الأوروبيون يكشّرون عن أنيابهم ويهددون إيران بإعادة ملفها إلى مجلس الأمن

مصادر أوروبية: طفح الكيل مع إعادة تشغيل موقع «فردو» للتخصيب

وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان يتحدث إلى نظيره الألماني هايكو ماس على هامش «منتدى باريس للسلام» أمس (أ.ب)
وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان يتحدث إلى نظيره الألماني هايكو ماس على هامش «منتدى باريس للسلام» أمس (أ.ب)
TT

الأوروبيون يكشّرون عن أنيابهم ويهددون إيران بإعادة ملفها إلى مجلس الأمن

وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان يتحدث إلى نظيره الألماني هايكو ماس على هامش «منتدى باريس للسلام» أمس (أ.ب)
وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان يتحدث إلى نظيره الألماني هايكو ماس على هامش «منتدى باريس للسلام» أمس (أ.ب)

أخيراً؛ كشّرت أوروبا عن أنيابها في وجه إيران وعمدت، للمرة الأولى، إلى التهديد بنقل كامل الملف النووي الإيراني مجدداً إلى مجلس الأمن الدولي بالاستناد إلى الآليات المنصوص عليها التي يتضمنها؛ وأبرزها آلية «فضّ النزاعات» التي تعني، رغم تعقيدها، إمكانية إعادة فرض العقوبات الدولية السابقة كافة على طهران في حال لم تتراجع عن انتهاكاتها المتلاحقة لبنود الاتفاق.
وجاء التهديد الأوروبي على لسان وزراء خارجية الدول الثلاث الموقّعة على الاتفاق (فرنسا وبريطانيا وألمانيا) إضافة إلى «وزيرة» الشؤون الخارجية الأوروبية فيديريكا موغيريني، عقب اجتماع عقد في باريس مساء أول من أمس، وصدر في نتيجته بيان قوي اللهجة يختلف عن البيانات السابقة «المائعة» التي أعقبت المراحل الثلاث الأولى من تخلي إيران التدريجي عن الاتفاق. لكن قيام طهران بإعادة تشغيل موقع «فُردو» لتخصيب اليورانيوم «كان بمثابة النقطة التي بها طفح كيل الأوروبيين» وفق توصيف مصدر أوروبي متابع للملف النووي.
أما الأسباب، وفق المصدر المذكور، فكثيرة؛ وأولها تخلي إيران عن بند واضح في الاتفاق ينص صراحة على تعطيل «فردو» وتحويله إلى مركز بحثي. وثانيها، موقعه الجغرافي بالغ التحصين والعصيّ على التدمير. وثالثها احتمال مدّه بأجهزة طرد مركزية من الجيل السادس من شأنها تسريع إنتاج كميات من اليورانيوم المخصب ورفع نسب التخصيب من مستواها الحالي (أقل من 5 في المائة) وربما الوصول بها إلى ما ادعته إيران من أنها قادرة على تخصيب اليورانيوم بنسبة 60 في المائة. ورابعها، إشارة تقرير للوكالة الدولية للطاقة النووية إلى العثور على مواد نووية في موقع لم تعلنه السلطات الإيرانية وتجهله الوكالة. وبحسب الخبراء الفرنسيين، فإن الجهة القادرة على التخصيب بهذه النسبة، لا يستعصي عليها الوصول إلى نسبة 90 في المائة؛ وهي الضرورية لإنتاج القنبلة النووية.
حقيقة الأمر أن الأوروبيين وصلوا إلى قناعة مفادها بأن طهران «لا تعير بالاً» لتحذيراتهم المتلاحقة ولدعواتهم الملحة لكي تحترم بنود الاتفاق؛ لا بل أن تتراجع عن التجاوزات التي قامت بها؛ أكان ذلك لجهة حجم مخزونها من اليورانيوم المخصب، أو نسبة التخصيب، أو نصب أجهزة الطرد المركزي المتطورة، وأخيراً إعادة تشغيل «فردو».
وترجح المصادر الأوروبية أن طهران، انطلاقاً من وعيها بحرص الأوروبيين على ديمومة الاتفاق رغم خروج الولايات المتحدة الأميركية منه في مايو (أيار) من العام الماضي ثم فرضها عقوبات مالية واقتصادية وتجارية على طهران، راحت تعدّ أنهم «الحلقة الأضعف» التي يسهل بالتالي الضغط عليها؛ لا بل «ابتزازها».
وجاء «الابتزاز» على الطريقة التالية: «إما أن توفروا لي ما خسرته بسبب العقوبات، وإما سأضرب بالاتفاق عرض الحائط». والحال، أن الليونة الأوروبية كان مصدرها الأول توفير الوقت للوساطة الفرنسية التي قام بها الرئيس إيمانويل ماكرون، والامتناع عن المواقف التي من شأنها إثارة طهران ودفعها إلى الخروج من الاتفاق.
