«المائدة الفلسطينية» كتاب استخرج لؤلؤة من محارة

رشح لجائزة جيمس بيرد وأدهش الغرب

ريم قسيس مع ابنتيها
ريم قسيس مع ابنتيها
TT

«المائدة الفلسطينية» كتاب استخرج لؤلؤة من محارة

ريم قسيس مع ابنتيها
ريم قسيس مع ابنتيها

دغدغة ناعمة من الطعام لحواسها كافية لأن يطير بساط الريح بها من ولاية فيلاديفيا إلى مدينة القدس. شعور عجيب يحدث عندما تلمس ريم قسيس حبيبات المفتول بين أصابعها. حين تقترب أنفاسها من الزعتر المطحون مع السماق والسمسم المحمّص. عندما تطرب أذنها لهمس زيت الزيتون لحظة سكبه في الخوابي. حين تبطئ في مضغ خبز الطابون المَلتوت بالزيت لتستمتع بطعم كل لقمة مع كوب شاي بالنعناع الطازج. وحين تقع عينها على عربة تجوب الشوارع محملة بكعك يشبه كعك القدس... عندئذٍ يبلغ الحنين منتهاه.
في مطبخ الكاتبة الفلسطينية الشابة تجدون زعتراً وسماقاً وجميداً «كشك» ودقة ومفتولاً وفريكة وزيت زيتون وزيتوناً بلدياً يتألق سَواده وخَضاره، حيث تستقر في أميركا مع زوجها وابنتيها، فكروم عائلتها في قرية الرامة الجليلية تجود عليها بمدّد الخيرات، ناهيك عن دبس الرمان الذي يحضرّه والدها من أشجار الرمان في حديقة بيتهم مُلِّطخاً قُمصانه به، فيهديه لابنته حين تزورهم أو يرسله بالبريد مع مجموعة منوعة من التوابل.
منظور إنساني أوسع
لم يسمع أحد في عالم الطهي بريم قسيس عندما كانت تنكبّ على كتابة «المائدة الفلسطينية»، وفي ذلك الوقت اطلعّ الطاهي والكاتب الشهير أنتوني بوردين على مسودته، فما كان منه إلا أن يعبر عن اندهاشه من مستوى قدرتها على إظهار قوة الطعام في إبراز جانب آخر من ثقافة وتاريخ الشعب الفلسطيني الذي لا يحظى في العادة باهتمام كافٍ بسبب التركيز على نضاله السياسي. فشجعها ودعمها وكتب مقدمة لكتابها.
ووصفه بوردين بأنه يضم بين دفتيه مجموعة مدروسة من الوصفات الرائعة والرؤى التاريخية والثقافية. لقد كان محقاً، ولذا أخذ حظه من النجاح الباهر عند صدوره عام 2017
الطعام بالنسبة لهذه الشابة المقدسية – حسبما تخبرنا - أكثر من مجرد قوت «إنه فرح وتواصل، حب وذكريات؛ لأنه يحكي قصة العائلة والتاريخ والتقاليد»، فمع كل وصفة أتحفتنا بها هناك قصة ولمحة عن الحياة والتاريخ وعن أوقات السلم والحرب والحزن والفرح والمواسم. وعن الأسرة والكَرم وروح البيت وضحكاته وحكاياته.
هي لم تخطّ كتاب طهي عادي يضم وصفات وحسب، وفي الوقت نفسه لم يكن كتاباً سياسياً، ومع ذلك لم يرد إلى خاطرها أن عرض تاريخ فلسطين وإرثها وثقافتها للعالم من خلال الطعام بطريقة مدروسة وجذابة سيساعد الكثيرين على فهم القضية الفلسطينية بمنظور إنساني أوسع بعد أن أثار إعجابهم، ولا تخفي في حديثها الممتع مع «الشرق الأوسط» أنها فوجئت بمستوى الترحيب بكتابها في الأوساط الأوروبية والأميركية إلى حد تلقي دعوات للحديث في الكثير من الجامعات والندوات.
أخذت الكاتبة على عاتقها فتح المَحارة الرائعة المنسية لتستخرج واحدة من أنصع لآلئها؛ ويزداد يقينها أن تعبها ما ضاع سدى كلما تلّقت بشارة من قارئ غربي يؤكد لها أنه أصبح يعرف للمرة الأولى عن جوانب أخرى من حياة الشعب الفلسطيني لم تكن ضمن توقعاته، ويثلج صدرها كلما وصلت رسالة من فلسطيني يعيش في مكان ما من الكرة الأرضية ليخبرها عن سعادته بتحضير طبق من وصفات الكتاب أعاده إلى طفولته في فلسطين؛ ومرة تلو أخرى تبرهن أن الطعام قادر على التخفيف من وطأة قانون المسافة ليصير الوطن البعيد أقرب وأغلى.
تجدر الإشارة إلى أن الكتاب المترجم إلى اللغتين الفرنسية والألمانية رشّح لجائزة جيمس بيرد، والتي تعد أكبر جائزة في عالم الطهي في الولايات المتحدة. كما رُشّح لجائزة أندريه سيمون وجائزة إدوارد ستانفورد، وحاز جائزة نقابة كتاب الطعام «الجائزة الأكثر شهرة في عالم الطهي» في المملكة المتحدة. ووقع عليه الاختيار كواحد من أفضل الكتب لعام 2017.
سألناها عن الدافع الذي تملّكها لتصرّ على خروج هذا النوع من المحتوى إلى النور، فقالت إن سرقة الأطباق الفلسطينية من دون خجل أشعلت شرارة الغضب في روحها عندما لاحظت إطلاق أسماء أخرى عليها لتُقدم في كثير من المطاعم في أنحاء العالم على أنها إسرائيلية، لقد أرادت من أعماقها أن يعرف العالم حقيقة هذه الخدع؛ «إنه طعام فلسطيني مرّ بالكثير من التطورات على مدار التاريخ» تقولها بثقة تامة.
ولعل من المفارقة أنها قبل دخولها في غمار التأليف لم تعِ أن الطعام يملك قوة جبارة؛ بالنظر إلى أنه وسيلة ساحرة للتواصل مع الآخرين ومن خلاله يمكن استكشاف حضارات الشعوب وثقافاتها، وتزيد بالقول: «في حالتنا؛ الطعام عدسة تمكّن الآخرين من النظر إلى الفلسطينيين كشعب متكامل في جوانب حياته، غير مقتصر على خوض الصراع السياسي».
