من {البوساء} إلى اليوم... لمن الشوارع؟

موضع صراع دائم بين الشعوب والأنظمة

مشهد من فيلم «البؤساء» المستوحى من رواية فيكتور هوغو - فيكتور هوغو
مشهد من فيلم «البؤساء» المستوحى من رواية فيكتور هوغو - فيكتور هوغو
TT

من {البوساء} إلى اليوم... لمن الشوارع؟

مشهد من فيلم «البؤساء» المستوحى من رواية فيكتور هوغو - فيكتور هوغو
مشهد من فيلم «البؤساء» المستوحى من رواية فيكتور هوغو - فيكتور هوغو

من سانتياغو إلى لندن، ومن برشلونة إلى بيروت، ومن بغداد إلى هونغ كونغ، تغص شوارع وميادين العواصم والمدن الكبرى اليوم بجموع متظاهرين قد لا يجمع بينهم نضال موحد أو عدو مشترك، لكنهم جميعاً استبدّ بهم الغضب على ممارسات الأنظمة الحاكمة في بلدانهم حتى وصلت بهم الأمور إلى حدود الخروج الجماعي عن الطاعة التي يفرضها العقد الاجتماعي السائد وترتيبات القوّة، التي من دونها لا يستقر نظام سياسي، ولا يبقى إلا على أساسات مهتزة.
ظاهرة الخروج إلى الشوارع والميادين العامة عبر التاريخ الحديث - أقلّه منذ بدايات العصر الرأسمالي - لم تعد مجرّد فوضى كرنفالية يمكن فيها للجموع البشرية تنفيس غضبها مما يحل بها من مظالم بالصراخ وبالغناء وبالرقص، بل هي أصبحت تهديداً حاسماً لا يمكن التغاضي عنه طويلاً من قبل النخب المهيمنة على السلطة بوصفه قطعاً لشرايين تدفق البضائع والخدمات، وإعاقة للعمل الاقتصادي وتنفيراً للسياح والمستثمرين. ولذا؛ فإن الدولة بوصفها الأداة التي تستخدمها النخبة لتنظيم الأمور في بلد ما، اندفعت دائماً لمواجهة المتظاهرين وبقسوة بالغة أحياناً بغية استعادة السيطرة على شرايين التجارة والأعمال منهم.
ولعل رواية «البؤساء» للفرنسي فيكتور هوغو من أول الأعمال الأدبية التي أرّخت، وإن بصيغة غير مباشرة لذلك الصراع المستمر بين الناس والأنظمة للاستحواذ على الشوارع. وعلى الرغم من أن الإنتاجات التلفزيونية والمسرحية الكثيرة عن الرواية تصور المتاريس التي أقامها المتظاهرون خلال ثورة 1830 وكأنها تراكم من الصناديق وقطع الأثاث المهملة، فإن الرواية تشير بوضوح إلى متاريس مبينة بانتظام دقيق كجدران من حجارة رصف الطرقات التي كانت سائدة حينها في شوارع باريس، وعمد المتظاهرون إلى نزعها من أماكنها وتدويرها كمادة بناء لجدران تغلق الطرقات المؤدية إلى أحيائهم، وتحميهم من طلقات رجال درك الحكومة وهجومات الفرسان، في الوقت الذي لا يمكن إشعال النيران بها بسهولة. وقد استمرت شوارع باريس ساحة لمعارك جذب وشذب بين الحكومات والمتظاهرين طوال الفترة منذ أيام الثورة الفرنسية في العقد الأخير من القرن الثامن عشر وخلال معظم القرن التاسع عشر. وتسجل المصادر التاريخيّة 21 مواجهة بين الطرفين استخدمت فيها تقنية المتاريس خلال تلك الفترة العصيبة من التاريخ الفرنسي - والتي شهدت ما لا يقل عن 6 تقلبات في شكل النظام الحاكم بين الملكية والجمهورية والإمبراطورية - تراوح عددها بين الـ4000 متراس (1830) إلى 6000 (1848).
