أسلحة ومخدرات.

وأكد أن هذه النجاحات تحققت بفضل التعاون مع الشركاء الإقليميين والدوليين، مُشيداً بالدعم الذي يقدمه «تحالف دعم الشرعية» في دعم الاقتصاد اليمني، بما يسهم في تقليص بيئة الفقر التي تستغلها الجماعات المتطرفة.

تنسيق يمني بريطاني لمواجهة الأنشطة الإرهابية (إعلام حكومي)

كما أشار شائع إلى أهمية تطوير قدرات الجهاز في مجالات التدريب والتأهيل، وتعزيز تبادل المعلومات الاستخباراتية، بما يمكّنه من مواكبة التحديات الأمنية المتغيرة، خاصة في ظل تشابك التهديدات بين الإرهاب والجريمة المنظمة.

من جانبها، أكدت السفيرة البريطانية حرص بلادها على دعم اليمن في هذا المجال، مشددة على أهمية بناء قدرات المؤسسات الأمنية، وتعزيز التنسيق الدولي لمواجهة التهديدات المشتركة، وضمان استقرار المناطق المحرَّرة.

في سياق متصل، بحث المسؤول اليمني مع السفير الأميركي لدى اليمن، سبل تعزيز الشراكة الاستراتيجية في مكافحة الإرهاب، حيث جرى التركيز على تطوير التعاون في مجالات التدريب، وبناء القدرات، وتبادل الخبرات الفنية.

وخلال اللقاء، شدد شائع على ضرورة تكاتف الجهود الدولية لمواجهة ما وصفه بـ«التحالف غير المعلَن» بين الحوثيين والتنظيمات الإرهابية، محذراً من تداعيات هذا التنسيق على الأمن الإقليمي، وسلامة الملاحة الدولية.

كما دعا إلى تنفيذ صارم للعقوبات الدولية المفروضة على الحوثيين، خاصة ما يتعلق بحظر تهريب الأسلحة، وتجفيف مصادر التمويل، مؤكداً أن استمرار تدفق الأسلحة يسهم في إطالة أمد الصراع، ويعزز قدرات الجماعة على تهديد الأمن البحري.

وأشاد بالدور الأميركي في دعم جهود مكافحة الإرهاب، وعدَّ أن هذا الدعم يشكل عنصراً حاسماً في تعزيز قدرة الأجهزة الأمنية اليمنية على مواجهة التحديات الراهنة.

تحركات رئاسية

على الصعيد السياسي، كان رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي قد ناقش مع السفيرة البريطانية سبل تعزيز العلاقات الثنائية، وأولويات الدعم الدولي لليمن، خاصة في مجالات التعافي الاقتصادي، وبناء المؤسسات، وتعزيز الأمن والاستقرار. وفق ما نقله الإعلام الرسمي.

وأكد العليمي أن استقرار اليمن يرتبط بشكل وثيق بإنهاء الانقلاب الحوثي، واستعادة مؤسسات الدولة، وبسط سيطرة الحكومة على كامل الأراضي، مشيراً إلى أن التطورات الإقليمية الأخيرة تعزز قناعة المجتمع الدولي بخطورة الدور الذي تلعبه إيران في زعزعة استقرار المنطقة.

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي استقبل السفيرة البريطانية (إعلام حكومي)

كما شدد على أهمية تشديد العقوبات على الحوثيين، وردع انتهاكاتهم لحقوق الإنسان، بما في ذلك الهجمات التي تستهدف المدنيين والنازحين، والتي تمثل تهديداً مباشراً للسلم الأهلي.

وتطرّق إلى الإجراءات التي اتخذتها الحكومة لمواجهة التحديات الراهنة، بما في ذلك إقرار الموازنة العامة، وتنفيذ برنامج إصلاحات اقتصادية تهدف إلى تعزيز الاستقرار، وتحسين مستوى الخدمات، وتقليل الاعتماد على المساعدات الخارجية.


تهديد الحوثيين بالحرب ينذر بتفاقم الأزمة الإنسانية في اليمن

ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعيشون أوضاعاً إنسانية قاسية (أ.ب)
ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعيشون أوضاعاً إنسانية قاسية (أ.ب)
TT

تهديد الحوثيين بالحرب ينذر بتفاقم الأزمة الإنسانية في اليمن

ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعيشون أوضاعاً إنسانية قاسية (أ.ب)
ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعيشون أوضاعاً إنسانية قاسية (أ.ب)

يتصاعد القلق الدولي من تداخل المسارين العسكري والإنساني في اليمن، في ظل مؤشرات متزايدة على احتمال انخراط الجماعة الحوثية في الحرب الدائرة إلى جانب إيران، بالتوازي مع تحذيرات أممية من تدهور غير مسبوق في مستويات الأمن الغذائي، خلال الأشهر المقبلة.

وتُجمِع التقديرات على أن أي تصعيد عسكري جديد لن يقتصر أثره على الجبهات، بل سيمتدّ إلى حياة ملايين اليمنيين الذين يواجهون، بالفعل، واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم.

يأتي ذلك في وقتٍ تشير فيه تقارير حديثة إلى أن توقيت انخراط الحوثيين في المواجهة الإقليمية لا يزال مرتبطاً بحسابات استراتيجية أوسع تقودها طهران، وسط مخاوف من أن يتحول اليمن إلى ساحة إضافية لتصفية الحسابات، بما يحمله ذلك من تداعيات مباشرة على سلاسل الإمداد الغذائي والاقتصاد الهش.

في السياقين السياسي والعسكري، تعززت المؤشرات على أن قرار انخراط الحوثيين في الحرب الإقليمية لا يزال مؤجَّلاً بانتظار توقيت مناسب تُحدده القيادة الإيرانية، وتحديداً دوائر صنع القرار المرتبطة بـ«الحرس الثوري».

مخاوف من أن يؤدي تصعيد الحوثيين عسكرياً إلى تفاقم انعدام الأمن الغذائي (إعلام محلي)

وتؤكد تصريحات قيادات في الجماعة أن الجاهزية العسكرية قائمة، لكن تفاصيل التحرك تبقى رهناً بما وصفوه بـ«عنصر المفاجأة»، وهو ما يعكس طبيعة الدور الوظيفي الذي قد تؤديه الجماعة، ضِمن شبكة النفوذ الإقليمي لإيران.

وتذهب تحليلات دولية إلى أن هذا التأجيل لا يعكس حياداً بقدر ما يمثل جزءاً من استراتيجية إدارة التصعيد، حيث يجري الاحتفاظ بالحوثيين كورقة ضغط يمكن تفعيلها في مراحل لاحقة من الصراع. ويُنظَر إلى هذا التكتيك على أنه يهدف إلى رفع كلفة المواجهة على الخصوم، دون استنزاف مبكر للأدوات الإقليمية.

أزمة تتجه نحو الأسوأ

بالتوازي مع هذه التطورات، حذّرت شبكة الإنذار المبكر من المجاعة من أن أزمة انعدام الأمن الغذائي في اليمن مرشحة للتفاقم، خلال الفترة الممتدة من يوليو (تموز) إلى سبتمبر (أيلول) المقبلين، وهي فترة الذروة السنوية لاحتياجات المساعدات.

وتشير التقديرات إلى أن نحو 16 مليون يمني قد يحتاجون إلى مساعدات غذائية خلال هذه الفترة، في ظل استمرار تدهور سُبل العيش وارتفاع معدلات الفقر، إلى جانب التراجع الحاد لفرص العمل والدخل.

كما أن معظم مناطق اليمن، وفق هذه البيانات، ستظل ضمن المرحلة الثالثة من التصنيف المرحلي لانعدام الأمن الغذائي أو أسوأ، ما يعني أن شريحة واسعة من السكان تُواجه أزمة حقيقية في تأمين احتياجاتها الأساسية.

ثلاث محافظات يمنية تحت سيطرة الحوثيين تواجه حالة طوارئ غذائية (الأمم المتحدة)

ويُعزى هذا التدهور إلى مجموعة من العوامل المتراكمة، وفي مقدمتها استمرار النزاع، والانهيار الاقتصادي، وتقلبات المناخ، فضلاً عن القيود المفروضة على حركة التجارة والإمدادات. كما أن ارتفاع أسعار المواد الغذائية بشكل مستمر يزيد من صعوبة حصول الأُسر على الغذاء، خصوصاً في ظل تآكل القدرة الشرائية.

وتُظهر البيانات أن حدة الأزمة تختلف من منطقة لأخرى، إلا أن ثلاث محافظات خاضعة لسيطرة الحوثيين هي الحديدة، وحجة، وتعز ( الأخيرة خاضعة جزئياً)، مرشحة للوصول إلى مستوى الطوارئ في انعدام الأمن الغذائي، وهو من أخطر المراحل التي تسبق المجاعة.

ولا تبدو المناطق الخاضعة للحكومة المعترف بها دولياً بمنأى عن الأزمة، حيث يُتوقع أن تواجه بعض الأُسر في محافظات مثل لحج والضالع وأبين وشبوة مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي، نتيجة تدهور الأوضاع الاقتصادية وارتفاع تكاليف المعيشة.

وتفاقمت الأزمة، بشكل أكبر، بسبب تعليق المساعدات الغذائية في مناطق سيطرة الحوثيين منذ سبتمبر الماضي، ما أثّر على أكثر من تسعة ملايين شخص كانوا يعتمدون عليها بشكل أساسي.