والحال؛ أن الوساطة الفرنسية اليوم وصلت إلى طريق مسدودة رغم أن ماكرون ما زال ساعياً للاستمرار بها. والدليل على ذلك الاتصال الهاتفي الأخير بينه وبين الرئيس دونالد ترمب ليل أول من أمس.
ووصف ماكرون في تغريدة المحادثة الهاتفية بأنها كانت «ممتازة» وأنها تناولت سوريا وإيران والحلف الأطلسي، وتميزت بوجود «تقارب في كثير من وجهات النظر». وأشار ماكرون إلى اجتماع مع الرئيس الأميركي يسبق قمة الحلف الأطلسي بلندن في 4 ديسمبر (كانون الأول) المقبل. لكن ثمة قناعة راسخة بأن ما لم يقبل به الرئيس الأميركي (رفع جزئي مسبق للعقوبات عن طهران) في الأسابيع الماضية، فلن يقبل به غداً، وبالتالي فإن الجهود الدبلوماسية الفرنسية المدعومة أوروبياً ستراوح في مكانها.
يعبر البيان الأوروبي الرباعي عن «القلق العميق» إزاء معاودة نشاطات إيران التخصيبية في «فردو» الأمر الذي يعدّ «مخالفة صريحة» للاتفاق النووي و«تترتب عليه نتائج ربما تكون خطيرة» على منع انتشار السلاح النووي، كما أنه يمثل «تسريعاً يؤسف له» لتخلي إيران عن التزاماتها بموجب الاتفاق. ويدعو البيان إيران «إلى العودة دون تأخير» عن التدابير كافة المخالفة لنص الاتفاق والتي تحققت منها الوكالة الدولية وفق ما جاء في تقريرها الأخير. وتكررت هذه الدعوة في غالبية فقرات البيان، مما يدل على الأهمية التي يوليها إياها الموقعون على البيان.
ورغم ذلك، فإن الأوروبيين أكدوا مجدداً «عزمهم» على استمرار بذل الجهود لإنقاذ الاتفاق الذي «يخدم مصالح الجميع». وبموازاة ذلك، يحث البيان طهران على «التعاون الكامل» مع الوكالة الدولية الموكلة الإشراف على الأنشطة النووية الإيرانية، خصوصاً فيما يتعلق بـ«الضمانات العامة والبروتوكول الإضافي». وللتذكير، فإن «البروتوكول الإضافي» يمكّن مفتشي الوكالة من زيارة المواقع التي يرتؤون زيارتها وضمن مهل قصيرة.
والمقصود من هذه الفقرة التعبير عن «القلق الكبير» إزاء تأخر إيران في التعاون مع المفتشين وبشأن «الحادث» الذي طرأ مع إحدى المفتشات التي لم تكشف هويتها والتي سحبت منها طهران ترخيصها. ونوه البيان بـ«العمل الحيادي والمستقل» الذي تقوم به الوكالة وبالثقة الموضوعة بها.
بيد أن الفقرة الأهم في البيان هي ما قبل الأخيرة وتنص حرفياً على التالي: «إننا نعيد التأكيد على عزمنا النظر في كل الآليات التي يتضمنها اتفاق العمل الشامل (أي الاتفاق النووي) بما فيها الآليات الخاصة بفض النزاعات، وذلك من أجل إيجاد حلول للمسائل الخاصة بتنفيذ إيران لتعهداتها، ونحن، من أجل ذلك، على تواصل مع بقية الأطراف الموقّعة على الاتفاق». وسبق لمسؤولين إيرانيين أن نبهوا الأوروبيين إلى أن تفعيل الفقرات الخاصة بآلية فض النزاعات سيعني «نهاية الاتفاق».
صحيح أن هذه الفقرة تمت صياغتها بلغة دبلوماسية، إلا إن مضمونها واضح للغاية، وهي تحمل تحذيراً لإيران بأن «صبر» الأوروبيين على انتهاكاتها للاتفاق بلغ حد النفاد، ويشكل «تهديداً» لإيران بإعادة ملفها النووي إلى مجلس الأمن الدولي مما يعني إمكانية أن يعمد المجلس إلى إعادة فرض العقوبات الاقتصادية التي أوقف العمل بها بفضل الاتفاق. ويستطيع الأوروبيون، من جهتهم، أكثر من ذلك إذا قرروا الالتحاق بالركب الأميركي وفرض عقوبات خاصة بهم على طهران؛ الأمر الذي يضعها في عزلة سياسية ودبلوماسية واقتصادية ومالية شبه تامة. وترى المصادر الأوروبية المشار إليها أن إيران التي اتبعت، بداية، سياسة «الخطوات الصغيرة» لتقليص التزاماتها النووية، ربما تكون قد «أخطأت حساباتها» في إعادة تشغيل موقع «فردو» وحجمت أهمية الاعتراض الأوروبي. بيد أن هذه المصادر ترى أن ما يمكن أن «يأمله» الأوروبيون من مطالبة إيران بالتراجع عن انتهاكاتها السابقة هو في الواقع «توقعهم» بأن تضع حداً لهذه السلسلة من الانتهاكات. وبكلام آخر، فإن المطلوب من طهران هو «تجميد» تدابيرها خصوصاً أن أي خطوة إضافية قد تعني نهاية الاتفاق وتخلي الأوروبيين عن دعمه. وإذا حصل ذلك، فإنه «لن يعود موجوداً».
