سيرة لعدمية الضياع الملحمي

رواية «صيادو الريح» للعراقية لمياء الآلوسي

سيرة لعدمية الضياع الملحمي
TT

سيرة لعدمية الضياع الملحمي

سيرة لعدمية الضياع الملحمي

إذا كان من جماليات الرواية التصاقها بالواقع التصاقاً تخييلياً يقربها من التاريخ، فكيف يكون الحال حين تكون سيرة ذاتية، فيها يتركز السرد على شخصية واحدة ؟!
لا شك أن السيرة الذاتية نوع من أنواع الرواية، وهي تتميز بوجود (منطقة تسبيب) كما يسميها والاس مارتن، فيها يوصل بين طرفين الأول هو المؤرخ وما يستنتجه والآخر الروائي وما يتخيله. وبوجود هذه المنطقة تفترق كتابة السيرة عن كتابة التقارير وتوثيق الذكريات وتسجيل الاعترافات.
أما لماذا يختار الكاتب من أنواع الرواية السيرة الذاتية، فلسببين الأول أنّه بالسيرة الذاتية يستطيع أنْ يراجع ماضيه وما مرَّ به من تجارب نافعة أو وخيمة وما اتخذه من مواقف إيجابية رشيدة أو ما ارتكبه من ممارسات سلبية مرذولة، مركزاً أيضاً على وقفات حياتية بعينها خاضها فخرج بحكمة ما، أو صدمته فأتاحت له التأمل في قدره ومحاسبة حيثياته، متفكراً في ذاته ومصيره، محاولاً إيجاد معنى لحياته. وكل ذلك من خلال فعل الكتابة.
والسبب الثاني أنّ التعامل مع الزمان لن يكون استباقياً بالمرة كما لن يكون مزجياً؛ بل هو مخصوص في ثلاث فعاليات تراهن على الزمان الماضي فلا تتعداه، وهي: زمان التصور المسبق وزمان الفعل أو التصوير وزمان إعادة التصوير بالاسترجاع. (نظريات السرد الحديثة، والاس مارتن، ص97ـ98)
وبسبب هذه الخصوصية في التعامل مع الزمان تفترق كتابة السيرة الذاتية عن كتابة التاريخ، فالأولى ذات صلة بالتفسير السيكولوجي وتفريغ الطاقة النفسية المضادة، فتتبرأ الأنا من تحولاتها وتعرف ماهيتها، بينما الكتابة التاريخية آيديولوجية لأنها موجهة للآخر. وفي كلا الحالين تظل الرواية جنساً أوسع من أن يكون نوعاً أو شكلاً، جامعاً في داخله السيكولوجيا والسيرة والتاريخ.
وبسبب التفريغ السيكولوجي عن طريق ميكانيزمية الكف والقلق تغدو السيرة الذاتية فاعلة، وبما يمنح الشخصية قدرة على التبرم من نفسها أو لومها على سلبيتها أو مكاشفتها بجوانب إيجابية هي غافلة عنها أو مكبوتة في لا وعيها.
وبهذا تستعيد الذات وجودها، متخذة لهذه الاستعادة صوراً مختلفة بعضها فيزيقي، وبعضها أو أكثرها ميتافيزيقي يتمثل العدمية مستحضراً أسئلة الوجود التي بها تكتب الذات سيرتها جاعلة من نفسها تاريخاً مفرداً أو فردياً، به تعيد بناء ماضيها.
ومن شروط استعادة الذات لنفسها أن تعيش داخلياً في التاريخ كلحظة مشروطة يدعمها مجرى حدثي معين، فالذات خارج تاريخها منسحقة ومتلاشية لكنها داخل تاريخها تعيش فيما بعد هذا التاريخ، لتصبح العدمية فلسفة مصير بها ثناء أو تقريظ للذات الإشكالية التي هي نفسها التاريخ. بمعنى أنّ في العدمية استلاب الوجود لصالح الذات وهو ما سماه أدورنو (الديالكتيك السلبي) الذي فيه يتلاشى الوجود وتصبح سيرورة العالم خرافة وغلواء وسقوطاً واستلاباً وقمعاً.
