فوز اشتراكي منقوص... وتحديات ائتلافية صعبة

وسط خلفية الأزمات الاقتصادية والانفصالية التي تهز إسبانيا

فوز اشتراكي منقوص... وتحديات ائتلافية صعبة
TT

فوز اشتراكي منقوص... وتحديات ائتلافية صعبة

فوز اشتراكي منقوص... وتحديات ائتلافية صعبة

توجه الإسبان، يوم الأحد الماضي، إلى مراكز الاقتراع للتصويت في انتخابات عامة، هي الرابعة خلال أقل من 4 سنوات. وكانت هذه محاولة يائسة لكسر الجمود الذي يخيّم على المشهد السياسي بسبب تعذّر تشكيل أغلبية برلمانية كافية تستند إليها حكومة مستقرّة باتت البلاد بأمسّ الحاجة إليها لضبط الوضع الاقتصادي المترنّح ومواجهة الأزمة الانفصالية في إقليم كاتالونيا.
لم تسفر نتائج هذه الانتخابات عن تغيير كبير في معادلة توزيع القوى التقليدية في المشهد السياسي الإسباني من شأنه أن يمهّد لغالبية برلمانية تُخرج البلاد من مأزق تشكيل الحكومة. غير أنها في المقابل، تمخّضت عن أكبر مفاجأة منذ عودة النظام الديمقراطي أواخر سبعينات القون الماضي، عندما حصل حزب «فوكس» اليميني المتطرف على 50 مقعداً في البرلمان. وبذا بات قوة سياسية مؤثرة في البلاد وتخرج إسبانيا بذلك من دائرة الدولة الأوروبية الكبرى الوحيدة التي لم يكن اليمين المتطرف ممثلاً في مؤسساتها البرلمانية.
لكن المفاجأة الكبرى جاءت يوم الثلاثاء الماضي، عندما وقف بيدرو سانتشيز، الأمين العام للحزب الاشتراكي والرئيس الحالي لحكومة تصريف الأعمال، إلى جانب الأمين العام لحزب «بوديموس» اليساري ليعلن أمام الصحافيين في مجلس النواب أن الطرفين توصّلا إلى اتفاق لتشكيل ائتلاف حكومي تقدمي، هو الأول في تاريخ إسبانيا منذ الحرب الأهلية في منتصف ثلاثينات القرن الماضي.
بعد وفاة الجنرال فرنشيسكو فرنكو في عام 1975 وسقوط نظامه الديكتاتوري، الذي أدّى إلى فرض ما يشبه الحجر الصحي على إسبانيا في محيطها الأوروبي، استعادت البلاد الحكم الديمقراطي. ثم انضمّت إلى المجموعة الأوروبية بعدما استوفت شرط الاعتراف بإسرائيل، لتصبح آخر دولة أوروبية تقيم علاقات دبلوماسية مع الدولة العبرية.
والواقع أنه منذ أواخر سبعينات القرن الماضي نعمت إسبانيا باستقرار سياسي كانت تُحسد عليه في محيطها الأوروبي، قام على ثنائية حزبية راسخة قوامها اليمين المحافظ ممثلاً بالحزب الشعبي واليسار المعتدل ممثلاً بالحزب الاشتراكي.
الحزبان تناوبا بانتظام على الحكم حتى أواخر العقد الأول من القرن الحالي. إلا أنه، بعد الأزمة المالية العالمية في عام 2008، التي دفعت الاقتصاد الإسباني إلى شفا الانهيار وأدت التدابير القاسية لاحتوائها إلى تداعيات اجتماعية واسعة، طرأ تحوّل على المشهد السياسي الإسباني. إذ ظهرت حركة شعبويّة منضوية في حزب «بوديموس» الذي ينافس الحزب الاشتراكي على أصوات المعسكر اليساري والتقدمي، قابلها ظهور حركة يمينية معتدلة قوامها حزب «مواطنون» تنافس الحزب الشعبي على أصوات المحافظين والوسط.
ومن ثم، أدت هذه الحال إلى التشرذم في القوى البرلمانية، وإلى دخول إسبانيا مرحلة من الاضطراب السياسي، جعلت من تشكيل الحكومات سلسلة من المخاضات المعقّدة التي أعاقت عملية النهوض الاقتصادي. كذلك أدت إلى ارتفاع غير مسبوق في منسوب التوتر بين القوى والأحزاب السياسية، كان من أخطر تداعياته اتساع هامش الصعود أمام الحركة الانفصالية في كاتالونيا (قطالونية) التي وضعت إسبانيا أمام أخطر أزمة في تاريخها الحديث، لتصبح حجر الرحى الذي تدور حوله السياسة الإسبانية منذ محاولة إعلان الاستقلال في خريف عام 2017.

سقوط الحزب الشعبي
أول التداعيات الكبرى للأزمة الانفصالية في إقليم كاتالونيا كان سقوط حكومة الحزب الشعبي الأخيرة التي كان يرأسها ماريانو راخوي ووصول الاشتراكي بيدرو سانتشيز إلى الحكم. إلا أن سانتشيز حكم مستنداً إلى أقلية برلمانية تهدد بسقوطه في كل لحظة، ومتعرّضاً لابتزاز مستمر من الأحزاب الانفصالية التي كانت تمسك بمفتاح الأغلبية في البرلمان.
رغم هذه الصعوبات، تمكّن سانتشيز من تنفيذ قسم كبير من برنامجه الحكومي، استعاد معه كثيراً من الخدمات الاجتماعية التي كانت الحكومات اليمينية قد ألغتها في سياق احتواء الأزمة الاقتصادية، ما أدى إلى تعزيز موقعه في المعسكر التقدمي، الذي كان يزداد الاستياء في أوساطه، ويجنح لتأييد حزب «بوديموس» الذي يسعى منذ تأسيسه إلى قيادة القوى اليسارية.
وبعد انسداد الأفق البرلماني أمام سانتشيز، عندما تعذّر عليه إقرار قانون الموازنة العامة في فبراير (شباط) من العام الماضي بسبب رفض القوى الانفصالية الكاتالونية دعمه لرفضه التجاوب مع مطالبها لتنظيم استفتاء حول تقرير المصير، أعلن حل البرلمان ودعا لإجراء انتخابات أواخر أبريل (نيسان) الماضي. تلك الانتخابات أسفرت عن فوزه وتعزيز موقعه في البرلمان، ولكن بعيداً عن الأغلبية التي تتيح له الحكم من غير تحالفات مع القوى الأخرى.
وبعد أشهر من المراوحة والمفاوضات المعقّدة للاشتراكيين مع حليفهم الطبيعي حزب «بوديموس» وصلت الأمور إلى إعلان القطيعة بينهما. وبعد فشل سانتشيز في نيل الثقة في البرلمان لتشكيل حكومة منفرداً اضطر الزعيم الاشتراكي إلى الدعوة لإجراء انتخابات جديدة أمل في أن تمكّنه من زيادة رصيده البرلماني بما يتيح له فرض شروط أفضل لتأليف الحكومة، أو على الأقل لتحييد معارضيه، في اليمين واليسار، لتشكيل حكومة أقليّة.
من جهته، كان حزب «بوديموس» يسعى إلى وقف التراجع في شعبيته بعد الانتكاسة التي أصيب بها في الانتخابات الأخيرة والانشقاق الذي حصل في صفوفه. أما الحزب الشعبي اليميني فكان يحاول استعادة موقعه في الثنائية الاشتراكية - الشعبية التي تناوبت على الحكم في إسبانيا منذ 4 عقود، بعد التراجع الكبير الذي أصابه في انتخابات العام الماضي.

