مصدر رسمي تركي لـ {الشرق الأوسط}: تصريحات واشنطن متخبطة.. ولن نتصرف إلا وفق رؤيتنا ومصالحنا

أنقرة لن تتحرك لنجدة «كوباني» منفردة.. ومظاهرات الأكراد مستمرة

أكراد يفرون من شرطة مكافحة الشغب التركية التي حاولت تفريقهم بخراطيم المياه في أنقرة أمس (أ.ف.ب)
أكراد يفرون من شرطة مكافحة الشغب التركية التي حاولت تفريقهم بخراطيم المياه في أنقرة أمس (أ.ف.ب)
TT

مصدر رسمي تركي لـ {الشرق الأوسط}: تصريحات واشنطن متخبطة.. ولن نتصرف إلا وفق رؤيتنا ومصالحنا

أكراد يفرون من شرطة مكافحة الشغب التركية التي حاولت تفريقهم بخراطيم المياه في أنقرة أمس (أ.ف.ب)
أكراد يفرون من شرطة مكافحة الشغب التركية التي حاولت تفريقهم بخراطيم المياه في أنقرة أمس (أ.ف.ب)

لم تفلح أنقرة في إقناع واشنطن بتبني وجهة نظرها حيال ضرورة إقامة «منطقة آمنة» في المناطق الحدودية السورية المجاورة لأراضيها.. وفي حين لم تتوقف حركة الأكراد الذين يتظاهرون في الكثير من المدن التركية، محدثين أعمال شغب أدت إلى مقتل 25 شخصا على الأقل، قالت السلطات التركية إن بعضهم قضى نتيجة «إعدامات» قام بها تنظيم «حزب العمال الكردستاني» المحظور، في حين اتهم الأكراد السلطات بتسليح «حزب الله» التركي واستعماله لقمع المتظاهرين.
واستغربت تركيا التصريحات الأميركية التي تعبر عن «خيبة أمل» حيال موقف تركيا من التحالف الدولي الذي تقوده واشنطن ضد تنظيم «داعش». وقال مصدر تركي مسؤول لـ«الشرق الأوسط»، إن هذه التصريحات «جزء من عملية التخبط التي تسود أداء المسؤولين الأميركيين حيال الأزمة»، مؤكدا أن بلاده «تعمل وفق تقييمها لحقيقة الواقع على الأرض وتتعامل معه»، مشيرا إلى أنها «تنطلق في أي تصرف تقوم به من خلال حرصها على أمنها القومي، واهتمامها بمصير ملايين الأشقاء السوريين الذين يعانون منذ سنوات من قمع وحشي دموي»، عادا أن تركيا كانت سباقة في إدانة تنظيم «داعش» ووضعه على لوائح الإرهاب، لكن «هذا لا يعني أن نظام دمشق يقل عنه إرهابا وخطرا».
وزار الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (الناتو) ينس شتولتنبرج، تركيا أمس وبحث مع عدد من المسؤولين التطورات على الحدود الجنوبية، غير أنه أكد أن الحلف لم يناقش إقامة منطقة حظر طيران أو منطقة آمنة داخل سوريا. وقال شتولتنبرج في مؤتمر صحافي مع وزير الخارجية التركي مولود جاويش: «أعتقد أنه لا توجد أي وسيلة بسيطة ومباشرة للخروج من المشكلات التي نشهدها.. لم يكن ذلك (إقامة منطقة آمنة) على طاولة أي مناقشات للحلف».
وبدوره، قال وزير الخارجية التركي إنه ليس واقعيا الانتظار من تركيا القيام بعملية برية بمفردها، داعيا إلى ضرورة إقامة منطقة حظر للطيران قبل كل شيء، لأهميتها القصوى من الناحية الإنسانية، ولنجاح العملية العسكرية. وأضاف جاويش، أن تركيا ستواصل دائما تقديم دعمها القوي وعلى جميع المستويات، للمساهمة في الأمن والاستقرار الدوليين. وأوضح جاويش أنه تباحث مع أمين عام الناتو، حول التطورات في سوريا والعراق وفي مقدمتها تهديدات «داعش»، والمشكلات الأمنية، وأهمية حلف الناتو في المنطقة، مؤكدا أنهم تداولوا مسألة الإرهاب على الحدود بشكل مفصل، إضافة إلى الوضع الإنساني.
ولفت جاويش إلى أن هذا وضع الحالي سيستمر مع بقاء نظام الأسد في سدة الحكم في سوريا، موضحا أن النظام هو سبب عدم استقرار سوريا، وهو الذي هيأ الأجواء لظهور الجماعات المتطرفة واكتسابها القوة. وأكد أنهم يواصلون مشاوراتهم مع الحلفاء، وأن بلاده لن تتردد بالقيام بما هو ضروري بعد التوصل إلى قرار مشترك.
ميدانيا، استمرت المظاهرات المناوئة للحكومة التركية لليوم الثالث على التوالي، وإن بوتيرة أخف سمحت بتخفيف حظر التجول المفروض في 3 ولايات جنوبية، حيث الغالبية الكردية، حيث أزيل الحظر نهارا وأبقي عليه ليلا لضبط الأوضاع المتوترة على خلفية اتهامات أكراد تركيا أنقرة بـ«التواطؤ» مع تنظيم «داعش» في حملته على مدينة كوباني ذات الغالبية الكردية في شمال سوريا.
وقال إيرتورول كوركجو، عضو البرلمان عن حزب ديمقراطية الشعوب، لـ«الشرق الأوسط» إن السبب في وصول الحريق الذي يأكل الأخضر واليابس في عين العرب إلى تركيا هو موقف حكومة العدالة التنمية الداعم لـ«داعش». وأشار إلى أن مطالب المتظاهرين واضحة لجهة إعلان الحكومة موقفها الصريح من «داعش» والسماح لمن يريد الدخول إلى الأراضي السورية للقتال ضد «داعش» وإيقاف الدعم الذي يصل من تركيا إلى «داعش»، كما يطالبون بفتح الحدود في منطقة الجزيرة أمام المساعدات الإنسانية وغيرها لدعم صمود المقاومين في شمال سوريا وعين العرب. وقال كوركجو إن الغريب في الأمر أنه كان إلى جانب قوات الأمن التي تتصدى للمتضامنين مع عين العرب وشمال سوريا قوات من «حزب الله» التركي والجميع يعرف ماضي هذا الحزب الذي قام في التسعينات بجرائم ضد السياسيين الوطنيين من الأكراد وأيضا ممن كانوا يؤيدون حزب العمال الكردستاني وقاموا أمس بقتل 12 متظاهرا.
ورأى أن هذه التصرفات غير المسؤولة من الحكومة وقوات الأمن التي سمحت لهؤلاء القتلة بحمل السلاح في الشوارع وقتل الشباب يؤثر تأثيرا سلبيا على عملية السلام التي بدأت قبل عامين. وقال: «نحن نؤمن بأن أمن الأكراد في تركيا هو من أمن أهل عين العرب، ولهذا نرى أن ردود فعل الشباب الكردي في تركيا محقة نؤيدها وندعمها بكل ما نملك من قوة». وأشار كوركجو إلى أن الأكراد لا يريدون أن تستمر المفاوضات مع الحكومة فقط من أجل التقاط الصور أو لكي تستخدمها الحكومة كحقن تخدير للأكراد.
وفي المقابل، نفت مصادر تركية اتهامات الأحزاب الكردية، محذرة من تحول الأمر إلى «نزاع أهلي»، كما حصل في السبعينات، مشيرة إلى أن ما يحصل هو أن المواطنين الأتراك يتصدون لمثيري الشغب كل في منطقته لحماية ممتلكاتهم وأرواحهم. وأوضح المصدر أن ما يحصل هو نزاع بين «الكردستاني» ومنظمة حزب الدعوة الحرة، التي أعلن عن وقوع 6 قتلى من بينهم، وهي أحد تنظيمات «حزب الله» التركي، وهو منظمة إسلامية كردية تأسست لمواجهة «الكردستاني» وحصلت بينهما في السابق مواجهات دامية.
وأوردت وكالة أنباء الأناضول شبه الرسمية أمس، أن السلطات التركية لم تتمكن حتى الآن من التعرف على شخصية اثنين من الأشخاص الـ10 الذين فقدوا حياتهم في ولاية ديار بكر، في حين أظهرت التحقيقات أن 4 من القتلى، هم من أعضاء جمعية «كوي - در»، المقربة من «حزب القضية الحرة»، الذي يعرف بدوره على أنه الجناح السياسي لـ«حزب الله» التركي (أو «حزب الله» الكردي) في تركيا.
وأكد الرئيس التركي، رجب طيب إردوغان، أن بلاده لن تسمح لأحد باستهداف أمنها واستقرارها، وأجواء الأُخوَّة التي تنعم بها. وقال في تصريح نشره المركز الإعلامي لرئاسة الجمهورية، إن «أعمال العنف التي شهدتها تركيا بذريعة الهجمات الإرهابية على عين العرب (كوباني)، أظهرت أن النية والهدف الأصلي يختلفان عمّا هو معلن». ولفت إردوغان إلى أن «تركيا دفعت أثمانًا باهظة بسبب الإرهاب، لذا فهي تقف ضد جميع التنظيمات الإرهابية على وجه الأرض». أما وزير الخارجية التركي مولود جاويش فقد أكد أن «الذين يتهمون تركيا بعدم التدخل في موضوع كوباني، قدموا - خلف الأبواب المغلقة - مطالب مغايرة لتلك التي يصرحون بها، وقد عكست ذلك عملية التصويت في البرلمان التركي؛ حول مذكرة تفويض الجيش بالقيام بعمليات عسكرية خلف الحدود». وأضاف: «نحن كحكومة جرى تفويضنا من قبل البرلمان، وإن الذين صوتوا ضد التفويض؛ هم من يحرضون الناس من أجل النزول إلى الشارع»، في إشارة إلى التصريحات التي صدرت عن مسؤولي حزب الشعب الديمقراطي التركي. لكن الرئيس المشارك لحزب الشعب الديمقراطي التركي (ذي الأغلبية الكردية)، صلاح الدين دميرطاش أكد أنه «يجب الاستمرار في تنظيم المظاهرات الداعمة لكوباني في تركيا، مشددا على ضرورة «توقف أعمال العنف من الجانبين». وأضاف في تصريحات صحافية أدلى بها في مدينة دياربكر، جنوب شرقي تركيا، أن حزبه لم يدعُ أحدًا لاستخدام العنف، مضيفًا: «قلنا لنساند كوباني من خلال تنظيم المسيرات والمظاهرات، ولكن دون حرق أو تدمير أو سلاح أو قتل.. لم ندع للوسائل العنيفة، ونأمل من الجميع أن يلتزم بمناشدتنا».
وكشف دميرطاش عن أنه اتصل أول من أمس بزعيم تنظيم «الكردستاني» عبد الله أوجلان المسجون في تركيا، موضحًا أن الأخير «أوصى واقترح على جميع الأطراف تسريع الحوار المتبادل والمفاوضات من أجل مواجهة خطر وقوع مجازر واستفزازات كبيرة».



«لجنة إدارة غزة»... «قضايا عالقة» بانتظار حلول الوسطاء

منازل مُدمَّرة في مخيم النصيرات وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
منازل مُدمَّرة في مخيم النصيرات وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
TT

«لجنة إدارة غزة»... «قضايا عالقة» بانتظار حلول الوسطاء

منازل مُدمَّرة في مخيم النصيرات وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
منازل مُدمَّرة في مخيم النصيرات وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

تقف «قضايا عالقة» أمام «لجنة إدارة قطاع غزة»، وفق إفادة جديدة من رئيسها علي شعث، غداة حديث مصدَرين لـ«الشرق الأوسط» عن وجود عراقيل أمام اللجنة، أولها حرص «حماس» على الوجود بعناصرها الأمنية رغم رفض ذلك، وثانيها عدم سماح إسرائيل لأعضاء اللجنة بالعبور للقطاع.

تلك القضايا العالقة التي لم يوضِّحها بيان شعث، السبت، الذي دعا الوسطاء للتدخل للحصول على صلاحيات كاملة، ومهام الشرطة، يراها خبراء تحدَّثوا لـ«الشرق الأوسط» تتمثَّل في قضيَّتين رئيسيَّتين هما الملفان الأمني والمالي. وأكدوا أن «حماس» لن تسلِّم تسليماً كاملاً دون ضمانات سياسية أو نفوذ، وهو ما يستدعي ضغوطاً، لا سيما أميركية؛ لإنهاء ذلك، أو العودة من جديد للحرب.

وأكدت «اللجنة الوطنية لإدارة غزة» أن البيانات والتصريحات الصادرة من داخل القطاع بشأن الجهوزية لتسليم إدارة جميع المؤسسات والمرافق العامة في قطاع غزة تُمثِّل خطوةً تصبُّ في مصلحة المواطن، وتمهِّد لتمكين اللجنة من الاضطلاع بمسؤولياتها كاملة في إدارة المرحلة الانتقالية.

المحلل السياسي في الشأن الإسرائيلي بـ«مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية»، الدكتور سعيد عكاشة، يرى أن القضايا العالقة تتمثَّل في غياب الرغبة من «حماس» في إنهاء التسليم والتسلم على عكس ما تبدي في التصريحات العلنية التي عدّها «مناورة» لإطالة أمد حكمها، فهي ليس من مصلحتها تطبيق أي شيء.

وأضاف: «يبدو أن الصدام سيكون وشيكاً ليس بين الحركة واللجنة؛ لكن مع واشنطن وفي ظل قناعة إسرائيل بأنها قد تخوض حرباً وشيكةً ضد الحركة»، مستبعداً وجود حلول مع حركة آيديولوجية مثل «حماس»، مشيراً إلى أن حديث «حماس» المتكرِّر عن جهوزيتها لتسليم المهام، هو كسب للوقت، وحدوث صدف ومفاجآت تعيد لها مكانتها بوصفها حرباً طويلة بين إيران وإسرائيل.

في حين يرى المحلل السياسي الفلسطيني، نزار نزال، أن الملف الأمني، هو أعقد تلك الملفات للجنة، ولا يوجد على الأرض إلا عناصر حركة «حماس» والسلطة الفلسطينية، وأمامهما خيارات غاية في التعقيد والحساسية كالقضية المالية، فما فائدة تسلم اللجنة إدارة القطاع دون أن تكون لديها القدرة المالية لدفع الرواتب وما شابه.

خيام وملاجئ في مخيم للنازحين قرب ساحة الجندي المجهول بمدينة غزة (أ.ف.ب)

ويعتقد نزال أن هناك حلولاً عديدة، يمكن أن تذهب لها اللجنة منها تفعيل تفاهمات ومقاربة، ووجود القوات الدولية، وأخيراً الدمج، مشيراً إلى أن الدمج هو الخيار الأفضل بعد الفرز الأمني، موضحاً: «لكن حماس قد ترفض تسليماً كاملاً دون ضمانات سياسية أو نفوذ حتى تضمن عدم إخراجها من المشهد السياسي كليةً».

بالمقابل، لم يعلق الوسطاء على مطالب «اللجنة»، غير أن وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، جدَّد خلال لقاء رئيس وزراء فلسطين، محمد مصطفى «دعم مصر للجنة الوطنية لإدارة قطاع غزة برئاسة الدكتور علي شعث، بوصفها آليةً انتقاليةً مؤقتةً لإدارة الشؤون اليومية للقطاع، وتلبية الاحتياجات الأساسية للسكان خلال المرحلة الانتقالية، تمهيداً لتمكين السلطة الفلسطينية من الاضطلاع بمسؤولياتها كاملة في قطاع غزة».

وشدَّد عبد العاطي على «أهمية التنفيذ الكامل لبنود المرحلة الثانية من خطة الرئيس الأميركي، وعلى رأسها الإسراع بتشكيل ونشر قوة الاستقرار الدولية لمراقبة وقف إطلاق النار، وضمان الالتزام بتدفق المساعدات الإنسانية بصورة منتظمة، ومتابعة الانسحاب الإسرائيلي من المناطق التي تسيطر عليها إسرائيل داخل القطاع، بما يسهم في تثبيت الاستقرار وتهيئة البيئة الملائمة للتعافي المبكر وإعادة الإعمار».

وأكد عكاشة أن موقف مصر واضح، وستكون حريصة للوصول لتفاهمات والدفع بالاتفاق لتنفيذ الأطراف بنوده كاملة، مشيراً إلى أن الضغوط من الوسطاء، لا سيما واشنطن ربما تكون لها نتيجة إيجابية على المسار المتجمد أو العودة للحرب كما تريد إسرائيل.


العليمي يدعو من ميونيخ إلى إعادة صياغة معادلة الأمن الإقليمي

العليمي خلال جلسة حوارية في ميونيخ يقدم رؤية اليمن للأمن البحري (سبأ)
العليمي خلال جلسة حوارية في ميونيخ يقدم رؤية اليمن للأمن البحري (سبأ)
TT

العليمي يدعو من ميونيخ إلى إعادة صياغة معادلة الأمن الإقليمي

العليمي خلال جلسة حوارية في ميونيخ يقدم رؤية اليمن للأمن البحري (سبأ)
العليمي خلال جلسة حوارية في ميونيخ يقدم رؤية اليمن للأمن البحري (سبأ)

في خضم المشهد اليمني المعقّد على جميع الصعد الأمنية والسياسية والاقتصادية، طرح رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، رؤية شاملة لإعادة تعريف مقاربة المجتمع الدولي تجاه أمن الممرات المائية والاستقرار الإقليمي، مؤكداً أن التحديات المتصاعدة في البحر الأحمر وباب المندب لم تعد مجرد أزمات أمنية عابرة، بل تحولات جيوسياسية تتطلّب استراتيجية دولية مختلفة تقوم على الردع وبناء الدول، لا الاكتفاء بسياسات الاحتواء المؤقتة.

وخلال جلسة حوارية حول أمن الممرات المائية ضمن أعمال مؤتمر ميونيخ للأمن الدولي، شدد العليمي على أن تحقيق الأمن المستدام للملاحة الدولية يبدأ من معالجة جذور الأزمة اليمنية، عبر دعم مؤسسات الدولة الوطنية وتعزيز قدرتها على فرض الاستقرار ومكافحة الإرهاب بصورة فعّالة ومستدامة.

وأكد أن التعامل الدولي السابق مع الهجمات في البحر الأحمر اتسم بطابع تكتيكي قصير الأمد، حيث جرى النظر إلى التهديدات بوصفها أحداثاً أمنية مؤقتة، الأمر الذي أدى إلى إطلاق مبادرات عسكرية لحماية الملاحة دون معالجة الأسباب العميقة لعدم الاستقرار.

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (سبأ)

وأشار العليمي إلى أن العمليات الدولية التي أُطلقت لحماية السفن التجارية، رغم أهميتها في الحد من المخاطر المباشرة، أسهمت في عسكرة المنطقة أكثر مما أسهمت في استقرارها؛ لأن المقاربة ركزت على احتواء النتائج بدلاً من تفكيك مصادر التهديد المتمثلة في الجماعة الحوثية المدعومة من إيران.

وحسب الرؤية اليمنية، فإن الأمن البحري لا يمكن تحقيقه عبر الانتشار العسكري وحده، بل عبر بناء دولة قادرة داخل اليمن تمتلك أدوات الردع السياسي والعسكري والاقتصادي، بما يمنع الجماعات المسلحة من تحويل الجغرافيا اليمنية إلى منصة تهديد للملاحة العالمية.

وحذّر العليمي من أن توقف الهجمات مؤقتاً لا يعني زوال الخطر، مؤكداً أن الميليشيات الحوثية ستظل تهديداً دائماً للمصالح الإقليمية والدولية ما لم يتم التعامل معها ضمن استراتيجية ردع طويلة المدى.

أهمية باب المندب

وصف رئيس مجلس القيادة اليمني ما يجري في البحر الأحمر وباب المندب بأنه معضلة جيوسياسية مركبة نتجت عن تداخل عوامل عدة، أبرزها تنافس القوى الإقليمية ومحاولات الهيمنة، إلى جانب ضعف قدرات الدولة اليمنية خلال سنوات الحرب، وصعود جماعات ما دون الدولة.

وأشار إلى أن المشهد الأمني لم يعد محصوراً في جماعة واحدة، بل باتت هناك شبكة مترابطة من التنظيمات المتطرفة تشمل الحوثيين وتنظيمي «القاعدة» و«داعش» وحركات متشددة أخرى تنشط على ضفتَي باب المندب، مما يجعل التهديد متعدد المستويات وعابراً للحدود.

جانب من الحضور خلال جلسة حوارية في ميونيخ بمشاركة العليمي (سبأ)

وفي هذا السياق، دعا إلى تبني استراتيجية دولية استباقية لمكافحة الإرهاب، تقوم على تصنيف هذه الجماعات بوصفها تهديداً جيوسياسياً طويل الأمد، وليس مجرد ظواهر أمنية قابلة للاحتواء عبر التهدئة أو الحوافز السياسية.

كما شدد على أهمية تفعيل الهياكل الإقليمية القائمة، وفي مقدمتها مجلس الدول المشاطئة للبحر الأحمر، وقوات المهام المشتركة، ضمن شراكات دولية أوسع تهدف إلى تحقيق توازن أمني مستدام في المنطقة.

استقرار اليمن بوابة الأمن

أكد العليمي أن أمن الملاحة الدولية يبدأ فعلياً من البر اليمني، مشيراً إلى أن أي استراتيجية بحرية ستظل ناقصة ما لم تترافق مع جهود حقيقية لإعادة بناء مؤسسات الدولة اليمنية وتعزيز قدراتها السيادية.

وتطرق إلى الإجراءات التي اتخذتها الحكومة اليمنية بدعم من السعودية، والتي أسهمت -حسب تأكيده- في تجنّب سيناريو كارثي كان يمكن أن يؤدي إلى سيطرة قوى مسلحة على السواحل الجنوبية، وفرض واقع تقسيمي يهدد وحدة البلاد ويعرّض الممرات البحرية لمخاطر غير مسبوقة.

وأوضح أن تلك التطورات أثبتت أن الاستثمار في استقرار الدولة الوطنية أقل كلفة بكثير من التعامل مع تداعيات انهيارها، داعياً المجتمع الدولي إلى تعزيز شراكته مع اليمن لضمان استدامة الأمن البحري العالمي.

وأضاف أن الردع المشترك ضد الجماعات المسلحة يجب أن يُصبح جزءاً أساسياً من أي مقاربة دولية مستقبلية، بما يمنع تكرار العمليات الإرهابية العابرة للحدود ويؤسّس لبيئة آمنة للتجارة الدولية.

شراكة يمنية-خليجية

في سياق آخر، جدّد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني دعوته إلى تعزيز الشراكة اليمنية-الخليجية عبر إدماج اليمن تدريجياً في منظومة مجلس التعاون لدول الخليج العربية، باعتبار ذلك خياراً استراتيجياً لتحقيق الاستقرار الاقتصادي والسياسي.

وخلال جلسة نظّمها مركز الخليج للأبحاث بالتعاون مع مجموعة الأزمات الدولية، أعرب عن تطلّع بلاده إلى تطوير العلاقات الخليجية نحو شراكة استراتيجية شاملة تقوم على التكامل المؤسسي والاندماج الجيو-اقتصادي.

العليمي في ميونيخ خلال جلسة نظّمها مركز الخليج للأبحاث بالتعاون مع مجموعة الأزمات الدولية (سبأ)

واقترح العليمي إطلاق ما وصفه بـ«خطة مارشال خليجية» لإعادة إعمار اليمن، مستلهمة من تجربة البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن ومنسجمة مع رؤى التنمية الخليجية الطموحة، وفي مقدمتها «رؤية السعودية 2030».

وأوضح أن الطريق الأكثر واقعية لاندماج اليمن خليجياً يمر عبر الشراكة الاستراتيجية مع الرياض، بصفتها مركز ثقل إقليمياً وشريكاً رئيسياً في جهود التعافي اليمني وإعادة تشكيل توازنات المنطقة.

وأشار إلى أن تجربة «عاصفة الحزم» عام 2015 أثبتت أن أمن الخليج واليمن مترابطان بصورة عضوية، وأن استقرار منظومة الأمن الخليجي سيظل معرضاً للخطر ما دامت الدولة اليمنية بقيت ضعيفة أو منقسمة.

وأكد العليمي أن الرؤية اليمنية تتطابق إلى حد كبير مع تصورات غالبية دول الخليج بشأن مستقبل النظام الإقليمي، والتي ترتكز على دعم الدول الوطنية ومكافحة الكيانات المسلحة العابرة للدولة، وتعزيز التنمية باعتبارها أداة للاستقرار طويل الأمد.

العليمي اجتمع في ميونيخ مع رئيس الوزراء الكويتي (سبأ)

وأشاد بالدور الخليجي في الوساطة الدبلوماسية وجهود السلام، بدءاً بالمبادرة الخليجية التي جنّبت اليمن حرباً أهلية شاملة، مروراً بالوساطة الكويتية، وصولاً إلى المبادرات السعودية اللاحقة لإيجاد خريطة طريق سياسية لإنهاء الصراع.

وشدد على أن أي عملية سلام مستقبلية لن تكون مكتملة ما لم تتضمن تفكيك الميليشيات المسلحة ووقف التدخلات الخارجية التي تغذّي الصراعات، مؤكداً أن الوساطة في الملف اليمني يجب أن تجمع بين الضغوط السياسية والتنمية الاقتصادية، وهي المقاربة التي أثبتت فاعليتها في خفض التصعيد وتعزيز مؤسسات الدولة.

وطرح العليمي، في ختام مداخلته، رؤية لمستقبل آمن لليمن تقوم على المصالحة الداخلية أولاً، وتصحيح العلاقة مع الجوار الخليجي، والتخلي عن النزعات الطائفية والسلالية والسلاح المنفلت، مشدداً على أن قوة اليمن الحقيقية لا تكمن في السلاح بل في موارده البشرية وتاريخه وقدرته على أن يكون شريكاً إيجابياً في استقرار المنطقة وازدهارها.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


حزب «المؤتمر» في صنعاء يرضخ لإملاءات حوثية جديدة

قيادات في جناح حزب «المؤتمر الشعبي» الخاضع للحوثيين في صنعاء (إعلام محلي)
قيادات في جناح حزب «المؤتمر الشعبي» الخاضع للحوثيين في صنعاء (إعلام محلي)
TT

حزب «المؤتمر» في صنعاء يرضخ لإملاءات حوثية جديدة

قيادات في جناح حزب «المؤتمر الشعبي» الخاضع للحوثيين في صنعاء (إعلام محلي)
قيادات في جناح حزب «المؤتمر الشعبي» الخاضع للحوثيين في صنعاء (إعلام محلي)

واصل جناح حزب «المؤتمر الشعبي» في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية تقديم تنازلات جديدة، في خطوة تعكس حجم الضغوط السياسية والأمنية التي يتعرض لها منذ سنوات، وذلك بعد إقراره فصل اثنين من قياداته المعتقلين كشرط للإفراج عنهما، وهي واقعة عدّها مراقبون دليلاً إضافياً على تآكل استقلالية الحزب وتحوله إلى كيان يعمل ضمن هامش ضيق تحدده الجماعة الانقلابية.

وأقرت اللجنة العامة، التي تمثل المكتب السياسي لجناح الحزب في صنعاء، فصل القياديين ياسين هزاع نائب رئيس الدائرة السياسية، وناجي محيي الدين، استناداً إلى تقرير لجنة الرقابة التنظيمية، من دون الكشف عن طبيعة المخالفات المنسوبة إليهما.

إلا أن مصادر سياسية أكدت أن القرار جاء استكمالاً لاتفاق غير معلن مع الحوثيين يقضي بإقصاء القيادات المتهمة بالتواصل مع الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً أو مع قيادات الحزب في الخارج مقابل الإفراج عنها.

القرار أعاد إلى الواجهة مساراً متكرراً من الإجراءات التي اتخذها قادة جناح الحزب في صنعاء خلال الأشهر الماضية، أبرزها إقالة أحمد علي عبد الله صالح من موقعه نائباً لرئيس الحزب، ثم فصل الأمين العام غازي الأحول، وهي خطوات ربطها مراقبون مباشرة باشتراطات فرضتها الجماعة الحوثية لضمان استمرار نشاط الحزب في مناطق سيطرتها.

فعالية محدودة سابقة أقامها «مؤتمر صنعاء» تحت إشراف الحوثيين (إعلام محلي)

وتشير المعطيات السياسية إلى أن قرارات الفصل الأخيرة لم تكن نتاج خلافات تنظيمية داخلية بقدر ما كانت استجابة لضغوط أمنية مباشرة؛ فبحسب مصادر مطلعة، فرض الحوثيون حصاراً مشدداً على منزل رئيس الجناح صادق أبو راس لعدة أيام، وهددوا بحظر نشاط الحزب بالكامل ما لم يتم إقصاء القيادات التي يُشتبه بتواصلها مع الخارج.

وأفادت المصادر بأن الاشتراطات صدرت على أعلى مستوى داخل قيادة الجماعة، وتضمنت إلزام الحزب بفصل أي قيادي يثير الشكوك حول علاقاته السياسية خارج مناطق سيطرة الحوثيين. وهو ما وضع قيادة الجناح أمام خيارين أحلاهما مرّ، فإما الالتزام بالمطالب وإما مواجهة حل الحزب ومصادرة ما تبقى من نفوذه السياسي والتنظيمي.

ويرى محللون أن هذه المعادلة دفعت قيادة «المؤتمر» في صنعاء إلى تقديم تنازلات متتالية بهدف الحفاظ على وجود رمزي يسمح لها بالبقاء ضمن المشهد السياسي، ولو بقدرة محدودة، خصوصاً في ظل الرقابة المشددة المفروضة على موارده المالية وإعلامه ونشاطاته التنظيمية.

حزب تحت الوصاية

منذ مقتل مؤسس الحزب الرئيس السابق علي عبد الله صالح نهاية عام 2017، دخل جناح «المؤتمر» في صنعاء مرحلة جديدة اتسمت بتراجع استقلاليته السياسية بشكل كبير؛ فبعد أن كان شريكاً سياسياً رئيسياً في تحالف إدارة المناطق الخاضعة للحوثيين، تحول تدريجياً إلى طرف ثانوي يحتفظ بتمثيل شكلي داخل مؤسسات الحكم غير المعترف بها دولياً.

وعلى الرغم من أن التحالف بين الطرفين أفضى في عام 2016 إلى تشكيل ما سُمّي بالمجلس السياسي الأعلى بالمناصفة، فإن الحوثيين احتفظوا فعلياً برئاسة المجلس وبالقرار السياسي والعسكري، كما استحوذوا على معظم المناصب الحكومية عقب مقتل صالح، مع الإبقاء على حضور محدود لقيادات المؤتمر لأغراض سياسية وإعلامية.

الرئيس اليمني الأسبق علي عبد الله صالح الذي قتله الحوثيون أواخر 2017 (إعلام محلي)

وتشير تقارير سياسية إلى أن لجنة خاصة تابعة للجماعة تشرف على ميزانية الحزب وأصوله المالية، إضافة إلى مراقبة برامجه الإعلامية وخطط قنواته التلفزيونية وصحفه ومواقعه الإلكترونية؛ ما جعل نشاطه خاضعاً لرقابة دقيقة تقلص هامش حركته إلى الحد الأدنى.

انتقادات داخلية

أثارت قرارات الفصل الأخيرة موجة انتقادات داخل أوساط قيادات الحزب، حيث رأى مسؤولون في الجناح أن الخطوة تمثل «سابقة غير معهودة» في العمل السياسي؛ إذ يقدم حزب على التخلي عن قياداته وهم في السجون بدلاً من الدفاع عنهم.

وأكدت مصادر حزبية أن اعتقال القياديين جاء ضمن حملة مداهمات نفذتها أجهزة أمن الحوثيين في صنعاء وإب خلال أغسطس (آب) الماضي، واستهدفت عدداً من أعضاء الحزب على خلفية انتمائهم التنظيمي أو الاشتباه بوجود علاقات سياسية خارج إطار الجماعة.

ويرى منتقدون أن اتخاذ قرار الفصل قبل يوم واحد فقط من الإفراج عن القياديين يكشف بوضوح طبيعة الصفقة التي أُبرمت، ويعكس حالة «الرضوخ» التي تعيشها قيادة الجناح تحت ضغط الواقع الأمني والسياسي المفروض عليها.

قيادي في «المؤتمر» في صنعاء فصله الحزب مقابل أن يطلق الحوثيون سراحه (إعلام محلي)

ويحذر مراقبون من أن استمرار هذا النهج قد يؤدي إلى مزيد من التفكك داخل الحزب، مع تزايد شعور قواعده بأن القيادة لم تعد قادرة على حماية أعضائها أو الدفاع عن استقلالية قراراتها، الأمر الذي قد يدفع مزيداً من الكوادر إلى الابتعاد عن النشاط السياسي، أو البحث عن مسارات بديلة خارج مناطق سيطرة الحوثيين.

في المقابل، يرى آخرون أن القيادة الحالية تحاول المناورة للحفاظ على ما تبقى من وجود الحزب؛ إذ يرون أن أي مواجهة مباشرة مع الحوثيين قد تنتهي بحظر كامل للنشاط السياسي ومصادرة الممتلكات، وهو سيناريو سبق أن لوّحت به الجماعة أكثر من مرة.