تقفز ريم إلى ضفة حساسة في الحديث بقولها: «لا أعارض أن يحب (الإسرائيلي) طعامنا ولا أن يطبخه، لكن لا أقبل أن ينكر أحد بأن هذه أطباق فلسطينية شامية وأنها جزء لا يتجزأ من إرثنا الحضاري على مر العصور».
«ما هي أفضل طريقة برأيك للخروج من هذا السِجال؟»... تجيبني بنبرة مطمئنة «أنسب طريقة أن نترك طعامنا وتاريخنا يتحدثان عن نفسيهما؛ عندما نشارك مع العالم أطباقنا المميزة بمستوى يليق بها ونعرّفهم على التاريخ الذي يقف خلفها فإننا نحفظ حقنا من جهة ومن جهة ثانية نبقيه للأجيال القادمة بواسطة توثيق أطباقنا الأصيلة حتى لا يطويها النسيان».
وتتحدث بصراحة أكبر «أحد أخطائنا أننا تجاهلنا دور الطعام في حياتنا؛ لأن قضيتنا السياسية كانت وما زالت تشغلنا؛ وبلا شك هي الأهم، إلا أنه من المهم أن نوقن بأن الطعام جزء من نضالنا حتى نحافظ على هويتنا، قد لا نستعيد به بلادنا جغرافيا، لكنه سيشد من أزرنا نفسياً وعاطفياً».
الطعام غِراء
نشأت ريم في مدينة متفردة بطبعها، وذلك التفرد وصل إلى مطبخها الذي يُشكل بوتقة غنية لمطابخ عدة من المناطق الفلسطينية. ترعرعت بين ثلاث موائد، الأولى في بيت والديها بالقدس، والثانية في بيت جدتها (أم أبيها) في قرية الرامة الجليلية، والثالثة في بيت جدتها (والدة أمها) في قرية جلجولية في المثلث، كانت جدتاها تحبان الطبخ كثيراً، مما هيأ الأجواء للحفيدة لتعلّم الطهي على أصوله.
إن كانت ريم تشرّبت شيئاً واحداً من نساء عائلتها فيما يخص السر الحقيقي للطهي الجيد، فذلك الشيء هو «الحب»... الحب لما تفعله، وللمكونات وللعملية نفسها.
إذن، ليس غريباً أن كل كلمة تفوّهت بها نكهّتها بالحب؛ ولا سيما هنا: «عندما سافرتُ إلى الخارج لإكمال دراستي بدأت الروائح والذكريات تطاردني، لقد اكتشفت أن تناول الطعام مع الأسرة طريقة للحياة، وحينها فقط آمنت أن الطعام غراء يلصق روح المرء بمناسبات عائلية لا تُنسى وسبب قوي لربطه بجذوره، وأن الوقت الذي يقضيه مع أهله أثناء تحضير الطعام لا يُقدّر بثمن».
فتحت الحياة ذراعيها لريم وجولّتها بين أماكن براقة ذات نمط محموم وأعطتها ما تشتهي من الشهادات العليا والوظائف المرموقة، لكنها ما لبثت أن أعادتها إلى المكان الذي بدأت منه وهو «المطبخ»، فقد عملت مستشارة إدارية في «مكنزي» أكبر شركة في العالم للاستشارات الإدارية، إلا أنها بعد ولادة طفلتها الأولى، غادرت عالم الأعمال وقررت أن تتبع قلبها فإذ به يقودها إلى المطبخ لتكتب عن الطعام وضرورة الحفاظ على تقاليد الطهي الفلسطينية.
راحت ريم تحكي لـ«الشرق الأوسط» بشغف عن حكايات شخصية لعائلتها غزلت منها كتابها؛ ساردة فيه قصص الجدات، وبالأحرى قصة شعب كامل بتسليط الضوء على أكلاته، التي هي مِلك لكل الفلسطينيين في أنحاء العالم كافة، حسب تعبيرها.
لقد عادت بنا إلى زمن جميل كانت تجتمع فيه نساء الحارة قُبيل العيد لتحضير الكعك حتى تساعدن بعضهن بعضاً، حدثتنا عن أغانٍ غنينّها أثناء الطبخ للتسلية، وعن ضحكات صدحت أيام موسم قطف الزيتون وفيه يتعاون الكل على استخراج الزيت وكبس الزيتون الأخضر والأسود؛ وعن سعادة يتطاير شذاها عند تنشّق رائحة الزيت الجديد بينما ينغمس بخبز الطابون الساخن ليتعاهدوا من جديد أنهم باقون ما بقيت شجرة الزيتون. لقد فعلتها السيدة الصغيرة! حكت بنزاهة عن قصة عشقهم لأرضهم وذكرياتهم التي يحملونها معهم أينما حطّت بهم الرِحال.
نقلّب سريعاً في صفحات الكتاب فتظهر أدوات نحاسية تقليدية استعملتها جدتها قبل سنين طويلة واحتفظت بها لقيمتها العاطفية والتاريخية، وبأسلوب احترافي غُمس في محبرة أديب وأدوات باحث؛ تتأرجح الكاتبة بقارئها بين السطور لتنقله إلى مكان وزمان بعيدين محفزّة عنده حاستي التذوق والشم، ومما يلفت الانتباه أن صور الوصفات التقطتها جميعها في بيت والديها بمدينة القدس.
وحول المصادر التي استندت إليها ريم، تذكر أن بعضها قصص مروية عن أقاربها، والبعض الآخر محادثات شخصية أجرتها مع نساء من مناطق مختلفة داخل فلسطين وخارجها، ولم تُغفل بطبيعة الحال المصادر الأكاديمية والاطلاع على كتب قد لا تتعلق مباشرة بالطعام إلا أنها تمنح بعدا لفهم ثقافته.
توقفت عند صورة للمسخن فيها جمال صارخ؛ وأشارت بأصبعها قائلة: «المسخن يجسد جوهر القصة الفلسطينية»، طبق تراثي فاخر ترسمه بأناملها حين تصفه: «تنفتح الشهية عليه بعد عَصر الزيتون؛ كونه يتطلب كمية وافرة من الزيت، هذه الشجرة المباركة الشامخة تحكي قصة شعب لا ينهزم!».

مرحباً بك في بيتك
عصافير المعدة تبتهج إذا ما حضر «الدجاج المحشي» أكلة ريم المفضلة التي مهما أتقنتها فلن تُحصّل نكهة أمها وجدتها - هكذا تشدنا ريم أكثر إلى بَوحها الجميل.
وتتورّد قسمات وجهها عندما يمر ببالها أطعمة مغذية سخية ينطق دفؤها من دون صوت: «مرحباً بك في بيتك»، من بينها البيض المقلي الذي لا يقبل به والدها من دون أن يعلوه الزعتر والسماق، ولا يغيب عن ذاكرتها «تبولة تيتا أسما» وقَطّينها المعقود، والحوسة، والعجة، وصلصة الطحينة، واللبن المطبوخ، والمَلاتيت، والصفيحة، والكعك الأصفر، والمناقيش وفطائر السبانخ، والمطفية «قرنبيط مع لبن»، وغيرها من الأصناف.
ولا تسقط ولو سهواً الأطباق المرتبطة بالذكريات، فعلى سبيل المثال «أرز الحشوة» تعودت جدتها الأولى أن تحضره في عيد الميلاد، والمقلوبة كانت تعدّها جدتها فاطمة في أيام الجمع، وعند اجتماع العائلة لا بد وأن يتواجد طبق المناسبات السعيدة «الكبة النية» أكلة والدها المحببة.
وإن تساءلتم عن كتابها الثاني فهو في الطريق؛ وسينشره الناشر نفسه (فايدون) عام 2021، وهذه المرة ستلقي الضوء على الطعام في الشرق الأوسط وأسلوبه في التطور والتماشي مع أطعمة شعوب أخرى؛ متتّبعة الأصل التاريخي لعدد من الأطباق، وذلك في إطار السعي إلى رصد الانفتاح الثقافي والحضاري الذي يولّد أطعمة جديدة.
وببراءة تنضم «قطعتي سكر» اسماهما ياسمين وهالة إلى المطبخ لمساعدة أمهما التي تعلّق بابتسامة رقيقة: «يفرحني أن أرى ابنتَي تنشآن بين ربوع المطبخ الفلسطيني الأصيل، أتمنى حقاً أن أترك لهما قطعة من حياتنا وتراثنا تصاحبهما أينما استقر بهما المقام، يكفيني أن تدركا بأن كل فرد منا بوسعه أن يقدم صنيعاً حسناً لأجل شعبه».
تاركة ريم للصغيرتين وَديعة على شكل جملة: «يمكنكما الوثوق بالعائلة الفلسطينية لأنها ستظل تحبكما دون قيد أو شرط».



أكلات «تُخاصم» موائد المصريين في أوائل رمضان

معظم مطاعم الكشري يتم غلقها في بدايات شهر رمضان بمصر (الشرق الأوسط)
معظم مطاعم الكشري يتم غلقها في بدايات شهر رمضان بمصر (الشرق الأوسط)
TT

أكلات «تُخاصم» موائد المصريين في أوائل رمضان

معظم مطاعم الكشري يتم غلقها في بدايات شهر رمضان بمصر (الشرق الأوسط)
معظم مطاعم الكشري يتم غلقها في بدايات شهر رمضان بمصر (الشرق الأوسط)

لا تبدو بعض الأكلات الشعبية المصرية قادرة على الصمود أمام زحف الأيام الرمضانية الأولى بموائدها العامرة وعزائمها التي تتبارى فيها الأسر احتفاءً بكرم الشهر الفضيل، فلا شيء يعلو فوق حضور «المحشي»، و«الملوخية»، وأطباق اللحوم والدواجن، بما تتيحه «الميزانية»، في استقبال عزيز لمدفع «الإفطار» بعد ساعات الصيام الطويلة.

في هذا السياق، تنزاح بعض الأطباق اليومية بامتياز مثل «الكشري» إلى الهامش، رغم مكانته الراسخة كأحد أكثر الأطباق شعبية في مصر، لينحسر مؤقتاً لصالح «الشهية» الرمضانية في مطلعها، فكما يرتبط «الفسيخ» بشم النسيم، و«الكعك» بالعيد، يرتبط «الكشري» عند كثيرين بنهايات شهر رمضان لا ببدايته، وكأن لكل موسم أطباقه، وشهيته الخاصة.

وحسب تعبير فاطمة القاضي، مُعلمة وربّة أسرة في الخمسين من عمرها، فإنه «في الثقافة الرمضانية المصرية لا يُنظر إلى الطعام بوصفه سداً للجوع وكسراً للصيام فحسب، بل تعبيراً عن الكرم و(اللمة)، لذلك لا يشتهي الصائمون في بدايات الشهر أطباقاً مثل الكشري أو الأسماك، ربما لارتباطها بالعطش، بينما يستقبل الناس أذان المغرب بالعصائر والطواجن والمقبلات، وعلى رأسها السمبوسك التي ترتبط بشكل خاص في المائدة المصرية بشهر رمضان».

وتضيف القاضي لـ«الشرق الأوسط»: «مع ضغط الأكل الدسم وساعات الطهي المرهقة في الأيام الأولى، نبدأ مع النصف الثاني من رمضان البحث عن أكلات أخف، وقد نكسر الروتين بطبق من السمك كنوع من التغيير».

الكشري ليس من الأطعمة المفضلة في بداية الشهر الفضيل بمصر (الشرق الأوسط)

ولا يبدو ارتباط بعض الأطعمة بالعطش مجرد انطباع عابر، بل يتصل بذاكرة جسدية متراكمة لدى الصائمين، فالكشري، بما يحويه من عدس وحمص وصلصة الطماطم التقليدية «المسبكة»، والبصل المُحمّر، يُنظر إليه كوجبة «حارة» بعد ساعات الصيام، بينما يرتبط السمك، خصوصاً المُملَّح والمُتبل بالثوم، بالعطش الممتد لساعات بعد تناوله، لذلك مع الأيام الأولى من رمضان، حين يكون الجسد لا يزال في طور التكيّف مع نظام الصيام، يميل كثيرون إلى تجنّب ما قد يُضاعف الإحساس بالجفاف في اليوم التالي، فتتقدّم الأطباق الغنية بالمرق والطواجن إلى الواجهة.

إقبال لافت على الأسماك في النصف الثاني من رمضان بمصر (فيسبوك)

وتنعكس تلك «الذائقة» الرمضانية أيضاً على حركة السوق؛ فيقول كمال السيد، أحد العاملين في محل لبيع الكشري بشارع جامعة الدول العربية بمحافظة الجيزة (غرب القاهرة): «بات من المألوف أن تُغلق محلات بيع الكشري خلال النصف الأول من شهر رمضان؛ لأن الناس عادة تعزِف عن تناول الكشري في مطلع الشهر، فيما نعاود العمل مع النصف الثاني منه، ليكون الكشري أحياناً وجبة سحور سريعة، وأحياناً يطلب منا القائمون على موائد الرحمن إمدادهم بالأرز أو المكرونة لوجبات الإفطار، لذلك تتغير ملامح نشاطنا خلال الشهر».

مصريون يلجأون للأسماك بعد الاعتماد على اللحوم في الأيام الأولى من رمضان (فيسبوك)

ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «هناك محلات كشري تُغلق خلال شهر رمضان بأكمله، حسب قدرة صاحب المحل على تحمّل إجازة بأجر مدفوع للعاملين بها، خصوصاً في المطاعم الكبرى، ويستغل بعضهم أيام الإغلاق تلك كفرصة سنوية لصيانة المحل وتجديده استعداداً للموسم الأكبر للإقبال على الكشري، الذي يبدأ مع صلاة العيد مباشرة»، موضحاً: «الكشري في العيد الصغير يعد طقساً احتفالياً للإفطار، بعد شهر من الصيام والاشتياق».


«البصلي»... طعم البحر الذي عبر الأجيال

مطعم البصلي للأسماك شاهدًا على حكاية لم تبدأ كمشروع تجاري بل كحياة يومية تشكّلت حول البحر (الشرق الأوسط)
مطعم البصلي للأسماك شاهدًا على حكاية لم تبدأ كمشروع تجاري بل كحياة يومية تشكّلت حول البحر (الشرق الأوسط)
TT

«البصلي»... طعم البحر الذي عبر الأجيال

مطعم البصلي للأسماك شاهدًا على حكاية لم تبدأ كمشروع تجاري بل كحياة يومية تشكّلت حول البحر (الشرق الأوسط)
مطعم البصلي للأسماك شاهدًا على حكاية لم تبدأ كمشروع تجاري بل كحياة يومية تشكّلت حول البحر (الشرق الأوسط)

في قلب جدة التاريخية، وعلى مقربة من سوق السمك، يقف مطعم البصلي للأسماك شاهداً على حكاية لم تبدأ مشروعاً تجارياً، بل حياة يومية تشكّلت حول البحر، وانتقلت من الأب إلى الأبناء، جيلاً بعد جيل.

قبل نحو سبعة وسبعين عاماً، أسّس والد عائلة البصلي مطعماً صغيراً لا يتجاوز طوله مترين ونصف المتر، في منطقة كانت تعيش على إيقاع الصيد والتجارة. لم يكن الاسم مخططاً له، بل خرج من تفاصيل المكان: سوق السمك، وحبة بصلة، واسم «البصلي» الذي التصق بالموقع قبل أن يصبح علامة يعرفها أهل جدة وزوارها.

كبر المطعم، لكن روحه بقيت كما هي. ومع مرور السنوات، تحوّل من مساحة ضيقة إلى عنوان ثابت في ذاكرة المدينة، في حين ظلّ البحر حاضراً في كل طبق يُقدَّم.

تعلُّم بالممارسة... لا بالوصفات

انتقلت المهنة داخل العائلة عبر الحضور اليومي في المكان، لا عبر وصفات مكتوبة أو تعليمات جاهزة. نبيل حامد، الذي تسلّم إدارة المطعم منذ أكثر من عشرين عاماً، تعلّم المهنة كما عاشها من سبقوه: من اختيار السمك في السوق، إلى تنظيفه، وطريقة طهيه، وتبديل الزيت، وحتى ترتيب الأطباق. كانت الخبرة تُبنى خطوة بخطوة، وتتراكم مع الوقت.

