من {البوساء} إلى اليوم... لمن الشوارع؟

موضع صراع دائم بين الشعوب والأنظمة

مشهد من فيلم «البؤساء» المستوحى من رواية فيكتور هوغو - فيكتور هوغو
مشهد من فيلم «البؤساء» المستوحى من رواية فيكتور هوغو - فيكتور هوغو
TT

من {البوساء} إلى اليوم... لمن الشوارع؟

مشهد من فيلم «البؤساء» المستوحى من رواية فيكتور هوغو - فيكتور هوغو
مشهد من فيلم «البؤساء» المستوحى من رواية فيكتور هوغو - فيكتور هوغو

من سانتياغو إلى لندن، ومن برشلونة إلى بيروت، ومن بغداد إلى هونغ كونغ، تغص شوارع وميادين العواصم والمدن الكبرى اليوم بجموع متظاهرين قد لا يجمع بينهم نضال موحد أو عدو مشترك، لكنهم جميعاً استبدّ بهم الغضب على ممارسات الأنظمة الحاكمة في بلدانهم حتى وصلت بهم الأمور إلى حدود الخروج الجماعي عن الطاعة التي يفرضها العقد الاجتماعي السائد وترتيبات القوّة، التي من دونها لا يستقر نظام سياسي، ولا يبقى إلا على أساسات مهتزة.
ظاهرة الخروج إلى الشوارع والميادين العامة عبر التاريخ الحديث - أقلّه منذ بدايات العصر الرأسمالي - لم تعد مجرّد فوضى كرنفالية يمكن فيها للجموع البشرية تنفيس غضبها مما يحل بها من مظالم بالصراخ وبالغناء وبالرقص، بل هي أصبحت تهديداً حاسماً لا يمكن التغاضي عنه طويلاً من قبل النخب المهيمنة على السلطة بوصفه قطعاً لشرايين تدفق البضائع والخدمات، وإعاقة للعمل الاقتصادي وتنفيراً للسياح والمستثمرين. ولذا؛ فإن الدولة بوصفها الأداة التي تستخدمها النخبة لتنظيم الأمور في بلد ما، اندفعت دائماً لمواجهة المتظاهرين وبقسوة بالغة أحياناً بغية استعادة السيطرة على شرايين التجارة والأعمال منهم.
ولعل رواية «البؤساء» للفرنسي فيكتور هوغو من أول الأعمال الأدبية التي أرّخت، وإن بصيغة غير مباشرة لذلك الصراع المستمر بين الناس والأنظمة للاستحواذ على الشوارع. وعلى الرغم من أن الإنتاجات التلفزيونية والمسرحية الكثيرة عن الرواية تصور المتاريس التي أقامها المتظاهرون خلال ثورة 1830 وكأنها تراكم من الصناديق وقطع الأثاث المهملة، فإن الرواية تشير بوضوح إلى متاريس مبينة بانتظام دقيق كجدران من حجارة رصف الطرقات التي كانت سائدة حينها في شوارع باريس، وعمد المتظاهرون إلى نزعها من أماكنها وتدويرها كمادة بناء لجدران تغلق الطرقات المؤدية إلى أحيائهم، وتحميهم من طلقات رجال درك الحكومة وهجومات الفرسان، في الوقت الذي لا يمكن إشعال النيران بها بسهولة. وقد استمرت شوارع باريس ساحة لمعارك جذب وشذب بين الحكومات والمتظاهرين طوال الفترة منذ أيام الثورة الفرنسية في العقد الأخير من القرن الثامن عشر وخلال معظم القرن التاسع عشر. وتسجل المصادر التاريخيّة 21 مواجهة بين الطرفين استخدمت فيها تقنية المتاريس خلال تلك الفترة العصيبة من التاريخ الفرنسي - والتي شهدت ما لا يقل عن 6 تقلبات في شكل النظام الحاكم بين الملكية والجمهورية والإمبراطورية - تراوح عددها بين الـ4000 متراس (1830) إلى 6000 (1848).