ويبدو أن السلطات الفرنسية ضاقت ذرعاً بلعبة المتاريس هذه، ولذا كان من أول الأشياء التي فعلها نابليون الثالث فور إعلان نفسه إمبراطوراً للبلاد أن استدعى البارون جورج - ايوجين هاوسمان وكلفه بمهمة إيجاد حلّ نهائي لها. هاوسمان لم يكن معمارياً، لكنه كان شديد الحماسة لتهديم أحياء فقراء المدينة كافة الذين كلما غضبوا «نتيجة انطباعات موهومة أو اقتراحات متطرفة» أغلقوا أحياءهم بالمتاريس، وخرجوا عن سلطة الحكومة.
خطة هاوسمان لحماية النظام تضمنت إزالة عدد كبير من تلك الأحياء وتقطيع أوصال البعض الآخر عبر شق عشرات الطرق العريضة المستقيمة التي تمتد كالأشعة عبر أحياء المدينة كافة على نحو لا يعود معه ممكناً استخدام المتاريس لعزل الأحياء. وقد وصف الأميركي مارك توين عند زيارته لباريس نتاج تنفيذ تلك الخطة الهائلة التي وكأنها أسقطت على تخطيط العاصمة من السماء، كاستعادة حاسمة للشوارع من أيدي الرعاع: «الذين سيتعيّن عليهم منذ الآن البحث عن ملعب آخر إن هم رغبوا في مواجهة السلطات مستقبلاً؛ إذ إن طلقة مدفع منصوب في شمال المدينة كانت لتستمر دون أن تجد ما يعيقها حتى جنوب المدينة سوى أجساد المتظاهرين».
ومع ذلك، فإن فقراء باريس كان لهم رأي آخر. إذ نزعوا حجارة الطرقات مجدداً خلال اضطرابات 1871 التي قادت إلى كميونة باريس الاشتراكية وأقاموا متاريس قاتلوا وراءها بشجاعة منقطعة النظير قبل أن تستعيد السلطات زمام المبادرة عبر العنف الشديد وسفك الدماء بلا حساب. وقد استعاد المتظاهرون الفرنسيّون هذه التقنية مجدداً خلال ثورة الطلاب عام، 1968 وكذلك أثناء مظاهرات السترات الصفر الحاليّة، وكأنهم جميعهم يتوارثون السخريّة من أحلام المسيو هاوسمان بارون الطّرق الشعاعية. بينما كتب عالم النفس الألماني فيلهايم رايتش أنه كان متيقناً من فشل الثورة اليسارية في بلاده بداية ثلاثينات القرن الماضي بعدما لاحظ أن المتظاهرين كانوا يلتزمون بإرشادات «الرجاء عدم الدّوس على الحشائش» أثناء تنقلهم عبر الشوارع والأماكن العامة ببرلين. ربما كان على الفقراء الألمان أن يتعلموا شيئاً عن فنون الاحتجاج في الشوارع من جيرانهم الفرنسيين.
اللندنيون الفقراء اختاروا طريقة أخرى للاحتجاج عبر احتلال ميدان الطرف الأغر الشهير في قلب العاصمة. وهم عام 1887 حولوا ذلك الميدان إلى ما يشبه فندقاً هائلاً في الهواء الطلق أقاموا فيه مع عوائلهم، واستحموا وغسلوا ملابسهم في نوافير مائه الباذخة، في حين انتشر بينهم الخطباء الثوريون وأصحاب الطرق الدينية والمشعوذون والمحسنون يوزعون الشعارات الصارخة والمناشير والأناجيل وأرغفة الخبز وقطع الصابون، حتى ضاق الميدان بسكانه العابرين على وسعه ففاضوا إلى الشوارع المجاورة. وقتها تحوّل ذلك الجزء من العاصمة