أما الفقرة الأخيرة، فإن الغرض منها الرد على ادعاءات إيران بأن الأوروبيين لم يلتزموا بالاتفاق، ولذا فإنها تنص على أن البلدان الثلاثة والاتحاد الأوروبي «احترموا تماماً التزاماتهم؛ بما في ذلك رفع العقوبات». وأخيراً، نص البيان على دعوة إيران إلى العمل مع الأطراف كافة من أجل «خفض التصعيد» فيما يلتزم الأوروبيون، من جانبهم، بمتابعة جهودهم الدبلوماسية (في إشارة إلى الجهود الفرنسية) من أجل توفير الشروط الضرورية لتبريد «حدة النزاعات في الشرق الأوسط، وذلك للمحافظة على السلام والأمن الدوليين»، وهم يرون أن جهودهم أصبحت أكثر صعوبة «بسبب ما قامت به إيران مؤخراً».
لم يتأخر الرد الإيراني على البيان الأوروبي، وجاء على لسان الرئيس حسن روحاني ووزير خارجيته ومبعوث طهران لدى الوكالة الدولية. ولم تخرج الردود الإيرانية عن الأدبيات المعروفة التي تلجأ إليها طهران لتبرير مواقفها والتنديد بتقصير الأوروبيين الذين تنتظر منهم تعويضها عن الخسائر المترتبة عليها بسبب العقوبات الأميركية. وبرر روحاني، أمس، في مؤتمر صحافي متلفز، تخلي بلاده عن التزاماتها بسبب الأزمة التي «خلقها العدو» (أي الولايات المتحدة الأميركية) نافياً عن أوروبا حقها في «لوم» طهران. وفي رأيه، فإن طهران «انتظرت عاماً كاملاً» حتى تعطي الفرصة للأوروبيين للوفاء بالتزاماتهم.
يذكر أن أوروبا عمدت إلى إقامة آلية تعويض مالية سميت «إنستكس» لمساعدة طهران على الالتفاف على العقوبات. لكنها بقيت هامشية ومحصورة بالجوانب الإنسانية بسب الضغوطات الأميركية على الشركات الأوروبية الكبرى التي سارعت بالخروج من إيران وتصفية أعمالها هناك. ولخص روحاني استراتيجية بلاده في مقاومة الضغوط الأميركية بأنها تقوم على «المقاومة والمثابرة» وقبول الانخراط في مفاوضات. لكنه أشار إلى أنه حتى اليوم «لم يوافق على العروض» التي وصلت إليه؛ في إشارة إلى عرض ماكرون الأخير الالتقاء بالرئيس ترمب في نيويورك شرط العودة عن الانتهاكات مقابل رفع جزئي للعقوبات. لكن روحاني أغفل الإشارة إلى تقرير الوكالة الدولية الصادر الاثنين الماضي والذي «رصد آثار يورانيوم طبيعي من مصدر بشري في موقع لم تعلن عنه إيران» للوكالة.
بيد أن الرد الأعنف جاء من الوزير ظريف الذي سخر من الأوروبيين في تغريدة أمس جاء فيها: «إلى زملائي في الاتحاد الأوروبي - الدول الأوروبية الثلاث... أولاً: (الوفاء التام بالتزامات خطة العمل الشاملة المشتركة)... أنتم؟ حقاً؟ اذكروا التزاماً واحداً أوفيتم به في الشهور الثمانية عشرة الأخيرة. ثانياً: فعّلت إيران واستنفدت آلية فض النزاع بينما كنتم أنتم تماطلون، ونحن الآن نطبق علاجات الفقرة (36)». وتعدّ إيران أن الفقرة المذكورة تعطيها حق تقليص التزاماتها عندما لا تلتزم الأطراف الأخرى بالتزاماتها. لكن الطرف الأوروبي لا يقبل بهذا التفسير. أما بالنسبة لتقرير الوكالة الأخير، فقد جاء الرد عليه، أمس، من قبل كاظم غريب آبادي، مبعوث إيران إلى الوكالة في فيينا؛ إذ أكد أنها مُنحت حق الوصول إلى الموقع المشكوك فيه «بأقصى تعاون وإيضاحات». ونوه آبادي في بيان بأن «التعاون بين إيران والوكالة بشأن هذه القضية لا يزال مستمراً». كذلك، فقد دعا إلى الامتناع عن الأحكام المسبقة وعن تقديم أي تقييم غير ناضج للوضع، عادّاً أن أمراً كهذا «سيكون بهدف تشويه الحقائق لتحقيق مكاسب سياسية».