صعود المتطرفين
لكن مع اقتراب الحملة الانتخابية من مرحلتها الأخيرة، بدأت استطلاعات الرأي تنذر بصعود قوي لحزب «فوكس» اليميني المتطرف الذي ظهر في المشهد السياسي الإسباني لأول مرة في الانتخابات الإقليمية الأندلسية مطلع العام الماضي. ثم حصل على 23 مقعداً في الانتخابات العامة الأخيرة التي خاض غمارها أيضاً للمرة الأولى.
وكانت الاستطلاعات السابقة تشير إلى تراجع شعبية «فوكس» في كل الدوائر، على غرار ما حصل في الانتخابات الأوروبية والمحلية. لكن بعد التطورات التي شهدتها الأزمة الانفصالية في كاتالونيا خلال الأسابيع الأخيرة التي سبقت موعد الانتخابات العامة، وما رافقها من تصعيد في مواقف القوى والأحزاب المطالبة بالاستقلال، عادت الاستطلاعات تُظهر صعوداً مطرداً لهذا الحزب. ورجّح بعضها وصوله إلى المرتبة الثالثة بعد الحزب الاشتراكي والحزب الشعبي، مع احتمال تقدّمه على هذا الأخير في بعض الدوائر.
ولا شك في أن من بين التطورات التي ساعدت في هذا الصعود المفاجئ والسريع لليمين المتطرف في الفترة الأخيرة، ما كشفته أجهزة الأمن الإسبانية أخيراً من تحضيرات لتمرّد واسع وأنشطة تخريبية كانت تعدّ لها جماعات انفصالية متطرفة في كاتالونيا. وكانت الشرطة قد ألقت القبض على 9 أفراد اتهموا بالتورط في تلك التحضيرات، وضبطت معهم متفجرات ومخططات لاقتحام مبنى البرلمان الإقليمي ثم احتلاله وإجبار النوّاب على إعلان استقلال الإقليم عن إسبانيا. كذلك أفادت مصادر أمنية بأن التحقيقات أظهرت أن المتهمين كانوا على اتصال وتنسيق مع التيّار الانفصالي الذي يدعم الرئيس الحالي للحكومة الإقليمية كيم تورّا وسلفه الفار من العدالة كارلي بوتشيمون. وكانت حكومة سانتشيز قد تعرّضت لانتقادات شديدة بسبب ما وصفته أوساط المعارضة بأنه «تنازل أمام التصعيد الانفصالي» و«الرضوخ لابتزاز الأحزاب الانفصالية»، طمعاً في الحصول على تأييدها في البرلمان لتشكيل الحكومة.

نكسة لليسار الحاكم
وحقاً، جاءت نتيجة الانتخابات الأخيرة، يوم الأحد الماضي، على عكس ما كان بيدرو سانتشيز يخطط له استناداً إلى استطلاعات الرأي التي كانت تتوقع زيادة رصيده ومزيداً من الانهيار للحزب الشعبي. فمع أن الحزب الاشتراكي جدّد فوزه بالمركز الأول فإنه خسر 3 مقاعد، وفي المقابل، استعاد الحزب الشعبي 23 من المقاعد التي كان خسرها في الانتخابات السابقة، وتراجع حزب «بوديموس» اليساري، وانهار حزب «مواطنون» - الذي أعلن مؤسسه وزعيمه ألبرت ريفيرا استقالته من منصبه وانسحابه نهائياً من المعترك السياسي. أما الفائز الفعلي الوحيد في هذه الانتخابات فكان حزب «فوكس» اليميني المتطرف، الذي رفع رصيده من مقاعد البرلمان من 24 إلى 52 نائباً، ليغدو القوة السياسية الثالثة في إسبانيا بعد أقل من عام على ظهوره في المشهد السياسي.
التحليلات السياسية الأولى لنتائج هذه الانتخابات عدّت أنها كانت خسارة للمعسكر اليساري على كل الجبهات. فالقوى اليسارية كان بوسعها أن تتحاشى الدعوة لإجرائها لو تمكّنت من التوصّل إلى اتفاق لتشكيل حكومة ائتلافية، أو بدعم من «بوديموس»، على أساس برنامج مشترك من غير الدخول في الحكومة، بعد انتخابات أبريل الماضي. هذا، مع العلم أن الاشتراكيين خسروا 3 مقاعد وخسر حزب «بوديموس» 7 مقاعد. يضاف إلى ذلك أن الحزب الشعبي استعاد موقعه في الثنائية التي تتناوب على الحكم منذ عقود بعد اقترابه من الانهيار في الانتخابات السابقة، فضلاً عن الهزيمة القاسية التي مني بها حزب «مواطنون» المعتدل الذي يرى فيه كثيرون الحليف الأمثل للاشتراكيين من أجل تشكيل حكومة مستقرّة تحظى بدعم الدوائر الاقتصادية وترحيب العواصم الأوروبية.
ولكن لا خلاف على أن الخسارة الكبرى التي أصابت المعسكر اليساري في هذه الانتخابات كانت خروج اليمين المتطرف من «قمقم» السياسة الإسبانية بعد أكثر من 4 عقود على رحيل الجنرال فرنكو، الذي كان اليسار يحتفل منذ أسابيع بطي صفحته نهائياً بعد نقل رفاته من المزار التاريخي الذي كان أمر بتشييده إلى مقبرة العائلة.
ويرى مراقبون أيضاً أن هذه الانتخابات كانت أيضاً انتكاسة للنظام الإسباني الذي يسعى لاستعادة استقراره المفقود منذ سنوات، وها هو اليوم يدخل من جديد في نفق مزيد من التشرذم للقوى البرلمانية، في الوقت الذي يرفع فيه الانفصاليون من رصيدهم في كاتالونيا، ويصعد اليمين المتطرف إلى مرتبة القوة السياسية الثالثة بعدما كانت إسبانيا - حتى منتصف هذا العام - الدولة الأوروبية الكبرى الوحيدة التي لم يكن ممثلاً في برلمانها.

تفاهم اضطراري
في أي حال، وفي حين كانت إسبانيا تستعد لمسلسل آخر من المفاوضات الماراثونية العقيمة لتشكيل الحكومة الجديدة، وسط توقعات بالعودة مرة أخرى إلى صناديق الاقتراع، حصلت مفاجأة أخرى لم تكن واردة في حسابات أي من الأطراف - بما فيها الطرفان اللذان كانا وراءها - وغطّت على مفاجأة النتيجة التي حصل عليها اليمين المتطرف. إذ ظهر الأمين العام للحزب الاشتراكي بيدرو سانتشيز إلى جانب زعيم حزب «بوديموس» بابلو ايغليزياس يوم الثلاثاء الماضي، أمام الصحافيين في مبنى البرلمان ليشرحا تفاصيل الاتفاق الذي توصلا إليه، بعد 48 ساعة من صدور نتائج الانتخابات، لتشكيل ائتلاف حكومي تقدمي يساري، هو الأول في إسبانيا منذ 80 سنة.
كان أبرز ما في هذا الاتفاق، الذي نضج بسرعة مذهلة على نار مفاجأة صعود اليمين المتطرف، هو أن ما كان متعذراً في الربيع الماضي أصبح الآن ممكناً، بما في ذلك تولّي ايغليزياس منصب نائب رئيس الوزراء الذي كان سانتشيز يرفض مجرد مناقشته في المفاوضات السابقة.
لكن رغم الارتياح الذي عمّ الأوساط التقدمية بعد الإعلان عن الاتفاق لتشكيل حكومة ائتلافية بين الحزب الاشتراكي وحزب «بوديموس»، ما زالت دون تفعيل هذا الاتفاق وتشكيل حكومة تنال ثقة الأغلبية في البرلمان عقبات كثيرة قد لا يكون من السهل تذليلها. فلقد خسر طرفا الائتلاف ما مجموعه 10 مقاعد في البرلمان، ما يستدعي مزيداً من الدعم لتأمين الأغلبية اللازمة. والدعم في الوقت الراهن لا يمكن أن يأتي إلا من الأحزاب الصغيرة مثل الانفصاليين الكاتالونيين أو القوميين الباسك، أو امتناع هذه الأحزاب عن التصويت في جلسة الثقة، شريطة أن يمتنع أيضاً حزب «مواطنون» الذي كان الخاسر الأكبر في هذه الانتخابات.
ويحاول سانتشيز، منذ إعلانه عن الاتفاق مع «بوديموس»، إقناع حزب اليسار الجمهوري، الذي يمثّل التيّار الانفصالي الكاتالوني - الذي اختار تحاشي الصدام المباشر مع مدريد والإحجام عن إعلان الاستقلال من طرف واحد - بالامتناع عن التصويت في جلسة الثقة، الأمر الذي من دونه يستحيل على الزعيم الاشتراكي تشكيل حكومته.
ويشدّد سانتشيز على أن الحكومة الائتلافية التقدمية التي يسعى إلى تشكيلها، هي الوحيدة القادرة على فتح قنوات الحوار مع الانفصاليين. لكن اليسار الجمهوري الكاتالوني ما زال يصرّ، حتى الآن، على التصويت ضد الحكومة، ويطالب لتعديل موقفه بمائدة حوار بين الأحزاب خارج إطار البرلمان لمناقشة الأزمة في إقليم كاتالونيا.

كيف يرى الحزب الشعبي المرحلة المقبلة؟
> الحزب الشعبي، القوة الرئيسية في معسكر اليمين المعتدل في إسبانيا، كان قد أبقى الباب مفتوحاً أمام التوصل إلى اتفاق مع الحزب الاشتراكي لتشكيل حكومة وحدة وطنية على قاعدة ثنائية أو بمشاركة كل الأحزاب باستثناء الانفصالية منها.
وتعدّ أوساط الحزب أن الاتفاق بين الاشتراكيين وحزب «بوديموس» يرفع الضغط عنهم (أي الشعبيين) ويتيح لهم الانصراف لممارسة معارضة مسؤولة بوجه حكومة الائتلاف التقدمي في حال تشكيلها، وذلك انطلاقاً من كون حزبهم الحزب الشعبي هو البديل الوحيد لمثل هذه الحكومة في ضوء نتائج الانتخابات الأخيرة.
كذلك ترى أوساط الحزب الشعبي، الذي استعاد قدراً ملحوظاً من شعبيته وعزّز موقعه في المعارضة، أن حكومة ائتلاف تقدمي تهديه فرصة ذهبية لاستعادة الأغلبية في البرلمان عند أول استحقاق انتخابي، لا يستبعد أن يكون قبل نهاية الولاية التشريعية الراهنة، وهذا في ظل الأزمة الانفصالية المرشّحة لمزيد من التصعيد والتفاقم في كاتالونيا، وما تحمله من ترسبات الخلافات السابقة بين طرفيها.



