آن باترسون لـ («الشرق الأوسط»): علينا الحذر من التركيز فقط على «داعش» في شرح سياساتنا

واشنطن تلتزم بمبدأ حماية وحدة الأراضي العراقية والسورية

مساعدة وزير الخارجية الأميركي لشؤون الشرق الأوسط آن باترسون (أ.ف.ب)
مساعدة وزير الخارجية الأميركي لشؤون الشرق الأوسط آن باترسون (أ.ف.ب)
TT

آن باترسون لـ («الشرق الأوسط»): علينا الحذر من التركيز فقط على «داعش» في شرح سياساتنا

مساعدة وزير الخارجية الأميركي لشؤون الشرق الأوسط آن باترسون (أ.ف.ب)
مساعدة وزير الخارجية الأميركي لشؤون الشرق الأوسط آن باترسون (أ.ف.ب)

منذ أن بدأت الضربات الجوية على العراق في بداية أغسطس (آب) الماضي، وتوسعت لتشمل سوريا في الأسابيع الأخيرة، تُطرح تساؤلات حول الخطط الاستراتيجية لواشنطن في الشرق الأوسط على المدى البعيد. فمن الواضح أن إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما عازمة على مواجهة ما تعده تهديدا مباشرا من تنظيم «داعش»، وأنها تتطلع لإعطاء المعارضة السورية «المعتدلة» دورا أكبر في حال استطاعت تلك المعارضة أن تقوم بواجبها. كما أن واشنطن الآن مهتمة باستقرار العراق أكثر من أي وقت آخر منذ تولي أوباما الرئاسة الأميركية، الذي فاز بها بعد التعهد بـ«إنهاء الحرب في العراق». وبينما سوريا والعراق يأخذان الحيز الأكبر من اهتمام الدبلوماسيين وصناع القرار في واشنطن، إلا أن التطورات في اليمن وليبيا ومصر وغيرها من دول عربية تثير اهتمامهم.
وأقرت مساعدة وزير الخارجية الأميركي لشؤون الشرق الأوسط، آن باترسون، بأن هناك خشية من عودة سياسة واشنطن تجاه الشرق الأوسط إلى ما كانت عليه سابقا، وهي سياسة مبنية على «مكافحة الإرهاب» بالدرجة الأولى. وردا على سؤال لـ«الشرق الأوسط» حول «مكافحة الإرهاب» كمحور أساسي للسياسات الأميركية في المنطقة، قالت باترسون: «الناس يرون ذلك بسبب كل التركيز على (داعش) وعلينا أن نكون حذرين من ذلك». وأضافت: «ما زلنا نقدم الكثير من المساعدات ونعمل على تحسين سيادة القانون والكثير من الأمور الأخرى، ولكن قضية (داعش) طغت على السياق العام، وعلينا أن نقوم بعمل أفضل في الحديث عن قضايا أخرى».
وخول وزير الخارجية الأميركي جون كيري مساعدته باترسون، مع الجنرال جون آلن ونائب مساعد وزير الخارجية لشؤون الشرق الأوسط بريت ماغيروك، العمل على الشق السياسي لبناء التحالف ضد «داعش» وتقريب وجهات النظر.
وفي لقاء مع «الشرق الأوسط» في مقر وزارة الخارجية الأميركية بواشنطن تحدثت باترسون عن عزم التحالف على مواجهة «داعش» حتى وإن كانت هناك خلافات بين بعض أعضاء الحلفاء. وقالت باترسون: «كان هناك إجماع كبير في جدة تحديدا على أن (داعش) هو (داعش)، بالطبع هناك تهديدات أخرى، ولكن هذا تهديد محدد وسيئ جدا وعلينا التركيز عليه». وأضافت: «هناك توافق أكبر على الاستراتيجية الآن بين الحلفاء.. هناك دعم أوسع لهذه الاستراتيجية بين دول لا تتفق بشكل عام».
وفيما يخص العملية السياسية وإمكانية التوصل إلى حل سياسي لإنهاء الحرب في سوريا، تؤكد باترسون انفتاح واشنطن على عملية سياسية تضمن رحيل الرئيس السوري بشار الأسد عن السلطة، ولكنها لم تبد تفاؤلا في تحرك سريع بهذه القضية. وقالت: «علينا أن نبقي هذه العملية حية لنرى إذا كان من الممكن أن تتقدم، وأعتقد أن (المبعوث الدولي لسوريا) ستيفان دي ميستورا لديه بعض الأفكار التي سيبحثها مع الإيرانيين والروس والسوريين واللبنانيين، وعلينا أن ننتظر ما