«الحرس الثوري» يستحوذ على سلطة الحرب ويضعف دور المرشد

إيرانيون يمرون أمام ملصق للمرشد مجتبى خامنئي في طهران الثلاثاء (إ.ب.أ)
إيرانيون يمرون أمام ملصق للمرشد مجتبى خامنئي في طهران الثلاثاء (إ.ب.أ)
TT

«الحرس الثوري» يستحوذ على سلطة الحرب ويضعف دور المرشد

إيرانيون يمرون أمام ملصق للمرشد مجتبى خامنئي في طهران الثلاثاء (إ.ب.أ)
إيرانيون يمرون أمام ملصق للمرشد مجتبى خامنئي في طهران الثلاثاء (إ.ب.أ)

بعد شهرين من الحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل، لم تعد إيران تملك حاكماً واحداً غير منازع في قمة السلطة، في قطيعة مفاجئة عن إرث الماضي قد تدفع طهران إلى مزيد من التصلب، بينما تدرس استئناف المحادثات مع واشنطن.

منذ تأسيسها عام 1979، دارت المؤسسة الحاكمة في فلك مرشد يملك السلطة النهائية في كل القضايا الرئيسية للدولة، لكن مقتل المرشد علي خامنئي في اليوم الأول من الحرب، وصعود نجله الجريح مجتبى، أدخلا البلاد في نظام مختلف يهيمن عليه قادة «الحرس الثوري»، ويتسم بغياب مرجعية حاسمة وذات سلطة نافذة لاتخاذ القرار، حسب تحليل لوكالة «رويترز».

ولا يزال مجتبى خامنئي في قمة النظام، لكن 3 مصادر مطلعة على المداولات الداخلية قالت إن دوره يقتصر إلى حد كبير على إضفاء الشرعية على القرارات التي يتخذها جنرالاته، لا إصدار التوجيهات بنفسه.

ويقول مسؤولون ومحللون إيرانيون إن ضغوط الحرب أدت إلى تركيز السلطة في دائرة داخلية أضيق من المحافظين المتشددين، متجذرة في المجلس الأعلى للأمن القومي، ومكتب المرشد، و«الحرس الثوري»، الذي بات يهيمن على الاستراتيجية العسكرية والقرارات السياسية الرئيسية.

وقال مسؤول حكومي باكستاني كبير أُطلع على محادثات السلام بين إيران والولايات المتحدة التي تتوسط فيها إسلام آباد: «الإيرانيون بطيئون بشكل مؤلم في ردودهم». وأضاف: «يبدو أنه لا توجد هيكل قيادي واحدة لاتخاذ القرار. أحياناً يستغرق الأمر يومين أو 3 أيام كي يردوا».

عراقجي يستقبل قائد الجيش الباكستاني عاصم منير في طهران الأسبوع الماضي

وقال محللون إن العقبة أمام التوصل إلى اتفاق ليست الصراعات الداخلية في طهران، بل الفجوة بين ما تستعد واشنطن لتقديمه، وما كان «الحرس الثوري» المتشدد مستعداً لقبوله.