ويبدو أن السلطات الفرنسية ضاقت ذرعاً بلعبة المتاريس هذه، ولذا كان من أول الأشياء التي فعلها نابليون الثالث فور إعلان نفسه إمبراطوراً للبلاد أن استدعى البارون جورج - ايوجين هاوسمان وكلفه بمهمة إيجاد حلّ نهائي لها. هاوسمان لم يكن معمارياً، لكنه كان شديد الحماسة لتهديم أحياء فقراء المدينة كافة الذين كلما غضبوا «نتيجة انطباعات موهومة أو اقتراحات متطرفة» أغلقوا أحياءهم بالمتاريس، وخرجوا عن سلطة الحكومة.
خطة هاوسمان لحماية النظام تضمنت إزالة عدد كبير من تلك الأحياء وتقطيع أوصال البعض الآخر عبر شق عشرات الطرق العريضة المستقيمة التي تمتد كالأشعة عبر أحياء المدينة كافة على نحو لا يعود معه ممكناً استخدام المتاريس لعزل الأحياء. وقد وصف الأميركي مارك توين عند زيارته لباريس نتاج تنفيذ تلك الخطة الهائلة التي وكأنها أسقطت على تخطيط العاصمة من السماء، كاستعادة حاسمة للشوارع من أيدي الرعاع: «الذين سيتعيّن عليهم منذ الآن البحث عن ملعب آخر إن هم رغبوا في مواجهة السلطات مستقبلاً؛ إذ إن طلقة مدفع منصوب في شمال المدينة كانت لتستمر دون أن تجد ما يعيقها حتى جنوب المدينة سوى أجساد المتظاهرين».
ومع ذلك، فإن فقراء باريس كان لهم رأي آخر. إذ نزعوا حجارة الطرقات مجدداً خلال اضطرابات 1871 التي قادت إلى كميونة باريس الاشتراكية وأقاموا متاريس قاتلوا وراءها بشجاعة منقطعة النظير قبل أن تستعيد السلطات زمام المبادرة عبر العنف الشديد وسفك الدماء بلا حساب. وقد استعاد المتظاهرون الفرنسيّون هذه التقنية مجدداً خلال ثورة الطلاب عام، 1968 وكذلك أثناء مظاهرات السترات الصفر الحاليّة، وكأنهم جميعهم يتوارثون السخريّة من أحلام المسيو هاوسمان بارون الطّرق الشعاعية. بينما كتب عالم النفس الألماني فيلهايم رايتش أنه كان متيقناً من فشل الثورة اليسارية في بلاده بداية ثلاثينات القرن الماضي بعدما لاحظ أن المتظاهرين كانوا يلتزمون بإرشادات «الرجاء عدم الدّوس على الحشائش» أثناء تنقلهم عبر الشوارع والأماكن العامة ببرلين. ربما كان على الفقراء الألمان أن يتعلموا شيئاً عن فنون الاحتجاج في الشوارع من جيرانهم الفرنسيين.
اللندنيون الفقراء اختاروا طريقة أخرى للاحتجاج عبر احتلال ميدان الطرف الأغر الشهير في قلب العاصمة. وهم عام 1887 حولوا ذلك الميدان إلى ما يشبه فندقاً هائلاً في الهواء الطلق أقاموا فيه مع عوائلهم، واستحموا وغسلوا ملابسهم في نوافير مائه الباذخة، في حين انتشر بينهم الخطباء الثوريون وأصحاب الطرق الدينية والمشعوذون والمحسنون يوزعون الشعارات الصارخة والمناشير والأناجيل وأرغفة الخبز وقطع الصابون، حتى ضاق الميدان بسكانه العابرين على وسعه ففاضوا إلى الشوارع المجاورة. وقتها تحوّل ذلك الجزء من العاصمة الإمبراطورية إلى ما يشبه معسكراً خارجاً عن القانون على نحو استدعى تدخل رجال الشرطة لإخلاء الناس مرات عدة دون نجاح يذكر؛ إذ كانوا كلما طردوا من زاوية انتقلوا إلى أخرى. وهكذا عزمت السلطات على استخدام القوة الحاسمة لاستعادة الميدان، ووجدت في المظاهرة التي نظمت هناك خلال شهر نوفمبر (تشرين الثاني) للمطالبة بإطلاق سراح نائب آيرلندي من السجن فرصتها السانحة، فشنت هجوماً - سمي بالأحد الدامي - قتل فيه وجرح عشرات المتظاهرين قبل أن يتفرقوا. لكنهم مع ذلك ما لبثوا وبعد أقل من أسبوع أن عادوا للميدان مجددا وخأضوا مواجهة عنيفة مع البوليس في جنازة أحد المتظاهرين القتلى. وتكررت تلك المواجهات مرات عدة تالياً، دون أن يتمكن أي من الفريقين من فرض سيطرة نهائية على المكان.
تلك المواجهات دفعت السلطات البريطانيّة إلى البحث في تطوير أساليب مواجهة تجمعات المتظاهرين. وبالفعل فقد تم تشكيل قوة خاصة لقمع الشغب عام 1925 في شنغهاي - كانت حينها مستعمرة بريطانيّة – أتقنت فنون السيطرة على الحشود، وخوض مواجهات الشوارع وقمع المتظاهرين بمطلق القسوة. وقد نقل ويليام فيربرين آمر قوة بوليس شنغهاي البريطانية تلك الفنون المستحدثة لاحقاً إلى أجهزة أشرطة الولايات المتحدة وسنغافورة وقبرص وهونغ كونغ بوصفها أفضل الممارسات في ذلك المجال، قبل أن يتحول الكيان الإسرائيلي إلى بيت الخبرة الأول في العقود الأخيرة - بالاستفادة من القمع اليومي والمستمر للفلسطينيين -، وتدربت شرطة كثير من الدول في أوروبا وأميركا وأفريقيا على أيدي خبرائه البارزين.
تغير طابع لعبة الشوارع مجددا بداية من عام 2000 على يد البروفسور جين شارب عالم السياسة الأميركي البارز الذي كان أطلق في 1992 فكرة المقاومة اللاعنفية، وهي تقنيّات متعددة (وصلت عددها إلى 198 كما في كتابه الذائع الصيت «من الديكتاتورية إلى الديمقراطية») يمكن للمتظاهرين ضد الأنظمة الحاكمة تبني الكثير منها معاً أو من خلال خطة متدرجة في إطار مواجهتهم للسلطات، مع الاستفادة من التطور الهائل في مجال الاتصالات والنقل المباشر للصور إلى أنحاء المعمورة كافة. وقد استخدمت تلك التقنيات بنجاح فيما سمي الثورات الملونة التي اجتاحت شرقي أوروبا صربيا وأوكرانيا ولاحقاً في ثورات ما سمي الربيع العربي في مصر وليبيا وسوريا، وساعدت على قلب أنظمة اشتهرت بصلفها واستخدامها للقمع المفرط.
وهكذا من شوارع عواصم العالم شرقا وغرباً، تتجدد صراعات الشوارع، ويبدو أن الحراكات الجماهيرية ستبقى دائماً ملعب المواجهة المتكررة بين الشعوب والأنظمة عندما تفشل الساحات الأخرى البرلمانية والقضائية والإعلامية في حسم الصراعات أو تقديم البدائل. عندها سينتصر حتماً الطّرف الذي سينجح في فرض سيطرته على الشوارع والميادين العامة، ليبقى السؤال الحاسم لكل منازلة بين المجتمع ودولته دائماً: لمن الشوارع اليوم؟