وبالتمثيل الميتافيزيقي للعدمية والإحساس السيكولوجي بالكف والقلق تتحرر الذات من كبتها وأزماتها وتنطلق ساردة تاريخ حياتها ثائرة على الزمان محاولة استعادة ضياعها في صورة يوتوبيا، تجد فيها ماهية نفسها حائلة دون محوها، متفائلة بالقادم إذ ليس (من الضروري دائماً أن يتجسد الحق. يكفي أن يحوم حولنا كروح تدعو إلى التناغم كما إنشاد الأجراس يمتد تموجها عبر الأثير) (المقولة لغوته نقلها عنه هيدجر في كتابه أصل العمل الفني)
وهو ما نجده متجسداً في رواية (صيادو الريح) للروائية العراقية لمياء الآلوسي والرواية صادرة عن الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق، وهي سيرة ذاتية تسرد قلق الذات وعدمية وجودها بإرادة طوباوية تدمر النفس بالقوة المتنافذة وغير المتوازنة ما بين الذات والزمان التي بسببها يدمر المرء حياته بالخوف هلعاً وذعراً، وقد تناهبته الهواجس وانتابته الظنون، وهدده الموت بالفناء.
والمرء لا يكون مدمِراً لنفسه إلا حين يغدو كائناً متوحشاً لا يتصرف بما تملي عليه طبيعته على حد تعبير برتران تروادك الذي رأى أن بدون الوعي يصير وحده يقدر على جعل القرود متحضرة.
وفي هذه الرواية نجد الفطرة التي يمثلها مشهد الصبية صيادي الأسماك تقابل القبح الذي يمثله مشهد الملثمين الداعشيين الآتين من قرون الوحشية والهمجية مستلبين المدينة وأهلها، ترميزاً إلى أن الفعل الطبيعي للغريزة البشرية ليس وحشياً؛ بل هو إنساني، به يتصرف الإنسان على سجيته بوازع الطيب مندفعاً نحو الخير وإن عاش بعيداً عن التحضر وسكن الكهوف أو أقام وسط البراري والأحراش، بينما الفعل اللاطبيعي ليس من الغريزة في شيء؛ لأنه بوهيمي وشرير يحول الإنسان إلى وحش ذي سلوك عدواني يخالف الطبع الآدمي وسجاياه الفطرية حتى وإن سكن القصور وعاش في لب المدنية والتحضر.
ويتهدد هذا السلوك البوهيمي الحيوات الآمنة ويجعلها نهباً لمشاعر سيكولوجية سلبية، فتغدو مكفوفة عن تاريخها وقلقة على حاضرها ومستقبلها، متقلبة من القلق إلى الارتعاش ومن التداعي خيبة وحذراً إلى الكف سقوطاً وموتاً. ويغدو كل شيء مستباحاً تحت مطرقة إرادة القوة التي بها يصير المكان معادلاً موضوعياً للذات التي انتهكتها المشاعر السلبية.
وما هيمنة المونولوجات الداخلية سوى تدليل على هذا الانتهاك» هل فكرت فيه في تلك اللحظة بالذات أم فكرت به كجزء من هذه المدينة حيث تزدحم أمامي كل الأسماء في لحظة تداعيها» (الرواية، ص9)
ومن نتائج هذا البعد السيكولوجي أن يتحول سرد الذات لسيرتها من الاحتدام الفيزيقي إلى الأوار الميتافيزيقي حتى يصل بها حد التفلسف، تنبؤاً بيوتوبيا مستقبلية، فيها تجد تاريخها جديداً فستعيد وجودها، وتتجاوز عدميتها منتصرة على مشاعرها السلبية. وواحدة من صور هذه اليوتوبيا الانفلات من دوامة الضياع.
وحين يجتاح المدينة التعصب والعنف والنبذ لا تتهدد حياة الأفراد، لا تجد الذات الواعية في نفسها قدرة على المواجهة سوى أن تكتب تاريخها بطريقة ملحمية.
وتتأتى الملحمية من كون الذات خارجياً تريد الجمع بين المتضادات والتوفيق بين المتنافرات وداخلياً تعاني الضياع وتكابد العزلة بلا جدوى، وهو ما يؤدي إلى التبلد والاستسلام وعدم القدرة على فعل شيء مع مزيد من مشاعر الرعب والأنين فتشعر الساردة «بفقدان الرغبة في الحياة واستعداد فطري مريض للموت أو ربما هو نوع من توخي الحذر من هذه الساعة السوداء القادمة لا محالة وكأن وريث الأرض يريد مغادرتها على وجه السرعة» (الرواية، ص15)