وكان وزير الخارجية عباس عراقجي الوجه الدبلوماسي لإيران في المحادثات مع الولايات المتحدة، وانضم إليه أخيراً رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، وهو قيادي في «الحرس الثوري» ورئيس بلدية طهران سابقاً ومرشح رئاسي، وقد برز خلال الحرب بوصفه قناة رئيسية بين النخب السياسية والأمنية والدينية في إيران.

لكن على الأرض، كان المحاور المركزي هو قائد «الحرس الثوري» أحمد وحيدي، وفق مصدر باكستاني ومصدرين إيرانيين، الشخصية المحورية في إيران، بما في ذلك في الليلة التي أُعلن فيها وقف إطلاق النار.

ولم يظهر مجتبى علناً حتى الآن. وقال مصدران مقربان منه إنه يتواصل من خلال مساعديه بـ«الحرس الثوري» أو عبر اتصالات صوتية محدودة بسبب قيود أمنية، وأصيب مجتبى بجروح بالغة في ساقه خلال الموجة الأولى من الغارات الإسرائيلية والأميركية على إيران، والتي قُتل فيها والده وعدد من أقاربه.

ولم ترد وزارة الخارجية الإيرانية بعد على طلب للتعليق على ما أثاره هذا المقال. ونفى مسؤولون إيرانيون في السابق وجود أي انقسامات بشأن المفاوضات مع الولايات المتحدة.

في قبضة قادة عسكريين

قدّمت إيران، الاثنين، مقترحاً جديداً إلى واشنطن، ويقول مسؤولون إيرانيون كبار إنه يتصور محادثات مرحلية، مع تنحية الملف النووي جانباً في البداية إلى أن تنتهي الحرب، وتُحل الخلافات بشأن الملاحة في الخليج العربي. وتصر واشنطن على ضرورة معالجة الملف النووي منذ البداية.

وقال آلان آير، الخبير في الشؤون الإيرانية والدبلوماسي الأميركي السابق، إن «أياً من الطرفين لا يريد التفاوض»، مضيفاً أن كلاً منهما يعتقد أن الوقت كفيل بإضعاف الطرف الآخر؛ إيران عبر ورقة الضغط في هرمز، وواشنطن عبر الضغط الاقتصادي والحصار.

وقال آير إن أياً من الطرفين لا يستطيع، في الوقت الراهن، أن يبدي مرونة؛ فـ«الحرس الثوري» حذر من الظهور بمظهر الضعف أمام واشنطن، بينما يواجه الرئيس دونالد ترمب ضغوط انتخابات التجديد النصفي، ولا يملك هامشاً كبيراً للمرونة من دون تكلفة سياسية.

وأضاف آير الذي شارك بالمفاوضات النووية خلال إدارة باراك أوباما من كثب: «بالنسبة إلى الطرفين، ستُفسر المرونة على أنها ضعف».

جندي إيراني يقف أمام لوحة دعائية تظهِر المرشد الجديد مجتبى خامنئي وقادة عسكريين في طهران (إ.ب.أ)

ولا يعكس هذا الحذر ضغوط اللحظة الراهنة فقط، بل الطريقة التي تمارس بها السلطة الآن داخل إيران. ورغم أن مجتبى هو رسمياً صاحب السلطة النهائية في إيران، فإنه، بحسب مطلعين، شخصية تصادق أكثر مما تقود؛ فهو يقر نتائج صيغت عبر توافق مؤسسي، ولا يفرض سلطته. ويقول هؤلاء إن السلطة الفعلية انتقلت إلى قيادة حرب موحدة تتمحور حول المجلس الأعلى للأمن القومي.

ورفعت شخصيات متشددة، مثل المفاوض النووي السابق سعيد جليلي ومجموعة من النواب الراديكاليين، حضورها عبر خطاب حاد خلال الحرب، لكنها تفتقر إلى النفوذ المؤسسي اللازم لتعطيل القرارات أو تشكيل النتائج.

ويدين مجتبى بصعوده إلى «الحرس الثوري»، الذي همّش البراغماتيين ودعمه بوصفه حارساً موثوقاً به لأجندته المتشددة. وتقول مصادر مطلعة على دوائر صنع القرار الداخلية في البلاد لـ«رويترز» إن ازدياد هيمنة «الحرس الثوري»، الذي تعزز أصلاً بفعل الحرب، يشير إلى سياسة خارجية أكثر عدوانية وقمع داخلي أشد.

