كيف نتعامل مع طغيان الثقافة الرقمية في حياتنا؟

غالباً ما ترسخ جوانب عقلية إجرائية من غير محتوى معرفي ثري

يؤكد غيتس دائماً على أهمية القراءة الورقية وحجم المتعة التي يتحصّلها المرء من التعامل مع الكتاب
يؤكد غيتس دائماً على أهمية القراءة الورقية وحجم المتعة التي يتحصّلها المرء من التعامل مع الكتاب
TT

كيف نتعامل مع طغيان الثقافة الرقمية في حياتنا؟

يؤكد غيتس دائماً على أهمية القراءة الورقية وحجم المتعة التي يتحصّلها المرء من التعامل مع الكتاب
يؤكد غيتس دائماً على أهمية القراءة الورقية وحجم المتعة التي يتحصّلها المرء من التعامل مع الكتاب

ليس ثمة من ينكر - أو حتى يجرؤ على نكران - معالم التغوّل الطاغي الذي صارت تفرضه متطلبات الثقافة الرقمية على حياتنا المعاصرة، فقد بلغ مديات استحالت معها هذه الثقافة حضارة شاملة، ابتداءً من البنى الوظيفية التحتية وحتى أكثر التمثلات المعبّرة عن الرأسماليات الثقافية الرمزية؛ لذا لم يعُد غريباً وصف الثورة الصناعية الثالثة بالثورة المعلوماتية التي تشكّل النظم الرقمية جوهراً أساسياً في هياكلها المعرفية على المستويين الفكري والمادي.
ترافقت كلّ ثورة صناعية بشرية مع نمطية فلسفية تعلي شأن توجّه فكري محدّد بالمقارنة مع الأنماط الفلسفية الأخرى السائدة، ومن المؤكّد أنّ الثورة المعلوماتية القائمة على سيادة النظم الرقمية أعلت شأن الخوارزميات الرقمية، التي تُعدّ الهيكل الأساسي الذي تعمل بموجبه هذه النظم، ومع تقادم الزمن، وترسّخ تطبيقات النظم الرقمية (خصوصاً في حقل الذكاء الاصطناعي) تعاظمت خوارزميات النظم الرقمية، واستحالت فلسفة كاملة منذرة باندثار طيف كامل من القدرات الفكرية البشرية القائمة على المنطق التحليلي.
عادة ما يحصل مع كلّ ثورة صناعية أن تخفت بعض القدرات البشرية لصالح إعلاء شأن قدرات أخرى؛ إنما كانت هناك دوماً إمكانية للتحايل على طغيان القدرات المستجدة، والإبقاء على بعض القدرات السابقة، ومنعها من الأفول؛ لكنّ المعضلة الإشكالية مع الحضارة الرقمية تبدو عسيرة وشديدة الوطأة، لكونها تشمل كلّ جوانب حياتنا في أدق تفصيلاتها، ابتداءً من التفاصيل الشخصية البسيطة، وحتى أعقد الهياكل الإدارية المؤسساتية الوطنية والعالمية، وقد بلغ الأمر مستويات شديدة التداخل مع الحياة الفردية: الهاتف الجوال (الموبايل) على سبيل المثال صار مثالاً (ربما بدائياً بعض الشيء) للآليات اليومية الداعمة للحياة البشرية التي ستكون معلماً أساسياً سائداً في عصر الثورة الصناعية الرابعة، حيث ستكون السيادة معقودة لتطبيقات الذكاء الاصطناعي العميق والروبوتات فائقة الذكاء.

تأثيرات على الدماغ البشري
يمتلك الدماغ البشري خاصية عجائبية يعبّرُ عنها بمفردة «اللدونة الدماغية»؛ تلك الخاصية الفريدة التي تجعل الدماغ البشري قادراً على تعلّم قدرات جديدة غير متاحة من قبلُ من خلال تخليق اشتباكات عصبية دماغية بتشكّلات لا نهاية لإمكاناتها المتاحة على مستوى البيولوجيا الجزيئية للمادة الدماغية، وليست العبقرية البشرية في نهاية الأمر سوى نتاج لهذه التشكّلات اللانهائية التي قد يحدث أن تظهر بطريقة شديدة الفرادة؛ غير أنّ هذه التشكلات لا تحصل إلا من خلال الجهد البشري المنظّم والمنضبط والمتّسم بالمجالدة والشغف.
إنّ شيوع النظم الرقمية وخوارزمياتها المتغولة، على مدار الوقت في حياتنا اليومية، أمر كفيل بكبح ممكنات «اللدونة الدماغية»، وجعلها تنكفئ في نمطية موحّدة ستطفئ جذوة الفكر التحليلي والقدرة الفلسفية، وكلّ القدرات العقلية المتفردة التي كانت معالم جوهرية للارتقاء البشري في عصوره المتعاقبة.
يطيب للبعض رؤية الأجيال الشابة (خصوصاً الأطفال واليافعون منهم)، وهم مستغرقون في عالمهم الرقمي، وقد يحسبون هذا النمط من الانهماك دليلاً على قدرة مبكرة في التواصل مع أحدث المبتكرات التقنية الرقمية؛ غير أنّ هذه الرؤية خاطئة تماماً لأسباب عدة منها: أنّ التعامل مع المبتكرات التقنية شيء، وامتلاك القدرة على تخليقها شيء آخر، تماماً مثلما هو الفرق بين قارئ الكتاب العادي والمؤلّف، ثم إن الاستغراق الإدماني في العوالم الرقمية غالباً ما يكون في الألعاب والتطبيقات التي ترسّخ جوانب عقلية إجرائية من غير محتوى معرفي ثري، فضلاً عن ترسيخها لأنماط أدائية محددة تنعدم فيها الخبرات المشتبكة، والألوان المعرفية المتداخلة؛ الأمر الذي ينجم عنه - بالتأكيد - إفقار عقلي شديد الوطأة سيطيح بكلّ الخبرات البشرية على نحو سيجعل الدماغ البشري محض جهاز أدائي خوارزمي مفتقد للقدرات التحليلية الثمينة.

تجربة بل غيتس مثالاً
معظمنا يعرف من هو بل غيتس: أحد صانعي الثورة المعلوماتية المعاصرة، والرجل الذي جعل نظام التشغيل «ويندوز» متاحاً بالمجان للجميع، وعلى نحو شبيه بما فعله هنري فورد الذي جعل أميركا «أمة تسير على عجلات»، في إشارة إلى السيارة التي صارت رمزاً للثورة الصناعية الثانية (إلى جانب القطار)، ولكن مع فارق أن فورد كان يبيع منتجاته لمن هو قادر على تحمّل تكاليفها. لست أسعى هنا للقول إن غيتس لا يبيع مبتكراته التقنية، ويطرحها كلها بالمجان، وإلا ما صار أحد أبرز مليارديرات العالم؛ لكني أريد تأكيد حقيقة أن نظام التشغيل «وندوز»، على وجه التحديد، مجاني متاح للجميع بمثل ما أتاح تيم بيرنرز لي الشبكة العالمية (الإنترنت) مجاناً أمام الجميع.
سيجد كلّ من يتابع بل غيتس على موقعه المعنون «gatesnotes»، أنه قلّما يتناول موضوعات ذات تفاصيل تقنية بعكس الموضوعات الإنسانية الخيرية والثقافية التي تشغل معظم حيّز مدوّنته الإلكترونية، وقد دأب غيتس منذ سنوات عدّة على ترشيح قائمة بعناوين كتب منتخبة للقراءة، خصوصاً قبل العطلات المعروفة في أميركا - وأهمها العطلة الصيفية -، والكتب المنتخبة هي كتب ورقية عددها خمسة في العادة، ويحرص غيتس على الظهور معها في صورة تكشف عن مقدار الحميمية التي يكنّها لتلك الكتب.
إنّ تأكيد غيتس على أهمية القراءة الورقية، وحجم المتعة التي يتحصّلها المرء من التعامل مع الكتاب، باعتباره كينونة مادية مشخصنة ومنجماً للأفكار المنعشة، هو تأكيد لأهمية منح النفس فرصة للانفكاك من إدمان العالم الرقمي، وعدم خسارة المزايا العظيمة التي اكتسبها الكائن البشري على الصعيد الرمزي في سلسلة تطوره الارتقائي البيولوجي، وما تأكيد غيتس - وهو القطب الرأسمالي الضارب في الصناعة المعلوماتية - على أهمية هذه المزايا الرمزية سوى خبرة مؤكدة ناجمة عن معرفة مسبقة بالأضرار الفادحة التي يمكن أن تنشأ عن التعامل الرقمي الإدماني المُفرّغ من الخبرات المعرفية الجادة.
قد يكون فرض نوع من التعتيم الرقمي (الاختياري أو الإجباري) الموسمي أو اليومي شكلاً من أشكال العلاجات المسوّغة للتغول الرقمي؛ لكن الأمر منوط بصدق الرغبة والمعرفة الدقيقة بالخسارة الكبرى التي تترتب على فقدان مزايانا الرأسمالية الرمزية تحت ضربات الطاحونة الرقمية.

الرواية علاجاً
لا يخفى أن خفوت الشغف التحليلي والفلسفي ينطوي على مخاطر عدة، من بينها تراخي النزعة الإنسانية، وفقدان التواصل الحي مع الإرث الإنساني في شتى حقوله المعرفية، وشيوع نوع مستحدث من العبودية الرقمية، التي يسهل توظيفها لخلق نوع من ديكتاتوريات رقمية شديدة الوطأة. في مواجهة هذه المثلبة الرقمية يمكن للقراءة المنتظمة للرواية أن تحافظ على التراث الإنساني، وتعمل على الارتقاء المتواصل في المناطق الدماغية الخاصة بالقدرات التحليلية والإبداعية، وتجنّب الانكفاء في لجّة الخبرات المنمّطة.
قد يتساءل البعض: لِم التركيز على الرواية بين كلّ أشكال القراءة المتاحة؟ الجواب يكمن في طبيعة الرواية ذاتها؛ فقد صارت الرواية في عصرنا هذا خزاناً معرفياً يعجّ بشتى صنوف المعرفة، فضلاً عن توفّره على عناصر تخييلية تقرن الخبرة بالمتعة، وتجعل القراءة فعالية شبيهة بأحلام اليقظة القادرة على فكّ ارتباط الفرد مع العالم الرقمي، وكسر الأغلال الخوارزمية التي تشدّه إلى ذلك العالم.
- كاتبة وروائية ومترجمة عراقية مقيمة في الأردن



حين تهزم الرواية النسوية ذاتها

إيمان حميدان
إيمان حميدان
TT

حين تهزم الرواية النسوية ذاتها

إيمان حميدان
إيمان حميدان

كلما قرأت رواية نسوية، حاولت أن أتخيل كيف كانت تكون تلك الرواية بالشخصيات والأحداث نفسها وفي الزمان والمكان نفسهما لو أن الروائي كان رجلاً. لكنني أعجز عن تصور الرواية من ذلك المنظور المعاكس. ربما لأنني قليل الخيال. أو ربما لأن تخيل عالم نقيض ليس بالأمر الممكن. فكل عالم موجود هو حتمي الوجود. وما دام قد وُجد فهو حتمي الوجود على النحو الذي وُجد عليه. ينطبق هذا على عالمنا الذي نعيش فيه. وبالمقياس نفسه ينطبق أيضاً على العوالم الروائية التي يوجد منها عشرات الآلاف ويُضاف إليها عوالم جديدة في كل يوم.

على أنني لا أجد نفسي أطرح هذا السؤال المستحيل إلا عند الانتهاء من رواية نسوية بقلم امرأة، وعلى حد علمي لا توصف رواية بالنسوية إلا وكاتبتها امرأة. قد يكتب الرجال روايات تتعاطف مع المرأة وتتفهم محنتها المجتمعية أو الشخصية؛ «مدام بوفاري» لجوستاف فلوبير (1821-1880)، أو «أنا كارينينا» لليو تولستوي (1828-1910) مثلاً. لكن هذا لا يضفي صفة النسوية على هذه الأعمال. والحق أن التصوير الموضوعي للمرأة في الرواية ليس شيئاً جديداً ولم يُخترع في النصف الثاني من القرن العشرين مع بزوغ الحركة النسوية والرواية النسوية التي تبنت الفكر السياسي والاجتماعي لتلك الحركة. الرواية النسوية موجودة منذ التاريخ الأول لفن الرواية الناضج من القرن التاسع عشر على الأقل، وعندي أن بعض رواد الفن الروائي من النساء هن أيضاً رواد الرواية النسوية، مثل جين أوستن (1775-1817) وجورج إليوت (1819-1880) وشارلوت برونتي (1816-1855) وإميلي برونتي (1818-1848) في الرواية الإنجليزية على سبيل المثال. لكنهن لم يعرفن بالكاتبات النسويات ولا عُرفت رواياتهن بالروايات النسوية، لأنه لم يكن هناك التنظير الآيديولوجي للحركة النسوية الذي جاء في القرن العشرين ومن بعده صارت الروايات التي تكتبها النساء تُنعت بالنسوية وكأنها ما كُتبت إلا لتجسد الحركة الآيديولوجية والاجتماعية الداعية لتحرير المرأة ومساواتها بالرجل.

أميلي برونتي

الذي أجده من قراءاتي هو أنه بقدر ما تصلح رواية لأن ينطبق عليها مصطلح «نسوية»، تكون أبعد عن المراتب العليا في الفن الروائي. الرواية التي يكون منطلقها آيديولوجيا فكرية من أي نوع تفقد عضويتها ووجودها المستقل عن الكاتب وتصبح بوقاً دعائياً فاقداً للحيوية والتلقائية. والمفارقة أن الأدب المفروض عليه آيديولوجيا من الخارج هو أدب فاقد للقدرة على الإقناع والتأثير، ولذلك هو لا يؤدي الغرض المقصود منه، وهو ما لا يهتدي إليه أولئك الذين يحاولون استخدام الأدب مطية للمذهبية. وعلى النقيض من ذلك نجد أن أشد أنواع الأدب تأثيراً في النفس وأقدرها على إحداث تغيير في فكر المتلقي هو ذلك الذي ينبع أفكاره عضوياً من داخل الشخصيات والأحداث. لذلك لم تبرز حتى اليوم من أطنان الرواية النسوية روايات تضارع في جمالياتها من ناحية أو في خدمتها لقضية المرأة من ناحية أخرى تلك التي كتبتها الرائدات الأوائل اللائي كان همهن كتابة الرواية وليس التبشير بآيديولوجيا نسوية، فجاءت أعمالهن الصادرة عن حس نسوي طبيعي وتفاعل مع الوضع الاجتماعي يخلو من الأدلجة، كاشفةً عن نفسية المرأة ووضعها الاجتماعي في غير افتعال ولا ترتيب نظري مُسَبَّق.

تداعت هذه الأفكار في ذهني عند الفراغ من قراءة رواية حديثة للكاتبة اللبنانية إيمان حميدان، «أغنيات للعتمة» (دار الساقي، 2024). الكاتبة تتحلى بقدرة سردية عالية، ولغة جميلة، وقدرة على الاسترجاع من الموروث الثقافي والتاريخي، وتجسيد الشخصيات. لكنها للأسف تبالغ في الطموح حين تحاول أن تكتب رواية أجيال في مجرد مائتي وخمسين صفحة، فيختل في يدها الميزان. هنا نرى يد الآيديولوجيا النسوية تعمل عملها غير المحمود. فالكاتبة أرادت أن تختصر قصة قهر المرأة في لبنان على امتداد تاريخه الحديث كله، منذ الحكم العثماني فالانتداب الفرنسي فالاستقلال ونشأة الجمهورية واضطرابات المنطقة التي تجد مسرحاً لها في البلد الصغير وصولاً إلى الحرب الأهلية وما بعدها. أربعة أجيال من النساء: جدة وابنة وحفيدة وابنة للحفيدة. تتغير الأنظمة والملابسات الاجتماعية والاقتصادية على امتداد فترة تقارب المائة عام، أما الذي لا يتغير فهو اضطهاد النساء وخسة الرجال. تتفاوت درجات القهر، وتتفاوت نذالة الرجال في الدرجة وليس في النوع. وتتفاوت قدرة النساء على الصمود والكفاح، لكن كلهن ضحايا تتفاوت حظوظهن ما بين النجاة العشوائية وما بين الموت والجنون والاختفاء.

الاهتمام الحقيقي لدى الكاتبة هو بشخصية الجدة الكبرى، شهيرة.

جين أوستن

لذلك هي الوحيدة التي تفسح الكاتبة المجال لقصتها ولرسم شخصيتها رسماً مقنعاً وتصوير صراعها مع البيئة الطبيعية والاجتماعية والاقتصادية وقدرتها على تجاوز هذا كله والعلو على عوامل القهر من حولها. هذه القصة في حد ذاتها كانت تكفي وهي القصة الوحيدة الطبيعية إلى حد ما في الرواية. هي القصة الوحيدة التي تقرأها فلا تشعر بأصابع الآيديولوجيا النسوية تعمل في الخفاء. لكن الطموح الآيديولوجي يتمكن من الكاتبة فيجعلها تسوق قصصاً ثلاثاً أخرى لثلاث نساء من نسل شهيرة. لكنهن لسن موضع اهتمام حقيقي من الكاتبة، كما أن الرواية لم يعد فيها مجال يسمح ببسط قصصهن وخلفياتها بالتفصيل والصبر اللازم للإقناع. لذلك تتعامل معهن الكاتبة باختصار وعجلة مخلّة، فهن لا أهمية لهن في حد ذواتهن، وإنما الهدف هو إبراز ثبات المعاناة النسوية عبر الأجيال وعلى الرغم من التحولات الشتى. بذلك تهزم الرواية نفسها جمالياً من حيث لم تُرد. ليس هذا فقط لكنها تهزم نفسها آيديولوجياً وأيضاً من حيث لم ترد. فالقارئ بعد أن يستمتع بقصة شهيرة وانتصارها البطولي على صعوبات هائلة يخيب أمله، إذ يتبدد السرد متعجلاً ومدفوعاً بمفاهيم القصة النسوية ليحكي قصص ثلاثة أجيال أخرى من النساء المنحدرات من شهيرة، واللائي هن – ويا للمفارقة – يبدون أقل حظاً بصفتهن نساء مما كانت عليه جدتهن.


ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية

ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية
TT

ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية

ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية

يطل الوجع الإنساني في نصوص المجموعة القصصية «آلام برنابا وصمته»، الصادرة عن دار «بتانة» بالقاهرة للكاتب السوري المقيم في بلجيكا هوشنك أوسي، باعتباره فضاءً رهيفاً يقترن بالشجن ويدعو للتأمل في مفارقات الحياة وبحث البشر الدائم عن السلام والسكينة، على وقع أسئلة الهوية والمنفى.

وتحضر ثنائية «الألم والصمت» كضريبة للمعرفة والوعي وموقف احتجاجي وملاذ أخير أمام فوضى العالم وانهيار القيم، في نصوص مشحونة بالمشاعر والقلق عبر لغة مكثفة قد تجعل من القصة القصيرة ضربة وتر سريعة لا تتجاوز أحياناً عدة أسطر، فيما يحضر الحب كاستدعاء مباشر للبهجة من خلال موجات المد والجزر في العلاقة العاطفية بين الجنسين.

تتميز المجموعة بقدرة لافتة على التقاط اللحظات الهامشية وتحويلها إلى متون حرة لطرح الأسئلة ذات الطابع الفلسفي من خلال نماذج وصور متعددة، كما في حالة الموظف المثالي الذي لا يجد معنى لحياته بعد سنوات من الخدمة العبثية، أو الأطفال المحرومين من الحنان والأمان فانخرطوا في عادات سيئة لقتل الملل والتمرد على الفراغ، فضلاً عن الغرباء الذين تجمعهم المطارات ومشاعر الحب التي تقتلها قسوة المفاجآت غير السعيدة التي يبعث بها الموت على حين غرة.

ومن أجواء المجموعة القصصية نقرأ:

«رج موبايلها الموضوع في حالة صمت. حين رأت رقمه، ارتجت هي أيضاً، أخذتها رجفة لذيذة، تشبه سريان مياه باردة في عروق أرض قحط يبوس، أضناها الظمأ لمرور سحابة وانتظار الغوث. نقرت على رقمه، لتقرأ فحوى وتتمة الرسالة، لم تجد المزيد.

آخر دردشة بينهما على (الواتس) كانت قبل سنة. دخلت حياته، كأية صدفة. وخرجت منها فجأة، من دون سبب، كأنها خنجر يغادر جرحاً، بسرعة. صارت تقلب الرسالة المقتضبة على أوجهها، وتقول في نفسها: هذا المهووس بالتشكيل والترقيم في رسائل (الواتس) و(الماسنجر)، لماذا لم يرسلها مشكّلة، كعادته لأفهم مراميه؟ إذا كان يقصد: (لا يَنسون)؛ هذا يعني أنه يدرك ويعي مدى تغلغله في قلبي وذاكرتي. وإذا كان يقصد: (لا يُنسون)، هذا يعني إما أنه ما يزال يكن لي الود والاحترام وربما الحب، وإما أنه يهدد بالانتقام مني لأنني تجاهلته وتناسيته، ولم أعد أتواصل معه.

تلك العبارة، جعلتها مصابة بارتجاج في القلب والعقل والروح. هل تكسر التجاهل، وترسل له عبارة ملتبسة، غير مشكّلة حمَّالة أوجه وتعامله بالمثل؟ أم تستمر في لعبتها وعدم حظر رقمه، أم قطع دابر العلاقة به إلى الأبد؟ كانت تسأل نفسها، وتضعها بين هذه الخيارات، ولم تنتبه أن أصبعها خرج عن السيطرة، وكان مستعجلاً أكثر نحو شارة القلب وختم بها رسالته. لم تتراجع عن ذلك القلب. شعرت بأنها تورطت. تلبسها غرور الأميرات وكبرياؤهن. تركت الارتجال والطيش يأخذان مجراهما في صناعة حياتها. قالت: ماذا لو عشنا الحياة على أنها سوء فهم جميل، يكرر نفسه بصور مختلفة في مواقف متشابهة؟».


الكاتب والنص... القصّة لا تنتهي عند النشر

فلاديمير نابوكوف
فلاديمير نابوكوف
TT

الكاتب والنص... القصّة لا تنتهي عند النشر

فلاديمير نابوكوف
فلاديمير نابوكوف

في عددها الأخير، خصّصت مجلة «تيلي راما» الثقافية مقالةً نقديةً للرواية الأيقونية «على الطريق» لجاك كيرواك، تناول فيها كاتبُها المقارنةَ بين نسختين من هذا العمل الشهير: الأولى التي رأت النور عام 1957، والثانية التي أنجزها كيرواك في 1951 غير أن الناشر أحجم عن طباعتها. وقد أثار المقالُ سؤالاً جوهرياً لا يخلو من الإثارة: أيّ النسختين تمثّل كيرواك الحقيقي؟ النصُّ الذي أراده، أم النصُّ الذي تم نشره؟ يفتح هذا السؤال بدوره باباً أرحب على إشكاليةٍ لا تقلّ أهمية: لماذا يعود بعض الكتّاب إلى أعمالهم بعد اكتمالها، فيُضيفون وينقصون ويُحوّرون؟ وما الذي يدفعهم إلى مراجعة ما كتبوا، بعد أن أسدلوا الستار على نصوصهم وأطلقوها للعالم؟

مارسيل بروست

لعلّ أعمق الدوافع وأكثرها تفسيراً لهذه الظاهرة هو ذلك القلق الفني الذي ينتاب الكاتب حين يقرأ ما كتب بعد مضيّ سنوات، فيجده مُقصّراً دون ما أراده. الروائيون والشعراء يصفون هذه التجربة بطرق متقاربة، فبعضهم يُسمّيها «هاجس الكمال»، وآخرون يُسمّونها ببساطة: عدم الرضا. والحقيقة أن الكاتب المتقدّم في فنّه يُصبح بالضرورة قارئاً أكثر صرامة مع نصوصه السابقة. كان ذلك حالَ فلاديمير نابوكوف، أشدّ الروائيين هوساً بإعادة الكتابة، إلى درجة أن سيرة أعماله تكاد تكون تاريخاً متواصلاً للتعديل والصقل عبر اللغات والأزمنة. وكان يقول عن نفسه مازحاً: «ممحاتي تنتهي قبل أقلامي».

كتب نابوكوف رواياته الأولى بالروسية، ثم عاد إليها لاحقاً ليُعيد صياغتها بالإنجليزية، لأنه كان يرى في النسخة الأصلية «عيوباً» أسلوبية وإيقاعية لا تصلحها إلا يد المؤلف نفسه. وحين جاء دور روايته الشهيرة «لوليتا» أصرّ على أن يتولى بنفسه ترجمتها إلى الروسية حتى لا «يُفسدها» مترجم آخر بتعابيره المبتذلة، فحوّل الترجمة إلى إعادة كتابة دقيقة تراقب كلّ جملة وصورة وإيحاء. وفي السياق ذاته، صرّح الروائي الأميركي برنارد مالامود بأنه يُعيد كتابة أعماله ثلاث مرات على الأقل: مرةً كي يفهم ما كتب، ومرةً لتحسين السبك اللغوي، ومرةً ثالثة لإجبار النصّ على أن يقول ما لم يقله بعد. أما غوستاف فلوبير فيمثّل ذروة هذا الهاجس في تاريخ الأدب الغربي، إذ لم تكن «مدام بوفاري» حين صدرت عام 1857 عملاً مكتملاً في نظره، فعاد في الطبعات اللاحقة بما يزيد على ألف ومائتَي تعديل، بعضها يتعلق بإيقاع جملة، وبعضها بصرف كلمة أو حذفها.

والت ويتمان

وفي أدب الخيال العلمي، تُمثّل تجربة آرثر سي. كلارك نموذجاً بالغ الدلالة على المراجعة بوصفها إعادة كتابة لا مجرّد تحسين، إذ كتب روايته «ضد سقوط الليل» عام 1948، ثم أعاد صياغتها كلياً لتصبح عام 1956 رواية جديدة بعنوان «المدينة والنجوم»، مُوسّعاً في تصوير عالمه ومُعمّقاً شخصياته، ومُعيداً بناء ما رأى فيه نقصاً في نسخته الأولى. والمفارقة أن كلتا النسختين ظلّت في التداول، فأتاحتا لمن قرأهما معاً أن يشهد نموّ كاتب وتحوّل رؤيته بين عقد وآخر.

غلاف» فرانكشتاين«

على أن كثيراً من المراجعات اللاحقة للنشر تكون بسبب ضغوط خارجية لا صلة لها بمشيئة الكاتب الحرة أو نضجه الفني، مثل الرقابة. فجاك كيرواك نفسه حذف من روايته «على الطريق» مشاهدَ جوهرية إرضاءً لشروط الناشر، قبل أن يتم اكتشاف مسودّته الأصلية لاحقاً وتُعيد رسم صورة مغايرة تماماً للرواية. وفي فبراير(شباط) 2023، أعادت دار نشر «بنغوين راندم هاوس» إصدار كتب رولد دال بعد حذف مصطلحات اعتُبرت مسيئة وغير لائقة من المنظور الثقافي المعاصر. ولم تختلف قضية أجاثا كريستي كثيراً، إذ خضعت طبعات حديثة من رواياتها لحذف عبارات تصف مجموعات عرقية بعينها، وكان أبرز هذه التعديلات ما طال روايتها «ثم لم يبقَ أحد» الصادرة عام 1939. وقد تنبثق المراجعات من تحوّلات حياتية عميقة تجعل من النصّ القديم مرآةً لروح غريبة. ماري شيلي نشرت روايتها الشهيرة «فرانكنشتاين» عام 1818 وهي ابنة الحادية والعشرين، ثم أعادت كتابتها عام 1831 بعد أن خسرت ابنتها وابنها وزوجها الشاعر، وفي المسافة الفاصلة بين النشرتين، امرأةٌ مختلفةٌ كتبت رواية مختلفة: الخالق المُكتئب والمخلوق المنبوذ باتا يحملان وطأة تجارب المؤلفة الشخصية أكثر مما كانا يحملانه في نسخة الشباب.

غلاف «مدام بوفاري»

عموماً فإن رغبة الأدباء في تعديل نصوصهم المنشورة تنبثق من قناعة راسخة بأن الكتابة ليست فعلاً ناجزاً ينتهي بوضع النقطة الأخيرة، بل هي «إيماءة إبداعية» في حالة ترقٍّ دائم وصيرورة لا تتوقف عن التشكّل. وكأنهم لا يرون في عملهم الإبداعي كياناً مكتملاً بل بذرةً تنتظر أن تُستكمل، وليس بالضرورة لأن العمل الأول كان ناقصاً، بل لأن الكاتب نفسه لم يكن قد اكتمل بعد.

ويُعد هنري جيمس نموذجاً جلياً لهذا المخاض، إذ اعترف في تقديمه لطبعة نيويورك الشهيرة عام 1907 بأن نصوصه الأولى باتت «عصية على الاحتمال» بالنسبة لنضجه المتأخر، مما دفعه لإعادة نسج روايات بأكملها من منظور القارئ النقدي لنفسه، مخلّفاً أرشيفاً نادراً يوثق تطور الأديب مع الزمن. أما المثال الأبلغ على النص الذي يرفض الانغلاق، فيبقى ديوان الشاعر والت ويتمان «أوراق العشب»، فمنذ صدوره عام 1855 في كراسة رقيقة تضم اثنتي عشرة قصيدة، ظل ويتمان يعود إليه على مدى سبعة وثلاثين عاماً، يضيف ويحذف ويعيد الترتيب استجابةً لتحولات التاريخ والسياسة، من الحرب الأهلية إلى اغتيال لنكولن، حتى بلغت «طبعة الفراش الأخير» عام 1892 ما يزيد على أربعمائة قصيدة.

هذا الهاجس المسكون بالرغبة في الإضافة لم يفارق مارسيل بروست أيضاً، الذي استمر في تعديل ملحمته «البحث عن الزمن الضائع» حتى وهو يواجه سكرات الموت، تاركاً خلفه ركاماً من المخطوطات الضخمة التي استلزمت جهداً استثنائياً من محرريه لتنظيمها.