يمكن أن يخرج به». وأضافت: «نحن مهتمون ببدء عملية سياسية.. وربما هناك فرصة على الأرض لسنا بالقرب الكافي أن نراها، ولكن قد يراها دي مستورا.. ولكنها يجب أن تعني عدم بقاء الأسد في الرئاسة والبقاء على مبادئ (جنيف1)». وأضافت: «الالتزام بهذه المبادئ ليس فقط لأننا وقعنا عليها، ولكن لأنها الطريقة الوحيدة لإبقاء التحالف متماسكا.. الكثير من حلفائنا في التحالف لن يقبلوا تغييرا بذلك». ولكنها أردفت قائلة: «لا أحد يناقش أن علينا التعامل مع خطر (داعش) أولا».
وأكدت مصادر رسمية لـ«الشرق الأوسط»: «لا يمكننا التعامل مع بشار الأسد لأنه مجرم حرب الآن. وعدا التداعيات الأخلاقية لذلك، التداعيات الاستراتيجية مهمة أيضا»، مشيرة إلى رفض حلفاء أساسيين في التحالف ضد «داعش» أي تعامل مع الأسد في مواجهة التنظيم.
وأما فيما يخص العراق، فهناك تصور أميركي بأن الحكومة العراقية الجديدة تشكل شريكا يمكن العمل معه لمواجهة «داعش». وتؤكد مصادر أميركية على عدم الرضا بتقسيم العراق أو سوريا في الوقت الحالي. وحول طموحات الأحزاب الكردية للاستقلال، اكتفت باترسون بالقول: «إننا نقول لهم إننا ندعم كليا وحدة الأراضي العراقية». وتشير مصادر أميركية إلى أن حل مشكلة النفط وانخراط قوات البيشمركة ستكون أساسية لإنجاح المرحلة المقبلة في العراق.
وهناك تصور أميركي بأن «الحرس الوطني العراقي» سيقوم بمهمة ملء مواقع سيطرة «داعش» فور التخلص منهم في الأراضي العراقية، ولكن حتى الآن لم يخرج قانون يشرع الحرس الوطني. وتبدي مصادر أميركية تفاؤلا في إقرار هذا القانون خلال الأسابيع القليلة المقبلة. وقالت باترسون: «الحرس الوطني العراقي والجيش العراقي سيمثلون الوجود العسكري على الأرض في العراق.. ولكن الوضع في سوريا مختلف قليلا، وهنا يأتي دور برنامج تدريب وتسليح المعارضة الذي أقره الكونغرس لتدريب سوريين في دول ثالثة ليشكلوا العمود الفقري لقوة أمنية» على الأرض في سوريا. وتقر مصادر أميركية رسمية بأن عدد الـ5 آلاف مقاتل الذي أعلن عن خطط لتدريبه على الأرجح لن يكون كافيا، متوقعة زيادته خلال المرحلة المقبلة.
وقضى المبعوث الرئاسي الأميركي الجنرال آلن ونائبه ماغوريك هذا الأسبوع في مشاورات المنطقة، حيث زارا عمان والقاهرة قبل التوجه إلى تركيا. وأفادت وزارة الخارجية الأميركية أمس بأن آلن وماغوريك التقيا رئيس الوزراء التركي أحمد داود أوغلو ومسؤولين أتراكا لـ«بحث مناطق التعاون على خطوط عدة.. وشددا على أننا في المراحل الأولى لتقوية تحالف واسع ضد هذه الشبكة الإرهابية التي ستكون حملة طويلة الأمد». وكان من اللافت أن البيان الأميركي خلص بالقول، إن «الجنرال آلن وماغوريك اعترفا بتضحية تركيا بسبب أزمة (داعش) في سوريا والعراق وشدد على الشراكة التاريخية التي لا يمكن كسرها بين تركيا والولايات المتحدة كحليفين في حلف الناتو». وكانت الجملة الأخيرة بمثابة اعتذار ثان للأتراك عن تصريحات نائب الرئيس الأميركي جون بايدن الأسبوع الماضي الذي اتهم فيها تركيا بعدم مواجهة «داعش». وقالت مسؤولة أميركية رفيعة المستوى لـ«الشرق الأوسط»، إن بايدن «كان قصده أن إحدى المشكلات في سوريا هي عدم التفاهم بين الحلفاء، وكانت بعض الدول تدعم مجموعات مختلفة وكان لدى الأتراك حدود مفتوحة، ويتصرفون بمفردهم.. الأمر تحسن كثيرا وهناك تفاهم على برامج محددة»، مضيفة: «أظن نائب الرئيس كانت يتحدث عن السابق».
