«المائدة الفلسطينية» كتاب استخرج لؤلؤة من محارة

«المائدة الفلسطينية» كتاب استخرج لؤلؤة من محارة

رشح لجائزة جيمس بيرد وأدهش الغرب
الأحد - 6 شهر ربيع الأول 1441 هـ - 03 نوفمبر 2019 مـ رقم العدد [ 14950]
غزة: هديل عطا الله
دغدغة ناعمة من الطعام لحواسها كافية لأن يطير بساط الريح بها من ولاية فيلاديفيا إلى مدينة القدس. شعور عجيب يحدث عندما تلمس ريم قسيس حبيبات المفتول بين أصابعها. حين تقترب أنفاسها من الزعتر المطحون مع السماق والسمسم المحمّص. عندما تطرب أذنها لهمس زيت الزيتون لحظة سكبه في الخوابي. حين تبطئ في مضغ خبز الطابون المَلتوت بالزيت لتستمتع بطعم كل لقمة مع كوب شاي بالنعناع الطازج. وحين تقع عينها على عربة تجوب الشوارع محملة بكعك يشبه كعك القدس... عندئذٍ يبلغ الحنين منتهاه.

في مطبخ الكاتبة الفلسطينية الشابة تجدون زعتراً وسماقاً وجميداً «كشك» ودقة ومفتولاً وفريكة وزيت زيتون وزيتوناً بلدياً يتألق سَواده وخَضاره، حيث تستقر في أميركا مع زوجها وابنتيها، فكروم عائلتها في قرية الرامة الجليلية تجود عليها بمدّد الخيرات، ناهيك عن دبس الرمان الذي يحضرّه والدها من أشجار الرمان في حديقة بيتهم مُلِّطخاً قُمصانه به، فيهديه لابنته حين تزورهم أو يرسله بالبريد مع مجموعة منوعة من التوابل.

منظور إنساني أوسع

لم يسمع أحد في عالم الطهي بريم قسيس عندما كانت تنكبّ على كتابة «المائدة الفلسطينية»، وفي ذلك الوقت اطلعّ الطاهي والكاتب الشهير أنتوني بوردين على مسودته، فما كان منه إلا أن يعبر عن اندهاشه من مستوى قدرتها على إظهار قوة الطعام في إبراز جانب آخر من ثقافة وتاريخ الشعب الفلسطيني الذي لا يحظى في العادة باهتمام كافٍ بسبب التركيز على نضاله السياسي. فشجعها ودعمها وكتب مقدمة لكتابها.

ووصفه بوردين بأنه يضم بين دفتيه مجموعة مدروسة من الوصفات الرائعة والرؤى التاريخية والثقافية. لقد كان محقاً، ولذا أخذ حظه من النجاح الباهر عند صدوره عام 2017

الطعام بالنسبة لهذه الشابة المقدسية – حسبما تخبرنا - أكثر من مجرد قوت «إنه فرح وتواصل، حب وذكريات؛ لأنه يحكي قصة العائلة والتاريخ والتقاليد»، فمع كل وصفة أتحفتنا بها هناك قصة ولمحة عن الحياة والتاريخ وعن أوقات السلم والحرب والحزن والفرح والمواسم. وعن الأسرة والكَرم وروح البيت وضحكاته وحكاياته.

هي لم تخطّ كتاب طهي عادي يضم وصفات وحسب، وفي الوقت نفسه لم يكن كتاباً سياسياً، ومع ذلك لم يرد إلى خاطرها أن عرض تاريخ فلسطين وإرثها وثقافتها للعالم من خلال الطعام بطريقة مدروسة وجذابة سيساعد الكثيرين على فهم القضية الفلسطينية بمنظور إنساني أوسع بعد أن أثار إعجابهم، ولا تخفي في حديثها الممتع مع «الشرق الأوسط» أنها فوجئت بمستوى الترحيب بكتابها في الأوساط الأوروبية والأميركية إلى حد تلقي دعوات للحديث في الكثير من الجامعات والندوات.

أخذت الكاتبة على عاتقها فتح المَحارة الرائعة المنسية لتستخرج واحدة من أنصع لآلئها؛ ويزداد يقينها أن تعبها ما ضاع سدى كلما تلّقت بشارة من قارئ غربي يؤكد لها أنه أصبح يعرف للمرة الأولى عن جوانب أخرى من حياة الشعب الفلسطيني لم تكن ضمن توقعاته، ويثلج صدرها كلما وصلت رسالة من فلسطيني يعيش في مكان ما من الكرة الأرضية ليخبرها عن سعادته بتحضير طبق من وصفات الكتاب أعاده إلى طفولته في فلسطين؛ ومرة تلو أخرى تبرهن أن الطعام قادر على التخفيف من وطأة قانون المسافة ليصير الوطن البعيد أقرب وأغلى.

تجدر الإشارة إلى أن الكتاب المترجم إلى اللغتين الفرنسية والألمانية رشّح لجائزة جيمس بيرد، والتي تعد أكبر جائزة في عالم الطهي في الولايات المتحدة. كما رُشّح لجائزة أندريه سيمون وجائزة إدوارد ستانفورد، وحاز جائزة نقابة كتاب الطعام «الجائزة الأكثر شهرة في عالم الطهي» في المملكة المتحدة. ووقع عليه الاختيار كواحد من أفضل الكتب لعام 2017.