في المقابل، يخطط برنامج الغذاء العالمي للوصول إلى نحو 1.6 مليون مستفيد في مناطق الحكومة الشرعية، خلال العام الحالي، إلا أن هذه الجهود تبقى محدودة، مقارنة بحجم الاحتياجات.

مؤشرات مُقلقة

تؤكد بيانات الأمم المتحدة أن الوضع الغذائي في اليمن لا يزال عند مستويات مُقلقة، حيث لم تتمكن 64 في المائة من الأسر من تلبية احتياجاتها الغذائية الأساسية مع نهاية عام 2025، في حين يعاني 37 في المائة من السكان الحرمان الغذائي الحاد.

كما تضطر الأسر إلى إنفاق نحو 72 في المائة من دخلها على الغذاء، ما يترك هامشاً ضيقاً للغاية لتغطية بقية الاحتياجات مثل الصحة والتعليم. ولجأت نحو 59 في المائة من الأسر إلى استراتيجيات تكيُّف قاسية، من بينها تقليص الوجبات أو التسول، مع تسجيل نسب أعلى في مناطق سيطرة الحوثيين.

غلاء الأسعار يشكل قيوداً كبيرة على حصول الأُسر اليمنية على الغذاء (الأمم المتحدة)

وتبرز مشكلة سوء التغذية كأحد أخطر أوجه الأزمة، إذ يعاني نحو 2.5 مليون طفل دون سن الخامسة سوء التغذية الحاد، بينهم نصف مليون في حالة حرجة، إضافة إلى تأثر 1.3 مليون امرأة حامل ومرضع. وترتبط هذه الأرقام بانتشار الأمراض، وتدهور الخدمات الصحية، وفقدان مصادر الدخل.

كما سجلت تقارير الرصد ارتفاعاً في مؤشرات الإنذار المرتبطة بواردات الغذاء والوقود، حيث تجاوزت الأسعار المستويات العالمية بشكل كبير، خصوصاً في مناطق سيطرة الحوثيين، ما يزيد من تعقيد الأزمة ويحدّ من قدرة السكان على التكيف.


مشاورات لـ«حماس» في القاهرة لإحياء «اتفاق غزة»

طفل فلسطيني نازح يسير في شارع موحل في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
طفل فلسطيني نازح يسير في شارع موحل في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
TT

مشاورات لـ«حماس» في القاهرة لإحياء «اتفاق غزة»

طفل فلسطيني نازح يسير في شارع موحل في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
طفل فلسطيني نازح يسير في شارع موحل في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)

تنخرط إسرائيل في معارك حرب إيران، مبتعدة عن اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة والتزاماته، فيما تواصل «حماس» حراكاً آخر في القاهرة، بحثاً عن مخرج للتعثر الذي يتواصل منذ إعلان المرحلة الثانية من الاتفاق منتصف يناير (كانون الثاني) دون تقدم.

تلك المشاورات تعول «حماس» أن تحقق اختراقاً في مشهد التعثر الحالي للاتفاق لأسباب بينها استمرار حرب إيران، وفق تقديرات خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، لافتين إلى أن ما يحدث مجرد محاولات لبلورة مسار جديد يعيد اتفاق غزة لطريقه ووقف الخروقات وبحث حلول للأزمات اليومية في القطاع جراء الحصار الإسرائيلي.

مشيِّعون يشاركون في جنازة فلسطينيين قُتلوا خلال ضربة إسرائيلية استهدفت منزلاً بالنصيرات وسط قطاع غزة (رويترز)

وأجرت «حماس» سلسلة لقاءات مع مسؤولين في جهاز المخابرات العامة المصرية، إضافة إلى اجتماع مع المبعوث الأممي نيكولاي ملادينوف، جرى خلالها استعراض مجمل التطورات السياسية والميدانية المرتبطة بملف غزة، وفق تقارير نقلتها وسائل إعلام بالبلدين الوسيطين مصر وقطر.

وقف الخروقات ودمج عناصر «حماس»

وقال مصدران مقربان من «حماس»، لـ«الشرق الأوسط»، الثلاثاء، إن وفداً للحركة برئاسة نزار عوض الله، وضم أيضاً القيادي غازي حمد، التقى مسؤولين أمنيين بمصر وكذلك مبعوثين لمجلس السلام، وناقشوا ملفات عديدة بينها خروقات إسرائيل لاتفاق غزة، ودمج موظفي «حماس» بالشرطة، وتشغيل معبر رفح، وعمل لجنة إدارة غزة التي يفترض أن تتسلم مهامها من الحركة بالقطاع.

وتحدث أحد المصدرين عن أن موضوع نزع سلاح «حماس» كان مطروحاً في أحد المناقشات، ولكن حسمه مؤجل لحين نشر الشرطة الفلسطينية ونشر قوات الاستقرار الدولية، لافتاً إلى أن «حماس» تنتظر دفعاً أميركياً لاتفاق غزة ووقف إسرائيل لخروقاتها.

في سياق متصل، أكد مصدر من لجنة إدارة قطاع غزة، لـ«الشرق الأوسط»، الثلاثاء، أن اللجنة لم تلتق وفد «حماس»، متحفظاً على تقديم أسباب.

وكانت ثلاثة مصادر تحدثت إلى «رويترز»، الاثنين، وأفادت بأن مبعوثين من «مجلس السلام»، الذي يترأسه الرئيس الأميركي دونالد ترمب، التقوا مطلع الأسبوع ‌بممثلين عن حركة «حماس» في القاهرة في محاولة للحفاظ على وقف إطلاق النار في غزة، متوقعين عقد اجتماعات إضافية هذا الأسبوع، دون تحديد موعدها.

وعقب الاجتماع، أعلنت إسرائيل، في بيان، الأحد، أنها ستعيد قريباً فتح معبر رفح بين غزة ومصر، والمغلق منذ بدء الضربات الأميركية والإسرائيلية ضد إيران.

ونقلت «رويترز» عن أحد المصادر قوله إنه يعتقد أن ما أعلنته إسرائيل كان نتيجة مباشرة للاجتماع بين «حماس» و«مجلس السلام»، المكلف بالإشراف على قطاع غزة بعد توقف القتال فيه.

وكشفت إذاعة «مونت كارلو» الدولية، الثلاثاء، أن حركة «حماس» تستعد لبدء جولة محادثات جديدة في القاهرة، رغم التوتر الأمني في المنطقة، لبحث سبل تنفيذ المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار، التي توقفت منذ اندلاع الحرب مع إيران مطلع الشهر الجاري.

أسرة فلسطينية فوق مبنى مدمر جراء القصف العسكري الإسرائيلي جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

وقال عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية الدكتور أحمد فؤاد أنور، إن زيارة وفد «حماس» تأتي في توقيت مهم وتتواكب مع تصعيد إسرائيلي بالمنطقة، لافتاً إلى أن مباحثات الحركة بالقاهرة التي شهدت أكثر من مستوى، سواء مع مجلس السلام أو الجانب المصري، تعطي تطمينات بأن الاتفاق لا يزال قائماً وتبحث خروقات إسرائيل، وبالوقت ذاته تبحث عن صياغة للمستقبل القريب، خاصة القضايا المرتبطة بعمل لجنة إدارة القطاع وملف نزع السلاح وغيرهما.

إبقاء الملف في دائرة الضوء

ويرى المحلل السياسي الفلسطيني، أيمن الرقب، أن مشاورات «حماس» في القاهرة تقول إن ثمة زخماً جديداً بشأن «اتفاق غزة»، ومحاولة مصرية لإبقاء الملف في دائرة الضوء وعدم توقفه، متوقعاً أن يستمر هذا الزخم لإعادة فك تجميد الاتفاق المتعثر حالياً.

ومنتصف يناير الماضي، أعلنت واشنطن الانتقال إلى المرحلة الثانية من خطة ترمب لإنهاء الحرب في القطاع، عبر بنود تشمل انسحاباً إسرائيلياً تدريجياً من غزة، ونزع سلاح «حماس»، ونشر قوة دولية لتحقيق الاستقرار. وحتى الآن لا يزال الجيش الإسرائيلي يسيطر على أكثر من نصف القطاع، في حين ترفض «حماس» إلقاء سلاحها.

خريطة لمراحل الانسحاب من غزة وفق خطة ترمب (البيت الأبيض)

غير أن «هيئة البث الإسرائيلية»، تحدثت السبت، بأن القوة الدولية سيبدأ نشرها في قطاع غزة اعتباراً من مايو (أيار) المقبل.

والاثنين، أكد وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي «أهمية الإسراع بتمكين اللجنة الوطنية لإدارة غزة من الاضطلاع بمهامها من داخل القطاع، باعتبار ذلك خطوة أساسية في إدارة المرحلة الانتقالية وتثبيت التهدئة»، وفق بيان للخارجية المصرية.

ويرى أنور أن ما يحدث مجرد محاولات لبلورة مسار جديد يعيد «اتفاق غزة» لطريقه في ظل الاضطرابات العالمية جراء حرب إيران، متوقعاً استمرار مثل هذه اللقاءات واستمرار الموقف المصري الداعم لوقف إطلاق النار وإعمار القطاع.

ويتوقع الرقب استمرار زخم دفع اتفاق غزة للأمام بحراك مصري على أمل أن يحدث اختراق أو انفراجة في المشهد المتعثر منذ أسابيع.