يقول إن الوصفات بقيت كما هي، وإن الاسم لم يتغير؛ لأن الزبائن يأتون بحثاً عن «طعم زمان»، الطعم الذي لم تحكمه موضة، ولم يتبدّل مع تغيّر الأذواق.

مرّ المطعم بمحطات دقيقة، خصوصاً مع التحوّل الذي شهدته جدة التاريخية، وانتقالها من منطقة تجارية إلى فضاء تراثي وثقافي وسياحي مسجل في قائمة «يونيسكو» للتراث العالمي. في تلك المرحلة، كان التحدي الأساسي هو كيفية الاستمرار من دون فقدان العلاقة بالمكان أو بالناس الذين اعتادوا عليه. ومع تزايد الإقبال وامتداد طوابير الانتظار، تبلورت قناعة بأن المطعم أصبح جزءاً من تجربة جدة التاريخية نفسها.

مطعم محلي ومحطة سياحية

ومع هذا الحضور المتراكم، لم يعد مطعم البصلي وجهة لأهالي جدة أو زوارها من داخل المملكة فقط، بل أصبح جزءاً من خريطة السياحة في المدينة، ومحطة تُدرج ضمن برامج زيارة جدة التاريخية. فكما تُزار الأسواق القديمة والمعالم، بات المطعم حاضراً في خطط كثير من القادمين إلى الحي.

الترانزيت الذي لم يكتفِ بالانتظار

ضمن هذا السياق، يروي نبيل حامد قصة مسافر بريطاني من أصول هندية، كان يمر عبر مطار جدة في رحلة ترانزيت لا تتجاوز خمس ساعات. سمع عن «البصلي» قبل وصوله، فقرّر أن يخرج من المطار، يتجه مباشرة إلى جدة التاريخية، يتناول وجبته، ثم يعود ليكمل رحلته.

قال لي: «عندي ساعتان فقط، وجئت خصيصاً لأجرب المطعم»، يذكرها كواقعة تعبّر عن تحوّل المكان إلى وجهة يُقصد لها، حتى في الرحلات العابرة.

اعتراف عالمي جاء بصمت

هذا الحضور لم يكن محلياً فقط. ففي عام 2025، نال مطعم البصلي جائزة أفضل مطعم سمك من مجلة Time Out العالمية، بعد زيارات متكررة قام بها فريق التقييم من دون تعريف مسبق، وفق آلية تعتمد على التجربة الفعلية والتصويت.

وبالنسبة للعائلة، جاءت الجائزة تتويجاً لمسار طويل حافظ فيه المطعم على طعمه وهويته، من دون أن يسعى إلى الشهرة.

جائزة تايم آوت العالمية التي حصل عليها مطعم البصلي لعام 2025 (الشرق الأوسط)

قديم وجديد... بلا قطيعة

اليوم، يعمل «البصلي» بصيغتين: مطعم قديم حافظ على شكله وروحه، وتجربة أحدث استوعبت الإقبال المتزايد. لم يكن التوسع رغبة في الانتشار، بقدر ما كان محاولة لتخفيف الضغط عن المكان الأصلي، مع الإصرار على أن يبقى الطعم واحداً.

نسبة كبيرة من الزبائن اليوم من خارج السعودية، إلى جانب عائلات جدة التي تؤكد، في كل زيارة، أن النكهة لم تتغير. بعضهم يقطع عشرات الكيلومترات، بل يزور المطعم مرات عدة في الأسبوع؛ بحثاً عن مذاق لا يجده في مكان آخر.

مأكولات بحرية يقدمها مطعم البصلي باهتمام دقيق بالتفاصيل (الشرق الأوسط)

السمك... التفاصيل تصنع الفارق

حين يُسأل نبيل حامد عن سر الاستمرارية، لا يتحدث عن التسويق، بل عن التفاصيل: نوعية السمك، نظافته، طريقة التعامل معه منذ خروجه من البحر وحتى وصوله إلى الطبق. ويؤكد أن الحضور اليومي في المطعم، ومتابعة الفريق، وسماع الملاحظات، كلها جزء من فلسفة العمل.

تحضير السمك الطازج داخل مطعم البصلي (الشرق الأوسط)

الماضي... أساس المستقبل

لا يرى «البصلي» المستقبل بعيداً عن الماضي. فالطعم الذي بقي لعقود هو ما منح المطعم شرعيته اليوم، وهو ما يدفعه للتفكير في أي خطوة قادمة بحذر، من دون أن يفقد المكان جذوره.

في مطعم البصلي، لا يُقدَّم السمك بوصفه وجبة فقط، بل بوصفه حكاية عائلة، وذاكرة مدينة، ودليلاً على أن بعض الأماكن تصبح جزءاً من السياحة... لأنها بقيت صادقة مع نفسها.


«لو شانتييه»... 100 عام من النكهات السويسرية في مصر

«لو شانتييه»... 100 عام من النكهات السويسرية في مصر
TT

«لو شانتييه»... 100 عام من النكهات السويسرية في مصر

«لو شانتييه»... 100 عام من النكهات السويسرية في مصر

في قلب حي مصر الجديدة بالقاهرة، الذي يجمع بين العراقة والرقي، يقع واحد من أهم المطاعم العائلية ذات التاريخ الطويل، هو مطعم Le Chantilly «لو شانتييه» الذي يقدم أطباقاً سويسرية ببعض اللمسات الأوروبية المتنوعة.

فيه يمكنك أن تستمتع بمذاقات مختلفة، يجمع بينها المطبخ السويسري الذي يتمتع بتاريخ يعكس التنوع اللغوي والثقافي والجغرافي لسويسرا.

ولا تقتصر خصوصية «لو شانتييه» على هذا الثراء في النكهات والمكونات، لكنه يُعد كذلك وجهة لاستعادة ذكريات رواده، واستدعاء لحظات دافئة من الماضي، فالمطعم الذي أُنشئ في نهاية عشرينات القرن الماضي يُعد من معالم الحي الهادئ.

داخل المطعم تلتقي بزبائن من مختلف الأعمار والفئات، بعضهم من كبار السن الذين اعتادوا تناول الإفطار من قائمة المعجنات والمخبوزات الموجودة في السلة، برائحتها المميزة، وأبرزها الباتيه و«لاوجن كرواسون» بالسالمون المدخن والجبن الأبيض، أو «حلومي بريس» التي تجمع بين خبز الشيباتا، والروكا، والريحان، والطماطم، والجبن الحلومي.

في «لو شانتييه» قد يفضل البعض اختيار أحد أنواع الكيك الذي يشتهر المكان بتقديمه ساخناً في الصباح، مثل «ماربل كيك»، أو «بسكويت كيك» أو «إنجلش كيك» بالـ«دراي فروت»، فضلاً عن الباتيه والكرواسون بالجبن أو سادة، وذلك مع القهوة في الصباح الباكر في منطقة «الأوبن إريا» الملحق بها تراس؛ ليستمتعوا بالشمس مع قراءة الصحف المتوفرة يومياً فيها باللغات الفرنسية، والإنجليزية، والعربية.

وينتظرهم كذلك الـcold cuts بأنواعها، مثل «كروك شانتييه» وهو خبز التوست الأسمر أو الأبيض باللحم الرومي المدخن مع الطماطم والفلفل وغراتين بالجبن مع البطاطس والسلطة الخضراء بالذرة، فضلاً عن ساندوتشات اللحم المدخن بصوص الفلفل، والتركي بالزعتر.

تقول مديرة المطعم السيدة جميلة لـ«الشرق الأوسط»: «(لو شانتييه) من أقدم المطاعم، بل الأماكن الموجودة على الإطلاق في حي مصر الجديدة، وهو وجهة لأبناء العائلات العريقة التي لا يزال معظمهم يعرف بعضهم الآخر». وتتابع: «حتى هؤلاء الذين هاجروا منذ عشرات السنوات فإنهم حين يعودون لزيارة مصر يأتون إلينا لطلب نفس الأطباق القديمة التي كانوا يطلبونها قبل؛ فقد حافظ المطعم على (كلاسيكيته) وأصالته وجودة الطعام بشهادة الضيوف».

دفء الأجواء

وتتابع بابتسامة: «بعض الزوار كانوا صغاراً إلى حد أنهم كانوا يشبون ليختاروا طلباتهم المفضلة من ثلاجة عرض الحلويات المخصصة (للتيك آواي)، الآن صاروا يصطحبون أحفادهم».

غالباً ما تعكس مطاعم المطبخ السويسري ثقافة جبال الألب الهادئة والدافئة؛ ولعل ذلك ما يفسر لنا بقاء هذا المطعم في وجدان أبناء حي مصر الجديدة؛ حيث يتميز بأجواء الترحاب والدفء المنزلي، مع عناصر ديكور ريفية مثل الأثاث الخشبي والمدافئ والأعمال الفنية المستوحاة من الجبال، وفي ظل هذه الأجواء الهادئة والمريحة يتناول رواد الطعام أطباقهم على مهل، كما لو كانوا في المنزل.

تنوع الأطباق

يقدم Le Chantilly قوائم متنوعة من الطعام، ما بين الإفطار والغداء والعشاء مع مجموعة واسعة من الجبن، بما في ذلك «فوندو الجبن السويسري».

ومن أشهر أطباقه شرائح الفيليه المشوية التي تقدم بطريقة «جنيفواز» بزبدة «الكافيه دي باري»، وتقدم مع السلطة المكونة من الخس بالمستردة، والخضراوات السوتيه والبطاطس. وكذلك يقدم طبق «فيل إسكالوب» مشوي بصوص المشروم الكريمي، مع «الجرين نودلز»، و«سكالوب بتلو» محشو بالجبن واللحم البقري المدخن.

ولعشاق البطاطس بنكهاتها المختلفة، فإن «لو شانتييه» هو وجهتهم؛ حيث تُعد مكوناً منتشراً بكثرة في المطبخ السويسري، وتُستخدم بشكل خاص في طبق «روشتي»، وهو طبق شعبي يُؤكل في جميع أنحاء سويسرا، لكنك يمكنك الاستمتاع به في القاهرة داخل هذا المطعم مع شرائح البتلو بصوص المشروم الكريمي، التي تقدم مع بطاطس «روشتي» أو شرائط المكرونة الخضراء.

أما محبو الدجاج فتنتظرهم قائمة طويلة، منها «جريلد تشيكن بريست»، «تشيكن ستروغانوف»، صدور الدجاج المحشوة بالجبن واللحم البقري المدخن، «جريلد تشيكن» التي يعلوها جبن الموتزاريلا الذائبة، وتقدم مع نودلز بالزبدة والخضراوات، إضافة إلى أنواع الحساء المختلفة.

السيدة جميلة (إدارة المطعم)

«السلمون ستيك»، «جريلد» أو «فريد فيش فيليه» مع صوص الليمون، «جريلد سلمون فيليه» مع صوص الشبت الكريمي، «ريد سي شريمب»، هي أطباق تنتظر عشاق المأكولات البحرية في المطعم.

والرائع أن المطبخ يتيح لك المزج بين اللحوم والدجاج أو الأسماك في طبق واحد، في تجربة طعام مختلفة، على سبيل المثال يمكنك اختيار طبق «بيف ميداليون» مع صوص الفلفل مع «التشيكن كوردون بلو»، أو الدجاج المشوي مع صوص المشروم الكريمي، أو «جريلد بيف فيليه» يعلوه الجمبري «البترفلاي» والـ«هيرب بتر صوص».

«الطعام الصحي»

يجد محبو «الطعام الصحي» ترحيباً داخل المطعم أيضاً عبر قائمة من السلطات المميزة ذات النكهات المتنوعة والدريسنج الشهي، ومنها «فيجي حلومي تشيز سالاد» وتتكون من جرجير، خضار مشوي، جبنة حلومي مشوية يعلوها الريحان، تقدم مع «الفيردي دريسنج».

وأيضاً، «كينوا سالاد» وتتكون من ميكس خس، كينوا، الطماطم الشيري، خيار، مكعبات البصل، نعناع وفاكهة الموسم، والإيطاليان دريسنج، أو «شيف سالاد»، وهو طبق غني من السلطات مع شرائح الدجاج والجبن واللحم البارد بصوص «ثاوزند آيلاند».

أما إذا كنت من هواة سلطات «السي فود» فينتظرك «سلمون كراب سالاد» ويتكون من «سلمون مدخن» يقدم على شرائح الكابوريا المتبلة بصوص ميكس الخس، الجزر والـ«ريد بينز»، أو «سويت كورن» تقدم مع «مايو ليمون دريسنج».

ويعيش المطعم مع المصريين في كل مناسباتهم السعيدة مثل الكريسماس من خلال تقديم أفخر أنواع الشوكولاتة والحلوى التي تتخذ أشكال بابا نويل وعربة الغزالة وغير ذلك، كما يقدم الكنافة والقطائف في رمضان، والكعك والبسكويت في عيد الفطر، وفق جميلة.

وتلفت: «يركز المطعم على الضيافة وتجربة تناول طعام مختلفة معاً، منذ اللحظة الأولى يفتح لك باب المحل عامل بأسلوب خاص يسوده التهذيب، وكذلك الجرسونات أيضاً».

وبالرغم من أن «لو شانتييه» مطعم عتيق، فإنه على العكس من المطاعم المماثلة يسمح بتوصيل الأطباق إلى المنازل، بل إنه من مطاعم الـ«كاترينج» حيث يرحب بتقديم الطعام للمناسبات والتجمعات الكبيرة مثل الحفلات، والمؤتمرات، وغيرهما. وذلك في مختلف أنحاء مصر «من الإسكندرية (شمال مصر) إلى أسوان (جنوبها)».