سألناها عن الدافع الذي تملّكها لتصرّ على خروج هذا النوع من المحتوى إلى النور، فقالت إن سرقة الأطباق الفلسطينية من دون خجل أشعلت شرارة الغضب في روحها عندما لاحظت إطلاق أسماء أخرى عليها لتُقدم في كثير من المطاعم في أنحاء العالم على أنها إسرائيلية، لقد أرادت من أعماقها أن يعرف العالم حقيقة هذه الخدع؛ «إنه طعام فلسطيني مرّ بالكثير من التطورات على مدار التاريخ» تقولها بثقة تامة.

ولعل من المفارقة أنها قبل دخولها في غمار التأليف لم تعِ أن الطعام يملك قوة جبارة؛ بالنظر إلى أنه وسيلة ساحرة للتواصل مع الآخرين ومن خلاله يمكن استكشاف حضارات الشعوب وثقافاتها، وتزيد بالقول: «في حالتنا؛ الطعام عدسة تمكّن الآخرين من النظر إلى الفلسطينيين كشعب متكامل في جوانب حياته، غير مقتصر على خوض الصراع السياسي».

تقفز ريم إلى ضفة حساسة في الحديث بقولها: «لا أعارض أن يحب (الإسرائيلي) طعامنا ولا أن يطبخه، لكن لا أقبل أن ينكر أحد بأن هذه أطباق فلسطينية شامية وأنها جزء لا يتجزأ من إرثنا الحضاري على مر العصور».

«ما هي أفضل طريقة برأيك للخروج من هذا السِجال؟»... تجيبني بنبرة مطمئنة «أنسب طريقة أن نترك طعامنا وتاريخنا يتحدثان عن نفسيهما؛ عندما نشارك مع العالم أطباقنا المميزة بمستوى يليق بها ونعرّفهم على التاريخ الذي يقف خلفها فإننا نحفظ حقنا من جهة ومن جهة ثانية نبقيه للأجيال القادمة بواسطة توثيق أطباقنا الأصيلة حتى لا يطويها النسيان».

وتتحدث بصراحة أكبر «أحد أخطائنا أننا تجاهلنا دور الطعام في حياتنا؛ لأن قضيتنا السياسية كانت وما زالت تشغلنا؛ وبلا شك هي الأهم، إلا أنه من المهم أن نوقن بأن الطعام جزء من نضالنا حتى نحافظ على هويتنا، قد لا نستعيد به بلادنا جغرافيا، لكنه سيشد من أزرنا نفسياً وعاطفياً».

الطعام غِراء

نشأت ريم في مدينة متفردة بطبعها، وذلك التفرد وصل إلى مطبخها الذي يُشكل بوتقة غنية لمطابخ عدة من المناطق الفلسطينية. ترعرعت بين ثلاث موائد، الأولى في بيت والديها بالقدس، والثانية في بيت جدتها (أم أبيها) في قرية الرامة الجليلية، والثالثة في بيت جدتها (والدة أمها) في قرية جلجولية في المثلث، كانت جدتاها تحبان الطبخ كثيراً، مما هيأ الأجواء للحفيدة لتعلّم الطهي على أصوله.

إن كانت ريم تشرّبت شيئاً واحداً من نساء عائلتها فيما يخص السر الحقيقي للطهي الجيد، فذلك الشيء هو «الحب»... الحب لما تفعله، وللمكونات وللعملية نفسها.

إذن، ليس غريباً أن كل كلمة تفوّهت بها نكهّتها بالحب؛ ولا سيما هنا: «عندما سافرتُ إلى الخارج لإكمال دراستي بدأت الروائح والذكريات تطاردني، لقد اكتشفت أن تناول الطعام مع الأسرة طريقة للحياة، وحينها فقط آمنت أن الطعام غراء يلصق روح المرء بمناسبات عائلية لا تُنسى وسبب قوي لربطه بجذوره، وأن الوقت الذي يقضيه مع أهله أثناء تحضير الطعام لا يُقدّر بثمن».

فتحت الحياة ذراعيها لريم وجولّتها بين أماكن براقة ذات نمط محموم وأعطتها ما تشتهي من الشهادات العليا والوظائف المرموقة، لكنها ما لبثت أن أعادتها إلى المكان الذي بدأت منه وهو «المطبخ»، فقد عملت مستشارة إدارية في «مكنزي» أكبر شركة في العالم للاستشارات الإدارية، إلا أنها بعد ولادة طفلتها الأولى، غادرت عالم الأعمال وقررت أن تتبع قلبها فإذ به يقودها إلى المطبخ لتكتب عن الطعام وضرورة الحفاظ على تقاليد الطهي الفلسطينية.

راحت ريم تحكي لـ«الشرق الأوسط» بشغف عن حكايات شخصية لعائلتها غزلت منها كتابها؛ ساردة فيه قصص الجدات، وبالأحرى قصة شعب كامل بتسليط الضوء على أكلاته، التي هي مِلك لكل الفلسطينيين في أنحاء العالم كافة، حسب تعبيرها.