ويرى «الحرس الثوري» مدفوعاً بالتوجه الآيديولوجي الثوري ورؤية أمنية في المقام الأول، أن مهمته تتمثل في الحفاظ على الجمهورية الإسلامية في الداخل مع إظهار الردع في الخارج.

وهذه الرؤية، التي غالباً ما يتقاسمها متشددون في القضاء والمؤسسة الحاكمة، تعطي الأولوية لسيطرة مركزية صارمة ومقاومة الضغوط الغربية، خصوصاً في السياسة النووية ونفوذ إيران الإقليمي.

السلطة بيد القطاع الأمني

وقالت المصادر المقربة من دائرة الحكم أن آيديولوجيا «الحرس الثوري» تشكل في الواقع الاستراتيجية الرئيسية؛ إذ تبقى عملية صنع القرار راسخة في يده. وأضافت المصادر أنه مع دخول البلاد في حالة حرب ورحيل خامنئي، لا يملك أي طرف داخل النظام القوة أو النطاق لمقاومة ما يراه «الحرس الثوري»، حتى لو أراد ذلك.

ولم يعد الخيار أمام القيادة الإيرانية بين سياسة معتدلة وأخرى متشددة، بل بين التشدد وما هو أشد تشدداً. وقال مصدران إيرانيان قريبان من دوائر السلطة إن فصيلاً صغيراً قد يدفع باتجاه الذهاب أبعد، لكن «الحرس الثوري» أبقى هذا الاندفاع حتى الآن تحت السيطرة.

ويمثل هذا التحول إعادة ترتيب حاسمة للسلطة، من أولوية رجال الدين إلى هيمنة القطاع الأمني. وقال آرون ديفيد ميلر، المفاوض الأميركي السابق: «انتقلنا من سلطة رجال الدين إلى السلطة العسكرية... إلى نفوذ (الحرس الثوري). هكذا تحكم إيران».

إيرانية تسير بجانب نموذج رمزي لصاروخ «خيبر شكن» الباليستي في طهران الاثنين (رويترز)

وقال أليكس فاتانكا، الزميل البارز في معهد الشرق الأوسط، إن اختلافات في الرأي موجودة، لكن صنع القرار تركز حول المؤسسات الأمنية، مع قيام مجتبى بدور شخصية جامعة مركزية، لا صاحب قرار منفرد.

ورغم الضغط العسكري والاقتصادي المستمر من الولايات المتحدة وإسرائيل، لم تُظهر إيران أي مؤشرات إلى التصدع أو الاستسلام بعد نحو 9 أسابيع من الحرب

وأشار ميلر أيضاً إلى أنه لا توجد أدلة على وجود انقسامات جوهرية داخل النظام أو معارضة ذات مغزى في الشوارع.

ويشير هذا التماسك إلى أن القيادة باتت في يد «الحرس الثوري» والأجهزة الأمنية، التي تبدو كأنها تقود الحرب بدلاً من مجرد تنفيذ عمليات قتالية. وقال ميلر إن توافقاً استراتيجياً برز داخل النظام: تجنب العودة إلى حرب شاملة، والحفاظ على أوراق الضغط، خصوصاً في مضيق هرمز، والخروج من الصراع أقوى سياسياً واقتصادياً وعسكرياً.


جولة موسعة لوزير الخارجية الفرنسي إلى منطقة الخليج

وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو يلقي كلمة بلاده في الأمم المتحدة بمناسبة الجلسة المخصصة لمعاهدة منع انتشار الأسلحة النووية (أ.ف.ب)
وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو يلقي كلمة بلاده في الأمم المتحدة بمناسبة الجلسة المخصصة لمعاهدة منع انتشار الأسلحة النووية (أ.ف.ب)
TT

جولة موسعة لوزير الخارجية الفرنسي إلى منطقة الخليج

وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو يلقي كلمة بلاده في الأمم المتحدة بمناسبة الجلسة المخصصة لمعاهدة منع انتشار الأسلحة النووية (أ.ف.ب)
وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو يلقي كلمة بلاده في الأمم المتحدة بمناسبة الجلسة المخصصة لمعاهدة منع انتشار الأسلحة النووية (أ.ف.ب)

يقوم جان نويل بارو، وزير الخارجية الفرنسي، بدءاً من بعد ظهر الأربعاء، بجولة خليجية تقوده تباعاً إلى المملكة السعودية وقطر والإمارات وعمان. وتأتي هذه الجولة في إطار التواصل الأوروبي مع القادة الخليجيين وعقب تلك التي قام بها، تباعاً، رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، ورئيسة الوزراء الإيطالية جيورجينا ميلوني. وستوفر الجولة الفرصة لبارو للقاء نظرائه في العواصم الأربع.