الإمبراطورية إلى ما يشبه معسكراً خارجاً عن القانون على نحو استدعى تدخل رجال الشرطة لإخلاء الناس مرات عدة دون نجاح يذكر؛ إذ كانوا كلما طردوا من زاوية انتقلوا إلى أخرى. وهكذا عزمت السلطات على استخدام القوة الحاسمة لاستعادة الميدان، ووجدت في المظاهرة التي نظمت هناك خلال شهر نوفمبر (تشرين الثاني) للمطالبة بإطلاق سراح نائب آيرلندي من السجن فرصتها السانحة، فشنت هجوماً - سمي بالأحد الدامي - قتل فيه وجرح عشرات المتظاهرين قبل أن يتفرقوا. لكنهم مع ذلك ما لبثوا وبعد أقل من أسبوع أن عادوا للميدان مجددا وخأضوا مواجهة عنيفة مع البوليس في جنازة أحد المتظاهرين القتلى. وتكررت تلك المواجهات مرات عدة تالياً، دون أن يتمكن أي من الفريقين من فرض سيطرة نهائية على المكان.
تلك المواجهات دفعت السلطات البريطانيّة إلى البحث في تطوير أساليب مواجهة تجمعات المتظاهرين. وبالفعل فقد تم تشكيل قوة خاصة لقمع الشغب عام 1925 في شنغهاي - كانت حينها مستعمرة بريطانيّة – أتقنت فنون السيطرة على الحشود، وخوض مواجهات الشوارع وقمع المتظاهرين بمطلق القسوة. وقد نقل ويليام فيربرين آمر قوة بوليس شنغهاي البريطانية تلك الفنون المستحدثة لاحقاً إلى أجهزة أشرطة الولايات المتحدة وسنغافورة وقبرص وهونغ كونغ بوصفها أفضل الممارسات في ذلك المجال، قبل أن يتحول الكيان الإسرائيلي إلى بيت الخبرة الأول في العقود الأخيرة - بالاستفادة من القمع اليومي والمستمر للفلسطينيين -، وتدربت شرطة كثير من الدول في أوروبا وأميركا وأفريقيا على أيدي خبرائه البارزين.
تغير طابع لعبة الشوارع مجددا بداية من عام 2000 على يد البروفسور جين شارب عالم السياسة الأميركي البارز الذي كان أطلق في 1992 فكرة المقاومة اللاعنفية، وهي تقنيّات متعددة (وصلت عددها إلى 198 كما في كتابه الذائع الصيت «من الديكتاتورية إلى الديمقراطية») يمكن للمتظاهرين ضد الأنظمة الحاكمة تبني الكثير منها معاً أو من خلال خطة متدرجة في إطار مواجهتهم للسلطات، مع الاستفادة من التطور الهائل في مجال الاتصالات والنقل المباشر للصور إلى أنحاء المعمورة كافة. وقد استخدمت تلك التقنيات بنجاح فيما سمي الثورات الملونة التي اجتاحت شرقي أوروبا صربيا وأوكرانيا ولاحقاً في ثورات ما سمي الربيع العربي في مصر وليبيا وسوريا، وساعدت على قلب أنظمة اشتهرت بصلفها واستخدامها للقمع المفرط.
وهكذا من شوارع عواصم العالم شرقا وغرباً، تتجدد صراعات الشوارع، ويبدو أن الحراكات الجماهيرية ستبقى دائماً ملعب المواجهة المتكررة بين الشعوب والأنظمة عندما تفشل الساحات الأخرى البرلمانية والقضائية والإعلامية في حسم الصراعات أو تقديم البدائل. عندها سينتصر حتماً الطّرف الذي سينجح في فرض سيطرته على الشوارع والميادين العامة، ليبقى السؤال الحاسم لكل منازلة بين المجتمع ودولته دائماً: لمن الشوارع اليوم؟