لقد عادت بنا إلى زمن جميل كانت تجتمع فيه نساء الحارة قُبيل العيد لتحضير الكعك حتى تساعدن بعضهن بعضاً، حدثتنا عن أغانٍ غنينّها أثناء الطبخ للتسلية، وعن ضحكات صدحت أيام موسم قطف الزيتون وفيه يتعاون الكل على استخراج الزيت وكبس الزيتون الأخضر والأسود؛ وعن سعادة يتطاير شذاها عند تنشّق رائحة الزيت الجديد بينما ينغمس بخبز الطابون الساخن ليتعاهدوا من جديد أنهم باقون ما بقيت شجرة الزيتون. لقد فعلتها السيدة الصغيرة! حكت بنزاهة عن قصة عشقهم لأرضهم وذكرياتهم التي يحملونها معهم أينما حطّت بهم الرِحال.

نقلّب سريعاً في صفحات الكتاب فتظهر أدوات نحاسية تقليدية استعملتها جدتها قبل سنين طويلة واحتفظت بها لقيمتها العاطفية والتاريخية، وبأسلوب احترافي غُمس في محبرة أديب وأدوات باحث؛ تتأرجح الكاتبة بقارئها بين السطور لتنقله إلى مكان وزمان بعيدين محفزّة عنده حاستي التذوق والشم، ومما يلفت الانتباه أن صور الوصفات التقطتها جميعها في بيت والديها بمدينة القدس.

وحول المصادر التي استندت إليها ريم، تذكر أن بعضها قصص مروية عن أقاربها، والبعض الآخر محادثات شخصية أجرتها مع نساء من مناطق مختلفة داخل فلسطين وخارجها، ولم تُغفل بطبيعة الحال المصادر الأكاديمية والاطلاع على كتب قد لا تتعلق مباشرة بالطعام إلا أنها تمنح بعدا لفهم ثقافته.

توقفت عند صورة للمسخن فيها جمال صارخ؛ وأشارت بأصبعها قائلة: «المسخن يجسد جوهر القصة الفلسطينية»، طبق تراثي فاخر ترسمه بأناملها حين تصفه: «تنفتح الشهية عليه بعد عَصر الزيتون؛ كونه يتطلب كمية وافرة من الزيت، هذه الشجرة المباركة الشامخة تحكي قصة شعب لا ينهزم!».





مرحباً بك في بيتك

عصافير المعدة تبتهج إذا ما حضر «الدجاج المحشي» أكلة ريم المفضلة التي مهما أتقنتها فلن تُحصّل نكهة أمها وجدتها - هكذا تشدنا ريم أكثر إلى بَوحها الجميل.

وتتورّد قسمات وجهها عندما يمر ببالها أطعمة مغذية سخية ينطق دفؤها من دون صوت: «مرحباً بك في بيتك»، من بينها البيض المقلي الذي لا يقبل به والدها من دون أن يعلوه الزعتر والسماق، ولا يغيب عن ذاكرتها «تبولة تيتا أسما» وقَطّينها المعقود، والحوسة، والعجة، وصلصة الطحينة، واللبن المطبوخ، والمَلاتيت، والصفيحة، والكعك الأصفر، والمناقيش وفطائر السبانخ، والمطفية «قرنبيط مع لبن»، وغيرها من الأصناف.

ولا تسقط ولو سهواً الأطباق المرتبطة بالذكريات، فعلى سبيل المثال «أرز الحشوة» تعودت جدتها الأولى أن تحضره في عيد الميلاد، والمقلوبة كانت تعدّها جدتها فاطمة في أيام الجمع، وعند اجتماع العائلة لا بد وأن يتواجد طبق المناسبات السعيدة «الكبة النية» أكلة والدها المحببة.

وإن تساءلتم عن كتابها الثاني فهو في الطريق؛ وسينشره الناشر نفسه (فايدون) عام 2021، وهذه المرة ستلقي الضوء على الطعام في الشرق الأوسط وأسلوبه في التطور والتماشي مع أطعمة شعوب أخرى؛ متتّبعة الأصل التاريخي لعدد من الأطباق، وذلك في إطار السعي إلى رصد الانفتاح الثقافي والحضاري الذي يولّد أطعمة جديدة.

وببراءة تنضم «قطعتي سكر» اسماهما ياسمين وهالة إلى المطبخ لمساعدة أمهما التي تعلّق بابتسامة رقيقة: «يفرحني أن أرى ابنتَي تنشآن بين ربوع المطبخ الفلسطيني الأصيل، أتمنى حقاً أن أترك لهما قطعة من حياتنا وتراثنا تصاحبهما أينما استقر بهما المقام، يكفيني أن تدركا بأن كل فرد منا بوسعه أن يقدم صنيعاً حسناً لأجل شعبه».

تاركة ريم للصغيرتين وَديعة على شكل جملة: «يمكنكما الوثوق بالعائلة الفلسطينية لأنها ستظل تحبكما دون قيد أو شرط».

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة