من {البوساء} إلى اليوم... لمن الشوارع؟

موضع صراع دائم بين الشعوب والأنظمة

مشهد من فيلم «البؤساء» المستوحى من رواية فيكتور هوغو - فيكتور هوغو
مشهد من فيلم «البؤساء» المستوحى من رواية فيكتور هوغو - فيكتور هوغو
TT

من {البوساء} إلى اليوم... لمن الشوارع؟

مشهد من فيلم «البؤساء» المستوحى من رواية فيكتور هوغو - فيكتور هوغو
مشهد من فيلم «البؤساء» المستوحى من رواية فيكتور هوغو - فيكتور هوغو

من سانتياغو إلى لندن، ومن برشلونة إلى بيروت، ومن بغداد إلى هونغ كونغ، تغص شوارع وميادين العواصم والمدن الكبرى اليوم بجموع متظاهرين قد لا يجمع بينهم نضال موحد أو عدو مشترك، لكنهم جميعاً استبدّ بهم الغضب على ممارسات الأنظمة الحاكمة في بلدانهم حتى وصلت بهم الأمور إلى حدود الخروج الجماعي عن الطاعة التي يفرضها العقد الاجتماعي السائد وترتيبات القوّة، التي من دونها لا يستقر نظام سياسي، ولا يبقى إلا على أساسات مهتزة.
ظاهرة الخروج إلى الشوارع والميادين العامة عبر التاريخ الحديث - أقلّه منذ بدايات العصر الرأسمالي - لم تعد مجرّد فوضى كرنفالية يمكن فيها للجموع البشرية تنفيس غضبها مما يحل بها من مظالم بالصراخ وبالغناء وبالرقص، بل هي أصبحت تهديداً حاسماً لا يمكن التغاضي عنه طويلاً من قبل النخب المهيمنة على السلطة بوصفه قطعاً لشرايين تدفق البضائع والخدمات، وإعاقة للعمل الاقتصادي وتنفيراً للسياح والمستثمرين. ولذا؛ فإن الدولة بوصفها الأداة التي تستخدمها النخبة لتنظيم الأمور في بلد ما، اندفعت دائماً لمواجهة المتظاهرين وبقسوة بالغة أحياناً بغية استعادة السيطرة على شرايين التجارة والأعمال منهم.
ولعل رواية «البؤساء» للفرنسي فيكتور هوغو من أول الأعمال الأدبية التي أرّخت، وإن بصيغة غير مباشرة لذلك الصراع المستمر بين الناس والأنظمة للاستحواذ على الشوارع. وعلى الرغم من أن الإنتاجات التلفزيونية والمسرحية الكثيرة عن الرواية تصور المتاريس التي أقامها المتظاهرون خلال ثورة 1830 وكأنها تراكم من الصناديق وقطع الأثاث المهملة، فإن الرواية تشير بوضوح إلى متاريس مبينة بانتظام دقيق كجدران من حجارة رصف الطرقات التي كانت سائدة حينها في شوارع باريس، وعمد المتظاهرون إلى نزعها من أماكنها وتدويرها كمادة بناء لجدران تغلق الطرقات المؤدية إلى أحيائهم، وتحميهم من طلقات رجال درك الحكومة وهجومات الفرسان، في الوقت الذي لا يمكن إشعال النيران بها بسهولة. وقد استمرت شوارع باريس ساحة لمعارك جذب وشذب بين الحكومات والمتظاهرين طوال الفترة منذ أيام الثورة الفرنسية في العقد الأخير من القرن الثامن عشر وخلال معظم القرن التاسع عشر. وتسجل المصادر التاريخيّة 21 مواجهة بين الطرفين استخدمت فيها تقنية المتاريس خلال تلك الفترة العصيبة من التاريخ الفرنسي - والتي شهدت ما لا يقل عن 6 تقلبات في شكل النظام الحاكم بين الملكية والجمهورية والإمبراطورية - تراوح عددها بين الـ4000 متراس (1830) إلى 6000 (1848).
ويبدو أن السلطات الفرنسية ضاقت ذرعاً بلعبة المتاريس هذه، ولذا كان من أول الأشياء التي فعلها نابليون الثالث فور إعلان نفسه إمبراطوراً للبلاد أن استدعى البارون جورج - ايوجين هاوسمان وكلفه بمهمة إيجاد حلّ نهائي لها. هاوسمان لم يكن معمارياً، لكنه كان شديد الحماسة لتهديم أحياء فقراء المدينة كافة الذين كلما غضبوا «نتيجة انطباعات موهومة أو اقتراحات متطرفة» أغلقوا أحياءهم بالمتاريس، وخرجوا عن سلطة الحكومة.
خطة هاوسمان لحماية النظام تضمنت إزالة عدد كبير من تلك الأحياء وتقطيع أوصال البعض الآخر عبر شق عشرات الطرق العريضة المستقيمة التي تمتد كالأشعة عبر أحياء المدينة كافة على نحو لا يعود معه ممكناً استخدام المتاريس لعزل الأحياء. وقد وصف الأميركي مارك توين عند زيارته لباريس نتاج تنفيذ تلك الخطة الهائلة التي وكأنها أسقطت على تخطيط العاصمة من السماء، كاستعادة حاسمة للشوارع من أيدي الرعاع: «الذين سيتعيّن عليهم منذ الآن البحث عن ملعب آخر إن هم رغبوا في مواجهة السلطات مستقبلاً؛ إذ إن طلقة مدفع منصوب في شمال المدينة كانت لتستمر دون أن تجد ما يعيقها حتى جنوب المدينة سوى أجساد المتظاهرين».
ومع ذلك، فإن فقراء باريس كان لهم رأي آخر. إذ نزعوا حجارة الطرقات مجدداً خلال اضطرابات 1871 التي قادت إلى كميونة باريس الاشتراكية وأقاموا متاريس قاتلوا وراءها بشجاعة منقطعة النظير قبل أن تستعيد السلطات زمام المبادرة عبر العنف الشديد وسفك الدماء بلا حساب. وقد استعاد المتظاهرون الفرنسيّون هذه التقنية مجدداً خلال ثورة الطلاب عام، 1968 وكذلك أثناء مظاهرات السترات الصفر الحاليّة، وكأنهم جميعهم يتوارثون السخريّة من أحلام المسيو هاوسمان بارون الطّرق الشعاعية. بينما كتب عالم النفس الألماني فيلهايم رايتش أنه كان متيقناً من فشل الثورة اليسارية في بلاده بداية ثلاثينات القرن الماضي بعدما لاحظ أن المتظاهرين كانوا يلتزمون بإرشادات «الرجاء عدم الدّوس على الحشائش» أثناء تنقلهم عبر الشوارع والأماكن العامة ببرلين. ربما كان على الفقراء الألمان أن يتعلموا شيئاً عن فنون الاحتجاج في الشوارع من جيرانهم الفرنسيين.
اللندنيون الفقراء اختاروا طريقة أخرى للاحتجاج عبر احتلال ميدان الطرف الأغر الشهير في قلب العاصمة. وهم عام 1887 حولوا ذلك الميدان إلى ما يشبه فندقاً هائلاً في الهواء الطلق أقاموا فيه مع عوائلهم، واستحموا وغسلوا ملابسهم في نوافير مائه الباذخة، في حين انتشر بينهم الخطباء الثوريون وأصحاب الطرق الدينية والمشعوذون والمحسنون يوزعون الشعارات الصارخة والمناشير والأناجيل وأرغفة الخبز وقطع الصابون، حتى ضاق الميدان بسكانه العابرين على وسعه ففاضوا إلى الشوارع المجاورة. وقتها تحوّل ذلك الجزء من العاصمة الإمبراطورية إلى ما يشبه معسكراً خارجاً عن القانون على نحو استدعى تدخل رجال الشرطة لإخلاء الناس مرات عدة دون نجاح يذكر؛ إذ كانوا كلما طردوا من زاوية انتقلوا إلى أخرى. وهكذا عزمت السلطات على استخدام القوة الحاسمة لاستعادة الميدان، ووجدت في المظاهرة التي نظمت هناك خلال شهر نوفمبر (تشرين الثاني) للمطالبة بإطلاق سراح نائب آيرلندي من السجن فرصتها السانحة، فشنت هجوماً - سمي بالأحد الدامي - قتل فيه وجرح عشرات المتظاهرين قبل أن يتفرقوا. لكنهم مع ذلك ما لبثوا وبعد أقل من أسبوع أن عادوا للميدان مجددا وخأضوا مواجهة عنيفة مع البوليس في جنازة أحد المتظاهرين القتلى. وتكررت تلك المواجهات مرات عدة تالياً، دون أن يتمكن أي من الفريقين من فرض سيطرة نهائية على المكان.
تلك المواجهات دفعت السلطات البريطانيّة إلى البحث في تطوير أساليب مواجهة تجمعات المتظاهرين. وبالفعل فقد تم تشكيل قوة خاصة لقمع الشغب عام 1925 في شنغهاي - كانت حينها مستعمرة بريطانيّة – أتقنت فنون السيطرة على الحشود، وخوض مواجهات الشوارع وقمع المتظاهرين بمطلق القسوة. وقد نقل ويليام فيربرين آمر قوة بوليس شنغهاي البريطانية تلك الفنون المستحدثة لاحقاً إلى أجهزة أشرطة الولايات المتحدة وسنغافورة وقبرص وهونغ كونغ بوصفها أفضل الممارسات في ذلك المجال، قبل أن يتحول الكيان الإسرائيلي إلى بيت الخبرة الأول في العقود الأخيرة - بالاستفادة من القمع اليومي والمستمر للفلسطينيين -، وتدربت شرطة كثير من الدول في أوروبا وأميركا وأفريقيا على أيدي خبرائه البارزين.
تغير طابع لعبة الشوارع مجددا بداية من عام 2000 على يد البروفسور جين شارب عالم السياسة الأميركي البارز الذي كان أطلق في 1992 فكرة المقاومة اللاعنفية، وهي تقنيّات متعددة (وصلت عددها إلى 198 كما في كتابه الذائع الصيت «من الديكتاتورية إلى الديمقراطية») يمكن للمتظاهرين ضد الأنظمة الحاكمة تبني الكثير منها معاً أو من خلال خطة متدرجة في إطار مواجهتهم للسلطات، مع الاستفادة من التطور الهائل في مجال الاتصالات والنقل المباشر للصور إلى أنحاء المعمورة كافة. وقد استخدمت تلك التقنيات بنجاح فيما سمي الثورات الملونة التي اجتاحت شرقي أوروبا صربيا وأوكرانيا ولاحقاً في ثورات ما سمي الربيع العربي في مصر وليبيا وسوريا، وساعدت على قلب أنظمة اشتهرت بصلفها واستخدامها للقمع المفرط.
وهكذا من شوارع عواصم العالم شرقا وغرباً، تتجدد صراعات الشوارع، ويبدو أن الحراكات الجماهيرية ستبقى دائماً ملعب المواجهة المتكررة بين الشعوب والأنظمة عندما تفشل الساحات الأخرى البرلمانية والقضائية والإعلامية في حسم الصراعات أو تقديم البدائل. عندها سينتصر حتماً الطّرف الذي سينجح في فرض سيطرته على الشوارع والميادين العامة، ليبقى السؤال الحاسم لكل منازلة بين المجتمع ودولته دائماً: لمن الشوارع اليوم؟



اتهامات التحرش تقود لحذف اسم مؤلف «فخر الدلتا» من شارة العمل

مشهد من المسلسل (صفحة أحمد رمزي على «فيسبوك»)
مشهد من المسلسل (صفحة أحمد رمزي على «فيسبوك»)
TT

اتهامات التحرش تقود لحذف اسم مؤلف «فخر الدلتا» من شارة العمل

مشهد من المسلسل (صفحة أحمد رمزي على «فيسبوك»)
مشهد من المسلسل (صفحة أحمد رمزي على «فيسبوك»)

بعد يومين من الجدل المصاحب لنشر شهادات نسائية عبر حسابات موثّقة على «فيسبوك» ضد مؤلف مسلسل «فخر الدلتا»، قررت الشركة المنتجة للمسلسل حذف اسم المؤلف «مؤقتاً» من شارة العمل.

ومنذ بدء عرض المسلسل، الذي يقوم ببطولته «اليوتيوبر» أحمد رمزي في تجربته الدرامية الأولى، تحدثت فتاة عن تعرضها للتحرش من المؤلف خلال عملهما معاً قبل سنوات عدة، مشيرة إلى أنه حاول لاحقاً الاعتذار عما بدر منه، لكنها لم تقبل اعتذاره.

ورافق هذه الشهادة عدد من التدوينات الأخرى كتبتها فتيات عملن مع المؤلف الشاب في أماكن عمل سابقة، غير أن أيّاً منهن لم تعلن لجوءها إلى القضاء أو تقديم بلاغات رسمية ضده. كما تضمنت الشهادات تعليقات من فتيات أخريات تحدثن عن تعرضهن لوقائع مماثلة، في حين التزم المؤلف الصمت، وأغلق حساباته على مواقع التواصل الاجتماعي.

وأصدرت الشركة المنتجة للمسلسل بياناً، الجمعة، أكدت فيه اطلاعها على التدوينات المنشورة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، مشيرة إلى أنها، مع أخذ الاتهامات على محمل الجد، قررت إزالة اسمه من شارة العمل «مؤقتاً» لحين التحقق من صحة ما يُتداول، واتخاذ الإجراءات المناسبة بناءً على ما تسفر عنه نتائج التحقيق.

فريق عمل المسلسل (الملصق الترويجي للعمل - الشركة المنتجة)

المسلسل، الذي يشارك في بطولته انتصار وكمال أبو رية، إلى جانب أحمد عصام السيد، ويخرجه هادي بسيوني، تدور أحداثه في إطار اجتماعي حول شاب يعيش في دلتا مصر، وينتقل إلى القاهرة لتحقيق حلمه بالعمل في مجال الإعلانات. ويتكوّن العمل من 30 حلقة، ولا يزال تصويره جارياً.

وعدّ الناقد الفني المصري أحمد سعد الدين قرار الشركة المنتجة «مخالفاً لقاعدة أساسية في القانون، وهي أن المتهم بريء حتى تثبت إدانته»، معتبراً أن الإجراء جاء استباقياً قبل التحقيق في الوقائع المذكورة. وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «رد الفعل اتخذ طابع الاستجابة الإعلامية لضغوط مواقع التواصل الاجتماعي بهدف تجنب دعوات مقاطعة مشاهدة العمل».

وتابع أن «حذف اسم المؤلف من شارة العمل لا يعد الإجراء المناسب في مثل هذه الحالات لعدة أسباب، في مقدمتها أن العمل من تأليفه، وحقه الأدبي يقتضي نسبته إليه. أما الاتهامات التي يواجهها، ففي حال ثبوتها يجب أن تتم محاسبته قانونياً عبر تحقيقات رسمية، وليس عبر إصدار أحكام مسبقة من مواقع التواصل دون جهات تحقيق مستقلة».

ويرى الناقد الفني خالد محمود الرأي نفسه؛ إذ أكد لـ«الشرق الأوسط» أن «بيان الشركة يعكس استجابة لضغوط مواقع التواصل الاجتماعي، خصوصاً أن المسلسل يمثل التجربة الدرامية الأولى لبطله، وبالتالي هناك مساعٍ لتجنب أي عثرات قد تؤثر في متابعة العمل، الذي تكلف مالياً، ولا يزال يُعرض في بداية السباق الرمضاني».

ووصف مسألة حذف الاسم بأنها «تصرف غير مبرر» و«لا يتناسب مع طبيعة الاتهامات التي يواجهها، والتي يُفترض أن تكون محل نظر أقسام الشرطة وتحقيقات النيابة»، على حد تعبيره، مستبعداً عدول الشركة عن قرارها أو الإعلان عن نتائج التحقيقات قريباً، في ظل أن جهة الإنتاج ليست مسؤولة أساساً عن التحقيق في وقائع حدثت قبل التعاقد مع المؤلف، ومع أشخاص لا تربطها بهم أي صلة.


دانيال عربيد: «لمن يجرؤ» رحلة تأمل في العنصرية والخوف من الآخر

صناع الفيلم خلال عرضه الأول في مهرجان برلين (إدارة برلين السينمائي)
صناع الفيلم خلال عرضه الأول في مهرجان برلين (إدارة برلين السينمائي)
TT

دانيال عربيد: «لمن يجرؤ» رحلة تأمل في العنصرية والخوف من الآخر

صناع الفيلم خلال عرضه الأول في مهرجان برلين (إدارة برلين السينمائي)
صناع الفيلم خلال عرضه الأول في مهرجان برلين (إدارة برلين السينمائي)

قالت المخرجة اللبنانية دانيال عربيد إن فيلمها «لمن يجرؤ» مشروع بدأت حكايته منذ سنوات طويلة، وتعثر مراراً قبل أن يجد طريقه إلى التنفيذ، مشيرة إلى أن الفكرة راودتها منذ أكثر من خمسة أعوام، لكنها اعتادت أن تكتب أكثر من سيناريو في الوقت نفسه، ثم تترك لكل مشروع فرصته في النضج، إلى أن تتوافر ظروف إنتاجية مناسبة.

وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أنها في البداية كانت تتصور أن الفيلم سيُنفَّذ سريعاً، إلا أن مسألة التمويل لم تكن سهلة، فتأجل المشروع أكثر من مرة، وتغير المنتجون، وتداخلت انشغالاتها بين التلفزيون والسينما، مشيرة إلى أنها قدمت خلال تلك الفترة أعمالاً مختلفة، من بينها مشاريع تلفزيونية بميزانيات كبيرة، لكنها لم تتخلَّ عن حلم إنجاز هذا الفيلم، الذي ظل بالنسبة إليها مشروعاً شخصياً وإنسانياً في المقام الأول.

عرض الفيلم في افتتاح برنامج البانوراما بالمهرجان (إدارة برلين السينمائي)

وعرض الفيلم للمرة الأولى في افتتاح برنامج «البانوراما» ضمن فعاليات النسخة 76 من مهرجان «برلين السينمائي الدولي» في دورته الـ76 وهو من بطولة الفنانة الفلسطينية هيام عباس والممثل السوداني أمين بن رشيد، وتدور أحداثه حول قصة حب تجمع بين أرملة فلسطينية وشاب سوداني يجتمعان في بيروت، ويواجهان مشاكل كثيرة في حياتهما.

ميزانية ضعيفة

تقول المخرجة اللبنانية إن «التحول الحقيقي لخروج الفيلم للنور حدث عندما عُرض عليها تنفيذ الفيلم بميزانية متواضعة لا تتجاوز 600 أو 700 ألف يورو، وهو رقم ضئيل بمعايير الإنتاج الأوروبي»، مشيرة إلى أن «البعض ربما يرى في ذلك عائقاً، لكنها رأت فيه فرصة للحرية، لأن ضعف الميزانية يعني غياب الضغط التجاري، وعدم الخضوع لمنطق شباك التذاكر، فالسينما، بالنسبة إليها، ليست سباق أرقام، بل مساحة بحث وتجريب، بجانب خبرتها السابقة في إنجاز أعمال بميزانية ضخمة وأخرى بميزانيات محدودة».

وأوضحت أن ميلها إلى التجريب يعود إلى اشتغالها في مجال «الفيديو آرت»، حيث اعتادت التفكير بالصورة بوصفها مادة قابلة لإعادة الاكتشاف، مشيرة إلى أن ما كان يشغلها في «لمن يجرؤ» لم يكن الموضوع وحده، بل الطريقة التي يمكن أن تُروى بها الحكاية، وكيف يمكن تحويل الظروف الصعبة إلى خيار جمالي مختلف.

عربيد تقول إن العنصرية باتت ظاهرة عالمية (إدارة مهرجان برلين)

وأضافت أن «الفيلم كان من المقرر تصويره في لبنان، لكن التصعيد العسكري واندلاع الحرب غيّرا كل الخطط، وجعلها تشعر بخوف حقيقي على البلد، وعلى العائلة والأصدقاء، لكنها في الوقت نفسه أحست بمسؤولية تجاه المكان»، لافتة إلى أن «الفكرة لم تعد مجرد إنجاز فيلم، بل توثيق صورة لبنان قبل أن تتغير أو تختفي، ولذلك رفضت اقتراحات تصوير العمل في فرنسا بديكورات تحاكي بيروت.

وأوضحت أنها قررت إرسال فريق تصوير إلى لبنان لتوثيق الشوارع والبيوت خالية من الناس، ثم أعادت تركيب هذه الصور داخل استوديو قرب باريس باستخدام تقنية الإسقاط الخلفي، مع جعل الممثلين يؤدون أدوارهم أمام هذه الصور، في مساحة محدودة لا تتجاوز بضعة أمتار، بينما توحي الصورة بأنهم يتحركون في شوارع بيروت أو داخل منازلها، مؤكدة أن هذا الحل لم يكن مجرد بديل تقني، بل أصبح جزءاً من هوية الفيلم، ومن إحساسه بالتوتر والانتظار.

تألق هيام عباس

وتوقفت عربيد عند علاقتها ببطلة العمل الممثلة الفلسطينية هيام عباس، مشيرة إلى أن تعاونهما يعود إلى أواخر التسعينات في فيلمها القصير الأول، قبل أن تتباعد مساراتهما المهنية، مؤكدة أن فكرة العمل مجدداً مع عباس ظلت تراودها، لأنها ترى فيها ممثلة ذات حساسية عالية وقدرة كبيرة على التعبير بالصمت بقدر التعبير بالكلمات.

وأضافت أن شخصية «سوزان» في الفيلم احتاجت إلى ممثلة تستطيع نقل المشاعر عبر نظرة أو ارتجافة بسيطة في الوجه، وهو ما وجدته في هيام عباس، لافتة إلى «أن العلاقة بين بطلي الفيلم تقوم على تناقض واضح، سواء في الخلفية الاجتماعية أو الثقافية، لكنها رأت في هذا التناقض جوهر الحكاية».

المخرجة اللبنانية دانيال عربيد (إدارة مهرجان برلين)

وأوضحت أن الفكرة مستوحاة جزئياً من أعمال سينمائية قديمة تناولت علاقة بين شخصين مختلفين جذرياً، لكنها أعادت صياغتها في سياق معاصر، بحيث يصبح التباين مدخلاً لفهم إنساني أعمق.

وعن اختيار أمين بن الرشيد، قالت إنها تعرّفت إليه عبر اختبارات أداء قبل سنوات، ورأت فيه صدقاً وحضوراً يناسبان الدور وأجرت بروفات مكثفة جمعته مع هيام عباس، لاختبار الكيمياء بينهما، لأن الثقة التي نشأت داخل فريق العمل كانت عنصراً أساسياً في نجاح التجربة، خصوصاً أن التصوير تم في ظروف غير تقليدية.

وأكدت عربيد أن الفيلم، وإن بدا للبعض نقداً للمجتمع اللبناني، فإنه في جوهره يتناول مسألة أوسع تتعلق بالعنصرية والخوف من الآخر، بالإضافة إلى أن العنصرية ليست حكراً على بلد بعينه، بل هي ظاهرة عالمية، مشيرة إلى أنها تعيش بين لبنان وفرنسا، وهذه الحركة بين البلدين تمنحها مسافة تأمل تسمح لها بطرح الأسئلة من دون الانحياز الكامل إلى جهة واحدة.


أصوات «دولة التلاوة» تصدح في المساجد المصرية الكبرى برمضان

المساجد الكبرى في مصر تستضيف قراء جدداً ( وزارة الأوقاف المصرية)
المساجد الكبرى في مصر تستضيف قراء جدداً ( وزارة الأوقاف المصرية)
TT

أصوات «دولة التلاوة» تصدح في المساجد المصرية الكبرى برمضان

المساجد الكبرى في مصر تستضيف قراء جدداً ( وزارة الأوقاف المصرية)
المساجد الكبرى في مصر تستضيف قراء جدداً ( وزارة الأوقاف المصرية)

عبر عذوبة الصوت وخشوع القلب ورهافة الإحساس الصادق، يصدح جيل جديد من المقرئين في المساجد المصرية الكبرى مثل جوامع «الإمام الحسين» و«عمرو بن العاص» و«السيدة زينب» و«السيدة نفيسة» وهم يؤمون المصلين ويتلون القرآن في صلوات «المغرب» و«التراويح» و«الفجر» منذ بداية شهر رمضان.

وتشهد تلك المساجد إقبالاً كثيفاً من المصلين يقدر بالآلاف يومياً في طقس روحاني لافت يجمع بين عبق الطابع التاريخي الأثري للمكان أو المنطقة، وتصدي أسماء شهيرة من المقرئين والخطباء كى يؤموا الجموع الغفيرة في مختلف الشعائر والمواقيت.

وبرز اسم هؤلاء «المقرئين الجدد» من خلال برنامج المسابقات الشهير «دولة التلاوة» الذي انطلقت فعالياته في شهر نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي بهدف اكتشاف جيل جديد من الموهوبين في قراءة آيات الذكر الحكيم ضمن تقاليد «المدرسة المصرية في فن التلاوة» التي قدمت للعالم الإسلامي قمماً شامخة في هذا السياق مثل الشيوخ مصطفى إسماعيل، وعبد الباسط عبد الصمد، ومحمد رفعت، ومحمد صديق المنشاوي، ومحمود علي البنا، ومحمود خليل الحصري.

أصوات جديدة شابة في المساجد المصرية خلال رمضان (وزارة الأوقاف المصرية)

ومن أبرز القراء الجدد محمد وفيق ومحمود السيد وأبو بكر سيد وخالد عطية، فضلاً عن الخمسة المؤهلين إلى الحلقة النهائية من البرنامج، والتي تذاع في ليلة السابع والعشرين من رمضان، وهم أحمد محمد وأشرف سيف ومحمد أحمد عبد الحليم ومحمد محمد كامل ومحمد القلاجى.

وعدّ الدكتور حازم مبروك عطية، الباحث بهيئة كبار العلماء بالأزهر، مشاركة نجوم «دولة التلاوة» في إمامة المساجد الكبرى في رمضان «خطوة رائعة تجمع قلوب المصلين حول الأصوات العذبة في نهج يستلهم السيرة النبوية في اكتشاف من يتمتعون بحلاوة الصوت ويمنحهم الفرصة للتعبير عما يتمتعون به من نعمة وموهبة».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «مسابقة (دولة التلاوة) أعادت إلى الأذهان أمجاد سير أعلام هذا الإبداع المصري الخالص الذي قدّم أسماء تختلف تماماً عن مثيلاتها في العالمين العربي والإسلامي، لأن القرآن كما يقولون نزل في مكة وفُسّر في العراق وقُرئ في مصر، وبالتالي فالقرّاء المصريون لا يكاد يباريهم أحد في هذا المجال ولا بد أن يكون هناك امتداد لجيل العمالقة الذين تربينا على أصواتهم».

ويأتي برنامج «دولة التلاوة» كنتيجة لتعاون مثمر بين وزارة الأوقاف و«الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية»، حيث أذيع عبر قنوات «cbc» و«الحياة» و«الناس» وسط تفاعل جماهيري لافت، متصدراً اهتمام الرأي العام، كما كسر حاجز الملياري مشاهدة عبر مختلف المنصات، بحسب تصريح سابق للدكتور أسامة رسلان، المتحدث الرسمي باسم «الأوقاف».

الوزارة مستمرة في تقديم نجوم دولة التلاوة ليؤموا المصلين في مختلف المساجد الكبرى (وزارة الأوقاف المصرية)

وأضاف رسلان أن «الوزارة مستمرة في تقديم نجوم دولة التلاوة ليؤموا المصلين في مختلف المساجد الكبرى عبر محافظات الجمهورية، وليس القاهرة فقط، طوال شهر رمضان تعزيزاً للأجواء الروحانية والمفاهيم الإيمانية».

وقال الدكتور حازم مبروك عطية إن «التفاعل الجماهيري اللافت مع مسابقة (دولة التلاوة) يثبت أن الشعب المصري يميل إلى القيمة، كما يميل إلى كل ذي قدر في كل فن، فما شهدناه من الإجماع والإقبال غير المسبوق يجعلنا نثق في هذا الشعب الكريم الذي يشيع البعض عنه بين الحين والآخر أنه يهتم بالأشياء البسيطة والسريعة والعابرة، لكنه يثبت عبر هذه المسابقة أنه شعب يحب القيمة ويحب الالتفاف حول الجمال وينحاز للمبدأ الصحيح».