مسجد الطابية بأسوان بحلة جديدة في رمضان

مسجد الطابية يطل على نيل أسوان (محافظة أسوان)
مسجد الطابية يطل على نيل أسوان (محافظة أسوان)
TT

مسجد الطابية بأسوان بحلة جديدة في رمضان

مسجد الطابية يطل على نيل أسوان (محافظة أسوان)
مسجد الطابية يطل على نيل أسوان (محافظة أسوان)

يكتسي مسجد الطابية بمحافظة أسوان (جنوب مصر) بحلة جديدة، بعد سلسلة من أعمال التطوير التي تنفذها شبكة الأغاخان للخدمات الثقافية، وأعلن محافظ أسوان، عمرو لاشين، عن تطوير شامل للمسجد وإعادة المشهد البصرى للمحيط العمراني بالإضاءة المبهرة ليلاً، بفكر احترافي يجمع بين الدقة الهندسية والحس الجمالي.

ويعدّ المسجد الذي يتوسط حديقة خضراء في منطقة الطابية، مصدر جذب سياحي لطبيعته التاريخية المميزة، وهو ما تسعى الشركة المنفذة لمشروع التطوير للحفاظ عليه، لتجعله في صدارة المشهد الحضاري للمدينة السياحية، في إطار رؤية متكاملة تقدر القيمة التاريخية للموقع، وتعيد تقديمه بروح معاصرة تليق بمكانته المتميزة التي تتعانق فيها الطبيعة الخلابة مع التاريخ العريق.

وأكد محافظ أسوان أن «أعمال التطوير تشمل تنفيذ منظومة إضاءة خارجية متكاملة تستهدف إبراز العناصر المعمارية الفريدة للمسجد، بالإضافة إلى إعادة صياغة المشهد البصري للمحيط العمراني من خلال الإضاءة المبهرة للمسجد ليلاً، بما يجعله علامة حضرية مضيئة يمكن رؤيتها من مسافات بعيدة، ويعزز حضوره في الذاكرة البصرية لمدينة أسوان التاريخية»، وفق بيان للمحافظة، الثلاثاء.

ويعود موقع الطابية في قلب أسوان إلى عهد محمد علي باشا، تحديداً عام 1811، حين قرر بناء حصن وتأسيس مدرسة حربية بأسوان، لتأمين الحدود الجنوبية، وتهدم الحصن والمدرسة، وأنشئ المسجد على أطلال الحصن في عهد الرئيس جمال عبد الناصر، وتم افتتاحه في عصر السادات، وهو مبني على الطراز المملوكي ومزين بالزخارف الكوفية، ويلعب المسجد دوراً في استطلاع هلال رمضان بفضل موقعه المرتفع، كما يستقطب الزوار من داخل مصر وخارجها بعروض الصوت والضوء. وفق موقع وزارة الأوقاف المصرية.

مسجد الطابية في أسوان (وزارة الأوقاف)

وأشار محافظ أسوان إلى أن جهود تطوير المسجد امتدت لتشمل محيطه وحديقته، حيث يجرى تنفيذ شبكة ري حديثة تعتمد على زراعة مدروسة للزهور والنباتات، وتحقق توازناً بصرياً وبيئياً، وتعيد للحديقة دورها بوصفها مساحة جمالية مفتوحة تخدم المصلين والزائرين على حد سواء، مع مراعاة اختيار عناصر نباتية تتوافق مع طبيعة أسوان ومناخها، مؤكداً أن أعمال الصيانة والترميم بالمسجد مستمرة ضمن رؤية متكاملة تستهدف الارتقاء بالموقع العام للحديقة والمسجد إلى مستوى احترافي، وبفكر يجمع بين الدقة الهندسية والحس الجمالي والاحترام الكامل للتراث، ليكون نموذجاً لإعادة إحياء المواقع التاريخية بلمسات حضرية وجمالية جديدة، تحافظ على هويتها الأصيلة، وتعكس التزام الدولة بالحفاظ على التراث.

مسجد الطابية يجتذب السائحين في أسوان (محافظة أسوان)

ووفق الخبير الآثاري، الدكتور عبد الرحيم ريحان، عضو لجنة التاريخ والآثار بالمجلس الأعلى للثقافة، فإن مسجد الطابية استمد اسمه من موقعه المشيد عليه، ويرجع تاريخ الطابية إلى بداية القرن الـ19، حيث كان مقاماً عليها طابية حربية لتكون مقراً لأول كلية حربية في مصر، وهي واحدة من طابيتين حربيتين في أسوان تم إنشاؤهما في عهد محمد علي باشا.

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «المسجد ارتبط وجدانياً بشعب أسوان، حيث يقبل عليه الكثير من المواطنين في المناسبات الدينية والاحتفالات والأعياد؛ علاوة على أنه أصبح مزاراً سياحياً لأهميته التاريخية وارتفاعه، حيث يمكن رؤية المدينة بأكملها من فوق سطح المسجد، كما يتم استخدامه لاستطلاع هلال شهر رمضان، وفي المساء يقام به عرض الصوت والضوء».

ويؤكد ريحان أن «تطوير بانوراما المسجد يسهم في تحسين الرؤية البصرية لمدينة أسوان عامة، وزيادة المسطحات الخضراء لتتناغم مع تراثها العظيم وجمال كورنيش النيل، وحدائقها المتعددة لتصبح واحة للجمال قديماً وحديثاً».


ياسر جلال يسامح أحمد ماهر في واقعة «التصريح المسيء»

الفنان أحمد ماهر (يوتيوب)
الفنان أحمد ماهر (يوتيوب)
TT

ياسر جلال يسامح أحمد ماهر في واقعة «التصريح المسيء»

الفنان أحمد ماهر (يوتيوب)
الفنان أحمد ماهر (يوتيوب)

أعلن الفنان ياسر جلال قبوله اعتذار الفنان أحمد ماهر بعد انتشار فيديو يحمل لفظاً مسيئاً للمخرج الراحل جلال توفيق، مما أثار جدلاً طويلاً على مواقع التواصل الاجتماعي، وتدخلت نقابة المهن التمثيلية بمصر في الأزمة وقررت إحالة الفنان أحمد ماهر للتحقيق، عقب انتشار فيديو مسيء منسوب له على عدد من المواقع «السوشيالية»، تضمن لفظاً مسيئاً، وجهه الفنان المصري لأسرة المخرج الراحل جلال توفيق، والد ياسر ورامز جلال.

وتقدمت نقابة الممثلين في بيان أصدرته، الثلاثاء، باعتذار رسمي لأسرة المخرج الراحل، بينما أعلن المكتب القانوني للفنانين ياسر ورامز جلال في بيان صحافي متابعة إجراءات التحقيق التي تجريها النقابة بشأن ما صدر عن الفنان أحمد ماهر من إساءة للمخرج الراحل جلال توفيق، وانتظار النتائج.

وأوضح الوكيل القانوني لياسر ورامز جلال، أن المكتب يتابع ما تسفر عنه تحقيقات النقابة، برئاسة الدكتور أشرف زكي، تمهيداً لاتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة حيال ما بدر من إساءة وسب بحق أسرة المخرج الراحل، وكذلك ضد كل من قام بتصوير مقطع الفيديو المتداول، أو نشره أو إعادة نشره عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

وتصدر اسم الفنان أحمد ماهر «الترند»، على موقع «غوغل»، الثلاثاء، عقب إصدار نقابة المهن التمثيلية بيانها وإحالته للتحقيق، وعن رأيه القانوني في الواقعة، أكد المستشار صبرة القاسمي، أن أحمد ماهر وقع ضحية «فخ الخصوصية»، وأن الناشر هو الجاني الحقيقي.

وأضاف القاسمي لـ«الشرق الأوسط» أن «واقعة الفيديو المتداول للفنان أحمد ماهر، الذي ظهر فيه وهو يوجه عبارات حادة للفنان رامز جلال خلال مكالمة هاتفية، بدت عبارات عفوية وأبوية وليست إهانة مقصودة».

الفنان ياسر جلال (حسابه على موقع فيسبوك)

وأشار المحامي المصري إلى أن «الفيديو المسرب يفتقر إلى أهم أركان جريمة (السب والقذف)، وهو القصد الجنائي العلني»، موضحاً أن «من يشاهد المقطع بتمعن يدرك أن الفنان أحمد ماهر كان يتحدث في مكالمة هاتفية خاصة، وبنبرة يغلب عليها (العشم والأبوة)، ولم يكن يعلم مطلقاً أن هناك من يتربص به ويسجل له خلسة، بدليل استنكار إحدى المرافقات له وتسجيلها اعتراضاً بقولها للمصور، (إنت بتصور إيه؟)».

وشدد صبرة القاسمي على أن «الجرم الأكبر يقع على عاتق (الناشر والمصور)، فهما الأجدر بالملاحقة القضائية»، استناداً إلى القواعد القانونية التي تحمي حرمة الحياة الخاصة، وانتهاك الخصوصية وفقاً للمادة 309 مكرر من قانون العقوبات، فإن تسجيل مكالمة أو حديث خاص دون إذن صاحبه هو جريمة «استراق سمع» واعتداء على حرمة الحياة الخاصة.

ونوه القاسمي، بأنه «وفق قانون تقنية المعلومات، فإن الناشر ارتكب جريمة مركبة بنشره محتوى خاصاً بهدف الإساءة والتشهير، وهي من الجرائم التي يعاقب عليها القانون بالحبس مدة لا تقل عن 6 أشهر وغرامة مالية تصل إلى 100 ألف جنيه».

واختتم صبرة القاسمي حديثه قائلاً: «القانون لم يوضع لمعاقبة الناس على أحاديثهم العفوية في هواتفهم، بل وضع لردع من يستغلون التقنية لاختراق خصوصيات البشر»، مشيراً إلى «أن أحمد ماهر في هذه الواقعة هو (مجني عليه)، والعبء القانوني يقع على من خطط وسجل، ونشر هذا المحتوى المسيء».

الفنان رامز جلال (حسابه على موقع فيسبوك)

فيما قال الناقد الفني المصري طارق الشناوي إن «أحمد ماهر من حقه الانتقاد، ولكن دون تجاوز بكلمات لا تليق، بعكس ما جرى في الفيديو، حيث سب الأب بكلمة تتجاوز أي قدرة على الاحتمال».

وأضاف طارق الشناوي لـ«الشرق الأوسط»: «من حق أسرة المخرج الراحل التحرك والغضب، ومن واجب النقابة اتخاذ ما يلزم»، موضحاً أن «الكلام الذي قاله أحمد ماهر يسيء إليه أيضاً، وأن هذه الواقعة لم تكن الأولى التي لم يستطع فيها ضبط رد فعله، فهناك بوصلة لإدراك الخط الفاصل بين الخاص والعام، وما يجوز وما لا يجوز».

ويطمح الشناوي، أن ينتهي الأمر باعتذار أحمد ماهر.

وفي تصريح خاص لـ«الشرق الأوسط» أكد الفنان أحمد ماهر تقديره لموقف النقابة وموقف نجلي المخرج الراحل جلال توفيق، ياسر ورامز جلال تجاهه، لافتاً إلى أن «ما أثير حول الواقعة أمر طبيعي وسلوك قانوني متبع ومحترم».

