الحديث عن تنظيم شركات التواصل يتصاعد مع مخاوف تأثيرها على الانتخابات

مشروع قانون حكومي بريطاني لم يشمل مخاطر التمويل الأجنبي للحملات

الحديث عن تنظيم شركات التواصل يتصاعد مع مخاوف تأثيرها على الانتخابات
TT

الحديث عن تنظيم شركات التواصل يتصاعد مع مخاوف تأثيرها على الانتخابات

الحديث عن تنظيم شركات التواصل يتصاعد مع مخاوف تأثيرها على الانتخابات

بريطانيا على انتخابات عامة وشيكة في 12 ديسمبر المقبل
كما تدخل الولايات المتحدة دورة الانتخابات الرئاسية في العام المقبل. ومع اقتراب هذه الانتخابات تزداد المخاوف من تدخل شركات التواصل الاجتماعي العملاقة، مثل غوغل وفيسبوك في التأثير على خيارات الناخبين سواء بطريقة مباشرة أو عن طريق أطراف تدفع مبالغ هائلة في إعلانات على صفحات موجهة للمتابعين أو على صفحات المتابعين أنفسهم.
ولا يتعلق الأمر بتكهنات حول احتمال تدخل شركات التواصل الاجتماعي وإنما تستند المخاوف إلى وقائع فعلية في الانتخابات الرئاسية الأميركية السابقة، وأيضا حملات خروج أو بقاء بريطانيا في الاتحاد الأوروبي.
المعادلة السابقة في بريطانيا كانت بسيطة. فكل حزب سياسي رئيسي تخصص له مدة تلفزيونية معينة قبيل الانتخابات يشرح فيها جوانب من برنامجه أو يوضح نقائص الأحزاب الأخرى. ثم يختار الناخب الحزب الذي يوافق توجهاته. وفي الغالب كان مشاهدو التلفزيون يتجنبون مشاهدة هذه الفترات الإعلانية التي تصيبهم بالملل، بتحويل المحطة إلى برامج أخرى.
الآن لا تعرف الأحزاب أو الحكومات كمية الإعلانات السياسية التي سوف تبث قبل وأثناء الانتخابات. والأهم من ذلك أنها لا تعرف من الذي يقف وراءها ويدفع تكلفتها. وسبب الغموض أن الإعلانات لا تنشر بوجه عام، مثل التلفزيون أو الراديو أو الصحف، وإنما تتوجه فقط للشريحة المعنية ولا يراها غير هذه الشريحة. ولذلك لا يستطيع الإعلام أو الجهات الرقابية معرفة إبعاد هذه الإعلانات أو إلى ماذا تهدف.
وفي الماضي كان التواصل الاجتماعي يقتصر على الشباب، ولكنه يصل الآن إلى جميع شرائح المجتمع بمن فيهم من كبار السن. وتطور الأمر في السنوات الأخيرة من إعلانات دعائية سافرة مثل «هيا نعطي الخدمات الصحية في بريطانيا مبلغ 350 مليون إسترليني ندفعها إلى الاتحاد الأوروبي كل أسبوع - صوت للخروج من أوروبا ولنستعيد السيطرة»، وهو إعلان فج ولكنه أتى بمفعوله ونتج عنه تصويت أغلبية صدقته لخروج بريطانيا من أوروبا.
واتضح من المعلومات أن حملات بقاء بريطانيا في الاتحاد الأوروبي أنفقت أموالا أكثر من حملات «بريكست» للخروج من أوروبا. وأن الممول هو كاتب تلفزيوني أخرج حلقات ناجحة. ولكن الاعتقاد السائد هو أنه مجرد واجهة لجهات أخرى هي التي قامت بالتمويل.
ويقول النائب البرلماني البريطاني داميان كولينز عضو لجنة مكافحة الأخبار الكاذبة أن الروس تدخلوا في انتخابات دول أخرى عن طريق منظمات تبدو في ظاهرها وكأنها جهات دعاية محلية. وفي أميركا أنشأ الروس صفحات أميركية محلية ولكن إدارتها كانت من سان بطرسبرغ في روسيا. وطالب كولينز بتعديل القوانين من أجل منع مثل هذه الممارسات ومراقبة شركات التواصل خصوصا أن المبالغ التي تنفق في هذا المجال هائلة.
من ناحية أخرى طالب نائب برلماني بريطاني آخر اسمه إيان لوكاس بتنظيم عمل شركات التواصل وفرض رقابة عليها خصوصا فيما يتعلق بالانتخابات أو الآراء السياسية، وذلك لأن تأثيرها أصبح واضحا في توجيه الرأي العام. وأضاف أن أعنف المعارك الانتخابية الآن تدار من على منصات شركات التواصل الاجتماعي.
وأضاف لوكاس أنه يستخدم «فيسبوك» في التواصل لأنه لو لم يفعل ذلك فسوف يفقد المنافسة للآخرين. وكان لوكاس في الماضي يلجأ إلى الطرق التقليدية بالذهاب إلى المنازل وطرق الأبواب لكي يتحدث إلى الناخبين.
وتغير الوضع الآن حيث تجمع شركات التواصل الاجتماعي المعلومات عن متابعيها وترسم لهم صورة متكاملة ثم توجه إليهم الأفكار والرسائل التي تريد بها التأثير عليهم من دون أي رقابة على من يقف خلف هذه الدعاية أو حجم تمويلها. وتقليديا تخضع الانتخابات البريطانية إلى رقابة مشددة من حيث التمويل ومصادره.
وفي شهر أكتوبر (تشرين الأول) من العام الماضي صرح متحدث من «فيسبوك» أن الشركة دشنت عدة أدوات جديدة من أجل زيادة الشفافية خصوصا فيما يتعلق بالأمور السياسة. وتشمل هذه الأدوات ذكر مصدر التمويل والطلب من المعلنين الإفصاح عن هويتهم وعن موقعهم الجغرافي. كما يحتفظ «فيسبوك» بمكتبة إعلانات في الأرشيف لمدة سبع سنوات.
وقال المتحدث إن الشركة اتخذت أفضل موقف في الصناعة حول الشفافية السياسية في بريطانيا، وتذهب إلى أبعد من المتطلبات القانونية. وقال السياسي البريطاني السابق نيك كليغ الذي يعمل الآن في «فيسبوك» إن الشركة سوف تقيم مركز عمليات في دبلن للتركيز على نزاهة الإعلانات السياسية، وذلك في محاضرة له ألقاها في بروكسل. وقال كليغ إن هذا التوجه يقع ضمن جهود الشركة لمكافحة الأخبار الكاذبة ويشارك فيها خبراء من جميع أقسام الشركة.
لكن على الرغم من جهود شركات مثل «فيسبوك» لتعزيز الشفافية والنزاهة في مجال الإعلانات السياسية، فإن لجنة برلمانية بريطانية حذرت من التساهل في عدم تعديل القانون لفرض رقابة على شركات التواصل الاجتماعي من أجل الالتزام بقواعد الحملات الانتخابية.
وترى اللجنة أن القوانين الحالية لم تعد كافية لأنها لا تغطي حملات الانتخاب الرقمية، ولا تحدد المبالغ التي يتعين الالتزام بها في الإعلانات الرقمية أو الجهات التي تنفق الأموال ومواقعها الجغرافية. وانتقد النواب مشروع تعديل قانوني تقدمت به الحكومة البريطانية في شهر أبريل (نيسان) الماضي لم يتضمن هذه الشروط.
ولم يشمل مشروع القانون الحكومي مخاطر التمويل الأجنبي للحملات الانتخابية أو تأثير مجموعات الدعاية سواء مدفوعة أو مجانية على توجهات الناخبين. وأضافت اللجنة البرلمانية «أن الخطوات التطوعية التي قامت بها إدارة (فيسبوك) من أجل تحديد الإعلانات السياسية والجهات الممولة لها، جاءت محدودة للغاية ولا تعالج المخاوف الشعبية».
من النقاط الأخرى التي أثارتها اللجنة البرلمانية ضرورة الحياد في تعيين المراقب العام على جهة الإشراف على شركات التواصل. وطالبت اللجنة بحق الفيتو على أي تعيين حكومي حتى يتم اكتساب ثقة الرأي العام بضمان اللجنة، مثلما هو الحال في لجان أخرى مالية وثقافية.
من ناحية أخرى قام صحافي من «بي بي سي» اسمه رامول راجان ببحث ميداني قبل شهرين للتحري عمن يراقب الإعلانات السياسية على الإنترنت. وكانت ردود الفعل متفاوتة بين ثلاث جهات إشراف. فمن ناحية قالت لجنة الإشراف على الانتخابات أن تركيزها هو على تمويل الحملات الانتخابية، وقالت لجنة أخرى إنها تهتم فقط بسرية المعلومات الشخصية وحماية الأفراد. وأكدت لجنة الإشراف على معايير الإعلانات أنها لا تتعامل مع الإعلانات السياسية.
وهنا تتضح الفجوة التي تنفذ منها حملات الدعاية السياسية الممولة سرا على مواقع الإنترنت. وأكد الصحافي راجان أن السبيل الوحيد لمراقبة مثل هذا التمويل غير المنضبط على مواقع التواصل الاجتماعي هو سن قوانين جديدة. وبعد مراجعة مشروع القانون الذي تقدمت به الحكومة البريطانية مؤخرا، وجد راجان أنه لا يوفر سلطات كافية لضبط التدخل في السياسة من أطراف غامضة عبر الإنترنت.
المطالب الحالية من عدة جهات رقابية تشمل جوانب واضحة: يجب أن توضح أي حملات رقمية سياسية على الإنترنت الجهات التي تقف وراءها وأن يمنع تماما تدخل جهات أجنبية خصوصا من جهة التمويل. وتضيف لجنة الانتخابات أن الغرامات يجب أن تكون أعلى مقارنة بما تحققه شركات التواصل من مكاسب هائلة، وأن تتمتع اللجنة بسلطات أعلى للحصول على المعلومات من شركات التواصل. وحتى الآن لا يغطي القانون البريطاني هذه الفجوات ولكن الوعي المتزايد بها قد يغير الوضع قريبا.

الآراء تختلف حول منع «تويتر» للإعلانات السياسية
> أثار قرار منصة «تويتر» للتواصل الاجتماعي الكثير من ردود الفعل المؤيدة والمعارضة لقرارها منع الإعلانات السياسية، وهو قرار يقول المعلقون إنه قرار اتخذ لأنه لن يكلفها كثيرا. المؤيدون يدعمون القرار على أساس أن ناشري الأخبار الكاذبة يجدون سهولة هذه الأيام في نشر الشائعات والادعاءات التي لا تستند إلى الصحة على منصات التواصل الاجتماعي ويحدث هذا بكم ضخم وبلا رقيب. والضمان الأساسي لعدم تسرب مثل هذه الأكاذيب إلى المجال السياسي هو منع الإعلانات السياسية بالمرة.
وتشير تقارير «تويتر» إلى أن المنصة حققت ثلاثة ملايين دولار فقط من إعلانات الانتخابات الأميركية النصفية في عام 2018 ولم يستخدمها إعلانياً سوى 27 جهة فقط في الانتخابات البرلمانية الأوروبية هذا العام.
المعارضون يأخذون هذه الحسابات كدليل على أن «تويتر» لا يسعى إلى الشفافية السياسية بقدر ما يسعى إلى تسجيل النقاط في مجال لا يحقق له الكثير من الأرباح. ويقول أصحاب هذا الموقف أن القرار الصحيح ليس في المنع أو السماح بنشر الإعلانات السياسية، بل باتخاذ قرار وسطي والتأكد من صحة المعلومات قبل نشرها إعلانيا.
كما يرى هؤلاء أن المسألة أكثر تعقيدا من مجرد المنع وأن الجوانب الأكثر خطورة هي استهداف الأفراد من ذوي الميول المعينة بالإعلانات السياسية، وهو جانب يستوجب المنع.
والاعتقاد السائد هو أن «تويتر» اتخذ هذا القرار بناء على قواعد مالية وليس آيديولوجية أو أخلاقية.

معركة الانتخابات البريطانية المقبلة تجري على مواقع التواصل الاجتماعي
> تقبل بريطانيا على انتخابات برلمانية حاسمة في الـ12 من شهر ديسمبر (كانون الأول) المقبل. وتجري الاستعدادات من الآن على خوض معركة عاتية لانتزاع أصوات الناخبين عبر التواصل معهم على وسائط التواصل الاجتماعي. فالمجالات الإعلامية الأخرى سواء في الصحف أو الراديو أو التلفزيون محدودة بفعل قلة الإقبال وعدم الاهتمام والقيود المفروضة على المحتوى الإعلاني، خصوصا في المجال الإلكتروني.
حزب المحافظين الحاكم استدعى خدمات عدد من خبراء الميديا من أجل إدارة حملة الحزب الإلكترونية خصوصا على «فيسبوك»، وذلك بعد أن تعلم الحزب الدرس من فشل حملته الإلكترونية السابقة في انتخابات عام 2017 التي تفوق فيها حزب العمال. وسبق لجهود هؤلاء الخبراء أنفسهم أن نجحت في أستراليا التي فاز فيها ائتلاف يميني ضد كل التوقعات بفضل حملات الإنترنت.
المؤشرات الأولية في بريطانيا تشير إلى أن الأحزاب اليمينية هي الأكثر إنفاقا حتى الآن على وسائل التواصل الاجتماعي مثل حزب «بريكست» الذي بلغ إنفاقه نحو 107 آلاف إسترليني (139 ألف دولار)، وحزب المحافظين الذي أنفق 100 ألف إسترليني (130 ألف دولار) في الأيام القليلة الماضية. ومن المتوقع أن تتضاعف هذه المبالغ في الأسابيع المقبلة حتى موعد الانتخابات وأن تلحق أحزاب أخرى بحملات الترويج الانتخابي على الإنترنت.
وعلى الرغم أن القوانين البريطانية ما زالت قاصرة في تنظيم عمل وسائل التواصل الاجتماعي، فإن الشركات نفسها تبنت المزيد من الشفافية في الإفصاح عن نشاطها ومدخولها الإعلاني بناء على الضغوط العامة التي واكبت نشر الأخبار الكاذبة عليها، وظهور بعض الفضائح في عدم المحافظة على سرية معلومات مستخدمي الشبكة.
وما زالت المخاوف والشكوك تلاحق ما ينشر على وسائط التواصل الإلكتروني، خصوصا فيما يتعلق بالتدخل الأجنبي كما حدث في الانتخابات الرئاسية الأميركية الأخيرة في عام 2016، وأيضا نشر الأخبار الكاذبة والشائعات.
وفي «فيسبوك»، أكبر شبكة تواصل في العالم، تحسنت وسائل ضبط المعلومات المنشورة عليها ولكن المؤسسة لم تمنع الإعلانات السياسية مثلما فعلت منصة «تويتر»، ولذلك فهي تتعرض لأكبر نسبة من النقد على معلومات مغلوطة تنشر عليها. ولا تقتصر الحملات الانتخابية على «فيسبوك» وحده بل يشمل مواقع أخرى متنوعة مثل إنستغرام وغوغل وتويتر وسنابتشات وواتساب.



آن ـ كلير لوجاندر: «معهد العالم العربي» يجمع المَشاهد الثقافية ويواكب التحوّلات الفنّية

وجه جديد... ورؤية لمعهد أكثر انفتاحاً (أ.ف.ب)
وجه جديد... ورؤية لمعهد أكثر انفتاحاً (أ.ف.ب)
TT

آن ـ كلير لوجاندر: «معهد العالم العربي» يجمع المَشاهد الثقافية ويواكب التحوّلات الفنّية

وجه جديد... ورؤية لمعهد أكثر انفتاحاً (أ.ف.ب)
وجه جديد... ورؤية لمعهد أكثر انفتاحاً (أ.ف.ب)

بحلول عام 2027، يكون قد مرَّ 40 عاماً على تأسيس «معهد العالم العربي»، وهو عمر النضج لهذه المؤسّسة الثقافية الفريدة من نوعها في العالم، والتي تحتلّ موقعاً جغرافياً متميّزاً في العاصمة الفرنسية، حيث تطلّ على كاتدرائية «نوتردام» ونهر السين وباريس التاريخية. ولأنّ المعهد شهد تغييراً في رئاسته عقب استقالة رئيسه السابق جاك لانغ وتسمية آن كلير لوجاندر، السفيرة السابقة ومستشارة الرئيس إيمانويل ماكرون الدبلوماسية لشؤون الشرق الأوسط والعالم العربي، مكانه، كان لا بدَّ من اللقاء بالرئيسة الجديدة الشابة التي تجيد اللغة العربية وتُبدي اهتماماً بالعالم العربي. ولوجاندر هي أول امرأة تُسند إليها هذه المهمّة البالغة الأهمية، نظراً إلى الدور الذي يضطلع به المعهد، ليس فقط على الصعيد الثقافي والفني واجهةً للثقافة والحضارة العربيتَيْن، وإنما أيضاً لما له من امتدادات على الصعيدين الدبلوماسي والاستراتيجي. من هنا، سعت «الشرق الأوسط» إلى التعرّف على رؤية الرئيسة الجديدة لدور المعهد، وكيفية تحديث صورته وتمكينه من تعميق وظيفته مركز إشعاع ثقافياً وحضارياً في «عاصمة النور»، وجسراً للتواصل والتلاقح بين ضفاف البحر الأبيض المتوسّط وما وراءها، وصولاً إلى الخليج وحتى البحر الأحمر.

مساحةٌ تلتقي فيها الثقافات بلا حواجز (أ.ف.ب)

روابط عضوية بين الفاعلين ثقافياً

تقول الرئيسة الجديدة: «الدول المعنية من الجانبين في (معهد العالم العربي) تستحق فتح فصل جديد. ونحن نأمل، بمناسبة الاحتفال بالذكرى الـ40 لتأسيسه، أن نتمكن من تحديد توجُّه جديد للـ40 عاماً المقبلة. والمهم بالنسبة إليّ هو إعادة بناء علاقة أقوى مع الدول المؤسّسة في العالم العربي. وخلال الـ40 عاماً الماضية، تطوَّرت المَشاهد الثقافية في هذه الدول بشكل كبير. ولذا، أودّ أن نتوصل إلى إقامة روابط وثيقة جداً، بل عضوية، مع جميع الفاعلين في المشهد الثقافي لهذه البلدان». واستطردت: «ثمة تطوّر مهم يتمثّل في بروز المشهد الثقافي في المنطقة الخليجية، الذي نما بقوة وبشكل لافت خلال الـ20 عاماً الأخيرة، وأصبح له موقعه ودوره، ونحن نرغب بشدّة في تعزيز روابطنا مع الفاعلين الفنّيين والثقافيين هناك».

قيادة جديدة لمعهد يبحث عن أفق أوسع (أ.ف.ب)

ومن التحوّلات التي تتوقَّف عندها، عودة سوريا إلى الفضاء الثقافي الذي يُعاد بناؤه، مشيرة إلى أنّ سوريا ستكون حاضرة للمرة الأولى منذ 15 عاماً في «بينالي البندقية للفنّ المعاصر» بجناح يضمّ مجموعة من الفنانين السوريين. ولذا، فإنّ المعهد لا يريد أن يكون بعيداً عن هذه العودة، وهو راغب في مساندتها والتفاعل معها.

أهمية تعليم اللغة العربية

ثمة هدف ثانٍ تريد الرئيسة الجديدة التركيز عليه، يتناول اللغة العربية وكيفية الدفع باتجاه تعليمها والترويج لها، في فرنسا وفي أوروبا أيضاً. ففي فرنسا، تُعد اللغة الثانية الأكثر تداولاً، ولها علاقات تاريخية وثيقة بالبلد وباللغة الفرنسية، وكانت لقرون رافداً ثقافياً رئيسياً في أوروبا. وثمة حاجة حقيقية في فرنسا وفي عدد من الدول الأوروبية، حيث الجاليات العربية الراغبة في أن يتعلّم أبناؤها اللغة العربية في معاهد واضحة وشفّافة وحديثة. وبنظرها، فإنّ «المعهد» قادر على المساعدة والإسهام في هذه المهمّة. وما تريده لوجاندر، في مواجهة الصور النمطية السلبية عن اللغة العربية، التي تعكس إما جهلاً بحامليها أو دوافع سياسية، هو أن يتولّى «المعهد» مهمّة الإسهام في انتشارها، خصوصاً أنه يحتضن مركزاً مُعتَرفاً به لتعليمها، وهو مؤهَّل لمنح شهادات مقبولة رسمياً. وطموحها يذهب أبعد من ذلك؛ إذ تريد أن يُعتَرف بإرث هذه اللغة، وأن يجري «تبنّيها» على المستوى الفرنسي. وقالت حرفياً: «لدينا دور نؤدّيه في هذا المجال، يتمثَّل في إظهار أنه ضمن إطار جمهوري، يمكن لهذا التاريخ واللغة والثقافة أن تجد أبهى صور العرض والتقدير، وهو تقدير لا يزال ينقصها اليوم على الساحة الفرنسية».

لوجاندر في الواجهة... والمعهد على طريق التحوُّل (غيتي)

العالم العربي اليوم

لا يستطيع «المعهد» أن يعيش مع محيطه أو يؤثّر فيه أو يتفاعل معه من دون تقديم إنتاج ثقافي. وما تريد لوجاندر الدفع باتجاهه هو بالفعل «تعزيز الإنتاج الثقافي المشترك»، سواء من خلال المعارض أو الأنشطة الثقافية المتنوّعة، بما يعني «تقديم المساعدة للفنانين الشباب العرب على إيجاد فرص، ومساعدتهم على إنتاج أعمال جديدة، وضمان تداخُل المشهدين الثقافيين (هنا وهناك) من خلال تواصل حقيقي». وتأسف لوجاندر لأنه «لا يزال هناك قدر من الجهل في فرنسا وأوروبا بشكل عام تجاه هذه المَشاهد الثقافية العربية الجديدة. وأنا واثقة أننا قادرون على بناء حداثة جديدة معاً، و(المعهد) هو المكان المناسب لذلك». ولأنّ رئيسته لا تريد إثارة الجدل بشأن فكرتها، فإنها تحرص على توضيحها بشكل كافٍ، وتقول: «ما يهمنا هو الرؤية التي يحملها العالم العربي اليوم، والتي يمكن أن تتفاعل مع المشهد الثقافي الأوروبي والفرنسي. وهذا يمرّ، في نظري، عبر بناء روابط أوثق مع المؤسّسات الثقافية في الجانبين، وليس فقط مع الدول على أنها كيانات سياسية، بل أيضاً مع الفاعلين الثقافيين فيها ومؤسّساتها الكبرى، من أجل إنشاء شبكة تعاون في خدمة الثقافة».

الفكرة طَموحة والهدف واضح، لكن ترجمتها إلى واقع تطرح تحدّي التمويل. رئيسة «المعهد»، التي تعمل على إنضاج خطّتها، لديها منذ الآن مجموعة من الأفكار، من بينها استقدام فنانين وعرض أعمالهم، وتأهيل قيّمين على المعارض من المشهد الثقافي العربي، بدلاً من حصر هذه المهمّة بالفرنسيين أو الأوروبيين. وأكثر من ذلك، تشير لوجاندر إلى أنّ «المعهد» بصدد العمل على استحداث مجموعة من الجوائز في قطاعات فنّية متنوّعة، مثل التصميم والأدب والرسم وحتى الموضة، مع توفير إمكانات للإنتاج للفائزين، وإتاحة فضاءات وفرص للعرض، وبناء شراكات مع مؤسّسات فرنسية وغير فرنسية، إضافة إلى توفير إقامات فنيّة للفائزين في فرنسا وأوروبا. والهدف «اكتشاف مواهب ورؤى جديدة ورعايتها، وربطها بالمشهد الثقافي الفرنسي والأوروبي، وفتح آفاق جديدة أمامها».

هنا... تصبح الثقافة لغة مشتركة (أ.ف.ب)

إبراز المنطقة الخليجية

تشمل هذه الرؤية أيضاً دول الخليج، التي لم تحظَ بالقدر الكافي من اهتمام «المعهد»، وهو ما تسعى الرئيسة الجديدة إلى معالجته؛ إذ تؤكد تشجيع التعاون الوثيق مع المنطقة، مشيرة إلى وجود «إمكانات كبيرة للتعاون مع المتاحف الخليجية وإقامة شراكات معها». وتلاحظ أنّ المتاحف التي نشأت في السنوات الأخيرة «رائعة، لكنها تفتقر إلى برمجة واضحة للمعارض أو للأنشطة». كما ترصد معرض الرياض الدولي بوصفه فرصة للتعاون، مشدِّدة على رغبتها في «دخول المعهد إلى الفضاء الخليجي ومشهده الثقافي». وفي هذا السياق، تسعى لوجاندر إلى نفض الغبار عن المتحف وتحديثه.

تحدّي التمويل

كلما كبرت المشاريع، تضاعفت الحاجة إلى تمويلها. ويعيش «المعهد» تاريخياً حالة عجز مالي دأبت وزارة الخارجية الفرنسية على تغطيته. وإنما لوجاندر تؤكد ثقتها باستدامة وضعه المالي، مشيرة إلى نجاحه في تطوير موارده الذاتية من خلال المعارض والأنشطة؛ إذ بات ضمن أبرز 5 متاحف في باريس، ويستقبل ما لا يقلّ على مليون زائر سنوياً. وإلى جانب الدعم المالي السنوي من الدولة الفرنسية، يمتلك «المعهد» صندوقاً بقيمة 51 مليون يورو موظّفاً في أحد البنوك، يوفّر عائدات سنوية، وقد تكوَّن هذا الصندوق من إسهامات الدول العربية.

وتسعى الرئيسة إلى تطوير الموارد المالية لتمويل الأنشطة الجديدة، مع الحرص على أعلى درجات الشفافية في إدارة الميزانية. ومن هنا، تدفع نحو حوكمة جديدة ونظام إداري محدَّث، مع طرح فكرة إنشاء «مجلس أمناء» أسوة بالمؤسسات الأميركية الكبرى، وتعزيز شبكة الداعمين، عبر إشراك شخصيات وهيئات فاعلة في المشهد الثقافي من المجتمع المدني في الجانبين.

صورة «المعهد» بعد 10 سنوات

سؤال أخير لرئيسة المعهد يتناول رؤيتها له بعد 10 سنوات. ويأتي ردها حاملاً كثيراً من الطموحات؛ إذ ترى فيه «محوراً نتمكن من خلاله من ربط مختلف هذه الفضاءات الفنّية والثقافية العربية والفرنسية والأوروبية»، بحيث «يوفّر مساحة تتيح التلاقي والتفاعل». كما تسعى إلى تطوير المتحف الذي يضمه «المعهد» وفق «مفهوم جديد وحديث، يدمج بشكل أفضل الفنون المعاصرة والحديثة (من الجانب العربي)، التي لم نُبرزها بما يكفي حتى الآن. ومن أولوياتنا أن نمنحها حقّها من الاهتمام».

وتضيف لوجاندر: «أرنو إلى أن نستضيف هذا الإبداع المعاصر داخل مؤسّستنا، ثم نعمل على نشره وتشجيعه خارجها أيضاً. ومنطق الجوائز يوفّر دعماً ملموساً للفنانين الشباب». لذلك، ستعمل على «اقتناء أعمال المبدعين العرب الشباب وإنتاجاتهم، فيكون «المعهد» أفضل واجهة لعرض إنتاج هذا الجيل المعاصر».

وأخيراً، ترى في «المعهد» «فضاءً يشعر فيه الفرنسيون بالراحة، فيجدون فيه ما يعكس جانباً من هويتهم، ويجعلهم يتعرَّفون إلى أنفسهم من خلاله».


لماذا يهتم الإعلام العالمي بحروب ويتجاهل أخرى؟

لقطة من حرب أوكرانيا (آ ف ب)
لقطة من حرب أوكرانيا (آ ف ب)
TT

لماذا يهتم الإعلام العالمي بحروب ويتجاهل أخرى؟

لقطة من حرب أوكرانيا (آ ف ب)
لقطة من حرب أوكرانيا (آ ف ب)

في حين تتصدر بعض الحروب والنزاعات اهتمامات وسائل الإعلام الدولية، فإن حروباً أخرى قد تكون أكثر مأساوية، تتوارى ولا تجد طريقها إلى العناوين الرئيسية. وهذا ما أرجعه خبراء لأسباب عدة من بينها هيمنة الغرب على الإعلام، وقلة اهتمامه بالصراعات في الدول الفقيرة، إضافةً إلى مستوى تعقيد نزاعٍ ما وطول أمده.

في تقرير نشره «معهد رويترز لدراسات الصحافة»، أخيراً، ذكر أنه بخلاف نزاعَي أوكرانيا والشرق الأوسط، «من غير المرجح أن تحظى حروب أخرى باهتمام الإعلام الدولي». ولفت التقرير إلى أنه «بدءاً من عام 2025، كان هناك 59 نزاعاً نشطاً بين دول حول العالم، وهو أعلى عدد منذ الحرب العالمية الثانية وفقاً لمعهد الاقتصاد والسلام».

أيضاً تضمّن تقرير «معهد رويترز» مقابلات مع ثلاثة صحافيين من بوركينا فاسو وأوغندا وإثيوبيا سبق لهم تغطية نزاعات وحروب، أعربوا كلهم عن إحباطهم من ضعف التغطية لقصص لها تأثير إنساني عميق.

ثم أشار التقرير إلى أن «الأزمات في الدول الفقيرة، خصوصاً في أفريقيا، تحظى باهتمام أقل من غيرها... وأنه خلال عام 2024 رصد المجلس النرويجي للنازحين تغطية إعلامية ضئيلة لأكثر أزمات النزوح، ثمانٍ منها كانت في أفريقيا، حيث تصدّرت الكاميرون وإثيوبيا وموزمبيق القائمة».

الأهمية الجيوسياسية

وأضاف أن «التغطية الإعلامية للنزاعات تعكس رؤية ضيقة تشكلها الأهمية الجيوسياسية أكثر من الإلحاح الإنساني». ثم لاحظ أن نتائج دراسة لـ«المرصد الأوروبي للصحافة» بيّنت إن «نحو 10 في المائة فقط من وقت البث في نشرات الأخبار العامة في ألمانيا وسويسرا والنمسا يُخصص لدول الجنوب العالمي».

محمد عبد الحميد عبد الرحمن، الصحافي السوداني ورئيس تحرير القسم العربي في إذاعة هولندا العالمية ومدير وكالة السودان للأبناء سابقاً، رأى أن «هناك علاقة معقدة بين الإعلام والسياسة والرأي العام». وأوضح في مقابلة مع «الشرق الأوسط» أن «الإعلام في أثناء الحرب لا يغطي ولا يعكس الواقع كما هو، بل يعكس ما يُعد مهماً أو قابلاً للتسويق أو يخدم سرديات معينة، لذلك تختلف التغطية من حرب إلى أخرى». ثم أردف: «المصالح الجيوسياسية، خصوصاً للدول الكبرى وحلفائها، وتحديداً أميركا ودول غرب أوروبا، هي التي تحدد مدى وكيفية تغطية الحروب ومبرّراتها وفظائعها ومترتباتها الإنسانية الفادحة».

ومن ثم، أضاف عبد الرحمن، الذي عمل خلال مسيرته المهنية مراسلاً حربياً في السودان والشرق الأوسط وأفريقيا وآسيا: «الاهتمام الإعلامي الدولي بالحروب يتناسب طردياً مع مدى تأثيرها على مصالح القوى الدولية والإقليمية واستراتيجياتها إلى حد ما»، لافتاً إلى تراجع الاهتمام بالوضع في السودان مع اندلاع حرب غزة، وتراجع الاهتمام بغزة في ظل استحواذ أوكرانيا على الاهتمام.

بعدها تطرّق الصحافي السوداني إلى «عوامل أخرى تؤثر في تغطية الحروب؛ من بينها البُعد الجغرافي لموقع الحرب عن مواقع مؤسسات الإعلام الدولية الكبرى، حيث غالباً ما تهم النزاعات التي يصعب الوصول إليها». وفي مقارنة بين حرب أوكرانيا والنزاع الممتد منذ عقود في الكونغو الديمقراطية، قال عبد الرحمن إن «وسائل الإعلام تتجنّب الخوض في النزاعات المعقّدة التي تتطلّب معرفة معقولة بخلفياتها، وتميل إلى التركيز على النزاعات التي يمكن تبسيطها إلى نزاع بين قوى شريرة وأخرى خيّرة ومظلومة».

الدمار في غزة (آ ف ب)

ملاحقة الجديد وهجر الحروب الطويلة

وأردف: «الصحافيون وأجهزة الإعلام عادةً ما يميلون إلى ملاحقة الجديد والابتعاد عن الحروب الطويلة، فكل كارثة تسرق الأضواء من سابقاتها، لكن رغم ذلك تلعب التغطية الإعلامية دوراً مهماً جداً، بل وحاسماً في بعض الأحيان، لتشكيل الرأي والضغط على أطراف النزاع والمجتمع الدولي للتخفيف من حدة النزاع أو تصعيده حسب المصالح المعرَّضة للخطر جرّاء استمرار الحرب».

من ناحية أخرى، وفق محمد عبد الحميد عبد الرحمن، «التغطية المتحيزة أو المتأثرة بالمصالح قد تعمل في بعض الأحيان على إطالة أمد الحرب؛ ذلك إلى أن استمرار تغطية نزاعٍ ما لفترة طويلة لا يعني بالضرورة استمرار اهتمام الرأي العام به، بسبب ما يمكن أن نسميه إرهاق التغطية والمتابعة والتعاطف».

وتابع: «لا تؤدي التغطية المكثفة بالضرورة إلى إنهاء النزاعات والميل إلى إنهائها كما نلاحظ بوضوح في الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي... لأن المواقف الدولية تحكمها المصالح والتحالفات ولا تخضع في معظم الأحيان للضغط الإعلامي».

على صعيد متصل، وفق تقرير «معهد رويترز»، فإن «النزاعات بين الدول المستقلة تحظى بتغطية أكبر من النزاعات الداخلية؛ نظراً إلى تأثيرها الأوسع على السياسة العالمية والاستقرار الاقتصادي. أما النزاعات في المناطق الأقل تأثيراً اقتصادياً، فمن المرجح تجاهلها بغضّ النظر عن شدّتها أو آثارها الإنسانية... يلعب القرب الثقافي دوراً في تحديد الخبر المهم، وغالباً ما تحظى النزاعات التي يشعر الجمهور الغربي بأنها أقرب إليه بتغطية كبرى».

هنا أرجع يوشنا إكو، الباحث الإعلامي الأميركي، ورئيس ومؤسس «مركز الإعلام ومبادرات السلام» في نيويورك، غياب بعض الحروب عن العناوين الرئيسية، جزئياً، إلى «هيمنة الغرب على وسائل الإعلام والاتصال». وقال لـ«الشرق الأوسط» خلال حوار معه، إن «تجانس المحتوى الإعلامي يزيد من تفاقم أوجه عدم المساواة أو الاختلال في التوزيع العالمي للمحتوى الإعلامي».

وقارن بين حجم التغطية الإعلامية للحروب الجارية في أوكرانيا وإيران، وحجم التغطية للحروب المستعصية المستمرة منذ عقود في الصومال والسودان وجمهورية الكونغو الديمقراطية، فنبّه إلى أن «توزيع وسائل الإعلام يفترض ضمناً هيمنة السياسة والاتصال ورأس المال».

لجنة ماكبرايد

كذلك تطرّق إكو إلى إنشاء «اللجنة الدولية لدراسة مشكلات الاتصال» عام 1977 برئاسة الآيرلندي شون ماكبرايد (حامل جائزة نوبل للسلام)، ومشاركة ممثلين من 15 دولة أخرى. وقال إن اللجنة أعدَّت فيما بعد تقريراً بعنوان «أصوات متعددة... عالم واحد»، عُرف بـ«تقرير ماكبرايد»، شدد على «وجود اختلال فادح بين الشمال والجنوب، لا تزال أصداؤه تتردد إلى اليوم».

وللعلم، كان إكو قد أجرى عام 1991 دراسة حول تغطية الصحف النيجيرية للأزمات الإقليمية والدولية، كدراسة حالة عن ليبيريا وحرب الخليج. وذكر أن «الدراسة أظهرت أن وسائل الإعلام الغربية آنذاك، لا سيما (سي إن إن) الأميركية و(بي بي سي) البريطانية كانتا تقودان السرديات المتعلقة بالحروب... وهذا الوضع لم يتغير، إذ ما زال الإعلام الغربي يهيمن على سرديات الحروب حتى الآن».

أما بالنسبة إلى «حرب غزة»، فقد أورد تقرير «معهد رويترز» أنه «رغم التغطية الكبيرة للحرب في غزة، فإن بعض الضحايا يحظون باهتمام إعلامي أكبر من غيرهم. حيث كانت التغطية الإعلامية لكل قتيل إسرائيلي أعلى بـ33 مرة من نظيرتها للقتيل الفلسطيني في محتوى (بي بي سي) خلال سنة».

وهنا علّق خالد القضاة، عضو مجلس نقابة الصحافيين الأردنيين، في لقاء مع «الشرق الأوسط» فقال إن «الواقع يؤكد أن موضوع الحياد الإعلامي غير موجود، فبعض المؤسسات الإعلامية هي انعكاسات لسياسات دولية وتنسجم مع مواقفها فيما يتعلق بالحروب والنزاعات».

وأوضح أن «تغطية النزاعات والحروب تختلف بين المتابعة داخل دولة النزاع نفسها والتي تتعرض لانحيازات حسب مواقف الدولة وأطراف الصراع، والتغطية في المؤسسات الدولية التي تنحاز أيضاً إلى مواقف دولها واهتمامات شعوبها». وشدد من ثم على «ضرورة التنوع في مؤسسات الإعلام من أجل تقليل درجة الانحياز في تغطية النزاعات وضبط المصطلحات والمواقف وزيادة الاهتمام بالنزاعات المهملة».


ما تأثير تحديثات «إكس» للروابط الخارجية على المحتوى والجمهور؟

شعار "إكس" فوق أحد مقراتها في سان فرانسيسكو (رويترز)
شعار "إكس" فوق أحد مقراتها في سان فرانسيسكو (رويترز)
TT

ما تأثير تحديثات «إكس» للروابط الخارجية على المحتوى والجمهور؟

شعار "إكس" فوق أحد مقراتها في سان فرانسيسكو (رويترز)
شعار "إكس" فوق أحد مقراتها في سان فرانسيسكو (رويترز)

على الرغم من تراجع منصة «إكس» عن دعم الأخبار المعززة بروابط خارجية، فإن تعديلات خوارزمية أخيرة أجرتها المنصة «قد تعيد المحتوى الإخباري إلى واجهة الاهتمامات بشرط تغيير عقيدة النشر التقليدية».

هذا التحول لم يعد مجرّد تكهّن تقني؛ بل أثبتته الأرقام في دراسة حديثة أجراها مختبر «نيمن لاب» للصحافة التابع لجامعة هارفارد الأميركية، وأشارت إلى «عقوبات خوارزمية» غير مُعلنة تواجهها الروابط الخارجية، مقابل مكافآت لمنتجي المحتوى داخل المنصة.

الدراسة، التي نشرت نتائجها في أبريل (نيسان) الحالي، أوضحت أن «الناشرين الذين يعتمدون على نشر عنوان الخبر مرفقاً برابط يُخرج المستخدم من التطبيق لصالح بقائه على المنصة الإخبارية مالكة الخبر، باتوا يعانون من تراجع حاد في معدلات الوصول».

بينما رصدت الدراسة عدة عوامل أخرى قد تدفع بالأخبار إلى الواجهة. مثلاً، وجدت أن التغريدات التي تبدأ بعبارة «خبر عاجل» حققت تفاعلاً يزيد بمقدار 4 أضعاف بشرط أن يكون المحتوى مكتوباً بأسلوب «أصلي» يغني القارئ عن الخروج من المنصة.

أيضاً، حذّرت الدراسة من أن الخوارزمية أصبحت تتعامل بصرامة مع مقاطع الفيديو «المعاد تدويرها» من منصات أخرى؛ إذ يُخفض الوصول للفيديوهات التي تحمل علامات مائية لمنصة أخرى مثل «تيك توك» بنسبة تصل إلى 90 في المائة.

مستشار الإعلام الرقمي، رامي الطراونة، قال لـ«الشرق الأوسط» معلقاً إن «إكس» تسعى - حالها كحال جميع المنصات – إلى تعزيز وقت مكوث المستخدمين عليها لأطول مدة ممكنة. وأوضح أن الهدف هو بقاء المستخدم، غير أن «المنصة معنية كذلك بالحفاظ على طابع وصبغة محتواها الإخباري الملخص والمركز، مستغلة ميل المتابعين إلى تجربة مبسطة تتضمّن أقل عدد ممكن من التنقل والنقرات مع أكبر زخم من المعلومات (المعلبة) في المكان نفسه». وتابع: «لذلك فإن المنشورات التي تكتفي برابط وعنوان دون تفاصيل لم تَعُد تحظى بمكانتها السابقة، بينما باتت الأفضلية أوضح للمحتوى الذي يقدم الخبر نفسه داخل المنشور».

حسب الطراونة فإن «إكس» لا تعادي الأخبار؛ لكنها لم تعد تكافئ «الكسل التحريري»، على حد قوله. قبل أن يضيف: «لقد صار الوصول يُبنى على جودة الصياغة داخل (إكس) لا على مجرد رابط وانتظار جهد من المتابعين». ودلل على ذلك بأن محتوى «إكس» من المنشورات النصية والفيديو يمثل مصدر تغذية أساسي لـ«غروك» (نموذج ذكاء اصطناعي توليدي خاص طورته المنصة أخيراً)، الذي تستثمر فيه «إكس» بشكل كبير، وهو ما يضيف بعداً وقيمة إضافية لأهمية نشر المحتوى الكامل على المنصة من وجهة نظر ملاكها».

أيضاً وفق الطراونة فإن «الممارسة الأنسب حالياً لمواكبة تغيرات المنصة وخوارزميتها، هي ببساطة أن يبدأ المنشور بخلاصة خبرية قوية ومباشرة، تتضمن أهم معلومة أو تطور أو رقم، ثم يستكمل السياق عبر شرح أو محتوى مرئي سريع». وأردف: «كلما كان المحتوى أصلياً ومباشراً وسهل الالتقاط في لحظة الحدث، زادت فرص ظهوره ضمن التدفقات والملخصات الفورية». أما عن فرص الربح أمام الناشرين داخل المنصة، فقال: «رغم تقلبات (إكس) ما تزال أدوات الربح فيه تمثل فرصة مفيدة، إذا استُخدمت كرافعة تمويل لا كموجه تحريري... ويمكن للمؤسسات الإخبارية الاستفادة من الاشتراكات، ومشاركة الإيرادات، وتحقيق الدخل من الفيديو، ثم إعادة توظيف جزء من هذه العوائد لدعم انتشار المحتوى الجاد والعام ذي القيمة».

من جهة ثانية، في نقاش مطلع الشهر الحالي، جمع رئيس قسم المنتجات في «إكس»، نيكيتا بير، وصحافيين في الـ«نيويورك تايمز»، عبر المنصة، اتهمت الصحيفة المنصة بأنها «تحد من التفاعل على الأخبار»، لكن بير نفى، وأرجع التراجع إلى أسلوب الصحيفة. إذ قال إنها «لم تغير أسلوب صياغة عناوينها منذ 20 سنة، ووصف ذلك بـ«الأسلوب القديم» الذي لا يتناسب مع الخوارزمية، وأن المشكلة في «طريقة النشر» التي لا تشجع المستخدم على التفاعل.

من جانبه، اعتبر أحمد البرماوي، رئيس تحرير منصة «فولو آي سي تي» للاقتصاد الرقمي، في لقاء مع «الشرق الأوسط»، أنه «لا تزال فرص انتشار المحتوى الإخباري على منصة (إكس) قائمة، لكنها شهدت تحولاً واضحاً في آليات الوصول للجمهور». ثم أوضح أنه لم يعد أمام المؤسسات الإخبارية «خيار أحادي بين جذب الزيارات إلى مواقعها أو الاكتفاء بالنشر داخل المنصة»، بل أصبح الاتجاه نحو «نموذج هجين هو الأكثر واقعية وفاعلية».

وأضاف أن «الاعتماد الكامل على الروابط لم يعد يحقق النتائج المرجوة، في ظل القيود التي تفرضها الخوارزميات، بينما يحمل الاعتماد الكامل على النشر داخل المنصة مخاطر تتعلق بالتحكم في الوصول». وتابع: «لذا تميل المؤسسات الناجحة إلى المزج بين تقديم محتوى متكامل وجذاب داخل (إكس) مع استخدام الروابط بشكل انتقائي وذكي، وهذا التحول يعكس حقيقة أن (إكس) لم تعد مجرد وسيلة لتوزيع المحتوى؛ بل منصة نشر قائمة بذاتها تتطلب استراتيجيات تحريرية مخصصة».

أخيراً، على صعيد تحقيق الإيرادات، يرى البرماوي أنه «يمكن للناشرين الاستفادة عبر مسارين: الأول مباشر من خلال برامج تحقيق الدخل المرتبطة بنسبة التفاعل والمشاهدات. والثاني غير مباشر عبر بناء جمهور قوي يمكن توظيفه لاحقاً في الشراكات الإعلانية أو توجيهه إلى منصات أخرى».