وتشيخ هذه الذات قبل الأوان وتنهزم بالاستسلام مكتفية بدور الشاهدة التي ليس لها إلا أن تراقب ما يجري أمامها من حفلات الدم ومشاهد الانتحار «عندما تقوست على مقعدي كبحار عجوز جعدت قامته أملاح البحر وهزائمه المتلاحقة وغربته الدائمة، شعرت بالقرف من كل شيء أريد أن أشعر بالألم لكني أصبحت متبلدة جداً كنت كصيادي الريح لا شيء سوى الخواء فالمدينة كانت ورائي وبيتي وأشيائي وربما لن أعود إليها مجدداً»(الرواية، ص67) والمقصود بالمدينة تكريت التي اجتاحها «داعش» وهي مسقط رأس الكاتبة ومحل سكناها قبل الاحتلال وأثنائه وبعده.
ومن الوقائع الدموية التي عاشتها الساردة كشاهدة عيانية ونقلتها إلينا مشاهد فجائعية منحت الحبكة تماسكاً وأضفت على الثيمة دراماتيكية مأساوية، مشهد الجسد المسجى المحشور بين جثتين ومشهد الجنود بملابسهم الرثة والملثمون يحيطون بهم بالسياط والسيوف والبنادق في قاعدة سبايكر ومشهد الكابوس الذي فيه الساردة شاهدة على موتها، مرة وهي ترى نفسها جثة ممزقة تسقط على قاعدة الحديد فيتناثر لحمها، ومرة أخرى وهي داخل القبر.
وافتقاد الشاهدة للشجاعة ورغبتها في الانعزال محواً وإلغاء هو الذي يصيبها بالعطب فلا تقدر إلا أن تشاهد المواقف تمر من أمامها أو تسمع بها. وليس أمامها سوى تسجيلها وانتظار ما سيحدث بعدها، ولهذا تحاسب نفسها داخلياً كنوع من جلد الأنا على تخاذلها وجبنها وصمتها، فتتخلخل الثوابت لديها «بعد عام من الغربة لم يعد للوطن تعريف محدد، لم أعد أعرفه حقاً، كم أحتاج إلى أن أضع قدمي على الأرض من جديد كي أتمكن من اكتساب القناعة التامة أو المنقوصة في استعادة الحياة كي أجد عنواناً جديداً لوطن يمنحني يقيناً جديداً» (الرواية، ص314)
وتنجح المؤلفة لمياء الآلوسي في منح السيرة الذاتية سيرورة انفتاحية من خلال تركها النهاية مستمرة بطريقة مخيبة للآمال، فبعد أن تراكمت في الذاكرة صور التهجير والنزوح لم يعد المكان والمكين كما كانا، فلقد تغيرا كلياً.
ورغم انتهاء الاحتلال، فإن الذات الساردة ما زالت تتلبسها المشاعر السلبية وتحاصرها العدمية، فترى نفسها شيئاً جامداً بلا حياة، مرة كاستمارة تستنسخ باليوم الواحد آلاف المرات، ومرة ككائن وضيع بلا قيمة.
وهذه الذات وإن رجعت إلى بيتها بشجرته ومرآبه وحديقته لكن الأسئلة تغالبها، وتجعلها تعيد النظر في وجودها، لا سيما بعد أن علمت أن رأس آدمي دفن في المرآب وجثة تحوم الكلاب حولها في الحديقة، كإشارة اليغورية إلى أن المكين بالمكان وليس من سبيل لاستعادة المكان من دون ترميم شروخ المكين أولاً كي يستعيد وجوده آخراً.
وتثير صورة قنينة المطهر التي طلبها الجندي من الساردة في آخر سطر من الرواية سؤالاً ملحاً مفاده هل أن وسائل التوطين وطرائق الاستعادة وإعادة التعمير بعد مخاضات النزوح والتهجير ستنفع في تطهير دواخل المكين من أدرانه وسلبياته أو أنها لن تنفع سوى في تطهير المكان من بعض مظاهر الدمامة والقبح ليس إلا، ليكون الإنسان مجرد صيد ريح.



مهرجان «كان» يعلن جوائزه في ليلة ختام الدورة 79

كرستيان مونجيو (إ.ب.أ)
كرستيان مونجيو (إ.ب.أ)
TT

مهرجان «كان» يعلن جوائزه في ليلة ختام الدورة 79

كرستيان مونجيو (إ.ب.أ)
كرستيان مونجيو (إ.ب.أ)

في حفلة عامرة بالنجوم والوفود وصانعي السينما من كل حقل وميدان، أنهى مهرجان «كان» السينمائي دورته التاسعة والسبعين، موزّعاً جوائزه على نحو فاجأ معظم المتابعين.

وفاز بـ«السعفة الذهبية»، التي هي أعلى جائزة يمنحها المهرجان الفرنسي، فيلم «Fjord» للمخرج الروماني كرستيان مونجيو، وبذلك يدخل المخرج قائمة المخرجين الذين أُتيح لهم الفوز بـ«السعفة» أكثر من مرّة.

وتم منح «الجائزة الكبرى» لفيلم «مينوتور» للروسي أندري زفياغنتسف، وهو الفيلم الأول له منذ ثماني سنوات، وتم إنتاجه خارج روسيا.

جائزة أفضل مخرج تم منحها لمخرجين هما بافل بالفليكوفسكي عن «وطن»، وجايفييه كالفو عن «لا بولا نيغرا». كذلك خرجت الممثلة الفرنسية فرجيني إلفيرا بجائزة أفضل ممثلة عن «على حين غرّة» (All of a Sudden)، وتقاسمتها مع زميلتها في البطولة اليابانية تاو أوكاموتو.

كذلك، وعلى نحو مشابه، توزّعت جائزة أفضل ممثل على اثنين قادا بطولة فيلم واحد هما إيمانويل ماكيا وفلانتين كامبيون عن فيلم «زحام».


منيرة العيدان: الهجرات شكلت نظرة الخليجيين للحياة

 منيرة العيدان
منيرة العيدان
TT

منيرة العيدان: الهجرات شكلت نظرة الخليجيين للحياة

 منيرة العيدان
منيرة العيدان

في الطريق الصحراوي الذي يربط نجد في وسط الجزيرة العربية بالكويت في خاصرة الخليج، تستعيد الروائية الكويتية منيرة العيدان ذاكرة الرمل، ومعاناة الرحيل، كما توثق الهجرات من نجد إلى الكويت خصوصاً، في روايتها الجديدة «جلوات سدير»، التي صدرت أخيراً عن «الفكر العربي للنشر والتوزيع»، بغلاف لافت بريشة الفنان البحريني حسن سالم، يعكس سينوغرافيا بصرية لشبان يعتلون الإبل بالزي التراثي عابرين متاهات القفار.

ومنيرة عبد الرحمن العيدان؛ كاتبة وروائية كويتية من مواليد عام 1982، وخريجة الجامعة الأميركية في الكويت (تخصص آداب اللغة الإنجليزية).

بدأت مسيرتها الأدبية بالاهتمام بالتراث الكويتي وأدب الطفل، وصدر لها في هذا الحقل عدة مؤلفات بارزة، منها: «نورة وأحذيتها السحرية» (2014)، «سلمت للمجد» (2015)، «قطار الأحلام» (2016)، «أرض الذهب» (2018).

وفي حقل الرواية: «بين المجمعة والمرقاب» (2017)، «لعوب شرق» (2021)، «درب الفنطاس» (2025)، لتتوج هذا العطاء الممتد بروايتها الأخيرة «جلوات سدير» (2026).

هنا حوار معها عن روايتها الجديد، ومجمل أعمالها...

> كيف عالجت أعمالك تأثير التاريخ والحكاية الشعبية والتراث المحلي في صياغة الهوية المشتركة في الخليج...؟

- ما يجمع هذه الأعمال هو اهتمامي بالإنسان الخليجي وسط التحولات الكبيرة التي مرت بها المنطقة، أكثر من اهتمامي بالتاريخ كتوثيق مباشر. الهجرات القديمة، والتنقل بين نجد والكويت، والحكايات الشعبية، وشكل البيوت، والعلاقات العائلية، حتى طريقة الكلام... كلها بالنسبة لي ليست مجرد تراث، بل أشياء صنعت الناس أنفسهم، وصنعت نظرتهم للحياة والخوف والانتماء. وفي جانب آخر، أنا مهتمة أيضاً بسيكولوجية المرأة داخل هذه التحولات، وكيف انعكست التغيرات الاجتماعية عليها وعلى علاقتها بالمكان والعائلة والذاكرة. لكن في الحقيقة، متى ما وجدت قصة أشعر أنها تستحق التوثيق، أسبق نفسي إلى كتابتها. وكل هذه الموضوعات، الهجرة، الذاكرة، المرأة، التحولات الاجتماعية، تطرق باب اهتمامي في النهاية.

> كيف تبلورت فكرة لرواية «جلوات سدير»؟

- جاءت هذه الرواية بعد حديث مطول لوالدي عن طفولته بأدق التفاصيل، وهجرة أهله من نجد إلى الكويت، وفقدانه لوالدته في طفولته. كما شرح لي كثيراً من الأمور العائلية الخاصة، التي بيّنت لي أبعاد وسيكولوجية صبيٍّ في سن أبطال الرواية. حتى وأنا أكتب الرواية، كنت أرى وجه أبي في أرواح الأبطال. ثم بدأ اهتمامي بالهجرات، ما دفع كثيراً من المهتمين للتواصل معي ومشاركة قصص أهلهم بكرم بالغ، ورأيت في تلك القصص ثروة تستحق أن تُوثَّق.

> ما أثر «الجلوة» تحديداً؟ هل هي تحمل دلالة «الارتحال» وترك الديار طلباً للرزق؟

- هي مشتقة من الجلاء، أي ترك البلاد قسراً أو الارتحال عنها، وكانت تُسمى قديماً «الجلوات»، أي الرحلات التي يترك فيها الناس ديارهم طلباً للرزق أو النجاة. كما وردت الكلمة في بعض القصائد والأشعار القديمة، فيُقال: «جلا فلان»، أي غادر البلاد وارتحل عنها. وقد وددت إحياء هذه الكلمة القديمة جداً، لما تحمله من انعكاسات قريبة من أحلام أبطال الرواية ورحلتهم النفسية والجغرافية.

> الرواية استندت إلى رواة شفهيين ومؤرخين من السعودية والكويت. كيف استطعتِ «فك» التناقضات بين الروايات الشفهية والمدونات التاريخية الرسمية؟

- العمل على ربط ذلك كان ممتعاً للغاية، خصوصاً مع وجود مصادر عديدة ومختلفة هذه المرة عمّا كتبته سابقاً، بسبب تواصلي مع مؤرخين من المملكة العربية السعودية ورواة شفهيين من السعودية والكويت. في بعض الأحيان، كنت أواجه عائقاً اجتماعياً أو طقساً معيناً لا أجد له مستنداً واضحاً في المراجع التاريخية، فأبحث عنه لدى الرواة الشفهيين، أو أعيد صياغة الحدث بما يتوافق مع ما هو موثق وثابت تاريخياً.

> ذكرت في «التمهيد» أن الأحداث صيغت تخيلياً لخدمة البناء الروائي رغم السياق التاريخي الحقيقي. أين تنتهي الحقيقة التاريخية في «جلوات سدير»؟ وأين يبدأ الخيال الروائي لمنيرة العيدان؟

- هي مبنية في أغلبها على قصص حقيقية، ولكني غيّرت الظروف والأحوال كي لا آخذ أو أحرّف أو أزلّ في نقل حياة أحد. وكما ذكرت، فأنا أستمع من الرواة للقصص بشغف، وتأتي بعض القصص تباعاً للأحداث، حتى تصبح النتيجة أحياناً متوقعة من كثرة تشابه التجارب الإنسانية في تلك المرحلة. الجميل أن العديد من القرّاء، خاصة في الرياض، ربطوا القصة بقصص أهلهم، بل إن بعضهم جزم بأنها القصة نفسها بحذافيرها. وفي الرواية مثل نجدي قديم أخذته من أحد الرواة الشفهيين، وهو مثل يُقال للأطفال، وقد اتصل بي أحد الأشخاص فرحاً قائلاً: «لقد ذكّرتِني بهذا المثل الذي كانت تردده والدتي المتوفاة، وقد ظللت أبحث عنه أو عن مصدره لسنوات، ووجدته الآن!».

> تمثل «الروضة» في الرواية فضاءً طارداً ومأزوماً طبقياً واجتماعياً للأبطال، بينما تلوح «الكويت» كأرض الخلاص. كيف وظفتِ ثنائية «الضيق/ الاتساع» و«السجن/ الحرية» جغرافياً ونفسياً؟

- لم تكن الروضة مكاناً سيئاً بقدر ما كانت مكاناً ضيقاً على أحلام بعض الأبطال، خصوصاً مع الفقر والطبقية وقسوة الظروف الاجتماعية آنذاك. لذلك بدت لهم الكويت، رغم مشقتها، كنافذة أوسع للحياة والرزق وتغيير المصير. كنت مهتمة بأن يكون الانتقال جغرافياً ونفسياً في الوقت ذاته؛ فكلما اتسعت الطرق أمامهم، اتسعت معها أحلامهم، وكلما ضاقت البيئات والعلاقات من حولهم، شعروا بالاختناق أو العجز. لكنني أيضاً لم أرد للكويت أن تبدو كمدينة مثالية أو جنة كاملة، بل مكاناً يحمل الأمل والخوف معاً، لأن الرحلة نفسها كانت قاسية ومليئة بالمجهول.

أنا مهتمة بسيكولوجية المرأة داخل تلك التحولات العاصفة التي مرت بالمنطقة

منيرة العيدان

الصحراء والعبودية

> عَبَر الأبطال فضاء الصحراء وعاشوا مخاطر العطش والسراب وطعنات الغدر. هل كانت الصحراء في روايتكِ مجرد طريق جغرافي، أم اختباراً سيكولوجياً لتطهير الشخوص من انكساراتهم؟

- للصحراء رمزية كبيرة في القصة؛ فهي تمثل المجهول والخوف والأمل، وفي نهايتها تقع أرض أحلام الأبطال. كما أنها تمثل المصير، وتحتل جزءاً واسعاً من شبه الجزيرة العربية. وكما كان يقول السُّفّارة: الطريق فيها مثل الزئبق، الإمساك بطرفه صعب، وقد تخونك أحياناً بانعدام معالمها، تماماً مثل البحر، فتغدر بك وتضلّ الطريق، والضلالة هنا تعني الموت. بعد تلك الرواية، بدأت أنظر إلى الصحراء بشكل مختلف، وأراها أجمل وأوسع وأحنّ مما عهدتها سابقاً.

> طرحتِ قضايا حساسة جداً ترتبط بتلك الحقبة، مثل اختطاف الأطفال، وتجارة البشر، والظلم الاجتماعي... ما الرسالة الفكرية والاجتماعية التي أردتِ إيصالها من خلال هذا السرد؟

- منذ وُجد الإنسان، وُجد الظلم والقهر، كما وُجدت الرحمة والرأفة، وكل تلك القصص حدثت منذ بدايات الخليقة. نحن نحب الماضي لأنه امتداد لما نحن عليه اليوم، لكن علينا نقله بمسؤولية كبيرة، وأن نحكي الواقع المرّ والمؤلم والظالم أحياناً كما كان، لا كما نتمنى أن يكون. لكن الجميل أن تلك التجارب القاسية خلقت من أبطال الرواية بشراً أفضل، فتجنبوا أن يعرّضوا غيرهم لما تعرضوا له من ظلم واضطهاد، وسأكمل قصص الفتية في الجزء الثاني. بمعنى آخر، تلك المحطات المؤلمة صنعت في نهايتها إنساناً أكثر اكتمالاً من ناحية الإنسانية، ومن رحم كل ما نكرهه أحياناً، يكون في الطرف الآخر من الحكاية شخص محظوظ بتلك الأقدار التي بدت في وقتها قاسية وغريبة.

> على صعيد اللغة، أدخلتِ في النص لغة فصحى جزلة تتناغم مع أهازيج وحكايات بلغة شعبية، كيف وازنتِ بين المحافظة على فصاحة السرد وإضفاء الموروث الشعبي والهوية البيئية النجدية على الحوارات؟

- كما أوضحت، لقد أدمنت ربط الخيوط معاً. تجنبت أن يكون الحوار باللهجة النجدية أو لهجة أهل سدير كي لا يصعب فهمه على بقية القراء، رغم رغبتي الكبيرة في الاحتفاظ بها كما هي. لكنني في المقابل لم أتنازل عن تطعيم الرواية ببعض الأهازيج، كي تكون لها هوية طاغية، والأمثال والحكايات الشعبية التي تمنح النص طعماً أكثر هوية وخصوصية، خاصة عند أبناء جلدتها.

> ينتهي الجزء الأول من الرواية عند أسوار الكويت وبمجموعة من «الهواجس والأسئلة المفتوحة» حول مصير الأبطال (مقبل، محمد، علي، ناصر، حمد). هل هذه الأسئلة هي تمهيد حتمي لجزء ثانٍ من الرواية؟ وما الذي ينتظر القارئ في «أرض اللؤلؤ»؟

- نعم، وقد أنهيت مهمتي في الجزء الأول تماماً، لأن الرحلة نفسها كانت مضنية جداً بالنسبة لي على المستوى النفسي والكتابي. وقد نصحني بعض النقاد بكتابة الجزأين في رواية واحدة، إلا أن ذلك لا يناسب رسالتي تماماً، فأنا أردت فصل الرحلة الصحراوية عن رحلة الرزق، ولا أريد للثانية، بتفاصيلها ومحطاتها، أن تطفئ بريق الأولى. نعم، هناك جزء ثانٍ، وسيرى القارئ كيف أن كل تلك الأقدار قد صُممت من قبل العزيز الحكيم لصالح هؤلاء الفتية، بمن فيهم «علي» المخطوف، وكيف كانت كل تلك المحطات تمهيداً لما سيمرون به لاحقاً، وكيف أن المستقبل كفيل بجمع شملهم مرة أخرى.


يوميات مخرج صربي في مصر

يوميات مخرج صربي في مصر
TT

يوميات مخرج صربي في مصر

يوميات مخرج صربي في مصر

اختار المخرج والسيناريست الصربي البارز بوريس ميليكوفيتش عنواناً لافتاً ليومياته في مصر، تحديداً حي الزمالك بالقاهرة، وهو «شاي في الزمالك»، حيث عاش فترة معتبرة مديراً بشركة «ساتشي وساتشي» للإعلانات الشهيرة، وجاء العنوان ليعكس طبيعة العمل الذي يتسم بالبساطة والحميمية كشذرات تلمع في الذاكرة وكأنه يتحدث بعفوية إلى صديق أثناء احتساء كوب من الشاي.

المدهش أن اليوميات لا تخلو من النقد الذاتي الحاد، ويعترف المؤلف بسقوطه أحياناً ضحية لفخ العنصرية الغربية تجاه الشرق ووهم تفوق العرق الأبيض وما يصاحبه من استعلاء وغرور، لكنها تقدم في المقابل صورةً صادقةً للمجتمعات من منظور أجنبي وحيد يعيش بحي راق في العاصمة المصرية، حيث ينام تحت مروحة السقف البطيئة غارقاً في عرقه، خائفاً من أن يفتح نافذة غرفته، ويرغب بشدة في أكل المانجو.

ولا تخلو اليوميات من لحظات إنسانية متنوعة، أبرزها الوحدة في حياة شخص تقدم به العمر والوقوع أسيراً لأزمة إدمان الكحول، مع الأزمات الصحية المتفرقة، أيضاً مع مواقف مبهجة في المقابل تتعلق بمحاولات اكتشاف الثقافة المصرية من خلال الطعام والمزاح والتعاون مع جهات رسمية في إنجاز مواد بصرية تتعلق بالترويج للسياحة في البلاد بطرق غير تقليدية.

وُلد بوريس ميليكوفيتسش في 3 أبريل (نيسان) 1956، وهو أيضاً كاتب روائي وأكاديمي درّس فنون الإخراج السينمائي بكلية الفنون المسرحية في بلغراد في التسعينات، كما عمل مديراً إبداعياً لكبريات شركات الدعاية والإعلان، كما ظل مديراً إبداعياً في راديو وتلفزيون صربيا لسنوات عديدة.

ومن أجواء الكتاب نقرأ:

«كان اسم خادمتي (محفوظة) وهو الاسم الأنثوي من (محفوظ ) مثل نجيب محفوظ، اعتاد ابني الصغير على مناداتها (كوكا)، بعدها ظل كل العرب الذين يقيمون بالحي ينادونها بالاسم الجديد في طقس مبهج ضاحك.

كانت (كوكا) من حي إمبابة الشعبي ولا أعرف كيف سمعت عني ولا أظن أن أحداً قد رشحها لي أو أي شيء من هذا القبيل، لكن ما أعرفه هو أنني رأيتها لأول مرة في صباح أحد أيام شهر أبريل وأنا أعاني من صداع وعطش شديد وعاصفة من عواصف الخماسين تضرب البلد.

كانت ترتدي فستاناً صيفياً، نحيفة يغطيها العرق وخصلات قصيرة من شعرها الرمادي ملتصقة بجبهتها. أمسكت بيدها طبقاً به رمان نصفه مفصص والنصف الثاني كما هو، وبابتسامة وضعت الطبق إلى جانب كوب مغطى من عصير البرتقال الطازج.

فكرتُ يومها في أن (كوكا) قد رأت كثرين في حياتها ممن عانوا من صداع ما بعد الثمالة ويشعرون بالحرج، حيث قدمت لي المشروب البارد وهى تقول وكأنها تحاول تجنب فتح الموضوع:

- الحر... الرطوبة يا أستاذ!

أجبتها:

- نعم، شكرا لك... أحسن رمان... شكراً على الرمان!

بعد عدة سنوات كنا على وشك مغادرة القاهرة، جاءت ابنة (كوكا) مع أطفالها بمفردها بدون الأم ونظفت البيت كما كانت والدتها بنفس الترتيب، تزيح السجاد وتمسح الأرض بخرقة مبللة ثم تنفض السجاد في الشرفة. ذات مرة عندما حان موعد القهوة ربما في الحادية عشرة صباحاً قالت لي:

- ماتت كوكا... لن تعود مرة أخرى!

ثم توقفت عن الكلام والتفتت تجاه المكيف القديم ذي الصوت العالي وأضافت قائلة:

- الحر... الرطوبة يا أستاذ!

ثم ناولتني العصير وطبق الرمان».