فوز اشتراكي منقوص... وتحديات ائتلافية صعبة

وسط خلفية الأزمات الاقتصادية والانفصالية التي تهز إسبانيا

فوز اشتراكي منقوص... وتحديات ائتلافية صعبة
TT

فوز اشتراكي منقوص... وتحديات ائتلافية صعبة

فوز اشتراكي منقوص... وتحديات ائتلافية صعبة

توجه الإسبان، يوم الأحد الماضي، إلى مراكز الاقتراع للتصويت في انتخابات عامة، هي الرابعة خلال أقل من 4 سنوات. وكانت هذه محاولة يائسة لكسر الجمود الذي يخيّم على المشهد السياسي بسبب تعذّر تشكيل أغلبية برلمانية كافية تستند إليها حكومة مستقرّة باتت البلاد بأمسّ الحاجة إليها لضبط الوضع الاقتصادي المترنّح ومواجهة الأزمة الانفصالية في إقليم كاتالونيا.
لم تسفر نتائج هذه الانتخابات عن تغيير كبير في معادلة توزيع القوى التقليدية في المشهد السياسي الإسباني من شأنه أن يمهّد لغالبية برلمانية تُخرج البلاد من مأزق تشكيل الحكومة. غير أنها في المقابل، تمخّضت عن أكبر مفاجأة منذ عودة النظام الديمقراطي أواخر سبعينات القون الماضي، عندما حصل حزب «فوكس» اليميني المتطرف على 50 مقعداً في البرلمان. وبذا بات قوة سياسية مؤثرة في البلاد وتخرج إسبانيا بذلك من دائرة الدولة الأوروبية الكبرى الوحيدة التي لم يكن اليمين المتطرف ممثلاً في مؤسساتها البرلمانية.
لكن المفاجأة الكبرى جاءت يوم الثلاثاء الماضي، عندما وقف بيدرو سانتشيز، الأمين العام للحزب الاشتراكي والرئيس الحالي لحكومة تصريف الأعمال، إلى جانب الأمين العام لحزب «بوديموس» اليساري ليعلن أمام الصحافيين في مجلس النواب أن الطرفين توصّلا إلى اتفاق لتشكيل ائتلاف حكومي تقدمي، هو الأول في تاريخ إسبانيا منذ الحرب الأهلية في منتصف ثلاثينات القرن الماضي.
بعد وفاة الجنرال فرنشيسكو فرنكو في عام 1975 وسقوط نظامه الديكتاتوري، الذي أدّى إلى فرض ما يشبه الحجر الصحي على إسبانيا في محيطها الأوروبي، استعادت البلاد الحكم الديمقراطي. ثم انضمّت إلى المجموعة الأوروبية بعدما استوفت شرط الاعتراف بإسرائيل، لتصبح آخر دولة أوروبية تقيم علاقات دبلوماسية مع الدولة العبرية.
والواقع أنه منذ أواخر سبعينات القرن الماضي نعمت إسبانيا باستقرار سياسي كانت تُحسد عليه في محيطها الأوروبي، قام على ثنائية حزبية راسخة قوامها اليمين المحافظ ممثلاً بالحزب الشعبي واليسار المعتدل ممثلاً بالحزب الاشتراكي.
الحزبان تناوبا بانتظام على الحكم حتى أواخر العقد الأول من القرن الحالي. إلا أنه، بعد الأزمة المالية العالمية في عام 2008، التي دفعت الاقتصاد الإسباني إلى شفا الانهيار وأدت التدابير القاسية لاحتوائها إلى تداعيات اجتماعية واسعة، طرأ تحوّل على المشهد السياسي الإسباني. إذ ظهرت حركة شعبويّة منضوية في حزب «بوديموس» الذي ينافس الحزب الاشتراكي على أصوات المعسكر اليساري والتقدمي، قابلها ظهور حركة يمينية معتدلة قوامها حزب «مواطنون» تنافس الحزب الشعبي على أصوات المحافظين والوسط.
ومن ثم، أدت هذه الحال إلى التشرذم في القوى البرلمانية، وإلى دخول إسبانيا مرحلة من الاضطراب السياسي، جعلت من تشكيل الحكومات سلسلة من المخاضات المعقّدة التي أعاقت عملية النهوض الاقتصادي. كذلك أدت إلى ارتفاع غير مسبوق في منسوب التوتر بين القوى والأحزاب السياسية، كان من أخطر تداعياته اتساع هامش الصعود أمام الحركة الانفصالية في كاتالونيا (قطالونية) التي وضعت إسبانيا أمام أخطر أزمة في تاريخها الحديث، لتصبح حجر الرحى الذي تدور حوله السياسة الإسبانية منذ محاولة إعلان الاستقلال في خريف عام 2017.

سقوط الحزب الشعبي
أول التداعيات الكبرى للأزمة الانفصالية في إقليم كاتالونيا كان سقوط حكومة الحزب الشعبي الأخيرة التي كان يرأسها ماريانو راخوي ووصول الاشتراكي بيدرو سانتشيز إلى الحكم. إلا أن سانتشيز حكم مستنداً إلى أقلية برلمانية تهدد بسقوطه في كل لحظة، ومتعرّضاً لابتزاز مستمر من الأحزاب الانفصالية التي كانت تمسك بمفتاح الأغلبية في البرلمان.
رغم هذه الصعوبات، تمكّن سانتشيز من تنفيذ قسم كبير من برنامجه الحكومي، استعاد معه كثيراً من الخدمات الاجتماعية التي كانت الحكومات اليمينية قد ألغتها في سياق احتواء الأزمة الاقتصادية، ما أدى إلى تعزيز موقعه في المعسكر التقدمي، الذي كان يزداد الاستياء في أوساطه، ويجنح لتأييد حزب «بوديموس» الذي يسعى منذ تأسيسه إلى قيادة القوى اليسارية.
وبعد انسداد الأفق البرلماني أمام سانتشيز، عندما تعذّر عليه إقرار قانون الموازنة العامة في فبراير (شباط) من العام الماضي بسبب رفض القوى الانفصالية الكاتالونية دعمه لرفضه التجاوب مع مطالبها لتنظيم استفتاء حول تقرير المصير، أعلن حل البرلمان ودعا لإجراء انتخابات أواخر أبريل (نيسان) الماضي. تلك الانتخابات أسفرت عن فوزه وتعزيز موقعه في البرلمان، ولكن بعيداً عن الأغلبية التي تتيح له الحكم من غير تحالفات مع القوى الأخرى.
وبعد أشهر من المراوحة والمفاوضات المعقّدة للاشتراكيين مع حليفهم الطبيعي حزب «بوديموس» وصلت الأمور إلى إعلان القطيعة بينهما. وبعد فشل سانتشيز في نيل الثقة في البرلمان لتشكيل حكومة منفرداً اضطر الزعيم الاشتراكي إلى الدعوة لإجراء انتخابات جديدة أمل في أن تمكّنه من زيادة رصيده البرلماني بما يتيح له فرض شروط أفضل لتأليف الحكومة، أو على الأقل لتحييد معارضيه، في اليمين واليسار، لتشكيل حكومة أقليّة.
من جهته، كان حزب «بوديموس» يسعى إلى وقف التراجع في شعبيته بعد الانتكاسة التي أصيب بها في الانتخابات الأخيرة والانشقاق الذي حصل في صفوفه. أما الحزب الشعبي اليميني فكان يحاول استعادة موقعه في الثنائية الاشتراكية - الشعبية التي تناوبت على الحكم في إسبانيا منذ 4 عقود، بعد التراجع الكبير الذي أصابه في انتخابات العام الماضي.

صعود المتطرفين
لكن مع اقتراب الحملة الانتخابية من مرحلتها الأخيرة، بدأت استطلاعات الرأي تنذر بصعود قوي لحزب «فوكس» اليميني المتطرف الذي ظهر في المشهد السياسي الإسباني لأول مرة في الانتخابات الإقليمية الأندلسية مطلع العام الماضي. ثم حصل على 23 مقعداً في الانتخابات العامة الأخيرة التي خاض غمارها أيضاً للمرة الأولى.
وكانت الاستطلاعات السابقة تشير إلى تراجع شعبية «فوكس» في كل الدوائر، على غرار ما حصل في الانتخابات الأوروبية والمحلية. لكن بعد التطورات التي شهدتها الأزمة الانفصالية في كاتالونيا خلال الأسابيع الأخيرة التي سبقت موعد الانتخابات العامة، وما رافقها من تصعيد في مواقف القوى والأحزاب المطالبة بالاستقلال، عادت الاستطلاعات تُظهر صعوداً مطرداً لهذا الحزب. ورجّح بعضها وصوله إلى المرتبة الثالثة بعد الحزب الاشتراكي والحزب الشعبي، مع احتمال تقدّمه على هذا الأخير في بعض الدوائر.
ولا شك في أن من بين التطورات التي ساعدت في هذا الصعود المفاجئ والسريع لليمين المتطرف في الفترة الأخيرة، ما كشفته أجهزة الأمن الإسبانية أخيراً من تحضيرات لتمرّد واسع وأنشطة تخريبية كانت تعدّ لها جماعات انفصالية متطرفة في كاتالونيا. وكانت الشرطة قد ألقت القبض على 9 أفراد اتهموا بالتورط في تلك التحضيرات، وضبطت معهم متفجرات ومخططات لاقتحام مبنى البرلمان الإقليمي ثم احتلاله وإجبار النوّاب على إعلان استقلال الإقليم عن إسبانيا. كذلك أفادت مصادر أمنية بأن التحقيقات أظهرت أن المتهمين كانوا على اتصال وتنسيق مع التيّار الانفصالي الذي يدعم الرئيس الحالي للحكومة الإقليمية كيم تورّا وسلفه الفار من العدالة كارلي بوتشيمون. وكانت حكومة سانتشيز قد تعرّضت لانتقادات شديدة بسبب ما وصفته أوساط المعارضة بأنه «تنازل أمام التصعيد الانفصالي» و«الرضوخ لابتزاز الأحزاب الانفصالية»، طمعاً في الحصول على تأييدها في البرلمان لتشكيل الحكومة.

نكسة لليسار الحاكم
وحقاً، جاءت نتيجة الانتخابات الأخيرة، يوم الأحد الماضي، على عكس ما كان بيدرو سانتشيز يخطط له استناداً إلى استطلاعات الرأي التي كانت تتوقع زيادة رصيده ومزيداً من الانهيار للحزب الشعبي. فمع أن الحزب الاشتراكي جدّد فوزه بالمركز الأول فإنه خسر 3 مقاعد، وفي المقابل، استعاد الحزب الشعبي 23 من المقاعد التي كان خسرها في الانتخابات السابقة، وتراجع حزب «بوديموس» اليساري، وانهار حزب «مواطنون» - الذي أعلن مؤسسه وزعيمه ألبرت ريفيرا استقالته من منصبه وانسحابه نهائياً من المعترك السياسي. أما الفائز الفعلي الوحيد في هذه الانتخابات فكان حزب «فوكس» اليميني المتطرف، الذي رفع رصيده من مقاعد البرلمان من 24 إلى 52 نائباً، ليغدو القوة السياسية الثالثة في إسبانيا بعد أقل من عام على ظهوره في المشهد السياسي.
التحليلات السياسية الأولى لنتائج هذه الانتخابات عدّت أنها كانت خسارة للمعسكر اليساري على كل الجبهات. فالقوى اليسارية كان بوسعها أن تتحاشى الدعوة لإجرائها لو تمكّنت من التوصّل إلى اتفاق لتشكيل حكومة ائتلافية، أو بدعم من «بوديموس»، على أساس برنامج مشترك من غير الدخول في الحكومة، بعد انتخابات أبريل الماضي. هذا، مع العلم أن الاشتراكيين خسروا 3 مقاعد وخسر حزب «بوديموس» 7 مقاعد. يضاف إلى ذلك أن الحزب الشعبي استعاد موقعه في الثنائية التي تتناوب على الحكم منذ عقود بعد اقترابه من الانهيار في الانتخابات السابقة، فضلاً عن الهزيمة القاسية التي مني بها حزب «مواطنون» المعتدل الذي يرى فيه كثيرون الحليف الأمثل للاشتراكيين من أجل تشكيل حكومة مستقرّة تحظى بدعم الدوائر الاقتصادية وترحيب العواصم الأوروبية.
ولكن لا خلاف على أن الخسارة الكبرى التي أصابت المعسكر اليساري في هذه الانتخابات كانت خروج اليمين المتطرف من «قمقم» السياسة الإسبانية بعد أكثر من 4 عقود على رحيل الجنرال فرنكو، الذي كان اليسار يحتفل منذ أسابيع بطي صفحته نهائياً بعد نقل رفاته من المزار التاريخي الذي كان أمر بتشييده إلى مقبرة العائلة.
ويرى مراقبون أيضاً أن هذه الانتخابات كانت أيضاً انتكاسة للنظام الإسباني الذي يسعى لاستعادة استقراره المفقود منذ سنوات، وها هو اليوم يدخل من جديد في نفق مزيد من التشرذم للقوى البرلمانية، في الوقت الذي يرفع فيه الانفصاليون من رصيدهم في كاتالونيا، ويصعد اليمين المتطرف إلى مرتبة القوة السياسية الثالثة بعدما كانت إسبانيا - حتى منتصف هذا العام - الدولة الأوروبية الكبرى الوحيدة التي لم يكن ممثلاً في برلمانها.

