تخفيض التصنيف الائتماني السيادي يلاحق لبنان

تحذير من تفاقم الضغوط المالية والنقدية

تخفيض التصنيف الائتماني السيادي يلاحق لبنان
TT

تخفيض التصنيف الائتماني السيادي يلاحق لبنان

تخفيض التصنيف الائتماني السيادي يلاحق لبنان

في خطوة «تحذيرية» قد تمهد لخفض وشيك للتصنيف السيادي للبنان، خفضت وكالة التصنيف الدوليّة «ستاندرد آند بورز» (S&P Global Ratings)، تقييم تحويل المال والعملة (Transfer & Convertibility Assessment) من «B+» إلى «B -». إلا أنها نوهت بأنّه «على الرغم من تزايد المخاطر، فقد استطاعت الدولة اللبنانيّة دوماً الالتزام بجميع مستحقّاتها مهما اشتدّت الصعاب».
وجاء قرار الوكالة في خضم الانتفاضة الشعبيّة العارمة التي شهدها لبنان على مدى أسبوعين متتاليين. ليعكس قلق المؤسسات المالية الدولية من تفاقم الضغوط الماليّة والنقديّة التي قد تنجم عن تباطؤ وتيرة تدفُّق الرساميل بالعملة الأجنبيّة إلى البلاد. حيث اعتبرت «أنّ ثقة المودعين قد تتأثّر سلباً بالضبابيّة السائدة حاليّاً»، ما قد ينعكس بدوره على الاحتياطات بالعملة الأجنبيّة لدى مصرف لبنان.
إلّا أنّه من المرجَّح، أن تبقى هذه الاحتياطات كافية لتلبية الحاجات التمويليّة للدولة اللبنانيّة على المدى المنظور، بما فيها استحقاقات بالعملات الأجنبية، خلال الشهر الحالي، تتضمن استحقاق سندات «يورو بوند» بقيمة 1.5 مليار دولار أميركي وقسائم (عوائد مستحقة على محفظة السندات) بقيمة مليار دولار. فيما يتوقع أن يصل عجز الحساب الجاري إلى 13 مليار دولار في نهاية العام الحالي.
وأعلنت الوكالة، في أحدث تقرير لها، أنّها قد تخفّض التصنيف السيادي للبنان في حال فشلت الحكومة بالتخفيف من تنامي الضغوطات الاقتصاديّة والاجتماعيّة بشكلٍ يعيد ثقة المودعين، خصوصاً إذا ما اقترن ذلك بضعفٍ في ربط الليرة اللبنانيّة بالدولار الأميركي، ما قد يهدّد قدرة الدولة على تلبية استحقاقاتها وحاجاتها التمويليّة الخارجيّة.
في المقابل، يمكن للبنان الدفاع عن تصنيفه الحالي الذي تعتمده الوكالة عند الدرجة «بي B»، حال نجحت الحكومة في تسريع عجلة النموّ الاقتصادي وضبط الدين العامّ، وذلك عبر التنفيذ الفعلي للإصلاحات اللازمة. بينما سيبقى أي تحسين للتصنيف السيادي للبنان مشروطاً بالاستحصال على الأموال المتعهد بها في مؤتمر «سيدر» بشكلٍ يحدّ من تفاقم الضغوطات الماليّة، ويقوّي مستويات الثقة بالعملة المحليّة. علماً بأن فترة مراقبة التصنيف السيادي للبنان لتخفيضٍ محتمَل محددة بثلاثة أشهر.
ووفقاً للتحليل الذي وضعته مؤسسة التقييم الائتماني، يرتقب أن تصل قيمة الاحتياطات بالعملة الأجنبيّة القابلة للاستخدام لدى مصرف لبنان إلى نحو 19 مليار دولار أميركي في نهاية هذا العام. مع ملاحظة استقطاب زيادة بقيمة 2.3 مليار دولار في الاحتياطيات من خلال عمليات الهندسات الماليّة التي نفذها البنك المركزي خلال شهري يوليو (تموز) وأغسطس (آب) الماضيين. إنما تبرز شكوك بقدرة الهندسات الماليّة القادمة على التعويض عن حركة خروج الودائع، والبالغ حجمها 2.1 مليار دولار خلال الأشهر الثمانية الأولى من العام الحالي، كما وباستدامة هذه العمليات نظراً لكلفتها المتزايدة.
وطرأت تحديات جديدة أمام السلطات اللبنانيّة بُعَيد الثورة الشعبيّة الأخيرة، إذ بات من الأصعب التوفيق بين تبنّي الإصلاحات التي ترمي إلى تقليص عجز الموازنة والحفاظ على الاستقرار الاجتماعي. وبالفعل، حثّت المظاهرات والتحرّكات المطلبيّة، رئيس مجلس الوزراء، على إعلان رزمة جديدة من السياسات التي تهدف إلى تخفيض عجز الموازنة اللبنانيّة إلى 0.63 في المائة من الناتج المحلّي الإجمالي خلال عام 2020 عبر سلسلة من التدابير، منها: تخفيض رواتب الوزراء والنوّاب الحاليين والسابقين، وتقليص كلفة خدمة الدين بنسبة 50 في المائة من قبل مصرف لبنان، وفرض ضريبة بنسبة 2 في المائة على مداخيل المصارف لمرّة واحدة فقط.
كذلك تضمّنت الرزمة، حسب ما ورد في التقرير الدوري لمجموعة «الاعتماد اللبناني»، بنوداً تلغي جميع التعديلات الضريبيّة التي تمّ إقرارها حديثاً وتدابير هيكليّة عديدة مثل تسريع عمليّة الموافقة على محطّات جديدة لتوليد الطاقة، وإطلاق تشريعات جديدة لمكافحة الفساد، وخصخصة بعض مؤسّسات القطاع العامّ. ومن شأن تطبيق هذه الرزمة أن يحفّز تدفّق الرساميل الوافدة إلى البلاد، ويؤدّي إلى تحرير الأموال التي تعهد بها المجتمع الدولي للبنان خلال مؤتمر «سيدر».
في سياق متّصل، وضعت وكالة «ستاندرد آند بورز»، بتاريخ 28 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، التصنيف الائتماني الطويل والقصير الأمد لثلاثة من أكبر المصارف اللبنانيّة، وهي «بنك عودة» و«بنك لبنان والمهجر» و«بنك البحر المتوسّط»، قيد المراقبة لتخفيضٍ محتمَلٍ، تماشياً مع التصنيف السيادي للبنان. وأكدت «أنّ تصنيف المصارف الثلاثة قد يتمّ تخفيضه بُعَيد أي خطوة مماثلة تطال التصنيف السيادي، أو في حال تدهورت سيولتها بشكل حاد».
وبالتوازي، سلّط التقرير الضوء على التعرّض السيادي الكبير لعمليّات وتمويل وموجودات المصارف اللبنانيّة بالإجمال، مع العلم أنّ نسبة تعرّض المصارف للديون السياديّة قد بلغت 69 في المائة من موجوداتها، وأكثر من 8 مرّات أموالها الخاصّة الأساسيّة في نهاية شهر مايو (أيار) الماضي. كما شكّلت توظيفات المصارف مع البنك المركزي نحو 57 في المائة من موجوداتها مع نهاية شهر يوليو.



بين «ثبات الفائدة» وضبابية الحرب... كيف استقبلت الأسواق قرار «الفيدرالي»؟

متداولون يراقبون شاشات تعرض مؤشرات الأسهم في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
متداولون يراقبون شاشات تعرض مؤشرات الأسهم في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
TT

بين «ثبات الفائدة» وضبابية الحرب... كيف استقبلت الأسواق قرار «الفيدرالي»؟

متداولون يراقبون شاشات تعرض مؤشرات الأسهم في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
متداولون يراقبون شاشات تعرض مؤشرات الأسهم في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)

تأرجحت الأسواق العالمية عقب قرار مجلس الاحتياطي الفيدرالي تثبيت أسعار الفائدة ضمن نطاق (3.50 في المائة - 3.75 في المائة)، في خطوة جاءت شبه إجماعية لتعكس حجم التحديات التي يفرضها تصاعد التوتر في الشرق الأوسط على الاقتصاد الأميركي. وبينما قلّصت الأسهم والدولار مكاسبهما وتراجعت أسعار الطاقة، بعث صُنّاع السياسة برسالة واضحة مفادها بأن «اليقين» لا يزال غائباً، مع الإبقاء على الباب موارباً أمام خفض محتمل للفائدة في وقت لاحق من العام الجاري.

ولم يشهد سعر الذهب الفوري تغيراً يُذكر عقب القرار، إذ تراجع بنسبة 2.2 في المائة ليبلغ 4896.94 دولار للأونصة.

وفي أسواق الأسهم، قلّصت المؤشرات الأميركية خسائرها بشكل طفيف، حيث انخفض مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنحو 0.6 في المائة، فيما تراجع مؤشر «ناسداك المركب» بنسبة 0.5 في المائة، وسط تقييم المستثمرين لمسار السياسة النقدية خلال الفترة المقبلة.

أما في سوق السندات، فقد ارتفعت عوائد الخزانة الأميركية، إذ صعد العائد على السندات لأجل عامين بمقدار 2.4 نقطة أساس ليصل إلى 3.695 في المائة، فيما اتسع الفارق بين عوائد السندات لأجل عامين وعشرة أعوام إلى 51.3 نقطة أساس، مقارنة بـ50.8 نقطة أساس قبل القرار، في إشارة إلى إعادة تسعير توقعات أسعار الفائدة.

وفي سوق العملات، قلّص مؤشر الدولار الأميركي مكاسبه لفترة وجيزة عقب القرار، لكنه ظل مرتفعاً بنسبة 0.21 في المائة عند 99.76 نقطة. كما ارتفع الدولار مقابل الين الياباني بنحو 0.2 في المائة إلى 159.31 ين، قبل أن يتراجع جزئياً.

في المقابل، قلّص اليورو خسائره أمام الدولار لفترة وجيزة عقب القرار، ليسجل انخفاضاً بنسبة 0.16 في المائة عند 1.152425 دولار. كما تراجعت أسعار النفط الخام الأميركي وعقود البنزين الآجلة لتدخل المنطقة السلبية.

وأبقى مجلس الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة دون تغيير يوم الأربعاء، كما كان متوقعاً، متجاهلاً ضغوط الرئيس دونالد ترمب، في وقت يواجه فيه الاقتصاد الأميركي مزيجاً من التضخم المستمر، وضعف الطلب على العمالة، إلى جانب حالة من عدم اليقين المرتبطة بالحرب في إيران.

وجاء القرار بتصويت 11 عضواً مقابل صوت واحد، في حين أشار صُنّاع السياسة إلى احتمال تنفيذ خفض واحد للفائدة قبل نهاية العام.

وأكد الاحتياطي الفيدرالي في بيانه أن «تداعيات التطورات في الشرق الأوسط على الاقتصاد الأميركي لا تزال غير مؤكدة»، في انعكاس واضح لاستمرار الضبابية التي تكتنف مسار النمو والتضخم خلال المرحلة المقبلة.


بين يناير ومارس... ماذا تغيّر في بيان «الفيدرالي»؟

مبنى «الاحتياطي الفيدرالي» (رويترز)
مبنى «الاحتياطي الفيدرالي» (رويترز)
TT

بين يناير ومارس... ماذا تغيّر في بيان «الفيدرالي»؟

مبنى «الاحتياطي الفيدرالي» (رويترز)
مبنى «الاحتياطي الفيدرالي» (رويترز)

كشفت مقارنة بيان مجلس «الاحتياطي الفيدرالي» الصادر يوم الأربعاء مع بيان يناير (كانون الثاني) السابق، عن تحول في نبرة البنك المركزي تجاه المخاطر المحيطة بالاقتصاد الأميركي، حيث تخلت اللجنة عن تفاؤلها النسبي باستقرار سوق العمل لصالح لغة أكثر حذراً وقلقاً من التداعيات الدولية.

1. الموقف من الشرق الأوسط (الإضافة الأبرز):

أظهرت المقارنة إضافة جملة حاسمة في البيان الجديد لم تكن موجودة في يناير: «تداعيات التطورات في الشرق الأوسط على الاقتصاد الأميركي غير مؤكدة». تعكس هذه الإضافة المباشرة كيف أصبح الصراع الإقليمي محركاً أساسياً للسياسة النقدية، مما رفع مستوى «عدم اليقين» بشأن الآفاق الاقتصادية إلى درجات قصوى.

2. سوق العمل... من «الاستقرار» إلى «الجمود»:

قام «الاحتياطي الفيدرالي» بتعديل وصفه لسوق العمل بشكل لافت؛ فبينما كان بيان يناير يشير إلى أن معدل البطالة «أظهر بعض علامات الاستقرار» (التي حُذفت في البيان الجديد)، استبدل بها عبارة أكثر دقة وحذراً، وهي أن معدلات البطالة «لم تتغير كثيراً في الأشهر الأخيرة». هذا التعديل يعكس قلق البنك من فقدان الزخم في خلق الوظائف، وهو ما برز في معارضة أحد الأعضاء للقرار.

3. الانقسام الداخلي وتبدل الولاءات:

كشفت مقارنة التصويت عن تغير في موازين القوى داخل اللجنة؛ فبينما شهد اجتماع يناير معارضة ثنائية من ستيفن ميران وكريستوفر والر للمطالبة بخفض الفائدة، أظهر بيان مارس (آذار) انفراد ستيفن ميران بالمعارضة وحيداً. المثير للاهتمام هو عودة كريستوفر والر للتصويت مع الأغلبية لصالح «التثبيت»، مما يشير إلى اقتناع «صقور» البنك بضرورة التريث أمام صدمة الطاقة الحالية.

4. الثبات في مواجهة التضخم:

رغم التغييرات الجيوسياسية، أبقى البنك على الفقرات المتعلقة بالتضخم كما هي، مؤكداً أنه «لا يزال مرتفعاً نوعاً ما»، ومشدداً على التزامه القوي بالعودة لمستهدف 2 في المائة، مما يوحي بأن «الحرب» لم تغير الهدف النهائي، بل عقدت المسار الموصل إليه.


مصارف مركزية خليجية تُثبّت الفائدة تماشياً مع «الفيدرالي»

مصرف الإمارات المركزي (وام)
مصرف الإمارات المركزي (وام)
TT

مصارف مركزية خليجية تُثبّت الفائدة تماشياً مع «الفيدرالي»

مصرف الإمارات المركزي (وام)
مصرف الإمارات المركزي (وام)

تماشياً مع قرار مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي الإبقاء على سعر الفائدة دون تغيير خلال اجتماعه الذي عُقد يوم الأربعاء، قرّر مصرف الإمارات العربية المتحدة المركزي تثبيت «سعر الفائدة الأساسي» عند مستوى 3.65 في المائة.

وفي السياق ذاته، أبقى مصرف قطر المركزي أسعار الفائدة دون تغيير، حيث استقر سعر فائدة الإيداع عند 3.85 في المائة، وسعر الإقراض عند 4.35 في المائة، فيما ظل سعر إعادة الشراء عند 4.10 في المائة.

وأبقى الفيدرالي أسعار الفائدة دون تغيير مع ترجيح ارتفاع معدلات التضخم واستقرار مستويات البطالة، إلى جانب الاكتفاء بخفض طفيف واحد فقط في تكاليف الاقتراض خلال العام الجاري، في ظل تقييم المسؤولين للمخاطر الاقتصادية الناجمة عن الحرب الأميركية - الإسرائيلية مع إيران.

وأظهرت التوقعات الجديدة لصُنّاع السياسة النقدية في البنك المركزي الأميركي أن سعر الفائدة القياسي لليلة واحدة قد ينخفض بمقدار ربع نقطة مئوية فقط بحلول نهاية العام، من دون تحديد توقيت واضح لهذا الخفض. ولم تشهد هذه التوقعات أي تعديل يُذكر مقارنة بالتقديرات السابقة، كما أنها لا تزال تتعارض مع دعوات الرئيس دونالد ترمب إلى إجراء خفض حاد في تكاليف الاقتراض.