طبيب يروّج لـ«زيت الثوم» علاجاً للسرطان ويُشطب من المهنة

أملٌ يُباع... وجسدٌ يدفع الثمن (غيتي)
أملٌ يُباع... وجسدٌ يدفع الثمن (غيتي)
TT

طبيب يروّج لـ«زيت الثوم» علاجاً للسرطان ويُشطب من المهنة

أملٌ يُباع... وجسدٌ يدفع الثمن (غيتي)
أملٌ يُباع... وجسدٌ يدفع الثمن (غيتي)

شُطِب طبيب من السجل المهني للأطباء بعد إدارته عيادة غير مرخَّصة وتقاضي مبلغ 15 ألف جنيه إسترليني من مرضى السرطان مقابل «علاجات» وهمية بزيت الثوم وفيتامين «سي».

وذكرت «بي بي سي» أنّ الدكتور محسن علي، الذي سُحب منه ترخيصه الطبي عام 2015، أدار عيادة من داخل «منزل شعبي» في مدينة ليستر، وُصف بأنه في حالة «مزرية»، حيث عالج مريضين مصابين بسرطان البروستاتا والمبايض عام 2018.

ووفقاً لما استمعت إليه جلسة استماع تابعة لهيئة خدمات المحاكمات الطبية «MPTS»، فقد أخبر علي المرضى أنّ هيئة الخدمات الصحية البريطانية «NHS» «تقتلهم»، وأنّ «شركات الأدوية الكبرى تربح من ورائهم».

وقد انكشفت ممارسات علي بعدما أرسل أحد المرضى بريداً إلكترونياً إلى شرطة مقاطعة ليسترشاير، التي أبلغت بدورها المجلس الطبي العام.

تخرّج علي في جامعة القاهرة عام 1994، وبدأ ممارسة المهنة في المملكة المتحدة عام 2001، وحصل على ترخيص طبّي كامل من عام 2004 حتى سحبه في يناير (كانون الثاني) 2015.

بدأت إجراءات المحاكمة في 1 ديسمبر (كانون الأول) 2025، مع عقد جلسة استماع أخرى في 14 يناير (كانون الثاني)، قبل استئناف الجلسات من 22 إلى 24 أبريل (نيسان) 2026.

وثبت للمحكمة أنّ علي أخبر مريضين، أُحيلا إليه بناءً على توصية، بأنه «يستطيع علاج السرطان» بنسبة «نجاح تصل إلى 90 في المائة».

ومقابل خدماته، تقاضى علي من مريض (يُدعى المريض أ.) مبلغاً يصل إلى 15 ألف جنيه إسترليني، ومن مريض آخر (يُدعى المريض ب.) ما بين 10 آلاف و12 ألف جنيه إسترليني.

واستمعت المحكمة إلى أنه حقن كلا المريضين وريدياً بفيتامين «سي» وزيت الثوم على أنهما علاج للسرطان، كما أعاد استخدام أكياس المحاليل الوريدية، ممّا عرّض المرضى لخطر الإصابة بعدوى خطيرة.

وخلصت هيئة المحاكمات الطبية إلى أنّ علي كان يعلم أنّ هذه لم تكن «علاجات قائمة على أدلّة علمية لعلاج السرطان»، وأنّ تصرفاته اتّسمت بـ«عدم الأمانة».

ولم يحضر جلسات المحكمة، لكنه نفى في رسالة بريد إلكتروني للمجلس الطبي العام تلك الاتّهامات، زاعماً أنه «لم يقل أبداً إنه يستطيع علاج السرطان».

ومع ذلك، عثرت الشرطة خلال دهم منزله على منشور دعائي نصّ على أنه «طبيب مؤهّل» عمل في هيئة الخدمات الصحية البريطانية لكنه غادرها «لأنّ العلاج الكيميائي والإشعاعي لم ينجح»، وأنّ ما يقدّمه «عالج عدداً من حالات السرطان».

«بيئة ملوّثة وغير صحية»

أفاد «المريض أ.»، الذي كان يعاني سرطان البروستاتا في المرحلة الثالثة، في شهادته بأنّ علي «ضحك» عبر الهاتف، وأضاف أنّ سرطان البروستاتا «من السهل علاجه».

واستمعت المحكمة إلى أنّ الجلسات كانت تُجرى في عقار علي شبه المنفصل، الذي وصفته زوجة المريض (أ) بأنه يبدو «مثل منزل شعبي»، وتضمّنت أحياناً استخدام «العلاج بالأوزون»، وهو ممارسة طبية بديلة مثيرة للجدل.

وكشف تفتيش أجرته هيئة الصحة العامة في إنجلترا أنّ العقار يحتوي على «عدد من الأدوات والأسطح والمناطق الملوّثة بشكل واضح».

وأضاف التقرير أن هناك «نقصاً في المواد التي تشير إلى اتخاذ احتياطات أساسية للوقاية من العدوى»، مع وجود أدلّة على «إعادة استخدام المعدّات من دون تطهيرها».

ووُصف العقار بأنه مساحة مشتركة بين السكن والعيادة مع «انعدام التمييز بينهما»، كما وُصف بأنه «قذر وغير صحي».

أما «المريضة ب.»، التي كانت تعاني سرطان المبايض في مرحلة متأخرة، فقد توفيت بعد مدّة وجيزة من توقفها عن العلاج لدى علي، وقبل بدء تحقيقات هيئة الصحة والشرطة.

وقال زوجها إن أطباء نظام التأمين الصحي أخبروهم بأنه لا يوجد ما يمكن فعله، لكن علي اعترض على ذلك، وزعم أنه يستطيع «علاج سرطانها».

وذكرت جلسة الاستماع أنّ علي قال للمريضة (ب) إنّ «العلاج الكيميائي لم ينجح»، وبدلاً من علاج الناس، فإنّ «هيئة الخدمات الصحية البريطانية كانت تقتلهم، وشركات الأدوية الكبرى كانت تجني الأموال من ورائهم».

وخلصت المحكمة إلى أنّ علي «فشل في الحصول على موافقة مستنيرة» من المريضة (ب) بشأن علاجات فيتامين «سي»، والمياه المعالجة بالأكسجين، وبيكربونات الصوديوم، والعلاج بالأوزون.

وأكد شاهد خبير أنه لا توجد دراسات أو بيانات سريرية تشير إلى أنّ أياً من العلاجات الموصوفة التي قُدمت للمرضى يمكن أن تعالج أيّ نوع من أنواع السرطان.


رافا موليس: «الشفقة» محاولة لالتقاط صوت الجليد ككائن حي

استغرق تصوير الفيلم عامين (الشركة المنتجة)
استغرق تصوير الفيلم عامين (الشركة المنتجة)
TT

رافا موليس: «الشفقة» محاولة لالتقاط صوت الجليد ككائن حي

استغرق تصوير الفيلم عامين (الشركة المنتجة)
استغرق تصوير الفيلم عامين (الشركة المنتجة)

قال المخرج الإسباني رافا موليس إن فيلمه الوثائقي «الشفقة» يسعى إلى نقل تجربة إنسانية وشعورية عميقة عاشها بنفسه أمام الأنهار الجليدية في آيسلندا، موضحاً أن هذه التجربة بدأت قبل نحو 20 عاماً حين زار المكان للمرة الأولى برفقة شريكه في إخراج الفيلم بيبي أندريو، حيث شكّلت تلك اللحظة نقطة تحوّل في نظرته للطبيعة.

وأضاف في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن الوقوف أمام نهر جليدي لم يكن مجرد مشاهدة لمشهد طبيعي، بل إحساس بأن هذا الجليد كائن حي يتنفس ويتحرك ويُصدر أصواتاً، وهو ما جعلهما يتعاملان معه بوصفه بطلاً حقيقياً للفيلم، وليس مجرد خلفية. وأشار إلى أن هذه الفكرة ظلت ترافقه لسنوات طويلة، خصوصاً مع الشعور الروحي الذي انتابه أمام الجليد، والذي شبّهه بإحساس الإيمان في طفولته.

وثَّق المخرجان الإسبانيان جانباً من تأثير التغيرات المناخية على الجليد (الشركة المنتجة)

وأكد أن هذا التأثير العاطفي كان دافعاً رئيسياً للبحث عن أسلوب سينمائي ينقل هذا الشعور إلى الجمهور، مشيراً إلى أن علاقتهما بآيسلندا تعمّقت خلال تصوير فيلمهما السابق هناك، مع ازدياد القلق بشأن مصير الأنهار الجليدية في ظل مؤشرات علمية تؤكد أنها في طريقها إلى الاختفاء.

وعُرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان «سالونيك الدولي للأفلام الوثائقية» في دورته الماضية، وتدور أحداثه حول قصة حقيقية تعود إلى أكثر من قرن، حين عاش فلوسي بيورنسون وإخوته الثمانية في عزلة عند سفح أحد أكبر الأنهار الجليدية في آيسلندا، مكرّسين حياتهم لمراقبة الجليد وتوثيق تحولاته.

وفي الزمن الحاضر، يعود مصوّر فوتوغرافي إلى المكان الذي شهد طفولته ليعيد اكتشاف هذه القصة، بينما يتحول الجليد إلى بطل صامت يروي، عبر أصواته المتكسّرة، حكاية عالم يتآكل تدريجياً، في مشاهد تعبّر عن الفقدان والزمن وعجز الإنسان أمام التحولات الكبرى. الفيلم من إخراج مشترك بين رافا موليس وبيبي أندريو.

المخرج الإسباني رافا موليس (الشركة المنتجة)

يقول المخرج الإسباني رافا موليس إن نقطة التحول جاءت عندما روى لهما منتجهما الآيسلندي قصة عائلة من تسعة أشقاء عاشوا في عزلة قرب أحد الأنهار الجليدية وكرّسوا حياتهم لمراقبته، مشيراً إلى أن زيارة مزرعتهم كانت لحظة حاسمة، إذ بدا المكان كأن الزمن توقّف فيه، مما منح الفيلم مدخلاً إنسانياً قوياً.

وأضاف أن شخصية «فلوسي» كانت ملهمة بشكل خاص، إذ كان يوثّق التغيرات التي تطرأ على الجليد، ويُحذّر منها قبل ظهور مصطلح تغيّر المناخ بسنوات، في دلالة على قدرة الفرد على الفعل حتى في أبسط صوره. وأكد أن الفيلم لا يهدف إلى تقديم حلول مباشرة، بل إلى إثارة تساؤلات حول دور الإنسان ومسؤوليته، لافتاً إلى أن الأفعال الصغيرة قد تكون ذات قيمة، وأن القيام بأي خطوة محدودة أفضل من الاستسلام لفكرة العجز، لأن هذا البعد الإنساني هو ما يمنح العمل طاقته بعيداً عن الطرح التقريري.

كما تحدث موليس عن صعوبات التصوير، موضحاً أن العمل في بيئة جليدية شكّل تحدياً قاسياً لفريق قادم من منطقة متوسطية مثل فالنسيا، حيث تختلف الظروف المناخية تماماً. وأشار إلى أن التصوير فوق الأنهار الجليدية كان محفوفاً بالمخاطر بسبب الشقوق غير المرئية والطقس القاسي، فضلاً عن تأثير البرودة على المعدات، مما اضطرهم إلى العمل بفريق صغير جداً والاستعانة بدليل متخصص لضمان السلامة.

مزج الفيلم بين الماضي والحاضر في تناول النهر الجليدي (الشركة المنتجة)

وأشار إلى أن التحدي الأكبر كان فنياً، حيث كان عليهم تحقيق توازن دقيق بين حضور الشخصيات الإنسانية وبين حضور الجليد نفسه، مؤكداً أنهم رغبوا في أن يكون النهر الجليدي كياناً حاضراً على قدم المساواة مع البشر داخل السرد، عبر توازن يستهدف الرغبة في الحفاظ على الطابع التأملي للفيلم.

وأكد أن عملية التصوير امتدت لنحو عامين، عبر رحلات قصيرة، تخللتها زيارات من دون تصوير، بهدف التأمل وفهم المكان بشكل أعمق، مما ساعدهم على التقاط تغيّرات الزمن والطقس، وإبراز فكرة التحول المستمر التي يحملها الفيلم، معتبراً أن هذا الأسلوب منح العمل طابعاً حياً، يعكس مرور الزمن وتأثيره على المكان.

وفيما يتعلق بتجربة الإخراج المشترك، أكد موليس أن العمل مع بيبي أندريو تم بسلاسة كبيرة نتيجة الثقة المتبادلة بينهما، لأن لكل منهما دوراً واضحاً، لكنهما يتشاركان في الرؤية النهائية، وهو ما يجعل اتخاذ القرارات أمراً طبيعياً، حتى في حال اختلاف وجهات النظر.

Your Premium trial has ended


سجن أُم أسترالية زعمت إصابة طفلها بالسرطان لتعيش «حياة باذخة» بالتبرعات

أم الطفلين زعمت أن أحدهما مصاب بسرطان العين (بيكساباي)
أم الطفلين زعمت أن أحدهما مصاب بسرطان العين (بيكساباي)
TT

سجن أُم أسترالية زعمت إصابة طفلها بالسرطان لتعيش «حياة باذخة» بالتبرعات

أم الطفلين زعمت أن أحدهما مصاب بسرطان العين (بيكساباي)
أم الطفلين زعمت أن أحدهما مصاب بسرطان العين (بيكساباي)

حُكم على أُم أسترالية بالسجن أكثر من 4 سنوات بعد أن زوَّرت تشخيص إصابة ابنها البالغ من العمر 6 سنوات بالسرطان، لجمع التبرعات، وتمويل نمط حياتها الباذخ.

ووفق ما ذكرته هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي)، قامت الأم البالغة من العمر 45 عاماً، بحلق رأس ابنها وحاجبيه، ولفَّت رأسه ويديه بضمادات، وأعطته أدوية كجزء من حيلة لخداع العائلة والأصدقاء وجمع آلاف الدولارات.

وأقرت المرأة التي لم يتم كشف اسمها لأسباب قانونية، بالذنب في تهمة واحدة تتعلق بارتكاب أفعال من شأنها إلحاق الضرر بابنها، و10 تهم تتعلق بالخداع. وخلال جلسة النطق بالحكم، الأربعاء، وصف قاضي المحكمة الجزئية أفعالها بأنها «قاسية» و«مُدبَّرة» و«تلاعبية».

وبدأ خداع المرأة بعد أن ذهب ابنها إلى طبيب عيون متخصص عقب تعرضه لحادث، حسبما ورد في المحكمة. وبعد ذلك الموعد، أخبرت زوجها وعائلتها وأصدقاءها ومجتمع المدرسة أن ابنها مصاب بسرطان العين.

وأجبرت الأم ابنها على استخدام كرسي متحرك، وقيدت أنشطته اليومية، لإيهام الناس بأنه يتلقى علاجاً إشعاعياً. كما أعطته مسكنات للألم ومكملات غذائية، وفقاً لما ذكرته وسائل الإعلام المحلية.

وقال الادعاء خلال المحاكمة، إن الأم «أنانية واستغلت ابنها كأداة لخداع» أحبائها والمجتمع، ثم استخدمت التبرعات لكي تعيش العائلة: «حياة الأثرياء والمشاهير».

وقال محامي المرأة إنها أدمنت القمار بعد جائحة «كوفيد-19»، واستغلت حادث ابنها، ولكنها لم تنوِ إيذاءه ولا إيذاء العائلة. وأوضح المحامي أن أم الطفلين ارتكبت خطأ فادحاً في تقدير الأمور لتخفيف أعبائها المالية «بدافع أناني». وأضاف أن المرأة شُخِّصت بـ«اضطراب الشخصية الحدِّية»، واعترفت بخطئها وأقرَّت بالذنب.

ووُجِّهت التهمة في البداية إلى زوجها، ولكن الشرطة أسقطت القضية لاحقاً. وفي بيانه أمام المحكمة، قال الرجل إن زوجته «دمرت» حياته وحياة أطفاله.

وحُكم على المرأة بالسجن لمدة 4 سنوات وثلاثة أشهر، ولكنها ستكون مؤهلة لـ«الإفراج المشروط» في أبريل (نيسان) المقبل.