تفاهم اضطراري
في أي حال، وفي حين كانت إسبانيا تستعد لمسلسل آخر من المفاوضات الماراثونية العقيمة لتشكيل الحكومة الجديدة، وسط توقعات بالعودة مرة أخرى إلى صناديق الاقتراع، حصلت مفاجأة أخرى لم تكن واردة في حسابات أي من الأطراف - بما فيها الطرفان اللذان كانا وراءها - وغطّت على مفاجأة النتيجة التي حصل عليها اليمين المتطرف. إذ ظهر الأمين العام للحزب الاشتراكي بيدرو سانتشيز إلى جانب زعيم حزب «بوديموس» بابلو ايغليزياس يوم الثلاثاء الماضي، أمام الصحافيين في مبنى البرلمان ليشرحا تفاصيل الاتفاق الذي توصلا إليه، بعد 48 ساعة من صدور نتائج الانتخابات، لتشكيل ائتلاف حكومي تقدمي يساري، هو الأول في إسبانيا منذ 80 سنة.
كان أبرز ما في هذا الاتفاق، الذي نضج بسرعة مذهلة على نار مفاجأة صعود اليمين المتطرف، هو أن ما كان متعذراً في الربيع الماضي أصبح الآن ممكناً، بما في ذلك تولّي ايغليزياس منصب نائب رئيس الوزراء الذي كان سانتشيز يرفض مجرد مناقشته في المفاوضات السابقة.
لكن رغم الارتياح الذي عمّ الأوساط التقدمية بعد الإعلان عن الاتفاق لتشكيل حكومة ائتلافية بين الحزب الاشتراكي وحزب «بوديموس»، ما زالت دون تفعيل هذا الاتفاق وتشكيل حكومة تنال ثقة الأغلبية في البرلمان عقبات كثيرة قد لا يكون من السهل تذليلها. فلقد خسر طرفا الائتلاف ما مجموعه 10 مقاعد في البرلمان، ما يستدعي مزيداً من الدعم لتأمين الأغلبية اللازمة. والدعم في الوقت الراهن لا يمكن أن يأتي إلا من الأحزاب الصغيرة مثل الانفصاليين الكاتالونيين أو القوميين الباسك، أو امتناع هذه الأحزاب عن التصويت في جلسة الثقة، شريطة أن يمتنع أيضاً حزب «مواطنون» الذي كان الخاسر الأكبر في هذه الانتخابات.
ويحاول سانتشيز، منذ إعلانه عن الاتفاق مع «بوديموس»، إقناع حزب اليسار الجمهوري، الذي يمثّل التيّار الانفصالي الكاتالوني - الذي اختار تحاشي الصدام المباشر مع مدريد والإحجام عن إعلان الاستقلال من طرف واحد - بالامتناع عن التصويت في جلسة الثقة، الأمر الذي من دونه يستحيل على الزعيم الاشتراكي تشكيل حكومته.
ويشدّد سانتشيز على أن الحكومة الائتلافية التقدمية التي يسعى إلى تشكيلها، هي الوحيدة القادرة على فتح قنوات الحوار مع الانفصاليين. لكن اليسار الجمهوري الكاتالوني ما زال يصرّ، حتى الآن، على التصويت ضد الحكومة، ويطالب لتعديل موقفه بمائدة حوار بين الأحزاب خارج إطار البرلمان لمناقشة الأزمة في إقليم كاتالونيا.

كيف يرى الحزب الشعبي المرحلة المقبلة؟
> الحزب الشعبي، القوة الرئيسية في معسكر اليمين المعتدل في إسبانيا، كان قد أبقى الباب مفتوحاً أمام التوصل إلى اتفاق مع الحزب الاشتراكي لتشكيل حكومة وحدة وطنية على قاعدة ثنائية أو بمشاركة كل الأحزاب باستثناء الانفصالية منها.
وتعدّ أوساط الحزب أن الاتفاق بين الاشتراكيين وحزب «بوديموس» يرفع الضغط عنهم (أي الشعبيين) ويتيح لهم الانصراف لممارسة معارضة مسؤولة بوجه حكومة الائتلاف التقدمي في حال تشكيلها، وذلك انطلاقاً من كون حزبهم الحزب الشعبي هو البديل الوحيد لمثل هذه الحكومة في ضوء نتائج الانتخابات الأخيرة.
كذلك ترى أوساط الحزب الشعبي، الذي استعاد قدراً ملحوظاً من شعبيته وعزّز موقعه في المعارضة، أن حكومة ائتلاف تقدمي تهديه فرصة ذهبية لاستعادة الأغلبية في البرلمان عند أول استحقاق انتخابي، لا يستبعد أن يكون قبل نهاية الولاية التشريعية الراهنة، وهذا في ظل الأزمة الانفصالية المرشّحة لمزيد من التصعيد والتفاقم في كاتالونيا، وما تحمله من ترسبات الخلافات السابقة بين طرفيها.



العراق... والحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران

اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)
اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)
TT

العراق... والحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران

اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)
اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)

يصعب الفرز بين العقيدة والمصلحة عند بحث العلاقات العراقية-الإيرانية. وفي حين أن العقيدة عابرة للحدود، يظل مفهوم المصالح نسبياً. أما في إطار المصالح المتبادلة، فهي من جهة محكومة بالعلاقات الثنائية، ومن جهة ثانية تتأثر بالخرائط والجغرافيا، فضلاً عن امتدادات التاريخ، التي غالباً ما تزحف هنا وهناك لتخلق فرصاً، إما لمزيد من التفاهمات، أو لتتحول إلى أزمات تختلط فيها عوامل التاريخ، والجغرافيا، والعقائد، والأديان، والقوميات، والمذاهب. لهذا، تكاد العلاقات العراقية-الإيرانية تكون نموذجاً فريداً من نوعه في منطقة الشرق الأوسط، لجهتي التداخل العنيف بين الحدود الجغرافية وميوعة التاريخ بكل إرثه وإشكالاته، وأيضاً بتعقيدات الحاضر، وغموض المستقبل.

لقد استدعى العراق وإيران، على الأقل منذ ثمانينات القرن الماضي، حين تحارب البلدان لمدة ثماني سنوات، كل ما يملكانه من مخزون التاريخ، وبالأخص آلامه وأحزانه. هذا فضلاً عن حساسيات الجغرافيا، ولا سيما الخطوط الحدودية الإشكالية، والتداخلات والامتدادات الإنثروبولوجية الإثنية، ومنها حالات لمناطق كانت عربية وجزءاً من العراق، لكنها أصبحت جزءاً من إيران.

وبعد حرب السنوات الثماني، التي انتهت بتجرّع المرشد الإيراني السابق آية الله الخميني «كأس السم» إثر موافقته على وقف إطلاق النار فيما عرف بـ«حرب الخليج»، اختلفت المقاربة بعد أكثر من ثلاثة عقود. وتحوّل العراق مع إيران بالتالي إلى حليف مرة، ومساند مرة، ويحاول الحياد مرة.

لكن الفارق، بين الأمس واليوم، أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب لم يمنح المرشد -الخلف- علي خامنئي المجال لتجرع «كأس السمّ» في المواجهة الحالية، بل أقدم على قتله في أولى الضربات التي وجهتها «آلة الحرب الأميركية» إلى إيران. وهكذا، تُرك الباب مشرعاً أمام «حرب مفتوحة»... مرشحة أن تغدو حرباً وجودية تحكمها معادلة صفرية «أكون أو لا أكون».

بين المصلحة والعقيدة

الحكومة العراقية، التي هي حكومة «تصريف أمور يومية»، تحاول الآن العمل وفق حدود طبيعتها، بيد أن ما يجري حولها يفوق قدرة أي حكومة كاملة الصلاحيات، ولا سيما في غياب أي توازن في موازين القوى.

وبسبب الخلافات السياسية بين القوى الفائزة في الانتخابات البرلمانية العراقية الأخيرة، التي أجريت أواخر العام الماضي، تعذّر تشكيل حكومة جديدة نظراً للخلاف الكردي ـ الكردي على منصب رئيس الجمهورية، والخلاف الشيعي ـ الشيعي على منصب رئيس الوزراء.

ولكن في هذه الأثناء يستفيد رئيس الحكومة الحالية محمد شياع السوداني من الصلاحيات الممنوحة له بموجب الدستور كقائد عام للقوات المسلحة، فيسعى إلى الموازنة بين أمرين: الأول: الجهود المبذولة لحماية الجبهة الداخلية وسط الضربات المتبادلة بين الفصائل العراقية المسلحة الموالية عقائدياً لإيران.

والثاني: عمل ما يمكن عمله على الصعيد الدبلوماسي باتجاه خفض التصعيد في ضوء ضربات الفصائل التي استهدفت بعض دول الجوار الجغرافي للعراق.

بالتالي، ما يُذكر هنا أنه بينما كان العراق قد تمكن عملياً إبان حرب الـ12 يوماً في يونيو (حزيران) عام 2025 من النأي بنفسه عن المواجهة الإسرائيلية – الإيرانية، ما جنب العراق ضربات كانت مقرّرة، فإن الفصائل المسلحة اعتبرت الحرب الأخيرة حرباً وجودية يتطلب تكليفها الشرعي والعقائدي المشاركة فيها، بينما تميل بغداد للتعامل مع الحرب بلغة المصالح.

وحقاً، كرّر السوداني، رئيس الحكومة، في أكثر من موقف، منها اتصال هاتفي أجراه معه وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، رفض الحكومة أي تهديدات تنطلق من الأراضي العراقية. وطبقاً لبيان رسمي أكد السوداني: «لن نسمح بأي حال من الأحوال بأن تنطلق من الأراضي العراقية أي تهديدات تمس الجمهورية الإسلامية الإيرانية»، وشدد على التزام بغداد بحماية سيادتها، ومنع استخدام أراضيها في أي تصعيد إقليمي.

غير أن العراق، وفق عضو البرلمان العراقي السابق حيدر الملا، «يقع في هذه الحرب بين نارين». إذ قال الملا على منصة «إكس» إن «أغرب ما في الحرب الدائرة بالمنطقة هو وضع العراق... أميركا تقصف العراق بحجة استهداف الفصائل المسلحة، بينما تقصف إيران العراق بحجة الوجود الأميركي». وأضاف الملا أنه «أحياناً العراق يقصف نفسه كما حدث في استهداف أربيل».

وقفة على الجسر المعلق

من جهة أخرى، في حين ترابط الفصائل المسلحة العراقية، لليوم الخامس على التوالي، عند «الجسر المعلّق» القريب من مبنى السفارة الأميركية المطلّ على نهر دجلة، أدى مقتل قيادي بارز في «كتائب حزب الله» إلى إعلان الفصائل توسيعها عملياتها لتشمل أوروبا. وجاء هذا التطوّر بينما تحاول الدبلوماسية العراقية ترميم علاقات بغداد مع دول الجوار، ويهدد النواب الذين ينتمون إليها في البرلمان العراقي بإلغاء اتفاقية «الإطار الاستراتيجي» التي وقعها العراق مع الولايات المتحدة عام 2009.

الفصائل، في بيان لها، عدّت أن «المشاركة الأوروبية تجعل تلك الدول عدواً لشعوبنا ومقدساتنا». وتابع البيان: «واشنطن وتل أبيب تحشدان حلفاءهما، وتسعيان إلى استقدام دعم أوروبي للانخراط في الحرب»، محذراً من أن أي تورّط أوروبي «سيقابل بتوسيع دائرة الأهداف».

من جانبه، أفاد مقداد الخفاجي، عضو البرلمان العراقي عن حركة «حقوق» -وهي الجناح السياسي لـ«كتائب حزب الله»- أن البرلمان العراقي سيناقش الأسبوع المقبل إمكانية إلغاء اتفاقية «الإطار الاستراتيجي» الموقعة مع واشنطن عام 2009.

وأردف الخفاجي أن «القوات الأميركية والإسرائيلية استهدفت العديد من مواقع القوات الأمنية والحشد الشعبي والفصائل في العراق... وهي العمليات التي أسفرت عن مقتل 19 شخصاً، وإصابة العشرات من عناصر الحشد الشعبي والقوات الأمنية». واستطرد أن «مجلس النواب سيطرح في الجلسة المقبلة مشروع إلغاء الاتفاقية الأمنية مع الجانب الأميركي لحماية الأجواء العراقية، وفي الوقت نفسه سيُستعان باتفاقية أخرى مع الدول العالمية كروسيا والصين... فالولايات المتحدة أثبتت تآمرها على الشعب والحكومة العراقية باستهداف مواقع أمنية تابعة للحشد، وكذلك مواقع مدنية، واستغلال أجواء العراق لضرب دول أخرى»، حسب تعبيره.

الفصائل المسلحة تعمل على توسيع عملياتها لتشمل أوروبا... بينما تحاول الدبلوماسية العراقية ترميم علاقات بغداد مع دول الجوار

حكومة منزوعة الصلاحيات

كما سبقت الإشارة، بعد نحو ثلاثة شهور على إجراء الانتخابات البرلمانية في البلاد، أخفقت القوى السياسية العراقية في التوافق على انتخاب رئيس جديد للجمهورية وترشيح رئيس جديد للوزراء. وهكذا تحوّلت الحكومة التي يترأسها السوداني بموجب الدستور إلى حكومة «تصريف أمور يومية» بعد انتخاب البرلمان الجديد، إلا أنها تواجه الآن تحدياً صعباً للغاية. وهو يتعلق بكيفية مواجهة تداعيات الحرب الحالية، سواءً في حال استمر غلق مضيق هرمز، أو مواصلة الفصائل المسلحة قصفها للمواقع الأميركية في العراق، مع التهديد بشن عمليات خارجية، وهو ما قد يعقّد موقف العراق عربياً ودولياً.

مع هذا، باشر السوداني رغم أجواء الحرب ممارسة صلاحياته كاملة كقائد عام للقوات المسلحة. هذا الوضع يمنحه مساحة للتحرك، بما في ذلك ضبط التوازنات بين المؤسسات الأمنية ومؤسسات الدولة الأخرى. وفي هذا السياق قد كان أكد أن «الدولة وحدها من يمتلك حق قرار الحرب والسِّلم»، وأن الحكومة ستقف بقوة تجاه أي طرف يحاول جرّ العراق للتورّط في الصراعات، مع التشديد على تحقيق المصالح العليا للشعب العراقي.

السوداني أكد في بيان شديد اللهجة التزام حكومته «بحماية سيادة العراق، وأجوائه ومياهه، ومنع توظيفها بأي شكل في الصراعات الجارية بالمنطقة». وتعهّد بأن «القوات المسلحة العراقية بكل تشكيلاتها وصنوفها ملتزمة بمهامها القانونية بحماية الممتلكات العامة والخاصة، والبعثات والسفارات الأجنبية». وبيّن أن الحكومة تولي أهمية كبيرة للعلاقات العراقية بالمحيط الإقليمي والدولي، من منطلق رئاسة العراق للقمة العربية تسعى إلى تنسيق المواقف بما يؤمن فرض الاستقرار، وإيقاف الأعمال العسكرية، ومنع حدوث المزيد من أسباب العنف. كذلك دعا رئيس الحكومة إلى «توحيد الخطاب بين القوى السياسية الوطنية، والعمل على مواجهة الشائعات، ووجّه الوزارات المعنية بمتابعة تأمين مفردات الأمن الغذائي، والجوانب الخدمية، والتصدّي لأي محاولة لاستغلال الأوضاع الراهنة للتلاعب بالأسعار».

ولكن، على الرغم من هذه المواقف، لم يكن الالتزام على الأرض دقيقاً. وبالإضافة إلى المظاهرات التي ينظمها ليلاً ونهاراً أنصار الفصائل المسلحة على «الجسر المعلّق»، القريب من القصر الحكومي والسفارة الأميركية، في محاولات للوصول إلى مبنى السفارة، فإن هذه الفصائل قصفت طوال الأيام الماضية عدة مواقع عراقية بينها مدينة أربيل، في إقليم كردستان، بحجة تسلّل جماعات كردية عراقية إلى داخل إيران بمساعدة الأحزاب الكردية الإيرانية التي تريد منها واشنطن أن تكون نواةً للغزو البرّي الأميركي انطلاقاً من المناطق الكردية بشمال غربي إيران بهدف إسقاط النظام الإيراني.

وللعلم، أعربت طهران عن قلقها بعد مكالمة هاتفية أجراها الرئيس ترمب مع الزعيمين الكرديين مسعود بارزاني زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني، وبافل طالباني زعيم الاتحاد الوطني الكردستاني، بشأن ما عدّته تطوراً خطيراً في حال دخل كرد العراق طرفاً في حرب الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران.

وكان علي باقري، نائب أمين عام مجلس الأمن القومي الإيراني، قد أبلغ قاسم الأعرجي مستشار الأمن القومي العراقي، وفق بيان للأخير «بقلق السلطات الإيرانية حيال ما يجري في المناطق الحدودية الكردية بين العراق وإيران». وطالب المسؤول الإيراني العراق باتخاذ الإجراءات اللازمة لمنع أي جماعات معارضة من اختراق الحدود بين البلدين، استناداً إلى الاتفاق الأمني الموقع بين بغداد وطهران.

وبدوره، أفاد الأعرجي بأن العراق يواصل جهوده الدبلوماسية مع مختلف الأطراف لاحتواء الأزمة، ووقف التصعيد، والعودة إلى مسار الحوار، والالتزام الكامل بالاتفاق الأمني بين البلدين، ومنع أي جماعات من التسلل، أو اختراق الحدود الإيرانية، أو تنفيذ أعمال إرهابية انطلاقاً من الأراضي العراقية. كذلك تطرّق الأعرجي إلى إرسال وزارة الداخلية في إقليم كردستان تعزيزات أمنية من قوات «البيشمركة» إلى الشريط الحدودي لتعزيز السيطرة على القاطع الحدودي من جهة أربيل. وجاء هذا بالتزامن مع ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء عن مصادر قولها إن «جماعات كردية إيرانية مسلحة في إقليم كردستان العراق أجرت مشاورات مع الولايات المتحدة خلال الأيام الماضية حول ما إذا كانت ستهاجم قوات الأمن الإيرانية».

كان العراق، من جهته، قد أعلن أواخر العام 2023 عن إخلاء مقار الجماعات والأحزاب الكردية الإيرانية المعارضة للنظام في طهران، والموجودة في أراضي إقليم كردستان بشكل نهائي، تمهيداً لاعتبارهم لاجئين، ضمن اتفاق أمني مبرم بين البلدين.

زيدان «يحل العقدة»

في سياق متّصل، تخلق الحرب الجارية الآن أوضاعاً سياسية واقتصادية غاية في الصعوبة للعراق بسبب غلق مضيق هرمز، وافتقار العراق لبدائل في حال توقف تصدير نفطه، وإعلان البنك المركزي العراقي انخفاض احتياطي العملات الأجنبية. ويفاقم الوضع استمرار الانسداد السياسي داخل القوى الشيعية بسبب رفض رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي التنازل عن ترشحه لمنصب رئيس الوزراء.

ما يذكر، أن المالكي الذي رشحه «الإطار التنسيقي» الشيعي بالغالبية إثر تنازل السوداني -الفائز الأول بالانتخابات- يواجه «فيتو» أميركي يحول دون تمكنه من تشكيل الحكومة. ومع أن دائرة الرافضين لتوليه المنصب بدأت تتسع داخل البيت الشيعي، فإنه، حتى بعد اندلاع الحرب، وحاجة العراق إلى حكومة كاملة الصلاحيات، ما زال يرفض التنازل إلا إذا كان ذلك بإجماع قادة «الإطار التنسيقي». غير أن العقدة لا تقف عند البيت الشيعي، فالبيت الكردي، هو الآخر، يواجه انشقاقاً حاداً يحول دون استكمال حكومة الإقليم رغم مرور أكثر من سنة على تأخر تشكيلها، كما يعوق قدرة الكرد على حسم مرشحهم لمنصب رئيس الجمهورية.

القاضي فائق زيدان، رئيس مجلس القضاء الأعلى، كان اقترح في مقال له نشره في «الشرق الأوسط» الثلاثاء الماضي تحت عنوان: «خطيئة التفسير الخاطئ للدستور» إجراء تعديل للدستور، أو لقانون مجلس النواب العراقي، لتحديد المقصود بـ«الكتلة الأكبر عدداً». وهذا الكتلة يقع على عاتقها تقديم مرشح لمنصب رئيس الحكومة بعد كل انتخابات تشريعية.

زيدان، في مقاله الذي أثار ردود فعل واسعة داخل العراق، أسهم في فك العقدة الخاصة بمفهوم «الكتلة الأكبر» التي هي طبقاً للدستور القائمة الفائزة بالانتخابات. وأيضاً مهد الطريق أمام القوى الشيعية لترشيح السوداني لولاية ثانية كونه هو الفائز الأول عبر كتلته «ائتلاف الإعمار والتنمية». ووفق زيدان، فإن «المادة (76) من دستور جمهورية العراق لسنة 2005 تُعد من أكثر النصوص الدستورية إثارة للجدل، نظراً لارتباطها المباشر بتشكيل السلطة التنفيذية. فقد نصّت على أن يقوم رئيس الجمهورية بتكليف مرشح (الكتلة النيابية الأكثر عدداً) بتشكيل مجلس الوزراء خلال مدة محددة». وأضاف: «غير أن الإشكال الدستوري ظهر في تفسير هذا المصطلح، وهو ما تصدت له المحكمة الاتحادية العليا، في قرارها الصادر بالعدد (25/اتحادية/2010) بتأريخ 2010/3/25 والذي ما زال محل جدل فقهي وسياسي»، مبيناً أن «الإشكال تمحور حول تحديد المقصود بـ«الكتلة النيابية الأكثر عدداً»: أهي الكتلة التي حصلت على أعلى عدد من المقاعد في الانتخابات؟ أم الكتلة التي تتشكل بعد إعلان النتائج من خلال تحالفات داخل مجلس النواب؟».


بيتر ثيل... «عقل» البيانات الذي نقل الحرب إلى زمن القرار الآلي

 تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة
تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة
TT

بيتر ثيل... «عقل» البيانات الذي نقل الحرب إلى زمن القرار الآلي

 تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة
تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة

قد يصعب فهم أثر بيتر ثيل مؤسس شركة «بالانتير» ورئيسها العام لأنظمة تشغيل البيانات في السياسة والحروب من دون العودة إلى الفكرة التي صاغت مساره بعد مشاركته في تأسيس شركة «باي بال». ذلك أنه إذا كانت مكافحة الاحتيال المالي تعني جمع إشارات متناثرة وتحويلها إلى «خريطة خطر» في الوقت الحقيقي، فلماذا لا تُنقل الفكرة إلى مكافحة الإرهاب والاستخبارات ثم إلى ساحة القتال؟ هكذا وُلدت «بالانتير» عام 2003، بوصفها شركة تبني «أنظمة تشغيل للبيانات» أكثر منها شركة برمجيات تقليدية، وتحوّل التراكم الهائل للمعلومات إلى معرفة قابلة للتنفيذ.

في السيرة العامة لبيتر ثيل، من ألمع شخصيات العالم وأخطرها اليوم، يتكرّر خيط واحد: الارتياب من الدولة حين تعجز، والارتياب منها أيضاً حين تتضخّم. لكن الرجل اختار أن يبني جسراً بين الطرفين: إذ يزوّد المؤسّسات الأمنية والعسكرية بأدوات تجعلها «أكثر قدرة»، مع إبقاء المساءلة الأخلاقية والسياسية معلّقة في الهواء. وهو اليوم الرئيس العام «بالانتير»، وشريك في منظومات استثمارية شكّلت ما يُعرف بـ«مافيا باي بال»، وامتدت من رأس المال المغامر إلى السياسة والإعلام.

سيرة ذاتية

وُلد بيتر أندرياس ثيل عام 1967 في مدينة فرنكفورت بألمانيا، لوالديه سوزان وكلاوس فريدريش ثيل اللذين هاجرا مع العائلة إلى الولايات المتحدة عندما كان بيتر في سنته الأولى. وعاشت العائلة في مدينة كليفلاند (بولاية أوهايو)، حيث عمل والده كلاوس مهندساً كيميائياً. ثم عمل في كثير من شركات التعدين، ما تسبب في تنقل بيتر وشقيقه الأصغر باتريك مايكل بكثرة. وللعلم، في حين حصلت والدته على الجنسية الأميركية فإن أباه لم يحصل عليها. وهذا الإحساس المبكّر بالتنقّل والهشاشة المؤسسية، كما يقرأه مقرّبون من مسار ثيل، ترك أثره على نظرته إلى الدولة والسلطة.

درس ثيل في جامعة ستانفورد الشهيرة وتخرّج فيها، وهناك جمع بين القانون والفلسفة وثقافة المناظرة، قبل أن يخوض تجارب قصيرة في عالم المحاماة والمال. ثم ينعطف إلى ما سيصبح «ديناً» لوادي السيليكون الجديد: تحويل الأفكار إلى منصّات تُعيد تعريف الأسواق.

بدايات الثروة والمغامرة

في أواخر التسعينات شارك ثيل في تأسيس «باي بال»، التجربة التي صاغت ثروته الأولى وشبكته الأوسع. وهناك تبلوَرت قناعته بأن الخطر الحقيقي ليس الحدث الظاهر، بل «النمط» المخفي خلف ملايين الإشارات الصغيرة، وأن القدرة على الربط بين بيانات - أو معطيات Data - متفرّقة يمكن أن تمنح المؤسسة، أي مؤسسة، تفوّقاً نوعياً.

وبعد بيع «باي بال» مطلع الألفية، تحوّل إلى مستثمر مبكّر وفاعل حين أسس شركة «فاوندر فند»، وصار اسمه يتردّد بصفته أحد أول المستثمرين الخارجيين في «فيسبوك»، في خطوة رسّخت صورته كمَن يقرأ التحوّلات قبل أن تصبح تياراً جارفاً.

وبالفعل، احتل بيتر ثيل، الذي يعيش في مدينة سان فرانسيسكو، المرتبة الـ293 في «فوربس 400» عام 2011، مع ثروة صافية تقدّر بـ1.5 مليار دولار منذ مارس (آذار) 2012، ثم احتل المرتبة الرابعة في قائمة «فوربس ميداس» لعام 2014 بـ2.2 مليار دولار.

«بالانتير»... واليمين السياسي المحافظ

إلا أن «بالانتير» بقيت مشروعه الأكثر تعبيراً عن شخصية الرجل... إنها شركة تقف على الحد الفاصل بين وادي السيليكون وأجهزة الأمن القومي، وبين هوَس الخصوصية العام وحاجة الدولة إلى أدوات أسرع في الرصد والتحليل. موقع ثيل كرئيس لمجلس إدارة الشركة لسنوات جعل حضوره يتجاوز التمويل إلى تشكيل السردية: التكنولوجيا ليست ترفاً، بل «بنية قوة» في زمن تُخاض فيه الحروب عبر البيانات قبل الصواريخ.

وسياسياً، تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة. وهنا لم يكن دعمه العلني لدونالد ترمب عام 2016، ولا خطابه في المؤتمر الجمهوري، مجرّد تفاصيل؛ بل جاء ذلك إعلاناً بأن المعركة على «شكل أميركا» تُدار أيضاً من داخل منظومات التقنية والتمويل. وفي الخلفية، أثارت رهاناته واستثماراته في شركات مرتبطة بالتعرّف إلى الوجوه وتحليلات المراقبة جدلاً متصاعداً حول الحدود الأخلاقية: متى تصبح أدوات «الأمن» شبكة تجسّس، ومتى يتحول «القرار المدعوم بالبيانات» إلى قرارٍ يتخفف من المساءلة؟

من هنا يصبح الخلاف الراهن بين إدارة ترمب و«البنتاغون» من جهة، وبعض شركات الذكاء الاصطناعي من جهة أخرى، وفي طليعتها شركة «أنثروبيك»، امتداداً طبيعياً لعالم صنعه ثيل ورعاه. إنه عالم تتنافس فيه الدولة والشركات، لا على «الفكرة» بل على شروط تشغيلها. فالشركات تحاول وضع قيود أخلاقية وقانونية على نماذجها وخوارزمياتها، بينما تريد المؤسسات الأمنية هامشاً أوسع للاستخدام باسم الأمن الوطني.

وبين الطرفين، تقف منصّات مثل «بالانتير» بوصفها «بوابة الإدماج»... ليست النموذج نفسه، بل الطبقة التي تُدخل النماذج في قلب آلة الدولة، حيث يتحوّل التحليل إلى قرار، ثم إلى فعل... وتصبح معركة الشروط معركة على السيادة وعلى مسؤولية من يضغط الزّر.

«حصّاد البيانات» في ثوب منصة

تقدّم «بالانتير» منصتين أساسيتين، هما: «غوثام» الموجّهة للاستخبارات والدفاع والعمليات الأمنية، و«فاوندري» الموجّهة للحكومات المدنية والشركات.

الفكرة المركزية ليست «امتلاك البيانات» بقدر ما هي «وصل البيانات»، عبر ربط قواعد متفرقة، وتنظيفها، وبناء طبقة دلالية (من الشخص/الكيان؟ ما العلاقة؟ ما الحدث؟). ومن ثم تمكين فرق العمل من تتبّع الأنماط، وبناء سيناريوهات، وتوليد توصيات عمل. هذا ما يجعلها قابلة لأن تصبح «غرفة عمليات» رقمية... من مكافحة الاحتيال، إلى تتبّع الشبكات، إلى التخطيط اللوجيستي، ووصولاً إلى الاستهداف العسكري.

هنا تحديداً تتقاطع «تقنيات الرصد» مع «الحرب». فما كان يُنجَز عبر الاستعانة بفرق تحليل ضخمة تعمل لأيام، بات يمكن ضغطه إلى ساعات أو دقائق، شرط أن تكون خطوط البيانات مفتوحة، أي من خلال: أقمار اصطناعية، ومسيّرات، واتصالات، وسجلات مالية، ونقاط عبور، ومصادر مفتوحة، أي كل ما يوسّع صورة الميدان.

وفي برامج مثل منظومة «مايفن»، التابعة لـ«البنتاغون» (وزارة الحرب الأميركية)، تظهر «بالانتير» بوصفها مشغّلاً برمجياً يرفع «سقف السرعة» في تحويل الرصد إلى قرار. ولقد زادت وزارة الدفاع سقف عقود «مايفن» عبر تعديلات كبيرة، ما يعكس توسع الطلب العسكري على هذا النوع من القدرات.

من الرصد إلى «الضغط على الزناد»

في أحدث تجلّيات هذا التحوّل، تصف تقارير أميركية كيف أصبح الذكاء الاصطناعي، عبر شراكات وتكاملات داخل المنظومات العسكرية، جزءاً من دورة اختيار الأهداف وترتيب أولوياتها في عمليات ضد إيران، وسط جدل سياسي وأخلاقي حاد حول حدود الاستخدام، ومَن يتحمّل المسؤولية عند الخطأ.

واللافت أن «الخصومة» بين «البنتاغون» وبعض شركات الذكاء الاصطناعي لا تدور فقط حول الأسعار أو الملكية الفكرية، بل أيضاً حول شروط الاستخدام: فهل تسمح الشركة بتطبيق نماذجها في مراقبة داخلية واسعة؟ وهل تقبل أن تكون خوارزمياتها جزءاً من أنظمة قد تنزلق إلى «الاستقلال الذاتي» في القتل؟

في هذا المناخ، برزت قضية شركة «أنثروبيك» بوصفها نموذجاً للصدام. إذ إن الشركة تتمسّك بقيود أخلاقية، بينما يضغط مسؤولون في إدارة ترمب و«البنتاغون» لتوسيع نطاق الاستخدام في ملفات الأمن الوطني، وفق ما أوردته تقارير حديثة.

هنا أيضاً يظهر «معنى ثيل» تحديداً: فـ«بالانتير» ليست شركة نماذج لغوية فقط، بل شركة «بنية تحتية تشغيلية» تستطيع إدخال أي نموذج من أي جهة، إلى «خط الإنتاج العسكري»، أي إلى سلسلة الاستشعار، والتحليل، والتوصية، والقرار، والتنفيذ. ومن ثم تصبح المعركة بين الحكومة وشركات الذكاء الاصطناعي معركة على من يتحكم ببوابة الإدماج: النموذج؟ أم المنصة التي تضعه داخل آلة الدولة؟

«المسح الوجهي» والرصد الشخصي

حين يُذكر «المسح الوجهي» بوصفه سلاحاً جديداً، لا يعني هذا أن «بالانتير» شركة كاميرات أو خوارزميات تعرُّف وجوه بحد ذاتها؛ لكنها بحكم طبيعتها التكاملية قادرة على إدخال مُخرجات أنظمة التعرف إلى الوجوه ضمن لوحة واحدة تربط الهوية بالحركة بالاتصالات بالمعاملات.

ومن جهة ثيل، يظهر اسمه مباشرة في ملف الاستثمار المبكّر في شركة «كلير فيو إيه آي» المثيرة للجدل، التي عُرفت بقدرتها على مطابقة الوجوه مع قواعد صور ضخمة جُمعت من الإنترنت، وما أثاره ذلك من مخاوف حقوقية.

بهذا المعنى، يغدو ثيل جزءاً من مشهد أوسع، حيث التزاوج بين رأس مال وادي السيليكون، وشهية الدولة للأدوات السريعة، وتحوّل الخصم من «إرهابي» إلى «دولة» إلى «شبكة سيبرانية»، إلى هدفٍ لا يمكن التعامل معه من دون تفوق معلوماتي. وفي الحروب الحديثة، السيبرانية والتدميرية معاً، لا تعود المعركة على السلاح وحده، بل على «الزمن»، بالذات: من يختصر دورة القرار، ومن يربح ثانية واحدة إضافية في الرصد والتشويش والضرب.

أوكرانيا وإسرائيل... مختبر حرب البيانات

إبان حرب أوكرانيا، نُقل النقاش إلى العلن أكثر. إذ نقلت تقارير موثوقة عن مسؤولين وشركة «بالانتير» أن البرمجيات تُستخدم في مجالات تتّصل بالاستهداف، وتحليل بيانات الميدان، وحتى توثيق ملفات يُراد استخدامها في ملاحقات جرائم حرب.

وفي ملف إسرائيل، ظهرت حساسية أكبر بسبب الاتهامات الحقوقية، إلى حد أن مستثمراً مؤسّسياً نرويجياً أعلن التخارج من أسهم الشركة بسبب مخاوف مرتبطة بعملها هناك، وفق ما أوردته «رويترز».

هذه الأمثلة ليست هامشية في «بروفايل» ثيل، لأنها تشرح كيف انتقلت أدوات جمع البيانات من كونها «مساعدة» إلى كونها «محدِّدة لمسار الحرب». فحين تكون المنصة قادرة على ابتلاع تدفقات متعددة (صورة - إشارة - نص - إحداثيات) وإخراج «قائمة أولويات» في الوقت الحقيقي، يصبح النقاش السياسي والأخلاقي حول القيود أو غيابها، جزءاً من الأمن الوطني نفسه.

من «مايفن»... إلى «تيتان»

وفي السنوات الأخيرة، تقدّمت «بالانتير» خطوة إضافية هي الدخول إلى برامج عسكرية تُجسّد فكرة «المعركة الموصولة» مثل مشروع «تيتان» (عقدة الوصول إلى استهداف الاستخبارات التكتيكية) للجيش الأميركي. وهو نظام يهدف إلى استيعاب بيانات من الجو والبر والفضاء، وتحويلها إلى معلومات استهداف أسرع وأكثر دقة. هذا، وأُعلنت عقود التطوير والنمذجة بوضوح عبر قنوات رسمية وعلاقات مستثمرين، بما يعكس انتقال الشركة من «مزوّد برمجيات» إلى لاعب دفاعي مكتمل الأركان.

وهنا أيضاً، تكتسب قصة ثيل قيمة تفسيرية. ذلك أن الرجل الذي دافع طويلاً عن فكرة أن ليس على التكنولوجيا أن تخجل من الدفاع، يجد في «بالانتير» منصة تقول عملياً إن تفوق الدولة في الحروب المقبلة سيُقاس بقدرتها على «تنظيم البيانات» مثلما يُقاس بقدرتها على امتلاك الذخيرة.

والصدام الذي ظهر أخيراً بين الإدارة و«البنتاغون» من جهة، وبعض شركات الذكاء الاصطناعي من جهة أخرى، ليس تفصيلاً تقنياً. إنه صدام على «شكل القوة الأميركية»... فهل تُبنى على نماذج مغلقة بشروط أخلاقية صارمة تفرضها الشركات لحماية سمعتها؟ أم تُبنى على «منطق الدولة» الذي يريد حرية استخدام أوسع ما دام ذلك تحت عنوان الأمن القومي؟

تقارير حديثة عن التوتر مع «أنثروبيك»، وعن بحث جهات رسمية وشبه رسمية عن بدائل، تضع هذا السؤال في مركز السياسة الدفاعية.وفي هذا السياق، تبدو «بالانتير» ومعها إرث ثيل، أقرب إلى «حلقة الوصل» التي تقلق الجميع. فهي ليست مجرد نموذج ذكاء اصطناعي يمكن التوقف عن استخدامه، بل «بنية تشغيل» إذا استقرت داخل المؤسسات يصبح فِكاكها مكلفاً، وتصبح شروط استخدامها جزءاً من هندسة الدولة نفسها. وهذا ما يفسر لماذا يتحوّل الجدل حول «خوارزمية» إلى جدل حول السيادة، ولماذا تُقرأ الحروب الحديثة، من ساحات أوروبا الشرقية إلى الشرق الأوسط، بوصفها حروباً على من يمتلك «منصة القرار» قبل أن يمتلك منصة الإطلاق.


«بالانتير»... صعود شركة تحوّلت من مقاول بيانات إلى لاعب دفاعي

أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)
أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)
TT

«بالانتير»... صعود شركة تحوّلت من مقاول بيانات إلى لاعب دفاعي

أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)
أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)

تبدو شركة «بالانتير» اليوم مثالاً مكثّفاً على التحوّل الذي يعيشه الاقتصاد الأميركي. مثال شركات بدأت كبرمجيات «تحليل بيانات»، ثم اكتشفت أن الدولة، لا السوق الاستهلاكية، هي الزبون الذي يضمن النمو الطويل، وبخاصة مع عودة المنافسة بين القوى الكبرى، وتحوّل الحروب إلى صراعات تُدار بالاستشعار والخوارزميات.

أُسست الشركة عام 2003، واليوم تبلغ قيمتها السوقية نحو 433 مليار دولار (مارس/ آذار 2026). وبحسب تقريرها السنوي عن 2025، بلغ «الرصيد المتبقي من قيمة العقود» أكثر من 11 مليار دولار، بينها 6.8 مليار لزبائن تجاريين، و4.4 مليار لزبائن حكوميين.

وتوضح الشركة أن هذه الأرقام لا تشمل العقود الحكومية غير المموّلة بالكامل، التي يصل سقفها التعاقدي الإجمالي إلى نحو 12.3 مليار دولار. وعلى صعيد العقود الأميركية الكبرى، وقّع الجيش اتفاقاً مؤسّسياً لمدة 10 سنوات بسقف حتى 10 مليارات يدمج 75 عقداً. وأعلنت عقداً ثابت السعر حتى نحو 100 مليون دولار على 5 سنوات لبرنامج «مايفين» مع «البنتاغون»، وعقداً آخر بقيمة 480 مليون دولار لتطوير البرنامج نفسه عام 2024. كذلك أبرمت وزارة الأمن الداخلي اتفاق شراء بسقف حتى مليار دولار، وتشمل العقود الحكومية جهات أميركية وحكومات حليفة خارجياً.

في الخارج، ساهمت الحروب في تسويق «بالانتير» بوصفها «أداة حرب بيانات» بقدر ما هي شركة تقنية. ففي أوكرانيا، نُقل عن الشركة ورئيسها التنفيذي، أليكس كارب، أن البرمجيات تُستخدم في سياقات تتصل بالاستهداف وتحليل الميدان، وفي توثيق ملفات لادعاءات جرائم حرب. وفي إسرائيل، أثارت طبيعة العمل حساسية استثمارية وحقوقية وصلت إلى تخارج مستثمر مؤسسي كبير.

هذا التوسّع السريع لا ينفصل عن موجة «عسكرة الذكاء الاصطناعي» داخل الغرب. هنا الشركات لم تعد تُباع كبرمجيات مكتبية، بل كمنصات تشغيل للقرار. وحين تصبح المنصّة جزءاً من بنية الدولة، يصبح نموها أقرب إلى «قصة اعتماد» طويلة الأجل: عقود متعددة السنوات، وتراكم بيانات، وتكلفة عالية للاستبدال، وهو ما يفسّر كيف تحوّلت «بالانتير» من اسم جدلي في وادي السيليكون إلى عنوان دائم في سوق الدفاع والأمن.