وتعكس هذه الزيارات المتلاحقة اهتماماً أوروبياً واضحاً بتتمات الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران وبانعكاساتها محلياً وإقليمياً ودولياً، ورغبة في التواصل مع الدول الخليجية المعنية بشكل رئيسي بما هو حاصل في محيطها.

ووصفت مصادر دبلوماسية فرنسية السياق الذي تحصل فيه جولة بارو بأنه «خاص»، إذ تأتي بعد ستة أسابيع من الحرب، وفي سياق وقف لإطلاق النار لا تعرف مدته، وفي إطار مفاوضات متأرجحة بين معاودة الانطلاق والوصول إلى طريق مسدود وعودة الحرب، بالإضافة إلى إغلاق مضيق هرمز ونتائجه الكارثية على سلاسل إمداد الطاقة والأزمات الاقتصادية.

وذكرت باريس أن الجولة تشمل دولاً ترتبط معها فرنسا باتفاقيات دفاعية وكان لها دور في الدفاع عنها ضد الصواريخ والمسيرات الإيرانية، منوهة بأن ما قامت به فرنسا يفوق بأضعاف ما قامت به دول أوروبية أخرى. وبخصوص المفاوضات، ترى باريس أن أحد أسباب التعثر يكمن في أن كل طرف (إيران والولايات المتحدة) يعتبر أن ميزان القوى يميل لصالحه، وبالتالي لا يرى أن عليه تقديم تنازلات كبيرة؛ الأمر الذي يُصعّب عملية الخروج من الأزمة.

أهداف جولة بارو

تسعى باريس من خلال الجولة إلى تحقيق مجموعة من الأهداف، أولها تعزيز المقاربة الفرنسية - الخليجية، والأوروبية - الخليجية، إزاء مجموعة من الملفات أبرزها كيفية التعامل مع التحدي الذي تمثله برامج إيران النووية والباليستية والمسيرات، والدور الإقليمي الذي تلعبه طهران، وكيفية بلوغ الحلول المستدامة والمبادرات التي يمكن أن يقوم بها الطرفان (الفرنسي والخليجي) معاً.

وفي هذا السياق، فإن باريس ترى أن التركيز سيكون على كيفية إعادة حرية الملاحة إلى مضيق هرمز. ولا شك أن الوزير بارو سيعرض على نظرائه المراحل التي قطعتها المبادرة الفرنسية - البريطانية لضمان أمن الملاحة، من خلال إطلاق «مهمة» أو «بعثة» لمواكبة السفن والناقلات التي تعبر المضيق.

لكن أمراً كهذا لن ينطلق قبل أن تنتهي الحرب، علماً بأن باريس ولندن حرصتا على تجنب الخلط بين ما تقوم به القوات البحرية الأميركية وبين مهمات البعثة الموعودة. وترى باريس أنه يجب للطرف الخليجي أن يلعب دوراً، وأن لا شيء يمكن أن يتم من غير ضم الخليجيين إليه.

الملف اللبناني و«حزب الله»

لا ترى باريس أن جولة كهذه يمكن أن تتم من غير أن تتناول الملف اللبناني، خصوصاً مع المملكة السعودية، حيث للبلدين مقاربة متماثلة لجهة الأهداف التي يرغب الطرفان بأن تتحقق عملهما من أجل المحافظة على السيادة اللبنانية، وتفهم توازنات البلد الداخلية والتمسك باستقراره.

وإذا كانت باريس التي استقبلت مؤخراً رئيس مجلس الوزراء نواف سلام ورحبت بوقف إطلاق النار الذي تم تمديده لثلاثة أسابيع، إلا أنها، بالمقابل، شعرت بالقلق إزاء انتهاكاته وإزاء استفحال الأزمة الإنسانية وإزاء الانقسامات العميقة التي يعيشها لبنان بصدد «حزب الله»، والدور الذي لعبه بجر لبنان إلى حرب لا يريدها وربطه بأزمات إقليمية.