وأضاف أحمد ماهر: «تصوير الواقعة تم وأنا في حالة نفسية سيئة، وتحديداً وقت خروجي من تقديم واجب عزاء، وحينها تكالبت علي الكاميرات وتم توقيف سيارتي قسراً للحصول على تصريحات، بينما اندس مصور الفيديو وسألني عن برنامج رامز، حيث جاء ردي بشكل عفوي للخروج من الموقف، ولم أقصد الإساءة مطلقاً لهذه الأسرة الكريمة».

وأوضح أحمد ماهر أنه سيذكر جميع ملابسات الواقعة خلال تحقيق النقابة، مشيراً إلى أنه كانت تربطه علاقة قوية وصلة وطيدة بالمخرج الراحل جلال توفيق وعملاً معاً في أعمال فنية عدة، ومن المستحيل أن يذكره بسوء.

إلى ذلك، أعلن الفنان المصري ياسر جلال، قبوله اعتذار الفنان أحمد ماهر ومسامحته، بعد تصريح «مثير» من الأخير، وصف بأنه مسيء وغير مقبول؛ وفق بيان لنقابة المهن التمثيلية بمصر.

ونشر الفنان ياسر جلال مقطع فيديو على صفحته في «فيسبوك»، قال إنه موجه للفنان الكبير أحمد ماهر، وإنه علم باعتذار عن اللفظ المسيء، ويعلم تماماً أنه لم يقصد، مؤكداً أنه قَبِل اعتذاره، ويعرف قدر محبة أحمد ماهر لأبيهما المخرج الراحل. وبصوت مؤثر قال ياسر جلال: «هل تتذكر حين هاتفتك وأخبرتك بأنني أشعر بالحنين لأبي، وأنني أحدثك لأنك تذكرني به، أنت بالفعل أب لنا وأخ كبير، وحصل خير، كلنا بنحبك وبنحترمك».


«حديقة آدم السرية»... الهروب من الحروب على أجنحة الورود

التجهيز الفني الذي يمثّل «حديقة آدم السرية» (الشرق الأوسط)
التجهيز الفني الذي يمثّل «حديقة آدم السرية» (الشرق الأوسط)
TT

«حديقة آدم السرية»... الهروب من الحروب على أجنحة الورود

التجهيز الفني الذي يمثّل «حديقة آدم السرية» (الشرق الأوسط)
التجهيز الفني الذي يمثّل «حديقة آدم السرية» (الشرق الأوسط)

دفع الشعور بعدم الانتماء إلى هذا العالم الفنان التشكيلي السوري سبهان آدم إلى ابتكار الكائنات الممسوخة التي اشتهر بها، وترتبط ارتباطاً مباشراً بشخصه وأوجاعه وآلامه المولودة من أفعال البشر. صحيح أنه يحب الناس والطبيعة، لكنه وجد في هذه المخلوقات ملاذاً له، وهو يردد: «عندما يكون ذلك الكمّ الكبير من الألم داخلك وحولك، يصبح من المستحيل رسم عصافير وأزهار».

ولكن في معرضه «حديقة آدم السرية» يقلب سبهان الصفحة تماماً، متجهاً نحو تجربة تشكيلية جديدة ترسو على أسس مختلفة. فاختار الورود لتشكّل نماذج بشرية تسقط ثم تنتصب، تتألم وتضحك ثم تذبل.

يصوّر سبهان آدم الورود كأشخاص يحزنون ويفرحون (الشرق الأوسط)

في غاليري «ميشن آرت» في شارع مار مخايل، تصطف لوحات سبهان المنفذة بالأكريليك و«الميكسد ميديا». وقد شيّد لكل مجموعة منها عالمها الخاص، مستخدماً ألواناً فاقعة يهرب عبرها من واقع الحروب. وفي رحلة يحلّق فيها على بتلات الزهور، يعبّر عن مشاعر الناس وأحاسيسهم. وعلى خلفيات بيضاء وخضراء وحمراء، يرشد زائر المعرض إلى عالم جديد يخلقه بعيداً عن كائناته البشرية الممسوخة التي طبعت مسيرته.

ويرى مدير أعماله غيث المشنوق أن هذا المعرض يشكّل نقلة نوعية في تجربة سبهان آدم. فمن خلاله يرسم بخياله عالماً آخر يهرب معه من قسوة الحروب. وقد اختار الورود ليحلِّق على أجنحتها في فضاء البشر، ويقول لـ«الشرق الأوسط»: «الأزهار التي يرسمها تشبهنا، فهي تنكسر ثم تعيش، تتحاور في جدالات طويلة ثم تلوذ بالصمت. إنها نماذج إنسانية لا ترضى بحدود اللوحة، فتبحث عن وطن خارجها».

لا يضع سبهان آدم أسماء أو عناوين للوحات، فيترك لأشكالها وألوانها حرية التأويل. ولئلا تغيب كائناته البشرية التي وسمت مسيرته، يقدّمها هذه المرة في منحوتات تتوزع ضمن تجهيز فني صاغه كحديقة غنّاء، يستحضر فيه جمال الحديقة التي خلق فيها الإنسان الأول.

بألوان جريئة وفاقعة تتميّز لوحات سبهان آدم (الشرق الأوسط)

في لوحاته، تشعر بأن لا وردة راضية بواقعها. يضعها في إناء أحمر فتتدلّى بأعناقها الطويلة، زهرية تارةً، وحمراء وزرقاء، خانعة ومنتصبة، على خلفية خضراء، تارة أخرى. وفي مجموعة غيرها بخلفية بيضاء، تخاطبك الزهور برؤوسها البرتقالية والبنفسجية والصفراء الخارجة من إناء أخضر. بعضها يزهو مبتسماً بأكسجين الحياة، وأخرى تختنق مطأطئة الرأس.

يشرح المشنوق: «أن سبهان من الفنانين غزيري الإنتاج. لذلك نرى عشرات اللوحات تتجاور ضمن مجموعات متلاحقة. جرأته في استخدام الألوان الزاهية والمنعشة تعبير عن تمرّد، وكأنها ترفض الواقع الأسود، فتسبح في فضاء الأمل، لأن الألم لا يدوم».

وعن سبب هذه الغزارة، يقول: «تنطلق من شغفه بالرسم، وتعكس في الوقت نفسه أحاسيس جياشة تجتاحه أينما كان. ما إن يمسك الفرشاة حتى تتوالد الأفكار بلا نهاية»، ويضيف: «حين أسأله عن ذلك، يجيب بأن هناك ملايين لم يشاهدوا لوحاته بعد. وهو يتوق إلى إيصالها للعالم كي تجول على كوكب الأرض بأسره».

يهرب الفنان السوري من الحروب عبر أجنحة الورود (الشرق الأوسط)

بدأ سهبان آدم رحلته الفنية بالعمل الدؤوب والتعلّم الذاتي. أحلامه الطفولية كانت تتمحور حول مهن كثيرة إلا الرسم. راحت موهبته الفنية تتبلور منذ بلوغه الخامسة عشرة، حتى وصلت أعماله إلى أعرق دور العرض والمتاحف الحديثة. فجابت باريس، وديجون، وأفينيون، وستراسبورغ، وجنيف، وبيروت، ومدريد. صدر كتاب عنه بتقديم الشاعر أدونيس. وتندرج طريقته ضمن المدرسة التعبيرية التي عُرفت بتشويه الجسد البشري.

ويشير المشنوق، ممثلاً سبهان المقيم حالياً في سوريا، إلى أن «حديقة آدم السرية» يعد أول معرض ملوّن له: «غالباً ما يعبّر في أعماله عن عالم سوداوي، لكنه ينتقل هنا إلى فضاء يحمل رسائل حب، وعنف، وحنين وهجرة. خرج من ذاته ليقدّم المختلف. فهو لا يخزّن المشاهد كما تراها العين، بل يرتكز على اللحظة ومشاعرها ليخلق لوحاته بخياله».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended