أبحاث جريئة لقراءة الأفكار البشرية

لتطوير علاج للشلل والتحكم في الروبوتات

أبحاث جريئة لقراءة الأفكار البشرية
TT

أبحاث جريئة لقراءة الأفكار البشرية

أبحاث جريئة لقراءة الأفكار البشرية

يعمل باحثو «وكالة مشاريع أبحاث الدفاع المتقدمة (داربا)» على مشروع بحثي جديد يهدف إلى تطوير «واجهات دماغ - كومبيوتر» قادرة على السيطرة على «أسراب طائرات الدرون بالاعتماد على سرعة الأفكار»... ولكن ماذا إن نجحوا؟
تحفيز الدماغ
في أغسطس (آب) الماضي، اجتمع 3 من خرّيجي جامعة «كارنيغي ميلون» في مختبر صغير دون نوافذ تحت الأرض، واستخدموا إطاراً (أو تشكيلة) غريباً لطابعة ثلاثية الأبعاد، في صعق جزء من دماغ فأر بالكهرباء.
بدا هذا الجزء المقتطع من منطقة الحصين في دماغ الفأر، أشبه بشريحة صغيرة من فصّ ثوم مستقرّة على منصّة قرب الإطار الغريب. بعدها، وُضعت الشريحة في أنبوب ضيّق يحتوي على محلول من الملح والغلوكوز والأحماض الأمينية. وحافظ هذا المحلول على بقاء الشريحة على قيد الحياة، فاستمرّت الأعصاب الموجودة بها في العمل بنشاط، مما سمح للباحثين بجمع البيانات. في الوقت نفسه، تولّى قطبٌ كهربائي موجود أسفل الشريحة توصيل الشحنات الكهربائية، بينما قاس مجسّ معدني يشبه الحقنة استجابة الأعصاب. تضمّنت التجربة أيضاً مصابيح «ليد» أضاءت على الطبق. وبحسب تعبير العاملين في المختبر، كان الإعداد للتجربة أشبه بالتسلّل.
إلى جانب الإطار، استخدم الباحثون جهاز مراقبة لعرض عمليات التحفيز والاستجابة: صدمات كهربائية من الأقطاب الكهربائية، تبعتها بعد بضعة أجزاء من الثانية، قفزة في نشاط الأعصاب، ثم لاحقاً، وضع الباحثون مادّة تملك الخصائص الكهربائية والبصرية نفسها للجمجمة البشرية بين الشريحة الدماغية والأقطاب الكهربائية ليروا ما إذا كانت الأقطاب قادرة على تحفيز الشريحة مروراً بالجمجمة المزيّفة.
واجهة دماغية - كومبيوترية
نفّذ الباحثون هذه التجربة لأنّهم يبحثون عن وسيلة تتيح لهم رصد الإشارات والتلاعب بها في الدماغ البشري دون الاضطرار إلى شقّ الجمجمة للوصول إلى أنسجة الدماغ الحسّاسة. أمّا الهدف الأساسي منها فهو تطوير «واجهات دماغ - كومبيوتر» دقيقة يمكن وضعها ونزعها كخوذة أو عصبة للرأس دون الحاجة إلى جراحة.
وعادة لا يزيد سُمك الجمجمة البشرية عن سنتيمتر واحد، ويختلف السمك الدقيق بين شخص وآخر وبين مكان وآخر. تعمل الجمجمة كفلتر حاجب ينشر الأشكال الموجية سواء كانت تيّارات كهربائية، أو ضوء، أو صوت. ويبلغ قطر الأعصاب الدماغية بضعة آلاف الملّيمترات، ومهمّتها توليد نبضات كهربائية ضعيفة لا تتجاوز قوّتها واحداً من العشرين (أي 5 في المائة) من الفولت.
صُممت تجربة الطلّاب لجمع سلسلة أساسيّة من البيانات تمكّنهم من مقارنة نتائج تقنية جديدة يأمل بولكيت غروفر، المحقّق الرئيسي في الدراسة، تطويرها.
يقول غروفر في حديث لمجلة «تكنولوجي ريفيو» إنّ «هذا الأمر ليس ممكناً حالياً، وإنّه صعب التنفيذ».
يذكر أنّ المحقّق الرئيسي يقود اليوم واحداً من 6 فرق تشارك في «برنامج الجيل المقبل من التقنية العصبية غير الجراحية «Next - generation Nonsurgical Neurotechnology Program»، أو ما يُعرف اختصارا ب«ـN3»، الذي يرتكز على جهود بقيمة 104 ملايين دولار أطلقتها «داربا» هذا العام. وفي الوقت الذي يعمل فيه غروفر وفريقه على التلاعب بالإشارات الكهربائية وفوق الصوتية، تستخدم فرق أخرى التقنيات البصرية أو المغناطيسية. وفي حال نجحت إحدى هذه المنطلقات فستكون لها نتائج تحوّلية.
قراءة الأفكار
الجراحات باهظة، فضلاً عن أنّ استخدامها لصناعة محارب خارق سيواجه تحدّيات أخلاقية. لهذا السبب، يعتقد العلماء أنّ الجهاز القارئ للأفكار والذي لا يتطلّب أي إجراء جراحي، سيفتح الأبواب على عالم جديد من الاحتمالات. تستخدم «واجهات الدماغ - الكومبيوتر» منذ مدّة لمساعدة المصابين بالشلل الرباعي على استعادة سيطرة محدودة على أجسامهم، وللسماح للمحاربين القدامى الذين خسروا أطرافهم في الحروب بالتحكّم في أطراف صناعية.
ويعدّ برنامج «N3» المحاولة الجديّة الأولى للبحرية الأميركية لتطوير واجهة دماغ - كومبيوتر لهدف متصل بالحروب. يقول آل إيموندي، مدير «N3» إنّ «العمل مع طائرات الدرون وأسرابها، وتشغيلها بواسطة الأفكار بدل الأدوات الميكانيكية، وأشياء أخرى مشابهة، هو الوظائف الحقيقية لهذا النوع من الواجهات».
استخدم جاك جي. فيدال، عالم الكومبيوتر من جامعة كاليفورنيا، في لوس أنجليس، مصطلح «واجهة دماغ - كومبيوتر» في أوائل السبعينات، وكان الذكاء الصناعي واحداً من المجالات التي تطوّرت في هذا الإطار. ويعدّ تخطيط أمواج الدماغ، الذي يسجّل النشاط الكهربائي في الدماغ بواسطة أقطاب كهربائية موضوعة على الجمجمة، الواجهة الأولى بين الأدمغة والكومبيوترات. وفي أواخر التسعينات، استخدم باحثون من جامعة «كيس وسترن ريزرف» هذه التقنية لتفسير الموجات الدماغية لشخص يعاني من الشلل الرباعي، فأتاحت له تحريك سهمٍ على شاشة الكومبيوتر عبر سلك يمتدّ من الأقطاب الكهربائية المثبّتة في فروة رأسه.
منذ ذلك الوقت، شهدت التقنيات التدخلية وغير التدخلية تقدّماً ملحوظاً، وكذلك فعلت الأجهزة التي تحفّز الدماغ عبر الإشارات الكهربائية لعلاج حالات كالصرع. ولكنّ الآلية الأكثر قوّة حتى اليوم تحمل اسم «نسق يوتاه (Utah array)»، وتأتي على شكل سرير صغير من الأشواك (يعادل حجم الواحد منها نصف حجم ظفر الخنصر)، وهي قادرة على اختراق بقع محدّدة من الدماغ.
علاج الشلل
خلال عطلة كان يمضيها في آوتر بانكس بكارولينا الشمالية، اصطدم رأس إيان بوخارت بجسم رملي صلب أثناء الغوص في المحيط. سببت له الضربة كسراً في العمود الفقري وأفقدته وظيفة العصب العنقي السادس من الأسفل. ظلّ إيان قادراً على تحريك ذراعيه عند الكتفين والكوعين، ولكنّه خسر حركة يديه ورجليه. لم يساعده العلاج الطبيعي كثيراً، فطلب من طبيبه في مركز «ويكسنر» الطبي التابع لجامعة أوهايو ستيت، القيام بأي إجراء إضافي يساهم في تحسّن حالته. في ذلك الوقت، كان مركز «ويكسنر» يأمل في تطبيق تجربة لاختبار فعالية «نسق يوتاه» في استعادة حركة أطراف شخص مشلول، بالتعاون مع شركة «باتيل» البحثية التي لا تهوى الربح.
يظهر تخطيط الأمواج الدماغية النشاط الإجمالي لعدد كبير جداً من الأعصاب، بينما يستطيع «نسق يوتاه» تسجيل نبضات عدد صغير منها أو حتّى واحدة منها فقط. في عام 2014، زرع الأطباء قطعة من «نسق يوتاه» في رأس بوخارت، فقاس الحقل الكهربائي 30 ألف مرّة في الثانية في 96 مكاناً داخل القشرة الحركية. لأكثر من سنة، زار بوخارت المختبر أيّام عدّة في الأسبوع، ودرّب باحثو «باتيل» خوارزميات معالجة الإشارات خاصتهم لالتقاط رغبات المريض من أفكاره المتعلّقة بكيفية تحريك يده إن تمكّن من ذلك.
عمل سلك سميك متصل بالنسق في جمجمة بوخارت على إرسال النبضات المقاسة إلى جهاز كومبيوتر. حلّل الكومبيوتر رموز هذه النبضات ثمّ نقل الإشارات إلى كمّ من الأقطاب الكهربائية التي غطّت ذراعه اليمنى بالكامل. حرّك الكمّ عضلات المريض لتأدية الحركات التي أراد القيام لها، كالإمساك، والرفع، وإفراغ زجاجة، أو سحب بطاقته المصرفية من محفظته.
بفضل هذه التجربة، أصبح بوخارت أول شخص يستعيد السيطرة على عضلاته عبر «التفاف عصبي» من هذا النوع. واليوم، تعمل شركة «باتيل»؛ إحدى الفرق المشاركة في مشروع «N3»، مع بوخارت لمعرفة ما إذا كان بإمكانهم الحصول على النتائج نفسها دون تدخّل جراحي في الجمجمة.
ولكنّ هذا الأمر لا يعني تطوير أجهزة جديدة فحسب، بل العمل أيضاً على تحسين تقنيات معالجة الإرسال للاستفادة من الإرسالات الضعيفة وغير الواضحة التي يمكن التقاطها من خارج الجمجمة. وهذا هو السبب الذي دفع إلى تسليم رئاسة فريق «كارنيغي ميلون» في «N3» إلى غروفر، المهندس الكهربائي، وليس إلى عالم أعصاب.
من جهته، صرّح غروفر بأنّه «متحمّس جداً للأمر، وأكثر من أي أحد آخر في المختبر».
بعد فترة قصيرة من وصول غروفر إلى «كارنيغي ميلون»، دعاه زميل له من كليّة الطبّ في جامعة بيتسبرغ لحضور لقاءات عيادية خاصّة بمرضى الصرع. عندها، بدأ يقتنع بأنّ تخطيط الأمواج الدماغية يمكن أن يزوّده بكمّ معلومات أكبر بكثير مما كان يتوقّع الآخرون، وأنّه على عكس الفكرة السائدة، يمكن للتلاعب الذكي بالإشارات الخارجية أن تكون له تأثيرات عميقة في الدماغ. بعد سنوات قليلة، نشر فريق يقوده إدوارد بويدن من «مركز الهندسة العصبية الحيوية» التابع لمعهد ماساتشوستس، ورقة بحثية مهمة ذهبت أبعد بكثير من حدس غروفر.
تحفيز الاعصاب
طبّقت مجموعة بويدن إشارتين كهربائيتين مختلفتين وعاليتي التردّد خارج الجمجمة. لم تؤثّر هذه الأخيرة على الأعصاب القريبة من سطح الدماغ بل على الأخرى الموجودة في عمقه. في ظاهرة تُعرف بالتدخّل البنّاء، عمل الباحثون على جمع إشارة منخفضة التردّد حفّزت الأعصاب على زيادة نشاطها.
يعمل غروفر وفريقه اليوم على توسيع نتائج مجموعة بويدن من خلال استخدام مئات الأقطاب الكهربائية المتصلة بسطح الجمجمة، لاستهداف المناطق الصغيرة داخل الدماغ بدقّة ولـ«إشعال» الإشارة حتّى تتمكّن من الانتقال من منطقة إلى أخرى في الدماغ بينما تبقى الأقطاب في مكانها. وأشار غروفر إلى أنّ هذه الفكرة لم تُنفّذ من قبل علماء الأعصاب من قبل.
في الوقت الحالي، يعمل فريق آخر من مشروع «N3»، من مختبر الفيزياء التطبيقية التابع لجامعة جونز هوبكنز، على استخدام منطلقات مختلفة كلياً عمادها «الأشعة دون الحمراء القريبة».
من المعروف أنّ الأنسجة تتضخّم وتتقلّص عندما يشتعل نشاط الإشارات الكهربائية في الأعصاب. هذه الإشارات هي ما يسجّله العلماء من خلال تخطيط الأمواج الدماغية، و«نسق يوتاه»، وغيرهما من التقنيات.
من جهته، يرى ديف بلودجيت من مختبر الفيزياء التطبيقية أنّ التضخّم والتقلّص الذي يصيب الأنسجة إشارة جيّدة على النشاط العصبي، وعبّر عن رغبته في تطوير نظام بصري قادر على قياس هذه التغييرات.
لم تعمل التقنيات القديمة على التقاط هذه الحركات الصغيرة، ولكنّ بلودجيت وفريقه أثبتوا أنّهم قادرون على رؤية النشاط العصبي في دماغ الفأر عندما يهزّ شاربه. يستخدم بلودجيت تقنية بصرية لتسجيل الأعصاب التي يشتعل نشاطها بعد 10 ملّي/ ثانية على هزّ القارض شاربه. (هناك ألف ملّي/ ثانية في الثانية، وألف ميكرو/ ثانية في ملّي/ الثانية).
في نسيج عصبي مكشوف، سجّل فريق بلودجيت النشاط العصبي في 10 ملّي/ ثانية، بالسرعة نفسها التي يعمل بها «نسق يوتاه» وغيره من الوسائل الكهربائية.
أمّا التحدّي المقبل فسيكون النجاح في القيام بكلّ هذه المهام عبر الجمجمة.



مهارات قيادية… لا يمكن للذكاء الاصطناعي أن يحل محلها

مهارات قيادية… لا يمكن للذكاء الاصطناعي أن يحل محلها
TT

مهارات قيادية… لا يمكن للذكاء الاصطناعي أن يحل محلها

مهارات قيادية… لا يمكن للذكاء الاصطناعي أن يحل محلها

يجلس الرئيس التنفيذي في غرفة اجتماعات، محدقاً في عروض استراتيجية أُعدّت بين عشية وضحاها بواسطة الذكاء الاصطناعي: إنها تقدم التحليل الدقيق، والتوصيات الواثقة، والأرقام المتناسقة... ومع ذلك، ثمة شعورٌ بعدم الارتياح؛ إذ يبدو الأمر مثالياً أكثر من اللازم، كما كتب جيف بيرنغهام (*).

الذكاء الاصطناعي أضحى أقوى أدوات الإدارة

أصبحت هذه اللحظة شائعة بشكل متزايد بين القادة. فالذكاء الاصطناعي اليوم يُعدّ من أقوى أدوات الإدارة على الإطلاق. بإمكانه تحليل الأسواق في ثوانٍ، واكتشاف أنماطٍ يعجز أي فريق بشري عن رصدها، ووضع خططٍ عند الطلب.

وبالنسبة للكثير من المديرين التنفيذيين، بات الذكاء الاصطناعي ضرورياً لا غنى عنه. ولكن مع تزايد انتشاره بوتيرة غير مسبوقة، يبرز سؤالٌ خفيّ داخل المؤسسات: كيف نضمن تركيز الذكاء الاصطناعي على ازدهار الإنسان؟

«الذكاء يتوسع»... والحكمة لا تتوسع

يتفوق الذكاء الاصطناعي في الذكاء. فهو يكتشف الأنماط، ويتنبأ بالنتائج، ويُحسّن الكفاءة. أما ما يفتقر إليه الذكاء الاصطناعي، فهو الحكمة السياقية: القدرة على فهم أهمية القرار (في سياق الأمور)، وكيف سيؤثر عاطفياً وثقافياً، وما الذي يعززه بمرور الوقت.

لم تكن القيادة يوماً تعني امتلاك أكبر قدر من المعلومات، بل لطالما كانت تعني تحديد الأولويات عند تضارب المعلومات.

في بيئة غنية بالذكاء الاصطناعي، حيث يُتداول الذكاء بصفته منتجاً، يواجه القادة إغراءً خفياً لتفويض الحكم إلى جهات خارجية. فعندما تبدو لوحات المعلومات دقيقة والتوصيات موضوعية، قد يجري الخلط بسهولة بين التحسين وبين الحكمة.

لكن الذكاء الاصطناعي لا يستطيع الإجابة عن الأسئلة التي تزداد مسؤولية القادة عنها:

- كيف يؤثر هذا على الأشخاص الأعزاء الذين أعتني بهم؟

- ما القيم التي تحرك هذا القرار؟

- هل يعكس هذا القرار نوع العالم الذي نسعى لبنائه معاً؟

هذه ليست أسئلة حسابية، بل هي أسئلة إنسانية.

الخطر الحقيقي: القيادة المتخلية

يركز جزء كبير من النقاش العام حول مخاطر الذكاء الاصطناعي على التحيز أو سوء الاستخدام. وهذه المخاوف حقيقية. لكن داخل المؤسسات، يبرز خطرٌ خفيّ: إسناد التفكير الذي يؤثر على البشر إلى «الآلة».

عندما يُفرط القادة في الاعتماد على توصيات الذكاء الاصطناعي، فإنهم يفقدون تدريجياً ثقتهم في حكمهم. ويتحول دور القيادة من فهم الأمور إلى مراقبة النظام. ثم تتوقف فِرق العمل عن النقاش، ويتوقف القادة عن تفسير الواقع ويبدأون في التحقق من صحة النتائج.

النتيجة ليست قيادة أفضل، بل قيادة أضعف... إذ ومع مرور الوقت، يظهر هذا في صورة انحراف ثقافي، ونقاط ضعف أخلاقية، وانفصال الموظفين، وفقدان الثقة، خاصةً في أوقات مثل تسريح العمال، أو إعادة الهيكلة، أو التحولات الاستراتيجية الكبرى. عندما يعجز القادة عن شرح أسباب اتخاذ قرار ما بوضوح، يشعر الموظفون بأنهم مُوجَّهون بدلاً من أن يكونوا مُقادين.

القادة الأقوياء

القادة الأقوياء لا يكتفون باتخاذ القرارات، بل يشرحون أهميتها. إنهم يربطون القرارات بمعناها وبالقيم المشتركة. إنهم يساعدون فرق العمل على فهم كيف تتناسب خيارات اليوم مع مسار التحول والتطور البشري الأوسع.

يمكن للذكاء الاصطناعي اقتراح حلول، لكن البشر وحدهم من يستطيعون صياغة المعنى.

لماذا أصبح الوضوح مهارة قيادية أساسية؟

في عالمٍ مُتشبّع بالذكاء الاصطناعي، يُضاعف الوضوح من قوة التأثير... وضوح بشأن الغاية...وضوح بشأن القيم... وضوح بشأن ما لا يجب تحسينه.

أي ببساطة: الوضوح هو تحديد ما ترفض السماح للذكاء الاصطناعي بتحسينه.

سيسعى الذكاء الاصطناعي بكل سرور إلى التحسين من أجل السرعة والكفاءة والتفاعل أو خفض التكاليف. ولن يسأل عما إذا كانت هذه التحسينات تُضعف الثقة أو الإبداع أو المرونة أو التماسك على المدى الطويل. يجب على القادة أن يفعلوا ذلك. لهذا السبب؛ أصبح الوضوح، وليس الكاريزما أو الخبرة التقنية، إحدى أهم القدرات القيادية في العقد المقبل.

رؤية واستبصار

يُتيح الوضوح للقادة:

- وضع حدود لكيفية ومكان استخدام الذكاء الاصطناعي.

- وضع إطار لرؤى الذكاء الاصطناعي ضمن السياق الإنساني.

- تحديد متى يجب أن تُضحّي الكفاءة المطلوبة بالأخلاق.

- حماية الإبداع حيث يُمكن للتحسين أن يُطغى عليه.

ومن دون الوضوح، يُخاطر القادة بأن يصبحوا مُتفاعلين مع الذكاء الاصطناعي بدلاً من أن يكونوا مسؤولين عن النتائج الإنسانية.

كيف يستخدم القادة الفعالون الذكاء الاصطناعي دون الاعتماد عليه؟

الهدف ليس مقاومة الذكاء الاصطناعي، بل توظيفه بالشكل الأمثل في ممارسات القيادة.

وهناك ثلاثة مبادئ تساعد القادة على تحقيق ذلك:

- التعامل مع الذكاء الاصطناعي بصفته مستشاراً، لا سلطة مطلقة.

- استخدام الذكاء الاصطناعي لاستكشاف الخيارات، واختبار الافتراضات، ودراسة السيناريوهات، مع التأكيد على أن القرار النهائي يبقى بيد الإنسان. عملياً، يعني هذا أن يتخذ القادة قراراتهم بكلماتهم الخاصة، لا بالاعتماد على خوارزمية.

- التأني في اللحظات الحاسمة.

عندما تؤثر القرارات على الأفراد، أو الثقافة، أو الهوية (التوظيف، التسريح، تغيير الاستراتيجية، القيم)، توقف. لا تسأل فقط «ماذا تشير إليه البيانات؟»، بل «ماذا يعكس هذا القرار عن هويتنا؟».

الاستثمار في الحكمة... لا مجرد الإلمام بالذكاء الاصطناعي

مهارات الذكاء الاصطناعي مهمة، لكن مهارات الحكمة أهم. فالمنظمات الناجحة يقودها أشخاص مدربون على التفكير الأخلاقي، والمنهجي، والتعبير عن القيم تحت الضغط، لا مجرد تشغيل الأدوات بكفاءة.

المعنى هو ميزة القيادة التي لا يستطيع الذكاء الاصطناعي منافستها.

وفي لحظات عدم اليقين، لا يتطلع الناس إلى القادة للحصول على تنبؤات مثالية، بل يبحثون عن التوجيه.

إنهم يريدون معرفة: ما هو المهم الآن؟ على ماذا يجب أن أركز؟ كيف يرتبط عملي بشيء ذي معنى؟

لا يستطيع الذكاء الاصطناعي توفير هذا التوجيه، بينما تستطيع القيادة ذلك. مع تسارع وتيرة الذكاء الاصطناعي، يصبح المعنى أكثر ندرة وقيمة. القادة الذين يوفرون الوضوح وسط التعقيد، والغاية وسط التسارع لا يبنون ثقافات أفضل فحسب، بل يقودون ابتكاراً أقوى، ومرونة تنظيمية أكبر، وخلق قيمة طويلة الأجل.

كل تحول تكنولوجي يعيد تشكيل القيادة

كل تحول تكنولوجي يُعيد تشكيل القيادة، وهذا التحول الجديد ليس استثناءً.

لكن الحقيقة الأساسية تبقى ثابتة: القيادة لا تتعلق بمعرفة المزيد، بل برؤية أوضح وممارسة الحكمة تحت الضغط.

سيستمر الذكاء الاصطناعي في التطور، وستتوسع قدراته، وستتحسن أدواته. ما يجب أن يتعمق بالتوازي مع ذلك هو قدرة القيادة البشرية على الوضوح، والحكمة، وصنع المعنى؛ لأنّ القادة الأكثر تأثيراً في عالم الذكاء الاصطناعي لن يكونوا أولئك الذين يعتمدون على أذكى الآلات، بل سيكونون أولئك الذين يتذكرون بحكمةٍ معنى الإنسانية أثناء استخدامهم لها.

* مجلة «فاست كومباني»


مخاطر المسؤولية والقرار الطبي في أنظمة الذكاء الاصطناعي الطبية

حين يتكلم النظام ويصمت الطبيب
حين يتكلم النظام ويصمت الطبيب
TT

مخاطر المسؤولية والقرار الطبي في أنظمة الذكاء الاصطناعي الطبية

حين يتكلم النظام ويصمت الطبيب
حين يتكلم النظام ويصمت الطبيب

في غرفة الطوارئ الحديثة، قد يسبق الذكاء الاصطناعي الطبيب أحياناً إلى قراءة الأشعة أو تقدير خطر التدهور السريري خلال ثوانٍ. ومع ذلك، يبقى السؤال الأول الذي يحمله المريض - بصمت - أبسط بكثير من كل الحسابات الخوارزمية: هل رآني أحد فعلاً؟

هذه المفارقة تختصر التحول الذي يعيشه الطب اليوم. فالأنظمة الذكية قد تبلغ دقة تنبؤية غير مسبوقة، لكنها لا تدرك السياق الإنساني الذي يمنح القرار الطبي معناه الأخلاقي... قد يكون القرار صحيحاً إحصائياً، لكنه يبدو بارداً إنسانياً، لأن الطريق الذي أوصل إليه لم يُصمَّم أصلاً لاحتواء هشاشة الإنسان لحظة المرض.

ولهذا لم يعد السؤال المطروح في الطب المعاصر هو مدى ذكاء الخوارزمية، بل كيف صُمِّم النظام الذي يسمح لها بالمشاركة في القرار السريري.

هندسة القرار

وهم «الضمير الاصطناعي»

يتكرر في النقاش العام سؤال جذاب إعلامياً: هل يمكن للذكاء الاصطناعي أن يمتلك ضميراً؟ لكن السؤال - رغم انتشاره - يقود النقاش في الاتجاه الخطأ. فالآلة لا تحمل نية، ولا تشعر بالندم، ولا تختبر التردد الأخلاقي الذي يسبق القرار الطبي الصعب... إنها نظام رياضي يحسّن احتمالات ويتعلم أنماطاً ضمن أهداف يحددها البشر مسبقاً.

الضمير ليس خاصية برمجية يمكن إضافتها عبر تحديثٍ تقني، بل تجربة إنسانية مرتبطة بالمسؤولية وتحمل العواقب. ومنذ أبقراط وابن سينا، لم يكن الطب مجرد حساب احتمالات، بل علاقة أخلاقية يتحمل فيها الطبيب تبعات قراره أمام إنسان حي، لا أمام نموذج بيانات.

حين يصبح الخطأ غير مرئي

المشكلة الحقيقية في الذكاء الاصطناعي الطبي لا تظهر عندما يخطئ النظام، بل عندما لا نعرف أنه بدأ يخطئ.

وفي دراسة حديثة نُشرت مطلع عام 2026 في مجلة الطبيعة للطب الرقمي (Nature Medicine)، قادها الباحث الدكتور مارشال تشينغ (Marshall Chin) من كلية الطب في جامعة شيكاغو بالولايات المتحدة، حذّر الباحثون من ظاهرة تُعرف بـ«انجراف النماذج السريرية» (Model Drift)، حيث تتراجع دقة أنظمة الذكاء الاصطناعي تدريجياً مع تغيّر خصائص المرضى أو البيئات الصحية دون أن يلاحظ الأطباء ذلك فوراً.

وأظهرت الدراسة أن الأنظمة قد تستمر في إعطاء توصيات تبدو موثوقة، رغم أن الواقع السريري الذي دُرّبت عليه لم يعد موجوداً بالكامل. وهنا يتحول الخطأ من حادثة واضحة إلى انحراف صامت داخل منظومة القرار.

الخطر إذن ليس في فشل الخوارزمية، بل في نجاحها الظاهري أثناء فقدانها الدقة الفعلية.

القيم الخفية داخل الأنظمة الذكية

وفي تحليل نُشر عام 2026 في مجلة الذكاء الاصطناعي لمجلة (نيو إنغلاند) الطبية (NEJM AI)، ناقش باحثون بقيادة الدكتورة سوتشي سريا (Suchi Saria) من جامعة جونز هوبكنز كيف تحمل أدوات الذكاء الاصطناعي السريرية ما أسموه «القيم الضمنية المدمجة» فالخوارزمية لا تتنبأ فقط، بل تعكس أولويات جرى اختيارها مسبقاً أثناء التصميم:

- هل الهدف تقليل مدة بقاء المريض في المستشفى؟

- أم خفض التكلفة التشغيلية؟

- أم تقليل المخاطر القانونية على المؤسسة؟

هذه القرارات لا تظهر للطبيب أو المريض، لكنها تحدد اتجاه القرار الطبي بصمت. وعندما تُزرع القيم داخل النظام دون شفافية، تتحول التقنية إلى سياسة علاجية غير معلنة.

من تحسين الأداء إلى هندسة الحدود

لهذا السبب، لم يعد السؤال العلمي اليوم كيف نجعل الذكاء الاصطناعي أكثر دقة فحسب، بل كيف نجعله أكثر أماناً حين يفشل. ويدعو الاتجاه البحثي الأحدث في 2026 إلى تصميم أنظمة قادرة على الاعتراف بحدودها، بحيث يستطيع النظام أن يقول: لا أعلم عندما يرتفع مستوى عدم اليقين.

ويشمل ذلك:

- مراقبة الأداء بمرور الزمن لا عند الإطلاق فقط.

- جعل التوصيات قابلة للتفسير السريري.

- وإبقاء القرار النهائي ضمن مسؤولية بشرية واضحة.

فالذكاء الاصطناعي قد يتفوق في سرعة الحساب، لكنه لا يقف أمام المريض لتحمل نتائج القرار.

الطب داخل المعادلة

الإنسان في مركز المعادلة

دخل الذكاء الاصطناعي الطب بالفعل، ولم يعد النقاش يدور حول ما إذا كان ينبغي استخدامه، بل حول الشروط التي يجب أن يُستخدم ضمنها. فإذا صُمِّمت الأنظمة الصحية حول الكفاءة وحدها، فإنها تميل تدريجياً إلى اختصار الإنسان في رقم. وإذا بُنيت حول خفض التكلفة فقط، فقد يُعاد تعريف المريض كأنه مؤشر اقتصادي داخل منظومة تشغيلية واسعة. أما عندما يُصمَّم الذكاء الاصطناعي لحماية الحكم السريري البشري، فإنه يتحول إلى أداة تعزز الطبيب بدل أن تستبدل دوره الأخلاقي.

التحول الحقيقي إذن لا يحدث داخل الخوارزمية، بل في الفلسفة التي تحكم تصميمها. فالطب لم يكن يوماً سباقاً نحو القرار الأسرع، بل نحو القرار الأكثر مسؤولية.

* الطب لم يكن يوماً سباقاً نحو القرار الأسرع بل نحو القرار الأكثر مسؤولية*

التصميم الأخلاقي... الطب في عصر الخوارزميات

تشير الاتجاهات البحثية الحديثة في حوكمة الذكاء الاصطناعي الطبي خلال عام 2026 إلى مفهوم يُعرف بـ«التصميم الأخلاقي المسبق» (Ethics-by-Design)، وهو توجه تعمل عليه فرق بحثية في معهد الإنترنت بجامعة أكسفورد بقيادة الباحث البروفسور لوتشيانو فلوريدي (Luciano Floridi)، حيث تُدمج مبادئ المساءلة والشفافية وحدود القرار منذ مرحلة بناء النظام، لا بعد وقوع الخطأ. والفكرة بسيطة لكنها عميقة: الأخلاق لا تُضاف بعد التشغيل، بل تُبنى داخل (architecture) هندسة القرار نفسه.

وعندما يصبح النظام قادراً على كشف عدم اليقين، وتنبيه الطبيب إلى حدوده، وإبقاء الإنسان داخل دائرة المسؤولية، فإن الذكاء الاصطناعي لا يقلل إنسانية الطب - بل يحميها.

السؤال الذي سيحدد مستقبل الطب

لم يعد الذكاء الاصطناعي احتمالاً مستقبلياً في الممارسة الطبية، بل أصبح جزءاً من البنية اليومية لاتخاذ القرار السريري. والسؤال الحقيقي لم يعد ما إذا كانت الآلة قادرة على التفكير، بل ما إذا كنا قد صممنا الأنظمة التي تستخدمها بطريقة تحمي المعنى الإنساني للطب.

فالذكاء الاصطناعي لا يحتاج إلى ضمير، لأنه لا يعيش عواقب قراراته، ولا يقف أمام المريض حين تسوء النتائج. ما يحتاج إليه حقاً هو تصميمٌ يضع حدوداً واضحة بين التوصية والمسؤولية، وبين الحساب والحكم السريري.

تشير تجارب الأنظمة الطبية الذكية التي يجري تطويرها عالمياً في عام 2026 إلى أن مستقبل الطب لن يتحدد بمدى تطور الخوارزميات، بل بقدرتنا على إبقاء الإنسان داخل دائرة القرار، لا على هامشها.

ولهذا قد لا يكون السؤال الأهم في السنوات المقبلة: كم أصبح النظام ذكياً؟بل السؤال أبسط من ذلك... وأكثر جوهرية: هل أصبح الطب أكثر إنسانية بحكم التصميم؟


التحرير الجيني يمنح أملاً في علاج نهائي لارتفاع الكوليسترول

التحرير الجيني يمنح أملاً في علاج نهائي لارتفاع الكوليسترول
TT

التحرير الجيني يمنح أملاً في علاج نهائي لارتفاع الكوليسترول

التحرير الجيني يمنح أملاً في علاج نهائي لارتفاع الكوليسترول

في تطور علمي واعد يستكشف العلماء طريقة جديدة وجريئة لمحاربة أمراض القلب، تعتمد على تقنية تحرير الجينات التي قد تقدم يوماً ما حلاً دائماً لمشكلة ارتفاع الكوليسترول. لكن الباحثين يشددون على أن هذا النهج لا يزال في مراحله المبكرة، ويفصله سنوات عن الاستخدام الواسع، وأن على المرضى الاستمرار في تناول أدويتهم الموصوفة حالياً.

«كريسبر» لتعديل خلايا الكبد

تعتمد التجارب على تقنية «كريسبر» (CRISPR) الشهيرة التي تعدل الحمض النووي «دي إن إيه» في خلايا الكبد لخفض مستويات كوليسترول البروتين الدهني منخفض الكثافة الضار(LDL). ويعتبر هذا النوع من الكوليسترول المسؤول عن تراكم اللويحات في الشرايين، ما يؤدي إلى النوبات القلبية، والسكتات الدماغية.

وأصدرت شركتان هما «كريسبر ثيرابيوتكس» CRISPR Therapeutics و«فيرف ثيرابيوتكس» Verve Therapeutics دراستين صغيرتين تشيران إلى أن هذا النهج يمكن أن يقلل مستويات الكوليسترول بشكل كبير بجرعة واحدة فقط.

كيف تؤثر الجينات على الكوليسترول؟

يحتاج الجسم إلى كمية معينة من الكوليسترول، لكن الكمية الزائدة منه ضارة. ورغم أن النظام الغذائي يلعب دوراً، فإن الكبد هو المصدر الأساسي لإنتاج الكوليسترول. وتلعب الجينات دوراً حاسماً في تحديد مدى كفاءة الجسم في التعامل معه.

طفرات جينية نادرة لـ«المحظوظين»

ووجد الباحثون أن بعض الأشخاص المحظوظين يحملون طفرات جينية نادرة تعطل جينات معينة، ما يمنحهم مستويات منخفضة للغاية من الكوليسترول، ومناعة شبه كاملة ضد أمراض القلب. فعلى سبيل المثال، الأشخاص الذين لديهم طفرات تعطل جين ANGPTL3، أو جين PCSK9 لديهم مستويات منخفضة جداً من الكوليسترول الضار، والدهون الثلاثية. وقد ألهمت هذه التجارب الطبيعية العلماء محاولة تكرار هذا التأثير الوقائي باستخدام تقنية «كريسبر».

التجارب الأولية: نتائج واعدة

في دراسة «كريسبر ثيرابيوتكس» تلقى 15 بالغاً يعانون من مخاطر شديدة لارتفاع الكوليسترول حقنة واحدة تحتوي على أدوات التحرير الجيني التي تستهدف الكبد لتعطيل جين ANGPTL3. وفي غضون أسبوعين شهد المشاركون الذين تلقوا أعلى جرعة انخفاضاً في مستويات الكوليسترول الضار، والدهون الثلاثية إلى النصف.

وبالمثل أعلنت شركة «فيرف ثيرابيوتكس» أن التحرير الذي استهدف جين PCSK9 أنتج تخفيضات مماثلة في الكوليسترول الضار.

تحذير الخبراء

وكانت النتائج واعدة، لكن الخبراء يحذرون من أن تحرير الجينات لا يزال في مراحله المبكرة جداً. وقال الدكتور لوك لافين طبيب القلب الوقائي في كليفلاند كلينك في الولايات المتحدة إنه بعد مشاركته في تأليف دراسة واعدة نُشرت في مجلة نيوإنغلاند الطبية «the New England Journal of Medicine». في 5 فبراير (شباط) 2026 يريد الناس حلاً جذرياً لا مجرد حل مؤقت. وأضاف أنه بعد نشر الدراسة تلقى سيلاً من الاستفسارات من مرضى يأملون في المشاركة في التجارب المستقبلية، مما يعكس الرغبة الشديدة في التخلص من عبء تناول الأدوية اليومية.

جوانب السلامة وتغييرات غير مرغوب فيها في الجينوم

في حين أن الأفراد الذين لديهم هذه الجينات معطلة بشكل طبيعي لا تظهر عليهم آثار ضارة، يؤكد الخبراء على ضرورة إجراء المزيد من الأبحاث للإجابة عن أسئلة السلامة الحرجة.

وأشار الدكتور جوزيف وو من جامعة ستانفورد، الذي لم يشارك في الدراسة، إلى أن الجسيمات المستخدمة لنقل أدوات «كريسبر» يمكن أن تهيج الكبد. كما أن التأثيرات طويلة المدى لا تزال غير معروفة، ولا يوجد تأكيد كافٍ على أن التحرير الجيني يصيب الهدف المقصود بدقة دون التسبب في تغييرات غير مرغوب فيها في أماكن أخرى من الجينوم.

من جانبه قال الدكتور كيران موسونورو من جامعة بنسلفانيا المؤسس المشارك لشركة «فيرف» إن بعض المشاركين في دراسة سابقة للشركة تمت متابعتهم لمدة عامين مع استمرار انخفاض الكوليسترول لديهم. وفي الفئران أثبتت الدراسات أن هذه التعديلات استمرت مدى الحياة. ومع ذلك فإن هذه البيانات الأولية لا تغني عن الحاجة إلى دراسات أكبر تمتد لسنوات عديدة على البشر.

خطوات لصحة القلب

في الوقت الحالي تؤكد جمعية القلب الأميركية على أهمية الالتزام بالاستراتيجيات المثبتة لصحة القلب والوقاية من الأمراض:

*النظام الغذائي: تناول طعام صحي غني بالفواكه، والخضراوات، والحبوب الكاملة، والدهون الصحية.

*النشاط البدني: ممارسة الرياضة بانتظام، لتعزيز الكوليسترول الجيد (HDL).

*الوزن والنوم: الحفاظ على وزن صحي، والحصول على قسط كافٍ من النوم.

*الفحوصات: التحكم في ضغط الدم، وسكر الدم، وتجنب التدخين.

وبخصوص الكوليسترول تحديداً يجب على البالغين الأصحاء استهداف مستوى كوليسترول ضار (LDL) أقل من 100 ملغم/ديسيلتر. أما الذين يعانون من أمراض القلب، أو ارتفاع الكوليسترول فيجب أن يستهدفوا مستوى 70 ملغم/ديسيلتر أو أقل.

تناول الأدوية

وتظل أدوية الستاتين مثل «ليبيتور» Lipitor و«كريستور» Crestor، أو بدائلها العامة الرخيصة، الخيار الأول الفعّال والآمن لخفض الكوليسترول. كما تتوفر أدوية إضافية للحالات التي لا تستجيب بشكل كافٍ للستاتين، أو لمن لا يستطيعون تحملها.

وتستهدف دراسات التحرير الجيني في الوقت الراهن المرضى الأكثر عرضة للخطر، والذين فشلت معهم العلاجات التقليدية.

وإلى أن تثبت الأبحاث الجديدة فعاليتها وسلامتها على المدى الطويل، يحث الأطباء المرضى على عدم التخلي عن العلاجات الحالية المتوفرة. يخلص الدكتور لافين إلى القول: «هذا علم مثير، لكن في الوقت الحالي تناول دواءك».