وأشارت المصادر الدبلوماسية الفرنسية إلى «عدوانية» «حزب الله» في الداخل، والتي برزت أيضاً مع مقتل عنصرين من قوات «اليونيفيل» الدولية، حيث تحمّل باريس المسؤولية لعناصر من الحزب المذكور. وثمة مصدر قلق ثان لفرنسا عنوانه احتلال إسرائيل لمناطق في جنوب لبنان، التي من شأنها دعم «سردية» «حزب الله» ووضع العراقيل بوجه السلطات اللبنانية في سعيها لوضع حد لهذه الحرب عن طريق المفاوضات المباشرة مع إسرائيل.

ما قبل الحرب وما بعدها

ثمة محور ثان ستدور حوله جولة بارو، عنوانه الأول تعزيز المقاربة الفرنسية - الخليجية بصدد الحلول المستدامة للأزمة ولما بعدها. وترى باريس أن الدول الخليجية لن تكون بعد الحرب كما كانت قبلها، ولذا فإن أحد الأهداف يكمن في تعزيز الشراكات بين الجانبين.

وتقول المصادر الدبلوماسية إن فرنسا كانت في المقام الأول تسعى لمساعدة شريكاتها في عملية الدفاع، وهي جاهزة لأن تكون مجدداً إلى جانبهم في حال استؤنفت الحرب. لكنها ترى أنه يتعين في المقدمة الحاجة إلى تعميق الشراكة في المجال الأمني والدفاعي والذهاب إلى شراكات متجددة؛ لأن الحرب وأساليبها تتطور وتتغير ويجب مواكبة التطورات. وفي المقام الثاني، وبالنظر لما يجري في مضيق هرمز، فإن باريس ترى الحاجة لتطوير طرق بديلة للمحافظة على إمدادات الطاقة حتى لا يقع العالم بأزمات مشابهة للأزمة الراهنة، والطريق إلى ذلك يمر عبر الربط الإقليمي بين الوسائل المتوافرة، أو تلك التي يتعين إيجادها، خصوصاً أنها تتجه كلها من الشرق إلى الغرب؛ أي باتجاه المتوسط، حيث يمكن لسوريا وللبنان أن يكونا جزءاً منها.

وباختصار، تعتبر باريس أن الهدف من الزيارة التقريب بين فرنسا وشريكاتها في الخليج في مقاربة الأزمات، وفي توفير السبل لمواجهة التحديات التي تتسبب بها.


مصدر: إيران وأميركا تسمحان ليخت روسي فاخر بعبور مضيق هرمز

باخرة في مضيق هرمز (رويترز)
باخرة في مضيق هرمز (رويترز)
TT

مصدر: إيران وأميركا تسمحان ليخت روسي فاخر بعبور مضيق هرمز

باخرة في مضيق هرمز (رويترز)
باخرة في مضيق هرمز (رويترز)

قال مصدر ‌مقرب من الملياردير الروسي أليكسي مورداشوف، اليوم الثلاثاء، إن يختاً فاخراً يملكه مورداشوف تمكن من عبور مضيق هرمز المحاصر بعد خضوعه لأعمال صيانة في دبي، وذلك لعدم اعتراض إيران أو الولايات المتحدة على ذلك.

ولم تتضح بعد ظروف حصول اليخت الذي تتجاوز قيمته 500 مليون دولار، على إذن للإبحار يوم السبت عبر الممر البحري الذي ‌يمثل بؤرة ‌الصراع بين الولايات المتحدة وإيران، ويشهد ‌تقييداً ⁠لحركة الملاحة منذ ⁠فبراير (شباط).

وأضاف المصدر، وفق «رويترز»، أن اليخت، الذي يبحر رافعاً العلم الروسي ويحمل اسم «نورد»، عبر المضيق في مسار معتمد بما يتوافق مع القانون البحري الدولي. وقال: «لم تتدخل إيران في حركة اليخت؛ لأنه سفينة مدنية تابعة لدولة صديقة تعبر ⁠سلمياً. ولم يثر الجانب الأميركي ‌أي تساؤلات بشأن حركة ‌اليخت، لأنه لم يرس في الموانئ الإيرانية وليست ‌له أي صلة بإيران».

ولا يمر سوى عدد ‌قليل من السفن، معظمها تجارية، يومياً عبر الممر البحري الحيوي عند مدخل الخليج في ظل استمرار وقف إطلاق النار الهش بين واشنطن وطهران. ويمثل ‌هذا عدداً ضئيلاً مقارنة بـ125 إلى 140 سفينة يومياً في المتوسط ⁠قبل ⁠اندلاع الحرب مع إيران في 28 فبراير. ورداً على ذلك، فرضت الولايات المتحدة حصاراً على الموانئ الإيرانية.