وتؤكد مصادر أميركية أن واشنطن بدأت تبحث بجدية الطرح التركي لفرض مناطق عازلة. وأوضحت مسؤولة أميركية رفيعة المستوى لـ«الشرق الأوسط»: «الأتراك يدفعون بهذا الاتجاه منذ فترة.. موقفنا في السابق كان يعارض ذلك لأنه من الممكن الدخول في حرب كاملة مع هذا الطرح.. ولا يوجد إجماع على هذا المبدأ». وردا على سؤال «الشرق الأوسط» حول إذا ما كانت هذه هي المرة الأولى الذي تدرس واشنطن فكرة المناطق العازلة على الرغم من سنوات من العنف الدائر في سوريا، أجابت: «نظرنا في هذه القضية مرات عدة، ولكن الآن لدينا وضع مختلف، إذ لدينا (داعش)، والوضع في كباني يرفض وضعا جديدا».
وأفادت مصادر في واشنطن بأن هناك استياء من عدم التحرك التركي العسكري في وقت يتقدم فيه مقاتلو «داعش» في عين العرب، وأن المرحلة المقبلة ستشهد تكثيف التنسيق مع أنقرة لحثها في لعب دور أكبر لمواجهة مقاتلي «داعش». ومن المرتقب أن يزور فريق تخطيط عسكري أنقرة بداية الأسبوع المقبل لتقوية القنوات العسكرية بين البلدين، وتبحث الخيارات المطروحة، بما فيها إقامة منطق عازلة.
ويصر المسؤولون في واشنطن على أن العمليات العسكرية ضد «داعش» ستستمر سنوات عدة، من دون التوضيح أسباب هذه الإطالة. ومع تقدم مقاتلي «داعش» في بلدة عين العرب في سوريا، رغم الضربات الجوية، تثار تساؤلات عن أسباب الفشل العسكري في صدهم. وقالت مسؤولة رفيعة المستوى في إدارة أوباما لـ«الشرق الأوسط»: «هذا التحالف أصبح نافذا منذ أسابيع عدة فقط، وأعتقد أن النتائج مختلطة.. في الموصل وأربيل وعند سد الموصل وحول بغداد ومناطق أخرى، الوضع أفضل. ولكن بالتأكيد الأوضاع ليس أفضل في كوباني (عين العرب) أو في الفلوجة وغيرها من مناطق، ولكن خلال الفترة الذي بدأ التحالف يعمل فيها، لا أعتقد أن ذلك يفاجئنا». كما تابعت المسؤولة الرفيعة المستوى التي طلبت عن الكشف عن هويتها، أن تنظيم داعش ما زال يستقطب مقاتلين لأسباب عدة، أبرزها «لأنهم يظهرون وكأنهم يكسبون المعركة.. يتقدمون حاليا ومن المهم لهم أن يظهروا بأنهم يفوزون.. ولكن قد نرى ذلك ينعكس» خلال المرحلة المقبلة.
وركزت باترسون، التي شغلت منصب السفيرة الأميركية في القاهرة خلال حقبة رئاسة محمد مرسي وأثارت الكثير من التساؤلات حول تعاملها مع «الإخوان المسلمين»، وامتنعت عن الخوض في تفاصيل حول العلاقات مع مصر، مكتفية بالقول، إن اللقاء بين الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره المصري عبد الفتاح السيسي «كان جيدا. مصر دولة كبيرة ومهمة ونريد أن تكون لدينا علاقة بناءة مع مصر». وهناك تعاون أميركي - مصري على ملفات عدة، بما في ذلك ليبيا. وقالت باترسون: «نحاول أن ندعم جهود المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة.. وأعتقد أن الجزائر تلعب دورا بناء مع دول الجوار والمصريون يلعبون دورا، ولكن يريدون العمل ضمن الإطار الجزائري».
وفيما يخص اليمن، تركز الإدارة الأميركية على دعم العملية السياسية في البلاد، وخصوصا الرئيس عبد ربه منصور هادي. وقالت باترسون: «ندعم هادي قدر ما يمكن، ونحتاج إلى أن ندعم المبادرة الخليجية والاتفاق الذي وقّعه الحوثيون مع هادي، ولكن هذا ما لا يقومون به الآن». وأضافت: «هناك إجماع دولي حاليا حول كيفية السير قدما ودعم هادي». ومن المرتقب أن تلجأ دول غربية، بالتنسيق مع دول الخليج، إلى مجلس الأمن لمواجهة عرقلة الحوثيين في حال لم تحل الأزمة. وأشارت مصادر أميركية إلى أنه خلال أسبوعين ممكن التحرك في مجلس الأمن بناء على قرار 2140.



الحوثيون يخنقون قرية في عمران بعد تلقِّيهم ضربة قبَلية

كمين قبَلي مسلح يقتل ويصيب عناصر حوثيين في عمران (فيسبوك)
كمين قبَلي مسلح يقتل ويصيب عناصر حوثيين في عمران (فيسبوك)
TT

الحوثيون يخنقون قرية في عمران بعد تلقِّيهم ضربة قبَلية

كمين قبَلي مسلح يقتل ويصيب عناصر حوثيين في عمران (فيسبوك)
كمين قبَلي مسلح يقتل ويصيب عناصر حوثيين في عمران (فيسبوك)

فرضت الجماعة الحوثية حصاراً خانقاً على قرية آل فارح، في مديرية صوير التابعة لمحافظة عمران، الواقعة على بعد نحو 53 كيلومتراً شمال العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، وسط تصعيد ميداني متواصل تمثل في الدفع بتعزيزات مسلحة إضافية، واستحداث نقاط تفتيش جديدة، وإغلاق كامل للطرق المؤدية إلى القرية، في خطوة وصفتها مصادر محلية بأنها محاولة لإحكام السيطرة، ومنع أي تحرك قبَلي أو تضامن مع السكان.

وأفادت مصادر قبلية في المحافظة لـ«الشرق الأوسط» بأن الحصار المفروض منذ أيام عدة أدى إلى شلل شبه تام للحياة داخل القرية؛ حيث مُنع الأهالي من التنقل، وتعذر إدخال المواد الغذائية والأدوية والاحتياجات الأساسية، ما فاقم من معاناة الأسر؛ خصوصاً النساء والأطفال وكبار السن، في ظل غياب أي مظاهر للرعاية الصحية أو الإغاثية.

جانب من مديرية صوير في محافظة عمران (إعلام محلي)

وجاء هذا التصعيد الحوثي عقب مقتل وإصابة 6 من عناصر الجماعة في كمين قبَلي مسلح، نُفذ على خلفية خلافات متصاعدة بين أبناء قبيلة «ذو القارح» وأحد مشرفي الجماعة في المنطقة، يتهمه الأهالي بارتكاب انتهاكات واسعة شملت الاعتداء والابتزاز ومصادرة الممتلكات، دون أن يخضع لأي مساءلة.

واشتكى أهالي قرية آل فارح لـ«الشرق الأوسط» من أوضاع إنسانية بالغة الصعوبة يعيشونها منذ نحو يومين، في ظل حصار مطبق يمنعهم من الخروج أو إدخال أي من متطلبات الحياة اليومية، مؤكدين أن قريتهم تحولت بفعل الإجراءات العسكرية إلى ما يشبه «السجن الكبير».

ترهيب الأهالي

وأوضح السكان أن مسلحي الجماعة الحوثية أقاموا متاريس ترابية عند مداخل القرية، ونشروا قناصة في المرتفعات الجبلية المطلة عليها، ما بث حالة من الخوف والذعر بين الأهالي، ودفع كثيراً من الأسر إلى التزام منازلها خشية التعرض للاستهداف أو الاعتقال.

وأكدت المصادر أن الحوثيين دفعوا بعشرات المسلحين على متن عربات عسكرية مدججة بأسلحة متوسطة، وتمركزوا في محيط القرية ومداخلها، كما استحدثوا نقاط تفتيش جديدة لتفتيش المارة ومصادرة الهواتف المحمولة، ومنع تصوير أو توثيق ما يجري على الأرض.

ويصف «عدنان» (اسم مستعار لأحد سكان القرية) الوضع داخل آل فارح بأنه «ينذر بالتصعيد»، قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «هناك انتشار غير مسبوق للمسلحين. والجماعة تحاول عزل القرية بالكامل خشية أي تحرك قبلي أو تضامن مع الأهالي».

جانب من احتجاجات سابقة أمام مبنى محافظة عمران الخاضعة للحوثيين (إكس)

ومع استمرار الحصار، تزداد المخاوف من تفاقم الأوضاع الإنسانية، ولا سيما مع نفاد بعض المواد الغذائية الأساسية، وغياب الرعاية الطبية، وانقطاع التواصل مع العالم الخارجي، وسط تحذيرات من كارثة إنسانية وشيكة إذا لم يتم فك الطوق المفروض على القرية.

إدانات حقوقية

في تعليق لها، أدانت «الشبكة اليمنية للحقوق والحريات» بأشد العبارات، ما وصفته بـ«العدوان الغاشم» الذي تشنه الجماعة الحوثية على قبيلة «ذو القارح» في محافظة عمران، مؤكدة أن استخدام الأسلحة الثقيلة ضد مناطق مأهولة بالسكان المدنيين يمثل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي الإنساني.

وشددت الشبكة على أن هذه الانتهاكات لا تسقط بالتقادم، مطالبة بمحاسبة قيادات الجماعة المتورطة في استهداف المدنيين وترويع الآمنين، ووقف سياسة العقاب الجماعي التي تمارَس بحق القرى والقبائل الرافضة لهيمنة الجماعة.

مواطنون يجلسون في باحة مبنى حكومي في صوير بعمران (فيسبوك)

ويرى مراقبون أن ما يجري في مديرية صوير يعكس نمطاً متكرراً من أساليب الضغط الحوثية، القائمة على الحصار والتضييق واستخدام القوة المفرطة، لمعاقبة أي تجمعات سكانية تُبدي اعتراضاً أو رفضاً لمطالب الجماعة، مؤكدين أن ما يحدث ليس حادثة معزولة؛ بل سياسة ممنهجة تهدف إلى كسر إرادة المجتمعات المحلية.

وتُعد مديرية صوير من المناطق ذات الأهمية القبلية والاقتصادية في عمران، وتشتهر بإنتاج العسل العُصيمي المعروف بجودته العالية. وقد شهدت خلال السنوات الماضية توترات متكررة مع الجماعة الحوثية، انتهت في كثير من الأحيان بحملات عسكرية وملاحقات استهدفت قرى وعُزلاً عدة، من بينها: منجزة، والمزرب، والغنايا، والذيبة، على خلفية رفض السكان الإملاءات الحوثية، بما فيها التجنيد القسري، وفرض الإتاوات، والاستيلاء على الأراضي.


مصر وسوريا للبناء على خطوات التقارب بملتقى تكنولوجي في دمشق

الملتقى الاقتصادي السوري-المصري في دمشق الأسبوع الماضي (اتحاد الغرف التجارية المصرية)
الملتقى الاقتصادي السوري-المصري في دمشق الأسبوع الماضي (اتحاد الغرف التجارية المصرية)
TT

مصر وسوريا للبناء على خطوات التقارب بملتقى تكنولوجي في دمشق

الملتقى الاقتصادي السوري-المصري في دمشق الأسبوع الماضي (اتحاد الغرف التجارية المصرية)
الملتقى الاقتصادي السوري-المصري في دمشق الأسبوع الماضي (اتحاد الغرف التجارية المصرية)

تسعى مصر وسوريا للبناء على خطوات التقارب المشترك، بإقامة ملتقى «تكنولوجي» في دمشق لشركات تكنولوجيا المعلومات المصرية في سوريا، بما يُسهم في دعم التحول الرقمي والنهوض بالاقتصاد السوري.

وخلال زيارته القاهرة، اتفق وزير الاتصالات وتقنية المعلومات السوري عبد السلام هيكل، مع رئيس الاتحاد العام للغرف التجارية المصرية أحمد الوكيل، السبت، على تنظيم «ملتقى مصري-سوري» لشركات تكنولوجيا المعلومات، لتعزيز التعاون في هذا القطاع، بوصفه أحد القطاعات الحيوية الداعمة للنمو الاقتصادي.

وتُعدّ زيارة وزير الاتصالات السوري أول تحرك عملي، عقب لقاء الرئيس السوري أحمد الشرع، وفد الاتحاد العام للغرف التجارية المصرية الذي شارك في «الملتقى الاقتصادي السوري-المصري»، لدعم العلاقات الاقتصادية بين البلدَين.

وكانت العاصمة السورية دمشق استضافت، خلال الأسبوع الماضي، «الملتقى الاقتصادي السوري-المصري» الأول، بمشاركة مسؤولين سوريين وقيادات من قطاع الأعمال في البلدَين، واستهدف الملتقى «تعزيز التعاون التجاري والاستثماري وإقامة مشروعات مشتركة بين البلدَين وتطوير الشراكات التجارية بين القاهرة ودمشق»، حسب اتحاد الغرف التجارية المصرية.

وتحدّث الشرع، خلال لقائه وفد رجال الأعمال المصريين، بإيجابية عن العلاقات المصرية-السورية، موجهاً الشكر إلى القاهرة «على الاستقبال الحافل للاجئين السوريين خلال فترة الحرب»، مؤكداً جاهزية بلاده للدخول في مرحلة الاستثمار والبناء.

وفي ذلك الحين قال الشرع إن «سوريا تجاوزت مراحل كثيرة، خصوصاً بعد رفع العقوبات عنها، وهذا الأمر فتح أبواباً عديدة، ومنها الفرص الاستثمارية»، مشيراً إلى أن «من أولى الجهات التي ينبغي أن تكون حاضرة هي الشركات المصرية للإسهام في إعادة الإعمار بسوريا».

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)

ورحّب رئيس اتحاد الغرف التجارية المصرية، أحمد الوكيل، بالتعاون المشترك مع سوريا في قطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، وقال خلال لقائه وزير الاتصالات السوري في القاهرة، إن «قطاع تكنولوجيا المعلومات الأسرع نمواً بين قطاعات الاقتصاد في مصر، بمعدلات تتراوح بين 14 و16 في المائة».

ويأتي «ملتقى شركات تكنولوجيا المعلومات»، ليُضاف إلى سلسلة الخطوات الهادفة إلى تعزيز التعاون الاقتصادي بين القاهرة ودمشق، بعد انعقاد «الملتقى الاقتصادي الأول» بين البلدَين، وهو أول فعالية اقتصادية مشتركة بين مصر وسوريا، منذ الإطاحة بنظام بشار الأسد، وتولي الرئيس السوري الحالي، أحمد الشرع الحكم.

كما يأتي عقب توقيع الحكومتَين المصرية والسورية على مذكرتَي تفاهم في مجال الطاقة، خلال الشهر الحالي، الأولى «للتعاون في توريد الغاز المصري إلى سوريا، بهدف توليد الكهرباء، من خلال استغلال البنية التحتية المصرية سواء عبر سفن التغويز، أو شبكات نقل الغاز»، والأخرى «لتلبية احتياجات سوريا من المنتجات البترولية».

وهناك إرادة سورية لتعزيز الاستثمارات المشتركة مع القطاع الخاص المصري، وفق رئيس الغرفة التجارية للقاهرة، أيمن عشري، (أحد أعضاء الوفد المصري المشارك في الملتقى المصري-السوري)، وقال إن «الحكومة السورية أبدت استعدادها لإقامة استثمارات مشتركة مع القطاع الخاص المصري، إلى جانب احتياجها لمنتجات مصرية، منها مواد البناء».

وأشار العشري -في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»- إلى أن «الاتفاق على عقد ملتقى مشترك لشركات تكنولوجيا المعلومات، أولى الخطوات التي تعزّز التعاون الاقتصادي بين الجانبين». ونوه إلى أن «دمشق تستهدف إعادة الإعمار في مختلف القطاعات بعد سنوات الحرب، ويمكن للخبرات المصرية المشاركة في هذا المسار». وقال إن «الرئيس السوري أكد لوفد اتحاد الغرف التجارية المصرية، استعداد بلاده لتقديم التسهيلات اللازمة للاستثمارات المشتركة».

وكان الشرع قد تعهّد خلال لقائه وفد اتحاد الغرف التجارية المصرية، بتسهيل بلاده كل الإجراءات أمام الاستثمارات المصرية، وقال إن «العلاقات السورية-المصرية ليست ترفاً بل واجب»، وإن «التكامل السوري-المصري عبر التاريخ كان أساسياً لاستقرار المنطقة، اقتصادياً وأمنياً واستراتيجياً».

وتسعى القاهرة لدعم المؤسسات الوطنية السورية، وفق مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، السفير يوسف الشرقاوي، وقال إن «انعقاد (الملتقى التكنولوجي) يتماشى مع الموقف المصري الداعم لإرادة الشعب السوري، والهادف إلى الحفاظ على المؤسسات الوطنية، وتحقيق الاستقرار الداخلي والحفاظ على السيادة السورية، دون إملاءات خارجية أو إقصاء لأحد».

وفي أكثر من مناسبة، قال وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، إن موقف بلاده تجاه التطورات في سوريا ثابت، ويستند إلى ضرورة دعم الدولة السورية واحترام سيادتها ووحدة أراضيها، مع تدشين عملية سياسية شاملة تضم كل مكونات المجتمع السوري من دون إقصاء.

ويرى الشرقاوي، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «مصر تمتلك خبرات متنوعة في مجالات الرقمنة وتكنولوجيا المعلومات، ولديها تجارب متنوعة وناجحة، يمكن تطبيقها في الساحة السورية، بما يحسّن الخدمات الحكومية المقدمة إلى السوريين»، مشيراً إلى أنه «من محددات الموقف المصري دعم المؤسسات السورية، للحفاظ على وحدة الأراضي السورية».


«معبر رفح» يترقب كسر الجمود بعد قيود ممتدة لنحو 20 شهراً

معبر رفح من الجانب المصري (رويترز)
معبر رفح من الجانب المصري (رويترز)
TT

«معبر رفح» يترقب كسر الجمود بعد قيود ممتدة لنحو 20 شهراً

معبر رفح من الجانب المصري (رويترز)
معبر رفح من الجانب المصري (رويترز)

تَرقُّب يتواصل لقرار فتح معبر رفح من الجانب الفلسطيني بعد نحو 20 شهراً من إغلاقه من قبل الجيش الإسرائيلي، عشية اجتماع لحكومة بنيامين نتنياهو لبحث الأمر، بعد إعلان رئيس لجنة إدارة قطاع غزة، علي شعث، فتحه هذا الأسبوع.

ذلك المعبر يعوّل أن يدخل ويخرج منه الفلسطينيون بانتظام كما كانت الحال قبل حرب 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، وجاء إعلان قرار فتحه بعد قيود إسرائيلية على مدار نحو 20 شهراً، وفق خبير تحدث لـ«الشرق الأوسط» بمثابة كسر لأكبر عقبة وجمود في مسار حل أزمة غزة للآن، متوقعاً فتح المعبر من الجانب الفلسطيني بضغوط أميركية على إسرائيل، لعدم اهتزاز مصداقية الرئيس الأميركي دونالد ترمب، بعد إعلان «مجلس السلام»، الخميس، مع عدم استبعاد حدوث عراقيل من نتنياهو، خصوصاً حال إنشاء معبر موازٍ أو منع الدخول بشكل مطلق، ووضع قيود جديدة.

وبند فتح معبر رفح مدرج في المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار، الذي دخل حيز التنفيذ في 10 أكتوبر الماضي، ورفض نتنياهو أكثر من مرة فتحه، آخرها في 6 يناير (كانون الثاني) الماضي، وربط الفتح بتسلُّم آخر رفات إسرائيلية لدى «حماس»، ووقتها قال متحدث وزارة الخارجية القطرية، ماجد الأنصاري، في مؤتمر صحافي بالدوحة: «نرفض الابتزاز السياسي، وهناك اتصالات مع الشركاء للوصول إلى تفاهمات لفتح معبر رفح».

وقالت الولايات المتحدة، في بيان لمبعثوها ستيف ويتكوف منتصف يناير الحالي، إنه ‌تمَّ الانتقال إلى المرحلة ‌الثانية من الخطة، التي من المتوقع أن تسحب ‌إسرائيل بموجبها قوات أخرى من ‌غزة، وأن تتخلى «حماس» عن إدارة القطاع.

غير أنه منذ إطلاق «مجلس السلام» في دافوس، الخميس، يشهد ملف معبر رفح متغيرات جديدة. وذكرت صحيفة «يديعوت أحرونوت»، أن مبعوثي ترمب، ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، سوف يلتقيان نتنياهو في إسرائيل، السبت؛ لبحث مسألة فتح معبر رفح وبدء عملية إعادة إعمار قطاع غزة، مشيرة إلى أن الجانب الأميركي يطالب إسرائيل بفتح المعبر حتى قبل استعادة جثة ران غويلي، مقابل تعهد واشنطن ببذل أقصى الجهود للعثور عليها.

وفي السياق ذاته، أفادت «القناة 12» الإسرائيلية، السبت، نقلاً عن مسؤولين إسرائيليين أن المجلس الوزاري المصغر (الكابينت) سيركز، في اجتماعه المقرر الأحد، على ملف غزة، وبحث فتح معبر رفح من الجانب الفلسطيني.

وكان رئيس لجنة إدارة غزة، علي شعث أعلن، الخميس، خلال إطلاق «مجلس السلام» برعاية الرئيس الأميركي، أن معبر رفح الحدودي بين مصر وقطاع غزة سيُعاد فتحه في الاتجاهين الأسبوع الحالي. وكشفت وسائل إعلام إسرائيلية، الجمعة، عن أن الأميركيين هم الذين كلفوا الدكتور علي شعث، رئيس اللجنة، بأن يعلن عن فتح المعبر في الاتجاهين في غضون أيام.

شاحنات محملة بالمساعدات الإنسانية على الجانب المصري من معبر رفح (أ.ف.ب)

ويتوقع عضو «المجلس المصري للشؤون الخارجية»، مساعد وزير الخارجية الأسبق، السفير رخا أحمد حسن، أن تضغط واشنطن لكسر الجمود المرتبط بمعبر رفح؛ حفاظاً على مصداقية ترمب بعد إعلانه «مجلس السلام»، ومحاولة تحقيق نجاح، وهذا يتضح مع زيارة ويتكوف واجتماع الأحد.

ورغم تصاعد فرص فتح معبر رفح من الجانب الفلسطيني الذي تسيطر عليه إسرائيل، فإن تسريبات إعلامية عربية تبدي أن ثمة عراقيل محتملة في الأفق. وأشارت «هيئة البث الإسرائيلية»، الخميس، إلى أنَّ إسرائيل حسمت ملف تشغيل معبر رفح الحدودي مع مصر، لافتة إلى أنها ستقوم بإنشاء معبر إضافي «رفح 2» مُلاصق للمَعبر القائم تتولى تشغيله بنفسها، والجديد سيخضع للفحص من قِبل «الشاباك» وإجراء عملية تدقيق إسرائيلية عن بُعد تشمل تصوير الوجه، وفحص بطاقة الهوية.

ويعتقد حسن أن إسرائيل، كعادتها، تضع عراقيل مسبقة وتريد تعطيل أي شيء قبل بدئه، سواء بمعبر موازٍ أو تفتيش، أو تحكم في أعداد الدخول والخروج وما شابه، متوقعاً أن تستمر حكومة بنيامين نتنياهو في هذه المناورات؛ بهدف الحفاظ على وجودها.

تلك العراقيل لا تختلف كثيراً عمّا شهده معبر رفح من الجانب الفلسطيني منذ سيطرة إسرائيل عليه في مايو (أيار) 2024، وذكرت قناة «آي نيوز 24» الإسرائيلية، في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، أن خلافاً دبلوماسياً حاداً اندلع بين إسرائيل ومصر بعد إعلان الأولى نيتها فتح معبر رفح خلال الأيام المقبلة لإخراج الفلسطينيين من غزة باتجاه مصر، ورفضت القاهرة ذلك، وحذَّرت مصادر مصرية لقناة «القاهرة الإخبارية» آنذاك من أنَّ «فتح معبر رفح في اتجاه واحد يكرِّس عملية تهجير الفلسطينيين».

وبعد اتفاق هدنة يناير 2025، سُمِح بخروج جرحى ومرضى قادمين من قطاع غزة عبر معبر رفح البري، بعدما تقرّر فتح جانبه الفلسطيني، قبل أن يغلق مع انهيار الاتفاق في مارس (آذار) من العام ذاته بقرار إسرائيلي.

ويعد معبر رفح شرياناً اقتصادياً وأمنياً على الحدود بين مصر وقطاع غزة، يُسهل دخول المساعدات الإنسانية إلى القطاع، وخروج المسافرين والمصابين منه، قبل أن تسيطر إسرائيل على الجانب الفلسطيني منه في 7 مايو 2024، وتعلن مصر عدم التنسيق مع إسرائيل بشأنه لعدم «شرعنة احتلاله»، والتزاماً باتفاقية المعابر التي وقَّعت عليها في 2005 تل أبيب ورام الله بشأن إدارة السلطة الفلسطينية لمعبر رفح.

ويرى حسن أن تلك العراقيل عودة لما فعلته إسرائيل منذ غلقها الجانب الفلسطيني من المعبر، وعدم التزامها في المرحلة الأولى من اتفاق غزة المبرم في أكتوبر الماضي بفتحه، والتلكؤ بحجج واهية، متوقعاً أن تحسم ضغوط واشنطن، أي عراقيل إسرائيلية تجاوباً مع مساعي الوسطاء.