بإنهاء مهمة «يونيفيل»... لبنان يخسر مظلة أمنية واقتصادية

مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
TT

بإنهاء مهمة «يونيفيل»... لبنان يخسر مظلة أمنية واقتصادية

مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)

لم يعد مستقبل قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (يونيفيل) مسألة مؤجّلة في منطقة الجنوب. فمع اقتراب 31 ديسمبر (كانون الأول) 2026، موعد انتهاء التفويض الحالي الذي وُصف بأنه «تمديد لمرة أخيرة»، ومع بدء مسار التقليص؛ تمهيداً لانسحاب كامل بحلول منتصف 2027، يدخل الجنوب اللبناني مرحلة العدّ العكسي لمهمة بدأت عام 1978 وتحوّلت، عبر العقود، عنصراً ثابتاً في المعادلة الأمنية والاقتصادية والاجتماعية. هذا الأسبوع، صعّدت إسرائيل انتقاداتها للقوة الدولية، معتبرة أنّ أداءها «ما عاد كافياً لضبط الواقع جنوب الليطاني بعد حرب 2024»، ولوّحت بضرورة إعادة تقييم مهمتها. في المقابل، يتمسّك لبنان رسمياً باستمرار وجودها إلى حين تثبيت الاستقرار الكامل، معتبراً أنّها تشكّل مظلة دولية داعمة للجيش اللبناني في تنفيذ القرار 1701. وفي موازاة التصعيد السياسي، دخل العامل المالي الأميركي في يوليو (تموز) الماضي، على خط النقاش؛ ما أعاد فتح ملف تمويل عمليات حفظ السلام واستدامتها، وربط مستقبل المهمة مباشرة بإرادة الدول الكبرى المموِّلة لها.

كان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد وقّع، يوم 24 يوليو (تموز) الماضي، قانون «الاقتطاعات لسنة 2025» الذي قضى بإلغاء نحو 203 ملايين دولار أميركي من مخصّصات عام 2024، و158 مليون دولار من مخصّصات عام 2025 الموجهة لدعم عمليات حفظ السلام، مبرراً القرار بأسباب عدة، منها قلة رضاه عن أداء القوات الدولية.

وفي خطوة لاحقة، صوّتت الولايات المتحدة ضد قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 30 يوليو الماضي، بشأن ميزانية «يونيفيل»، في حين وافق على القرار باقي الأعضاء، باستثناء سيراليون والصومال اللتين امتنعتا عن التصويت.

هذا التطور لم يُقرأ في بيروت كإجراء مالي فحسب، بل كإشارة سياسية تُضاف إلى وصف التمديد الأخير بأنه «لمرة أخيرة»؛ ما يعزّز المسار المتّجه نحو تقليص تدريجي ثم انسحاب كامل.

القرار في نيويورك والأثر بجنوب لبنان

إذا كان النقاش يُدار في أروقة مجلس الأمن الدولي، فإن ارتداداته تُقاس في الأسواق المحلية جنوباً وفق الانعكاسات الاقتصادية السلبية على الداخل اللبناني. إذ قال مصدر لبناني مواكب لعمل قوات «يونيفيل» في جنوب لبنان لـ«الشرق الأوسط»: إنّ «وجود القوة الدولية يشكّل رافعة اقتصادية مباشرة وغير مباشرة للاقتصاد المحلي»، لافتاً إلى أنّ «(يونيفيل) تضخّ سنوياً أكثر من 25 مليون دولار في السوق اللبنانية من خلال المشتريات المحلية وحدها، فضلاً عن الرواتب والنفقات التشغيلية».

وأوضح المصدر أنّ «عدد الموظفين المحليين العاملين مع (يونيفيل) يتجاوز حالياً 500 موظف لبناني، إلى جانب ما بين 250 و300 موظف أجنبي مقيمين في لبنان، يستأجرون منازل، ويشترون سيارات، وينفقون يومياً في المتاجر والمطاعم والمدارس والجامعات؛ ما يحرّك دورة اقتصادية واسعة في الجنوب وخارجه».

وأضاف أنّ «القوة الدولية تضم أيضاً نحو 8 آلاف عسكري ينتشرون في الجنوب. وهؤلاء يشاركون بدورهم في تحريك السوق المحلية من خلال التسوق والخدمات، إلى جانب تنفيذ مشاريع إنمائية صغيرة تُعرف بمشاريع الأثر السريع Quick Impact Projects، تشمل دعم البلديات، وتركيب أنظمة طاقة شمسية، وإصلاح شبكات مياه، ومبادرات خدمية أخرى، بتمويل سنوي يقارب مليون دولار».

وفق المصدر «الأثر (السلبي) لا يقتصر على العاملين مباشرة مع (يونيفيل)، بل يمتد إلى عشرات الشركات اللبنانية المتعاقدة معها، من شركات تنظيف وصيانة ومورّدين؛ ما يخلق شبكة واسعة من فرص العمل غير المباشرة». وحذّر من أنّ «أي تقليص أو انسحاب لـ(يونيفيل) ستكون له انعكاسات اقتصادية واجتماعية قاسية، خصوصاً على مئات الموظفين اللبنانيين الذين لا يشملهم نظام التقاعد، ولا سيما ممن هم دون سن الـ55؛ ما يضعهم أمام خسارة مباشرة لمصدر دخلهم في ظل أوضاع معيشية شديدة الصعوبة».

بالتوازي، لفت المصدر إلى أنّ «(يونيفيل) تؤدي أيضاً دوراً اجتماعياً وإنسانياً بارزاً، من خلال الأيام الطبية المجانية، والعيادات المتنقلة، ودعم المستشفيات والمستوصفات بالأدوية والمعدات، وتنظيم أنشطة رياضية وثقافية للأطفال، والمساعدة إبّان الأزمات والحروب، فضلاً عن تنسيق الجهود مع المنظمات الإنسانية كالصليب الأحمر».

وتابع شارحاً إنّ «الأمر لا يقتصر على أرقام مالية، بل على شبكة حياة اقتصادية واجتماعية كاملة نشأت حول وجود (يونيفيل) على مدى سنوات. وبالتالي، أي خلل فيها سينعكس مباشرة على آلاف العائلات اللبنانية، في منطقة تعاني أصلاً من خسائر الحرب، وتراجع الزراعة، ودمار المنازل، وغياب البدائل الاقتصادية».

وبهذا المعنى، يصبح أي قرار دولي أو ضغط تمويلي قراراً يمسّ مباشرة شبكة معيشية قائمة منذ عقود.

إذا كان النقاش حول سحب «يونيفيل» يُدار في أروقة مجلس الأمن الدولي فإن ارتداداته تُقاس في الأسواق المحلية جنوباً

قلق معيشي واقتصادي

من جهة ثانية، سمر (وهي من سكان القطاع الأوسط في جنوب لبنان)، وصفت لـ«الشرق الأوسط» الوضع بالقول: «إنّ القلق الاقتصادي بات العنوان الأبرز في القرى الجنوبية مع الكلام المتزايد عن تقليص أو انسحاب قوات (يونيفيل)... وتأثير ذلك لا يطول الموظفين مباشرة فحسب، بل ينسحب على القرى بكاملها».

وأردفت أنّ «إحدى بلدات القطاع الأوسط تضمّ أكثر من 120 عائلة يعتمد دخلها الأساسي على وظائف في (يونيفيل). هذه البلدة لا يتجاوز عدد العائلات المُقيمة فيها نحو 200 عائلة؛ ما يجعل هذه الرواتب بمثابة العمود الفقري للاقتصاد المحلي».

وتابعت: «الناس ليست قلقة فقط، بل مرعوبة فعلياً. لا توجد مصادر دخل بديلة في المنطقة، ولا فُرص عمل حقيقية. إذا خسر هؤلاء وظائفهم، ماذا سيفعلون؟ هل سيبقون في منازلهم بلا أي مورد؟».

واستطردت سمر لافتةً إلى أنّ الموظفين في «يونيفيل» لا يؤمّنون معيشة السكان المحليين فقط، «بل يحرّكون أيضاً العجلة الاقتصادية في القرى، من المتاجر الصغيرة إلى المؤسسات والخدمات»، محذّرةً من «أنّ أي تراجع في هذا الدخل سيؤدي إلى شلل اقتصادي واسع... إذ لن يتضرر الأفراد وحدهم، بل ستتأثر كل الأعمال في المنطقة بأسرها؛ لأن القدرة الشرائية ستتراجع بشكل حاد».

واختتمت بالتشديد على أنّ ما يحصل «ليس مسألة أرقام فقط، بل مسألة صمود اجتماعي ومعيشي»... ولا بد من التعامل مع هذا الملف «بمسؤولية؛ لأن انعكاساته ستطال الاستقرار اليومي لعائلات بأكملها في القطاع الأوسط».

 

مركبتان تابعتان لليونيفيل في دورية قرب بلدة جديدة مرجعيون بجنوب لبنان (آ ف ب)

فجوة اقتصادية حادة

وحقاً، «يترك سحب (يونيفيل) فجوة اقتصادية حادة في الجنوب»، وفق عضو «المجلس الاقتصادي والاجتماعي في لبنان»، صادق علوية، الذي أفاد «الشرق الأوسط» بأنّ «أكثر من 90 في المائة من المؤسسات المتعاقدة مع (يونيفيل) والعاملة في تقديم الخدمات لها تتركّز في جنوب لبنان؛ ما يجعل أي تقليص أو انسحاب للقوات الدولية ذا انعكاسات اقتصادية واجتماعية مباشرة وعميقة على المنطقة».

وأوضح علوية، من ثم، أنّ وجود «يونيفيل» منذ عام 1978، «يعدّ بمثابة محرّك اقتصادي محلي أساسي في الجنوب، عبر شبكة واسعة من الشركات والأفراد العاملين معها، سواءً بشكل مباشر كالموظّفين والمترجمين والإداريين والفنيين، أو بشكل غير مباشر عبر الشركات المتعاقدة وقطاعات الخدمات والمقاولات والصيانة».

ثم ذكر أنّ «هذا الواقع أسهم في خلق دورة اقتصادية متكاملة، تبدأ من الاستهلاك اليومي للمواد الغذائية ولا تنتهي عند مختلف الخدمات»، لافتاً إلى «أنّ الأمر لا يتعلّق ببضعة ملايين من الدولارات سنوياً، بل عن عشرات الملايين، وقد تصل قيمتها التقديرية إلى ما بين 20 و30 مليون دولار سنوياً، تبعاً لحجم عديد القوات ونشاطها».

وبالتالي، حذّر علوية من أنّ «أي انسحاب أو تقليص سيؤدي إلى فجوة اقتصادية حادة، تتمثل ببطالة جديدة مباشرة وغير مباشرة، تطول آلاف الوظائف، إضافة إلى خسارة تقديمات اجتماعية كانت تُعدّ مرتفعة نسبياً، لا سيما على صعيد الحماية الاجتماعية والخدمات الصحية».

ورأى أنّ تأثير «يونيفيل» لم يكن اقتصادياً فحسب، «بل امتد إلى دعم البلديات والمجتمعات المحلية، من خلال تقديم تجهيزات ومساعدات تنموية شملت قطاعات الزراعة والطاقة، عبر توفير مولدات كهرباء ومياه، ومشاريع طاقة شمسية، وإنشاء برك زراعية، فضلاً عن ترميم مدارس وتقديم معدات طبية وصحية للمستشفيات».

وشرح بأنّ «القوات الدولية، ولا سيما الوحدات الإيطالية والفرنسية والإسبانية، لعبت في مراحل سابقة دوراً صحياً مباشراً عبر عيادات ميدانية وتقديم أدوية ورعاية طبية يومية للسكان المحليين، إضافة إلى دورها الأساسي في نزع الألغام والقنابل العنقودية؛ ما انعكس إيجاباً على سلامة الجنوبيين واستقرارهم».

أيضاً، أكد علوية «أنّ العلاقة بين الجنوبيين و(يونيفيل) تميّزت على مدى عقود بالهدوء والتعاون، إلى حدّ باتت فيه القوات الدولية جزءاً من النسيج الاجتماعي المحلي»، محذّراً من «أنّ سحب هذا الدعم في مرحلة يعاني فيها الجنوب من آثار حرب وخسائر جسيمة في المنازل والبنى التحتية سيترك أثراً اقتصادياً واجتماعياً بالغ السلبية». ومشدّداً على أنّ «استمرار وجود (يونيفيل) في لبنان لا يشكّل، بالتالي، حاجة أمنية فحسب... بل هو أيضاً حاجة اقتصادية واجتماعية ملحّة، خصوصاً في ظل محدودية قدرات الدولة المالية، وحاجة الجنوب الماسّة إلى أي مورد داعم يسهِم في إعادة فتح نوافذ الأمل أمام سكانه».

انكماش بين 01 و51 %

في سياق متصل، قال محمد شمس الدين، الباحث في «الدولية للمعلومات»، لـ«الشرق الأوسط» إنّ «انسحاب أو تقليص وجود قوة (يونيفيل) في جنوب لبنان ستكون له تداعيات اقتصادية مباشرة وملموسة على المجتمعات الجنوبية، ولا سيما على صعيد فرص العمل والحركة السياحية والتجارية».

وأفاد بأنّ «عدد العاملين اللبنانيين مع (يونيفيل) تقلّص من نحو 1200 شخص إلى قرابة 600 فقط، غالبيتهم يتقاضون رواتبهم بالدولار الأميركي، ويُقدَّر أن نحو 500 منهم من أبناء الجنوب... وهذا التقليص يعني عملياً خسارة مئات العائلات الجنوبية لمصدر دخل ثابت كان يشكّل عنصراً حيوياً في الدورة الاقتصادية المحلية».

ثم أضاف: «الأثر لا يقتصر على الرواتب فحسب، بل يطول قطاعات واسعة مرتبطة بوجود القوات الدولية... ذلك أن عائلات عناصر (يونيفيل) كانت تقصد الجنوب أثناء فترات الإجازات؛ ما كان ينعكس حركةً نشطة في الفنادق والمطاعم والمقاهي والأسواق، وبخاصة في صور وضواحيها، ومنطقة الناقورة، والساحل الجنوبي».

وقدّر شمس الدين أنّ «الاقتصاد الجنوبي قد يتأثر بنسبة تتراوح بين 10 و15 في المائة نتيجة انسحاب (يونيفيل) (أو بالأصح سحبها)»، موضحاً أنّ «هذا التراجع يطول السياحة الموسمية، والتجارة، وحركة التسوق، والمطاعم، والمحال التجارية، وحتى قطاع الخدمات، ولا سيما في مدينة صور التي تُعدّ الأكثر استفادة من الوجود الدولي بحكم موقعها السياحي».


مصطفى مدبولي... مهندس يسعى لإعادة تخطيط البلاد معمارياً واقتصادياً

يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
TT

مصطفى مدبولي... مهندس يسعى لإعادة تخطيط البلاد معمارياً واقتصادياً

يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»

من أروقة التخطيط العمراني الأكاديمية والعملية إلى رئاسة الحكومة، جاء رئيس الوزراء المصري الدكتور مصطفى مدبولي، معلناً بداية مرحلة جديدة في الدولة المصرية تمزج الخبرة التكنوقراطية برؤية عمرانية تعيد تخطيط الدولة في مواجهة تحديات وأزمات اقتصادية وجيوسياسية. مدبولي الذي تولى رئاسة مجلس الوزراء عام 2018 مدشناً ما وصفها آنذاك بـ«مرحلة الانطلاق»، بات الآن واحداً من أطول رؤساء الحكومة المصرية بقاء في المنصب بعد مصطفى فهمي وعاطف صدقي. ويستكمل مدبولي ما بدأه قبل نحو 8 سنوات، مترئساً حكومة تعهّدت في اجتماعها الأول بتشكيلها الجديد في فبراير (شباط) 2026، بـ«استكمال مسيرة التنمية الشاملة في مختلف مناطق الجمهورية»، واضعةً تخفيف العبء عن المواطن على رأس أولوياتها، من خلال العمل على تحسين الوضع الاقتصادي، وتخفيض حجم الدين العام، والاهتمام بالتعليم والصحة وتحسين الأداء الحكومي، وإدارة علاقة جيدة مع مختلف وسائل الإعلام.

وُلد مصطفى كمال مدبولي يوم 28 أبريل (نيسان) عام 1966. ورغم صغر سنه خلال حرب أكتوبر (تشرين الأول) 1973، فإن فرحة النصر «حُفرت في ذاكرته»، إذ كان والده اللواء كمال مدبولي، أحد قادة سلاح المدفعية في الحرب.

عن تلك الفترة قال مدبولي في تصريحات صحافية قبل سنوات: «فرحتنا كانت فرحتين، الأولى بالنصر والثانية بمشاركة والدي المقاتل في استعادة الأرض».

تخرّج مصطفى في كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1988، وحصل على ماجستير في الهندسة المعمارية (تخصص تخطيط مدن) عام 1992. ثم استكمل دراسته في هولندا، وحصل على دبلوم الدراسات المتقدمة في مجال التخطيط العمراني (إدارة العمران) من معهد دراسات الإسكان والتنمية الحضرية عام 1993.

وبعد العودة إلى مصر، حصل على درجة الدكتوراه في الهندسة المعمارية (تخصص تخطيط مدن) من كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1997، بنظام الإشراف المشترك مع معهد التخطيط القومي والإقليمي والعمراني في كلية العمارة بجامعة كارلسروه بألمانيا.

المسيرتان الوظيفية... فالحكومية

بدأ مدبولي حياته المهنية موظفاً بإحدى شركات القطاع الخاص بعد تخرجه مباشرة عام 1988، وكان أول راتب يحصل عليه من تلك الشركة نحو 180 جنيهاً. وعن تلك الفترة قال مدبولي، في مؤتمر الشباب عام 2018، إن «حياته لم تكن رغدة»، فهو ينتمي للطبقة المتوسطة، وبدأ انطلاقته العملية «في فترة كانت ظروف البلاد فيها أصعب من الوضع الراهن».

بعدها انتقل مدبولي من القطاع الخاص إلى الحكومة ليبدأ مساراً مهنياً مختلفاً أوصله إلى قمة الهرم الحكومي، حيث شغل منصب المدير التنفيذي لمعهد التدريب والدراسات الحضرية في مركز بحوث الإسكان والبناء بالوزارة بين يناير (كانون الثاني) 2000 ويونيو (حزيران) 2004. ثم تولّى منصب نائب رئيس مجلس إدارة الهيئة العامة للتخطيط العمراني للتخطيط الإقليمي والبحوث والدراسات في أكتوبر 2007. ثم رئاسة الهيئة العامة للتخطيط العمراني من أبريل (نيسان) 2008 إلى نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2011.

خبرة دولية

في عام 2012 شغل مصطفى مدبولي منصب المدير الإقليمي للدول العربية في «برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية»، مما أكسبه إضافةً إلى مهاراته الأكاديمية والمهنية بُعداً وخبرة دوليين.

ثم دخل ميدان السياسة لأول مرة عندما عُيّن وزيراً للإسكان عام 2014، ثم تولى رئاسة الحكومة رسمياً يوم 7 يونيو (حزيران) عام 2018، خلفاً للمهندس شريف إسماعيل. ولكن تجدر الإشارة إلى رحلته في إدارة مجلس الوزراء المصري كانت قد بدأت قبل ذلك بعدة أشهر، تحديداً في 23 نوفمبر (تشرين الثاني) 2017، عندما أصدر الرئيس عبد الفتاح السيسي قراراً بتولّي مدبولي -وزير الإسكان آنذاك- مهام القائم بأعمال رئيس مجلس الوزراء إلى حين عودة رئيس الوزراء من رحلة علاجه في ألمانيا، وهذه المهمة ظل مدبولي يمارسها حتى عودة إسماعيل من العلاج في يناير (كانون الثاني) 2018.

مدبولي، في الواقع، لم يكن يحلم بتولّي منصب رئاسة الحكومة، إذ قال في تصريحات سابقة: «لو أن أحداً قال لي إنه بعد نحو 30 سنة من تخرّجك في جامعة القاهرة ستجلس على رأس الحكومة المصرية لقلت له إنك تحلم». بل يصف مدبولي بداية رئاسته للحكومة المصرية عام 2018 بأنها «مرحلة الانطلاق» بعد نحو 4 سنوات أمضتها الحكومة السابقة في «محاولة تثبيت أركان الدولة وتحقيق الأمن والاستقرار».

من «القاهرة 2050» إلى «العاصمة الإدارية»

عام 2008، عندما كان مصطفى مدبولي رئيساً لـ«الهيئة العامة للتخطيط العمراني»، كان يتكلّم بنبرة الواثق عن مخطط «القاهرة 2050».

كان المخطّط يهدف، حسبما أعلن آنذاك، إلى تنفيذ 22 مشروعاً خلال 15 سنة لجعل القاهرة «مدينة عالمية مستدامة ومترابطة». وكان من بين هذا المشاريع نقل العشوائيات وتطوير المناطق غير الآمنة، وإنشاء 4 خطوط جديدة لمترو الأنفاق، وتطوير القاهرة الخديوية وهضبة الأهرام.

لقد شكل هذا المخطط جزءاً رئيسياً من إدارة مدبولي لوزارة الإسكان وللحكومة فيما بعد، لتتطور الرؤية من «القاهرة 2050» إلى «استراتيجية وطنية للمدن الذكية» تستهدف تحقيق نقلة نوعية في مفهوم التنمية العمرانية، وبناء ما باتت تُعرف بـ«مدن الجيل الرابع».

يعدّ مدبولي فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً»، ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»، وأن العاصمة الإدارية الجديدة تجسّد رؤية الحكومة المصرية في «بناء مدن حديثة ومستدامة تواكب تطلعات المصريين».

وفي تصريحات صحافية نهاية العام الماضي، قال مدبولي إن «العاصمة الجديدة أصبحت نموذجاً لما تسعى الدولة إلى تحقيقه، من تخطيط عمراني متطور، وبنية تحتية حديثة، وبيئة جاذبة للاستثمار والعمل والإقامة»، وإن مثل هذه المشاريع العملاقة تعد «ركيزة أساسية لدفع عجلة التنمية الشاملة».

من جهة ثانية، لم يقتصر عمل مدبولي على التخطيط العمراني بل قاد مشاريع تنموية شاملة منها: برنامج «حياة كريمة» لتحسين البنية الأساسية والخدمات في القرى والمناطق الريفية، بالتعاون بين الوزارات والمجتمع المدني، وبرنامج «تكافل وكرامة» لتوسيع شبكات الحماية الاجتماعية ودعم الأسر الأكثر احتياجاً. هذا إلى جانب مسار تطوير العشوائيات.

تحدّيات وأزمات

على الرغم من كلام مصطفى مدبولي بداية توليه مهام منصبه عام 2018 عن أن الظروف في مصر أفضل مما كانت عليه عند تخرجه في الجامعة قبل 30 سنة، فإن طريق مدبولي في رئاسة الحكومة لم يكن مفروشاً بالورود. ذلك أن مرحلة الانطلاق التي دشّنها في مطلع ولايته اصطدمت بتحديات جيو-سياسية ألقت بظلال كثيفة على وضع البلاد اقتصادياً، من جائحة «كوفيد - 19» إلى الحرب الروسية - الأوكرانية، ثم «حرب غزة» وتداعياتها الأمنية والاقتصادية، لا سيما مع تراجع عائدات قناة السويس الدولارية. وهكذا وجد المهندس نفسه في مواجهة أرقام التضخم وفجوة النقد الأجنبي.

هذه تحديات عدَّها مدبولي، في تصريحات سابقة، «قدَراً»، فقال: «قدَر هذه الحكومة أن تتحمّل تبعات أزمات عالمية لم تكن طرفاً فيها»، مؤكداً التزامه بـ«عبور السفينة إلى بر الأمان مهما بلغت التحديات».

ومن أجل مواجهة التحديات انخرط رئيس الحكومة في مفاوضات شاقة مع صندوق النقد الدولي أسفرت عام 2022 عن اتفاق على برنامج تمويل بقيمة 3 مليارات دولار أميركي ينتهي في سبتمبر (أيلول) 2026، للخروج من الأزمة الاقتصادية التي عصفت بمصر آنذاك، ثم ارتفعت في مارس (آذار) 2024 إلى 8 مليارات في ظل تداعيات «حرب غزة».

وبينما كان الاقتراض أحد السبل لمواجهة الأزمات الاقتصادية الطاحنة، فإن ارتفاع فاتورة الدين العام، كانت من أشد الانتقادات التي وجّهت إلى مدبولي وحكومته. وللعلم، وفقاً لوزارة التخطيط المصرية، شهد الدين الخارجي قفزة بنحو 6 مليارات دولار منذ مطلع عام 2025، ليصل إلى 161.2 مليار دولار بنهاية يونيو (حزيران) الماضي. في المقابل ارتفع الدين المحلي بنسبة 3.5 في المائة ليصل إلى 11.057 تريليون جنيه (وهو ما يساوي 233.2 مليار دولار).

الدَّين العام والغلاء

بنهاية العام الماضي أعلن مدبولي اعتزام الحكومة خفض الدَّين العام نسبةً للناتج المحلي الإجمالي إلى مستويات غير مسبوقة منذ نحو 50 سنة. وأعلن أن «نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي تراجعت من 96 في المائة قبل سنتين إلى نحو 84 في المائة حالياً. الأمر الذي أثار تساؤلات عن خطة الحكومة في هذا الشأن، لم تُجب عنها الحكومة حتى الآن، وإن كان خفض الدين إحدى أهم أولوياتها.

على الصعيد الداخلي أيضاً، ومع ما وضعته الأزمات الاقتصادية من أعباء إضافية على حياة المواطن، واجهت حكومة مدبولي شكاوى من الغلاء ترافقت مع انتقادات للإنفاق على مشاريع كبرى في ظل أزمات اقتصادية طاحنة. إلا أن رئيس الحكومة كان دائم الدفاع عن تلك المشاريع بوصفها السبيل الوحيد لتحسين جودة حياة المواطن، واعداً بأن المواطن الذي تحمل «فاتورة الإصلاح» سيبدأ قريباً جني ثماره.

الواقع أن كثيرين يرون مصطفى مدبولي نموذجاً للمسؤول الذي يؤمن بأن «البناء هو الحل»، سواءً كان بناء مدينة أو اقتصاد أو حتى إنسان. وفي ظل الجدل المحتدم بشأن الأولويات ومطالبات بإعلاء رؤية لإدارة الملفات الاقتصادية، يبدأ مدبولي راهناً مرحلة جديدة في رئاسة الحكومة المصرية تتمسك بخرائط التنمية العمرانية وتشدد على «بناء الإنسان»، وتضع جذب الاستثمارات وتحسين الاقتصاد على رأس أولوياتها بمساعدة نائبٍ لرئيس الوزراء يتولى قيادة المجموعة الاقتصادية في الحكومة.


3 رؤساء حكومة في عهد السيسي تجمعهم «الهندسة»

ابراهيم محلب (رويترز)
ابراهيم محلب (رويترز)
TT

3 رؤساء حكومة في عهد السيسي تجمعهم «الهندسة»

ابراهيم محلب (رويترز)
ابراهيم محلب (رويترز)

منذ تولّى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الحكم في يونيو (حزيران) عام 2014 تعاقب 3 رؤساء حكومة على إدارة شؤون البلاد، تجمع بينهم الهندسة، حيث تخصص اثنان منهم في الهندسة المدنية، والثالث في هندسة الميكانيكا، ويُعد رئيس الوزراء الحالي مصطفى مدبولي أطولهم بقاءً في المنصب.

إبراهيم محلب

أدى المهندس إبراهيم محلب اليمين الدستورية بصفته أول رئيس للوزراء في عهد السيسي، في 17 يونيو (حزيران) 2014، وواصل مهام عمله رئيساً للحكومة حتى 12 سبتمبر (أيلول) 2015.

وُلد محلب عام 1949، وتخرج في كلية الهندسة المدنية بجامعة القاهرة 1972، ثم عمل في شركة «المقاولون العرب»، وهي إحدى أقدم شركات البناء والتشييد في مصر وأفريقيا، وإبان فترة عمله أشرف على مشاريع عدة من تشييد طرق وبناء جسور وترميم آثار.

وتدرّج محلب في الشركة حتى تولى رئاسة مجلس إدارتها في عام 1997. وفي عام 2013 تولى محلب حقيبة الإسكان في حكومة الدكتور حازم الببلاوي، قبل أن يتولى رئاسة الحكومة في عام 2014، ثم يعيَّن مساعداً لرئيس الجمهورية للمشروعات القومية والاستراتيجية، في سبتمبر 2015.

شريف اسماعيل (رويترز)

شريف إسماعيل

شكّل شريف إسماعيل الحكومة يوم 19 سبتمبر 2015، وتقدم باستقالتها يوم 5 يونيو 2018.

وُلد إسماعيل عام 1955، وتخرّج في كلية الهندسة قسم الميكانيكا بجامعة عين شمس عام 1978. وعمل مهندساً في البحث والاستكشاف بشركة «موبيل» منذ تخرّجه حتى عام 1979، ثم عمل مهندساً بشركة «إنبي» حتى عام 2000، ووكيلاً لوزارة البترول حتى عام 2005، ووزيراً للبترول منذ يوليو (تموز) 2013، حتى سبتمبر 2015.

بعدها ترأس الحكومة حتى تعيينه مساعداً لرئيس الجمهورية في يونيو 2018. وتوفي في فبراير 2023.

مصطفى مدبولي

تولى مصطفى مدبولي رئاسة الحكومة في يونيو 2018 وما زال على رأس الحكومة المصرية حتى الآن.

وُلد مدبولي عام 1966، وتخرّج في كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1988، وحصل على ماجستير في الهندسة المعمارية (تخصّص تخطيط مدن) عام 1992، وتدرّج في المناصب الحكومية وشغل منصب رئيس الهيئة العامة للتخطيط العمراني من عام 2008 حتى 2011. وعام 2014 تولى حقيبة الإسكان خلفاً لإبراهيم محلب. ثم تولى رئاسة الوزراء خلفاً لشريف إسماعيل يوم 7 يونيو 2018.