مختارات الأجيال بين الإقصاء والتبشير

بعضها يمثل وجهة نظر فنية وآخر يخضع لاعتبارات آيديولوجية

حاتم الصكر - حسام السراي  - سهيل نجم
حاتم الصكر - حسام السراي - سهيل نجم
TT

مختارات الأجيال بين الإقصاء والتبشير

حاتم الصكر - حسام السراي  - سهيل نجم
حاتم الصكر - حسام السراي - سهيل نجم

حملت المختارات الشعرية روحاً تبشيرية، في معظمها وبالتحديد المختارات التي تخصُّ الحركات الشعرية، أو التي تُعنى بجيلٍ محددٍ دون غيره، وقد عُرفت في العراق العديد من المختارات، بعضها يخص الشعر العراقي بشكل عام مثل «مختارات الشعر العراقي الحديث» للدكتور محمد صابر عبيد عام 2002 التي انتصر فيها لمشروع الحداثة، ذلك أنَّه أخذ النصف الثاني من القرن العشرين ابتداءً بالسياب حتى آخر شاعر من الجيل التسعيني (الذين كانوا شباباً في ذلك الوقت)، فقد استبعد محمد صابر عبيد كل تجارب القصيدة العمودية ممثلةً في الجواهري، ومصطفى جمال الدين، وعبد الأمير الحصيري، ومحمد حسين آل ياسين وعشرات آخرين، إذ اكتفى بنصوص التفعيلة والنثر، وهذه المختارات تمثل وجهة نظر فنية، بخلاف المختارات التي تمثل وجهة نظر آيديولوجية، كما في مختارات «شعراء الطليعة العربية» التي تمثل الخط المؤدلج والثوري بعيداً عن فنية النصوص وجودتهن.
كذلك اجتهد المترجم والشاعر سهيل نجم في عمل مختارات شعرية سماها «القيثارة والقربان» 2017، ووضع عنواناً فرعياً لها، وهو الشعر العراقي منذ السبعينات حتى اليوم، وهذا العنوان الفرعي يحتم على صاحب المختارات بعضاً من الموضوعية التي افتقرت إليها تلك المختارات، حيث خضعت لمزاج صاحبها، وأنا شخصياً لا أميل كثيراً لشاعر يضع مختاراته، لأنّه سيضع تلك المختارات بمقاس مزاجه الشعري، ومن يخالفه سيُرمى خارج نافذة تلك المختارات، وهذا ما حصل مع «القيثارة والقربان»، التي حصرها بقصيدة النثر فقط، وبفهم صاحب الاختيارات للشعر، حيث يقول: «على وفق هذا الفهم للإنجاز الشعري الفني والتناول الثيماتي ومن خلال قراءات مطولة للعشرات من المجاميع الشعرية والنصوص المتناثرة وعلى مدى سنوات تم اختيارنا لهذه النصوص من دون أنْ تكون بأيدينا مسطرة هندسية نعتمد عليها بل اعتمدنا على قدرة النص في الجذب واكتنازه بالشعر». وهي جملة غائمة، إذ لا حدود واضحة لتلك المسطرة الشعرية التي حددها بالجذب والاكتناز الشعري، فما حدود ذلك الجذب؟ وما حجم الاكتناز الشعري ومقاسه؟ وحين نقلب صفحات المختارات البالغة 550 صفحة لا نجد إلا ستة شعراء اختار لهم نصوصاً من التفعيلة وهم (خليل الأسدي، وريم قيس كبة، وكاظم الحجاج، وعدنان الصائغ، وكزار حنتوش، ونبيل ياسين). وبهذا لا نستطيع أنْ نخرج بمشهد عريض وواضح عن الشعر العراقي منذ السبعينات حتى الآن، لانتهاجه وجهة واحدة وهي قصيدة النثر، لذلك كان على صاحب المختارات أنْ يكتب عنواناً فرعياً بدلاً من هذا العنوان، وهو (القيثارة والقربان -قصيدة النثر في العراق منذ السبعينات وحتى اليوم)، أولى وأجدى من وضع لافتة باسم الشعر العراقي كله، وبهذا فلا يمكن الاعتماد على هذه المختارات كوثيقة عن الشعر العراقي، إنَّما هي تمثل وجهة نظر صاحب المختارات ومزاجه الشعري، الذي يتقاطع مع كل شيء فيه إيقاع، سواء أكان عمودياً أو تفعيلة.
لكنَّ هناك مختارات أكثر دقة من هذه المختارات العامَّة، إذ شكَّل البعض منها إطلالة إمَّا على جيلٍ محددٍ، وإما على حركة فنية، وإما على مدرسة أدبية، وهذا ما حصل مع «مواجهات الصوت القادم» لحاتم الصكر، حيث كانت عبارة عن دراسة نقدية ومختارات من شعر الجيل السبعيني، فيما شكَّلت مختارات «الشعر العراقي الآن» من إعداد وتقديم فرج الحطاب وعباس اليوسفي، إطلالة على شعراء قصيدة النثر من الجيل التسعيني، بينما أخذت «تلويحة لأحلام ناجية» من إعداد وتقديم حسام السراي، منحى آخر، وهي مختارات لمجموعة شعرية لشعراء ما بعد 2003، وهي مقتصرة على تسعة شعراء فقط، وسأقف عند تلك المختارات للنظر بجديتها، وقراءة عناوينها العريضة ذات الروح التبشيرية.
إن «مواجهات الصوت القادم» 1986 كانت أشبه بالتبشير بشعراء الجيل السبعيني، حيث اشتمل ذلك الكتاب على مقدمة طويلة لحاتم الصكر، يتحدَّث فيها عن أهمية هذا الجيل ودخوله في صراع مع الجيل الستيني، وذلك من خلال العنوان الذي وضعه للكتاب، وهو «مواجهات»، بمعنى أن هذا الجيل سيواجه الأجيال التي سبقته، علماً بأنَّ الجيل السبعيني لم يُعرفْ عنه تمايزه عن تلك الأجيال، بل كان في معظمه صوتاً مشابهاً لأصوات الرواد، ولذلك يقول الصكر عنهم: «سجَّلنا لشعراء السبعينات زهدهم بالبحث عن أساليب جديدة، فهم غير منساقين وراء الهم الشكلي المحض، ولا يريدون ابتداع أشكال مغايرة كما أنَّهم ملتزمون بإيقاع الرواد... إن قصيدتهم لا تزال محافظة على الشكل الموروث... ولا يصنع أكثر الشباب جرأة في مجال الحداثة سوى أن يُسقط القافية من قصيدته برمتها، لكنَّه لا يخرج عن الإيقاع السائد، فهو يخضع لبناء البيت الشعري وينساق وراء وظيفة البيت التقليدية في القصيدة العربية». وقد شكّلت الدراسة النقدية في هذا الكتاب أكثر من ثلثيه، وما تبقى وهو أقل من ثلث الكتاب، جعله حاتم الصكر للمختارات الشعرية التي اختار من ذلك الجيل كلاً من الشعراء (خزعل الماجدي، وزاهر الجيزاني، وعدنان الصائغ، وسلام كاظم، ورعد عبد القادر، وهادي ياسين علي، وعلي الطائي، وصاحب الشاهر، وخليل الأسدي، وفيصل جاسم، وكمال سبتي، وجواد الحطاب، وعبد المطلب محمود). وقد خلا هذا الكتاب كعادة المختارات من الكثير من شعراء تلك المرحلة، أمثال (حميد قاسم، ومعد الجبوري، وساجدة الموسوي، ومرشد الزبيدي، وعبد الزهرة زكي، وعبد العظيم فنجان، وموفق محمد، وكاظم الحجاج، وشوقي عبد الأمير، وعيسى حسن الياسري) وعشرات آخرين أغفلتهم الدراسة والمختارات، دون أنْ يكون هناك مبرر لاستبعادهم، وبهذا فقد اعتمد الناقد حاتم الصكر على هؤلاء الشعراء فقط بوصفهم عينة للجيل السبعيني أو الوجه القادم لهذا الجيل.
فيما أخذت المختارات التي أعدها عباس اليوسفي وفرج الحطاب «الشعر العراقي الآن» 1998، مساراً مختلفاً، حيث اكتفى المعدَّان بالعنوان التبشيري العريض، ولكنهما لم يكتبا مقدمة تنظيرية بحجم العنوان الواسع، فهما يقولان إنَّ الشعر لا يحتاج إلى مقدمات، إذ إن الشعر مكتفٍ بنفسه كما يقولان، ومن ثم ذكرا بعض التفاصيل الفنية البسيطة من قبيل إنّ «هذه المجموعة من شعراء التسعينات يحمل كل واحد منهم تجربته ويمتلك بدوره بصمته الخاصة... إنَّ قِصر جملهم الشعرية وتكثيفها واعتماد الإدهاش والمفارقة وعنصر السخرية وكتابة المهمل من اليومي والمرئي.... يشكّل بمجمله سمات الكتابة الجديدة»، ومن ثمّ يذكران أنَّ هذا النموذج في هذه المختارات «هو نموذج خاص ومبتكر يختلف عن أي نموذج وعن أي تجربة شعرية سابقة، إنَّه نموذج لم يرثْه الشعراء، ولم يستورده أحد، بل صنعوه بكل تفاصيله وتشظياته». والحقيقة، حين نعاين هذه الجمل لا نستطيع أنّ نخرج برؤية نقدية عن تلك المرحلة، ولا يمكن الإمساك بهذه الجمل، وذلك لحجم الطاقة الإنشائية التي تحملها، إذ إنَّها خالية من التحديد، فما معنى أنَّ هذا النموذج خاص ومبتكر؟ أين وجه الخصوصية؟ وأين وجه الابتكار؟ وكيف يختلف عن كل التجارب السابقة؟ لم يحدد المعدِّان والمقدِّمان أي بوصلة نقدية لهذه النصوص، سوى جملٍ حماسية تبشِّر بمجموعة شعراء كانوا يعانون من ضيق النظام، ووطأة الحصار الشديدة، وقد أشارا بالفعل إلى هذه المسألة في نهاية المقدمة، حيث يقولان: «لقد كانت محاولة لممارسة الحرية، غير أنَّها كانت أشبه بعملية التنفس الاصطناعي».
بينما جاءت مختارات «تلويحة لأحلام ناجية» 2018 التي أعدها وقدَّمها الشاعر حسام السراي وقد وضع عنواناً فرعياً تحت العنوان العام سماه «شعرية عراقية جديدة» وهي تُعد -كما أظن- من أنضج المختارات التي قرأناها في العراق، وذلك لمستوى النضج النقدي والرؤيوي الذي اكتنفها، فلأول مرَّة في المختارات تكون هناك شهادات لكل شاعر وضع اسمه فيها، شهادة يتحدث فيها عن تجربته الشعرية، وعن الظروف المحيطة به، وعن مشكلات البلد، كما أنَّها اشتملت على مقدمة نقدية، تحدَّث صاحب المختارات فيها عن هذا الجيل الخارج بعد 2003، ذلك التاريخ المفصلي في حياة العراقيين، وقد حملت المقدمة حمولة ثقافية هي أقرب إلى السياسة وتحولاتها، من الثقافة وأثرها، إذ اكتنزت بالآراء السياسية والاجتماعية، فقد أدانت تلك المقدمة التجارب الشعرية التي سبقت هذه المختارات، إذ يقول حسام السراي: «الشيء الجوهري هنا أن هؤلاء الشعراء لم يضعوا مكياج الخديعة على الصورة البشعة للحرب». وقد أطلق حسام السراي النيران الصديقة على مجمل الأجيال التي سبقتهم، بحيث اتَّهم تلك الأجيال بأنَّها مرتهنة للسلطات، ومؤدلجة، ومتحزبة، وبأنَّ ذممهم تُباع «في مواسم شراء الذمم وتهييج الجمهور بقصائد يرتاح لها المصفقون لأنَّها ترفدهم بسموم الانقسام بحجة الدفاع عن المكونات أو المظلومين في الأمس أو المهمَّشين اليوم». وهنا إشارة واضحة إلى المظلومين بالأمس للشعراء الشيعة، والمهمشين اليوم للشعراء السنة، وربما لأول مرة تحدث مثل هذه الإشارات في الشعر العراقي لهكذا تقسيمات، ولكنْ لا يمكن تعميم هذه الوجهة على مجمل الأجيال التي سبقت أصحاب هذه المختارات.
إنَّ وجود شاعرٍ أو شاعرين ينتهجان الفكرة التي أثارها حسام السراي لا يعني أنَّ تلك الأجيال مرتهنة لهذا النمط من الفهم، الذي استثنى من هذه التفصيلة شعراء المختارات فقط، حيث يقول: «هذه المجموعة لم تفعل هذا كله بل فعله شعراء من أجيال أخرى»، ولكن المُلاحظ على هذه المختارات هو غياب الحديث عن التحولات الشعرية التي بشَّرت بها المختارات، واللَّافتة الفرعية التي أعلنتها «شعرية عراقية جديدة»، إذ هيمن حديث التحول السياسي والاجتماعي الذي عصف بالبلاد على كل التحولات الشعرية، التي هي جوهر هذه المختارات، فلم تؤشِّر المقدمة ولا الشعراء الذي كتبوا شهاداتهم الشعرية على أي تحولٍ في الشعرية العراقية الجديدة، ما عدا إشارات إنشائية لا يمكن الركون إليها نقدياً، حيث تقول المقدمة: «ربما هذه الفعالية هي الأولى في إطار تقديم هذه النخبة والإعلان عن ظهورها جماعة شعرية لا رابط بينها إلَّا في رغبة الاقتران بنمط جديد من الكتابة»، ولكن لم نعرف ما هذا النمط الجديد في الكتابة؟ هل هو نمط فني مغاير لم تعرفه الأجيال السابقة؟ أم هو نمط فكري جديد؟ لذلك فهذه الجملة عائمة وغير محددة وفيها روح تبشيرية عالية، أو طموح شعري أكثر مما هو فعل شعري، كما آمنت هذه المختارات بخيار «قصيدة النثر» دون غيرها من بقية الخيارات، ولكنهم لم يحددوا ما الجديد الذي أضافوه إلى قصيدة النثر؟ التي سبقتهم بخمسة عقود، إذ اكتفوا بالرؤية السسيوثقافية دون الغوص بالتحول الجمالي على مستوى الشكل والأداء، كما أن شهادات الشعراء، أو كما سماها حسام السراي «بياناتهم الشعرية»، في هذه المختارات، لم تحتوِ على خزينهم الثقافي ومنطلقاتهم الشعرية ومرجعياتهم الثقافية، ومع كل ملاحظاتنا على التلويحة، إلا أنها -كما أظن- واحدة من أهم المختارات الشعرية في العراق على ضوء المقدمة السسيوثقافية التي حملتها وعلى ضوء شهادات الشعراء الخاصة بهم وخيارهم الفني في الكتابة.



مقاهي جدة التاريخية في رمضان… حين يصبح المساء طقساً اجتماعياً

مقاهي جدة التاريخية تستقطب السياح ليستمتعوا بالقهوة وأصالة المكان (الشرق الأوسط)
مقاهي جدة التاريخية تستقطب السياح ليستمتعوا بالقهوة وأصالة المكان (الشرق الأوسط)
TT

مقاهي جدة التاريخية في رمضان… حين يصبح المساء طقساً اجتماعياً

مقاهي جدة التاريخية تستقطب السياح ليستمتعوا بالقهوة وأصالة المكان (الشرق الأوسط)
مقاهي جدة التاريخية تستقطب السياح ليستمتعوا بالقهوة وأصالة المكان (الشرق الأوسط)

في جدة التاريخية، يبدأ المساء متأخراً في رمضان. بعد الإفطار وصلاة التراويح تتبدل ملامح الأزقة القديمة؛ تفتح المقاهي أبوابها على إيقاع مختلف، وتتحول الجلسات إلى محطات لقاء لا يقصدها الزوار بحثاً عن القهوة فقط، بل عن تجربة كاملة يعيشون فيها تفاصيل المكان. بين برحة نصيف وشارع الذهب، تتشكل اليوم هوية جديدة لمقاهي «البلد»، حيث يلتقي الجيل الجديد بتاريخ المدينة، في محاولة لإعادة تعريف المقهى داخل فضاء تراثي عمره قرون.

«ميناء»... حين يصبح المقهى نقطة انطلاق

خلف بيت نصيف مباشرة، اختار مقهى ميناء أن يكون جزءاً من التحول الذي تشهده المنطقة، لا مجرد مشروع جديد داخلها. المقهى يصفه مالكه محمد جوجو بأنه محاولة للمشاركة في صناعة التغيير نفسه، عبر تقديم القهوة المختصة ضمن قراءة معاصرة للمكان، تحافظ على التاريخ دون أن تمسّه.

مقهى ميناء نقطة التقاء وانطلاق لاكتشاف أزقة جدة التاريخية (الشرق الأوسط)

يقول جوجو لـ«الشرق الأوسط» إن الفكرة لم تكن إنشاء مقهى فقط، بل إعادة صياغة مفهوم المقهى والمحمصة داخل بيئة تاريخية، بحيث يلتقي الزمن الماضي بالحاضر في تجربة واحدة. فالمكان معاصر بطبيعته، لكنه يعيش داخل تاريخ طويل يجب احترامه لا استبداله. فاختيار الموقع جاء نتيجة علاقة شخصية مع جدة التاريخية؛ إذ أمضى جوجو عاماً كاملاً في دراسة الهندسة الإسلامية، والحرف التقليدية في البلد، متتبعاً تفاصيل الرواشين، والنجارة، والخزف، والجبس، قبل أن يقرر أن يبدأ مشروعه من هنا تحديداً.

يقول جوجو: «أصل جدة هو البلد»، معتبراً أن تأسيس المشروع في هذا الموقع منحه جذوراً حقيقية قبل التفكير في أي توسع لاحق. ولا يركّز ميناء على المنتج وحده، بل على التجربة الكاملة. فالقهوة المختصة -خاصة البن اليمني- تكتسب معنى إضافياً بوجود المقهى في حارة اليمن، بينما تتحول الخدمة والتواصل مع الزوار إلى جزء أساسي من هوية المكان.

«نحن لا نبيع قهوة فقط، بل نبيع تجربة»، يوضح جوجو، مشيراً إلى أن الزوار يقصدون جدة التاريخية لا للشراء السريع، بل للعيش داخل المكان. ومن هنا جاء اسم «ميناء»؛ نقطة ترسو عندها الرحلات قبل أن تنطلق من جديد. كثير من الزوار يبدأون جولتهم من المقهى، ثم يعودون إليه طلباً لتوجيهات جديدة لاكتشاف بقية الأزقة والمعالم، ليصبح المكان محطة تجمع تنطلق منها تجربة البلد كاملة.

ويمتد ارتباط المقهى بالمنطقة إلى التعاون مع حرفيين محليين شاركوا في تصميم عناصر المكان، من الإضاءة المصنوعة يدوياً إلى البلاطات والزخارف، في محاولة لخلق علاقة حقيقية بين المشروع والبيئة الحرفية المحيطة به. وخلال رمضان، يتجه المقهى إلى تطوير منتجات مستوحاة من الهوية المحلية، مثل الآيس كريم بنكهات عربية، ومشروبات مرتبطة بالمذاق الرمضاني، في استمرار لفكرة المزج بين التجربة المعاصرة وروح المكان التاريخي.

زوار جدة التاريخية يتجمعون في المقاهي بعد صلاة التراويح (الشرق الأوسط)

رمضان... موسم المقاهي الأكبر

يرى القائمون على المقاهي في المنطقة أن رمضان يمثل الذروة الحقيقية لحضور جدة التاريخية، إذ تتحول الأزقة إلى فضاء اجتماعي مفتوح يستقبل ملايين الزوار، معظمهم من داخل المملكة، يبحثون عن تجربة مختلفة لليالي الشهر الفضيل. وعلى شارع الذهب، أحد أكثر شوارع البلد حركة، افتُتح مقهى ميغوستا، وكانت انطلاقته الفعلية في منتصف شهر رمضان الماضي. ويقدم المقهى، المصمم بأسلوب ريفي بسيط داخل بيئة تاريخية، القهوة والمشروبات الحديثة، مع جلسات داخلية وخارجية تستوعب الزوار خلال جولتهم الليلية. يؤكد مالكه بسام ياسر أن رمضان يشكل موسماً رئيساً للسياحة المحلية، حيث يبحث الزوار عن أماكن تمنحهم تجربة المكان بقدر ما تقدّم لهم المشروبات، ما يدفع المقاهي إلى إضافة منتجات موسمية، ونكهات مرتبطة بالشهر الفضيل.

ومن أمام بيت نصيف مباشرة، يواصل مقهى هولا لوبز حضوره في جدة التاريخية حيث اختار مالكه أحمد أبو طه الموقع انطلاقاً من قناعته بأن البلد تمثل البيئة الأصدق لخلق تجربة تجمع بين التاريخ والحياة المعاصرة.

مقاهي جدة التاريخية تستعد لاستقبال زوارها مساءً في رمضان (الشرق الأوسط)

في رمضان، تتغير هوية المقهى بإضافة منتجات مستوحاة من تاريخ جدة تُقدَّم بنكهات حديثة تمنح الزوار تجربة متجددة دون الابتعاد عن روح المكان. ويبحث رواد المقاهي عن الأجواء الشعبية، والنكهات المرتبطة بالذاكرة، إلى جانب أسلوب الترحيب الذي يعكس طريقة استقبال أهل جدة قديماً.

وتتمثل الطقوس اليومية في تزيين المكان، واستقبال الزوار بطريقة تمنحهم شعور المشاركة في أجواء الشهر، مع الحفاظ على الطابع التاريخي عبر تطوير المنتجات بما ينسجم مع هوية الموقع. ويختصر أبو طه ليالي رمضان بوصفه ليالي رمضان في المقهى بأنها «ليالٍ تاريخية بنكهة حضارية».

مقاهي جدة التاريخية تجمع بين القهوة الحديثة وروح المكان التراثي (الشرق الأوسط)

المقاهي... قلب المشهد الليلي

وفي الشهر الفضيل، لا تعد مقاهي جدة التاريخية مجرد أماكن جلوس، بل نقاط اجتماع، ومحطات انطلاق داخل المدينة القديمة. يجلس الزوار طويلاً، يتبادلون الأحاديث، أو يخططون لمحطتهم التالية، بينما تتحول القهوة إلى سبب للبقاء أكثر، ومع كل موسم رمضاني تعيد مقاهي جدة التاريخية رسم علاقتها بالمدينة؛ بين الماضي الذي يحتفظ به المكان، والحاضر الذي يصنعه رواده.


عادات غذائية خاطئة تزيد الوزن في رمضان

الوجبات المتوازنة تساعد على إنقاص الوزن في رمضان (المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين)
الوجبات المتوازنة تساعد على إنقاص الوزن في رمضان (المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين)
TT

عادات غذائية خاطئة تزيد الوزن في رمضان

الوجبات المتوازنة تساعد على إنقاص الوزن في رمضان (المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين)
الوجبات المتوازنة تساعد على إنقاص الوزن في رمضان (المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين)

قد يبدو شهر رمضان فرصة مثالية لمن يسعون للتخلص من الوزن الزائد؛ إذ يعتقد بعضهم أن الامتناع عن الطعام والشراب من الفجر حتى المغرب يكفي لإنقاص الدهون تلقائياً. لكن خبراء التغذية يؤكدون أن فقدان الوزن لا يعتمد على الصيام وحده، بل يتأثر بشكل كبير بالعادات الغذائية الخاطئة خلال وجبتَي الإفطار والسحور. ويحذر المختصون من أن بعض السلوكيات الشائعة قد تعرقل خسارة الوزن، بل قد تؤدي إلى زيادته رغم الصيام، وفق صحيفة «بورنيو بوست»، الماليزية.

وتشدد الدكتورة نورشام جوليانا نور الدين، رئيسة مجموعة أبحاث الإيقاع الحيوي ونمط الحياة بكلية الطب والعلوم الصحية في جامعة العلوم الإسلامية الماليزية، على أن فقدان الوزن يعتمد على إجمالي السعرات الحرارية ونوعية الطعام وحجم الحصص والنشاط البدني.

وتوضح أن الإفراط في تناول الأطعمة الغنية بالسكر والدهون خلال الإفطار أو السحور قد يؤدي إلى زيادة الوزن، خصوصاً عند قلة الحركة واضطراب النوم؛ لأن الطاقة الزائدة تُخزن على شكل دهون. ومع ذلك، تشير إلى أن الصيام يمكن أن يساعد في ضبط الوزن إذا ترافق مع تغذية متوازنة ونشاط بدني منتظم.

القهوة والسهر ليلاً

في السنوات الأخيرة، أصبحت جلسات القهوة بعد التراويح شائعة، خصوصاً بين الشباب. وتوضح نور الدين أن شرب القهوة ليلاً ليس مثالياً من الناحية الفسيولوجية؛ إذ يعرقل النوم بسبب تأثير الكافيين الذي يمنع إفراز المواد المحفزة للنوم في الدماغ، ما يؤدي إلى تعب خلال النهار. كما أن القهوة مدرّة للبول، ما يزيد فقدان السوائل في وقت يحتاج فيه الجسم لتعويضها. بالإضافة إلى ذلك، قد تعوق مركبات القهوة امتصاص بعض المعادن مثل الحديد والكالسيوم، وتنصح بتجنب القهوة عند الإفطار.

الأكل الليلي المتكرر

يميل بعض الصائمين إلى تناول وجبات إضافية بعد التراويح، غالباً تكون غنية بالكربوهيدرات والسكريات. ويحذر الخبراء من أن الأكل المتأخر ليلاً يُبطئ عملية الأيض، ويعيد الجسم إلى وضع تخزين الطاقة، مما يقلل من فوائد الصيام في حرق الدهون. وتوصي نورشام بالاعتدال وتجنب الأطعمة الثقيلة أو السكرية التي قد تسبب اضطرابات في الهضم والنوم.

أهمية وجبة السحور

تشير نور الدين إلى أن تخطي السحور قد يخل بتوازن الجسم؛ لأن توقيت الوجبات يلعب دوراً مهماً في ضبط الساعة البيولوجية؛ فالسحور يهيئ الجسم لبداية يوم الصيام ويساعد الأعضاء على العمل بكفاءة، ما يدعم استقرار الطاقة.

كما تحذر من بدء الإفطار أو السحور بمشروبات وأطعمة شديدة الحلاوة، مثل المشروبات المحلاة والحلويات؛ لأنها تسبب ارتفاعاً سريعاً في سكر الدم يتبعه هبوط مفاجئ يؤدي إلى التعب وزيادة الرغبة في تناول السكريات. وتشير أيضاً إلى أن الإفراط في الملح يزيد الشعور بالعطش ويؤثر على جودة النوم، مما قد يؤدي إلى الجفاف أثناء الصيام.

توقيت الوجبات

تؤكد الدكتورة أرياتي أحمد، الأستاذة المشاركة بكلية العلوم الصحية في جامعة السلطان زين العابدين الماليزية، أن توقيت الإفطار والسحور عامل أساسي للحفاظ على الصحة خلال رمضان.

وتنصح بالبدء بأطعمة خفيفة سهلة الهضم لتجنب الانتفاخ أو الارتجاع، وللحد من الإفراط في الأكل نتيجة الجوع الشديد. أما السحور، فيوفر طاقة مستدامة ويحسن مستوى الترطيب قبل ساعات الصيام الطويلة.

الرياضة خلال الصيام

تدحض الدكتورة أرياتي الاعتقاد بأن النشاط البدني لا بدَّ أن يتوقف خلال رمضان، مشيرة إلى أن التمارين الخفيفة إلى المتوسطة مفيدة للحفاظ على اللياقة والكتلة العضلية وضبط الوزن.

وتوصي بممارسة أنشطة خفيفة قبل الإفطار بنحو 30 إلى 60 دقيقة، مثل المشي أو التمدد، أو بعد الإفطار بساعة إلى ساعتين لممارسة تمارين القوة المعتدلة.


قبل أضواء «سيزار»… معركة جديدة بين السينما الفرنسية والذكاء الاصطناعي

صورة تعبيرية عن الجدل بين السينما الفرنسية والذكاء الاصطناعي (شاترستوك)
صورة تعبيرية عن الجدل بين السينما الفرنسية والذكاء الاصطناعي (شاترستوك)
TT

قبل أضواء «سيزار»… معركة جديدة بين السينما الفرنسية والذكاء الاصطناعي

صورة تعبيرية عن الجدل بين السينما الفرنسية والذكاء الاصطناعي (شاترستوك)
صورة تعبيرية عن الجدل بين السينما الفرنسية والذكاء الاصطناعي (شاترستوك)

في وقت تستعد فيه السينما الفرنسية للاحتفاء بنجومها على سجادة جوائز «سيزار» الحمراء، يرتفع صوت الاحتجاج داخل الوسط الفني ضد الذكاء الاصطناعي، بعد تحرّك لافت قاده نحو 4 آلاف ممثل ومخرج ندَّدوا بما وصفوه بـ«النهب المنظّم» عبر استخدام أصواتهم وصورهم من دون إذن.

وفي مقال نُشر على موقع صحيفة «لو باريزيان»، ونقلته «وكالة الصحافة الفرنسية»، حذَّرت هيئة «أدامي» التي أطلقت المبادرة قائلة: «نشهد تحوّلاً عميقاً في مهنتنا منذ وصول الذكاء الاصطناعي. هذه الأداة القيِّمة لبعض المهن هي أيضاً وحش نهم للفنانين من أمثالنا».

وضمَّت قائمة الموقِّعين أسماء بارزة في السينما الفرنسية، من بينهم سوان أرلو، وجيرار جونيو، وجوزيه غارسيا، إلى جانب الممثلات ليا دروكر، وإلودي بوشيه، وكارين فيار، في خطوة عكست حجم التوتر المتصاعد داخل الأوساط الفنية.

وشدَّد الفنانون على أن استنساخ الأصوات بات ظاهرة متكررة، مؤكدين أن القلق يزداد مع كل أسبوع جديد، في ظل منافسة تكنولوجية شرسة قد تغيّر شكل المهنة نفسها. وأشاروا أيضاً إلى أن الفنانين الأقل شهرة هم الأكثر هشاشة، إذ قد تدفعهم ضغوط العمل أحياناً إلى التنازل عن حقوقهم، رغم ما قد يحمله ذلك من مخاطر على سمعتهم ومسارهم المهني.

وطالب الموقِّعون بوضع إطار قانوني واضح ينظِّم استخدام الذكاء الاصطناعي في المجال الفني، بما يضمن تحقيق توازن حقيقي بين الابتكار التقني وحماية حقوق التأليف والحقوق المجاورة.

ويأتي هذا التحرُّك ضمن موجة متصاعدة من المبادرات الفنية في مواجهة تأثير الذكاء الاصطناعي، إذ شهدت باريس مؤخراً وقفة احتجاجية شارك فيها عدد من الفنانين والممثلين.

وفي تطور أثار ضجة واسعة، اتهمت استوديوهات هوليوودية كبرى مؤخراً برمجية صينية تُدعى «سيدانس 2.0» بانتهاك حقوق التأليف، بعد انتشار فيديو مولَّد بالذكاء الاصطناعي جمع بين توم كروز وبراد بِت وحقق انتشاراً كبيراً على مواقع التواصل.

وبين وعود التكنولوجيا ومخاوف الفنانين، تبدو معركة السينما مع الذكاء الاصطناعي قد بدأت فعلياً، معركة قد تُعيد رسم حدود الإبداع وحدود المهنة في السنوات المقبلة.