كيف بدأ جنود مشاة البحرية الأميركيون بالعراق في التساقط؟

ضابط من «المارينز»: كنا نظن أننا الجيش الوحيد الذي لا يُقهر

كيف بدأ جنود مشاة البحرية الأميركيون بالعراق في التساقط؟
TT

كيف بدأ جنود مشاة البحرية الأميركيون بالعراق في التساقط؟

كيف بدأ جنود مشاة البحرية الأميركيون بالعراق في التساقط؟

كنا نتقافز جميعاً لتفادي الرصاصات والشظايا الناجمة عنها كما لو كنا حديثي عهد بالقتال، وكنا نثني الركب ونفصل الأفخاذ في كوميديا ساخرة، وكنا نتقي الطلقات بالسترات الواقية من الرصاص مع اندفاع مزيد من شظايا المعادن الحارقة بجانب أجسادنا. كانت أغلب الطلقات الموجهة ضد قاعدة العمليات الأمامية الخاصة بنا تذهب أدراج الرياح. كان من يطلقون النار علينا يحتاجون إلى مزيد من الحظ حتى يتمكنوا بطريقتهم تلك من إصابة رجل واحد منا. فلقد كانت الرصاصات تأتي من بنادق تحملها أيادٍ غير مدربة أو مجموعة من الهواة لأولئك الآباء والأبناء والأشقاء الذين أجبرتهم ظروف حياتهم البائسة على خوض تلك الحرب التعسة أو الذين ربما يؤمنون ببعض أفكار الواجب الجهادي مما يتلقونه في مدارسهم أو مساجدهم، تلك التي لا يشفعها أي تدريب عسكري حقيقي لأي جنود محترفين على الإطلاق.
كان ذلك ما يميز أول أيام خدمتنا في الكتيبة الثانية التابعة للانتشار الثالث لقوات مشاة البحرية الأميركية في العراق اعتباراً من عام 2006. كنا غير عابئين إلى حد كبير بالجوهر الحقيقي للحرب وأوزارها. كانت عبوات الطرق الناسفة تخلف آثارها الشنيعة على أجساد بعض رفاقنا. وكانت ارتجاجات الرأس التي تتركها القنابل اليدوية تثير نوازع المزاح فيما بيننا. كما كانت الشظايا التي تسارعت مندفعة عبر أنسجة أجسادنا من مصادر السخرية اللاذعة لدى بعضنا. وتعرض الجندي غابرييل أودوم من مشاة البحرية إلى رصاصة عبرت يده اليمنى ثم استقرت في رئته اليسرى على بُعد بضعة سنتيمترات قليلة من الموضع القاتل. كنا نظن أننا الجيش الوحيد الذي لا يُقهر. غير أن إصابات المعارك كانت فعلاً خطيرة، ولكن الجميع - إلا القليل - كانوا يعودون إلى الوطن بمختلف أنواع الكدمات والندوب والحروق التي تجعلهم من مشاهير برامج جمعية المقاتلين القدماء في الحروب الخارجية في الولايات المتحدة.
لكن، وبعد أسبوعين من انتشار وحدتنا، تغير كل شيء إلى الأبد. فلقد وردت الأنباء عن وجود قناص محترف في الأجواء المحيطة بمعسكرنا الواقع في مدينة «حديثة» في محافظة الأنبار بغرب العراق. ولم يعد جنود مشاة البحرية يتعرضون للإصابات بمختلف أنواعها، بل كانوا يسقطون صرعى من فورهم، بمجرد سماع أزيز انطلاق رصاصات بندقية القناص المحترف. وذاعت الإشاعات بين مختلف الجنود أن القناص من جنسية أوروبية غير معروفة، من المرتزقة الذين يتلقون المكافآت السخية عن مقتل كل جندي من جنود جيش الولايات المتحدة. وشرعت طاحونة الإشاعات في العمل عن قناص ألماني مخضرم وخبير يعمل في الأجواء حولنا.
يبدو أننا سقطنا ضحايا كثير من الأفلام الحربية المتقنة، حيث بدأنا في تكوين أقاصيص أبعد ما تكون عن الواقع، وأن هناك مرتزقاً من قوات النازي، بعينين زرقاوين باردتين، ذلك الذي يستهدف رجالنا في هدوء عجيب، بأكثر من كونه قناصاً عراقياً فقيراً، بإصبع نحيف، يلمس زناد بندقيته في ثبات لا يشوبه الارتباك قط. وبصرف النظر تماماً عن هوية الشيطان الذي كان يطلق علينا النار، فهو لم يكن من الفئة التي تخطئ هدفها أبداً، ولم يكن من حفنة هواة الإرهاب الذين كانوا يمطرون معسكرنا بوابل من الرصاصات الآلية التي كانت تذهب سدى. كانت أصابعه تدرك تماماً ما تفعله، وكان يضبط مقاييس الرياح والهبوط والارتفاع بحنكة خبير، ثم يقوم بتعديل منظار بندقيته للتصويب الفعال على الهدف المقصود. ثم بدأ جنود مشاة البحرية من سرايا «فوكس» و«إيكو» في التساقط، غير أن أول الصرعى كان جندياً زميلاً لنا في سرية «غولف» من الكتيبة الثانية.
كان الجندي كريستوفر ريفيير قد تسلم لتوه مناوبة الخدمة في المركز 2، ليبدأ ساعات الخدمة التي تمتد بين 4 و6 ساعات كاملة منفرداً داخل صندوق خشبي لا يتجاوز حجمه حجم خزانة الملابس. وبدأ التحقق بالاتصال الداخلي بدءاً من المركز 1، جندياً بعد الآخر، لإبلاغ الرقيب المسؤول أننا مستيقظون في مواقعنا، ولا نزال على قيد الحياة. وتابع الجندي ريفيير التحقق من وراء الزجاج السميك. ارتد صوت طلقة لبندقية عبر المباني ذات الطلاء الداكن التي تشكل بلدة الحقلانية المطلة على نهر الفرات في الأنبار، لكن أغلبنا لم يعِرها الاهتمام الذي تستحقه وقتها. فلقد كانت البلدة تعزف يومياً سيمفونية غاضبة من تبادل طلقات الرصاص بين الأسلحة الآلية الأميركية والروسية.
كانت مراكز المراقبة المتقدمة في قواعد العمليات الأمامية تتكون من وحدات من الخشب الرقائقي مقاس 2 × 4 بوصات. وهناك صفوف من الأكياس البلاستيكية الخضراء المعبأة بالرمال الصفراء تتراص على السطح الخارجي وعلى السقف في كل مركز من مراكز المراقبة، وكانت ألوانها الخضراء الزاهية مثار سخريتنا ومزاحنا المستمر. كان الزجاج المقاوم للرصاص يتيح لنا استشراف قطاعات إطلاق النار لكل جندي من جنودنا، مع المنافذ الصغيرة في الزجاج التي تسمح بخروج فوهة البندقية وإطلاق النار. ولكن كانت هناك أيضاً بعض الفجوات غير المقصودة في الخشب الرقائقي، ربما بسبب التصميم حيث كان المركز عريضاً في حين كان الزجاج محدود المساحة. كانت هناك فجوة بمقاس بوصتين في مركز مراقبة الجندي ريفيير، وهي فجوة صغيرة بدت غير ذات أهمية أو اعتبار، ولكنها ذات مساحة كافية تسمح بمرور الهواء النقي إلى داخل المركز.
مرقت طلقة واحدة من القناص عبر نافذة أو سطح منزل لم نتمكن أبداً من العثور عليه أو تحديد مكانه رغم دوريات التفتيش اللاحقة التي مسحت البلدة رأساً على عقب في محال الجزارين والحرفيين، وبيوت الرجال والنساء والأطفال، وربما على رؤوس جنود مشاة البحرية أنفسهم بحثاً عن هذه النافذة أو ذلك السطح من دون جدوى. طارت الرصاصة بالقرب من قاعدة العمليات الأمامية، وبسرعة أقرب إلى مركز المراقبة الذي يحتله جندي مشاة البحرية. وعثرت الرصاصة في طريقها على تلك الفجوة ذات البوصتين التي كانت لا تسمح في المعتاد إلا بدخول الهواء النقي لمن بالداخل.
كان الجندي ريفيير يقف وراء الجدار الواقي، مرتدياً شدته القتالية بالكامل مع معدات الوقاية الشخصية الخاصة به. وكانت خوذته مثبتة على رأسه تماماً، كما كانت نظارته الباليستية تتخذ مكانها على أنفه. وكانت يداه تغطيهما قفازات القتال المقاومة للحريق، التي تقي يديه ولكنها ليست سميكة بدرجة تعيق العمل والقتال. وكانت سترته الواقية في مكانها الصحيح لحماية جسده الصغير، إذ كان جسد الجندي ريفيير لا يتجاوز في حجمه جسد صبي نحيف في سن المراهقة. كانت السترة الواقية في مكانها لتحمي أعضاءه الحيوية، إذ كان الجندي ينفذ التعليمات بشكل صحيح، بيد أن الرصاصة الغادرة لم تعبأ بذلك في شيء.
فلقد عثرت لنفسها على منفذ صغير في الزجاج الواقي لتمر من خلاله، ثم تجاوزت السترة الواقية منزلقة فوق الدرع المنقذ للحياة وهو المصمم فقط لإيقاف رصاصات المسدسات العادية. نفذت الرصاصة عبر تجويف صدر الجندي ريفيير من الجانب العلوي الأيمن، واندفعت خلال عدد من أعضائه الحيوية، ثم غادرت جيده من الخلف عند الجانب السفلي الأيسر، فسقط الرجل تماماً حيث كان واقفاً.
سمع العريف كريس ماوزي، رقيب نوبة الحراسة في تلك المناوبة، صوت تلك الرصاصة، ثم أمر بالتحقق الراديوي على الفور. استجاب المركز 1، وانتظر الجميع استجابة الجندي ريفيير من المركز 2، ثم واصل مشاة البحرية الانتظار بفارغ الصبر استجابة زميلهم في حالة من الصمت الساخط المجنون، وبعدها أدرك الجميع ما حل بزميلهم.
* «نيويورك تايمز»



السيسي في قطر والإمارات للتضامن وإدانة «الاعتداءات الإيرانية»

محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)
محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)
TT

السيسي في قطر والإمارات للتضامن وإدانة «الاعتداءات الإيرانية»

محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)
محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)

قام الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، الخميس، بجولة خليجية شملت الإمارات وقطر، جدد خلالها إدانة بلاده للاعتداءات الإيرانية على الدول العربية، وتضمنت التأكيد على ضرورة الوقف الفوري للتصعيد واللجوء إلى الحوار الجاد والوسائل الدبلوماسية لتسوية مختلف القضايا العالقة في المنطقة.

وتأتي جولة السيسي بعد يوم واحد من مشاركة وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي في الاجتماع الوزاري التشاوري الذي استضافته العاصمة السعودية الرياض، كما تأتي في أعقاب جولة قام بها الوزير المصري، هذا الأسبوع، إلى السعودية وقطر والإمارات وسلطنة عمان والأردن، وشهدت أيضاً تأكيداً على التضامن المصري مع دول الخليج ورفض الاعتداءات الإيرانية.

وقالت قناة «القاهرة الإخبارية» الفضائية إن الرئيس السيسي بحث مع نظيره الإماراتي الشيخ محمد بن زايد آل نهيان تطورات الأوضاع في منطقة الشرق الأوسط في ظل الأعمال العسكرية المتصاعدة وما تنطوي عليها من تداعيات خطيرة على الأمن والاستقرار الإقليمي والدولي.

وجدد السيسي إدانة «الاعتداءات الإيرانية السافرة التي تواصل استهداف دولة الإمارات وعدد من الدول الشقيقة في المنطقة لما تمثله من انتهاك لسيادتها والقوانين الدولية، مؤكداً تضامن مصر مع دولة الإمارات تجاه كل ما تتخذه من إجراءات لحماية أمنها وسلامة أراضيها ومواطنيها»، بحسب وكالة الأنباء الإماراتية (وام).

وفي الدوحة، أكد الرئيس المصري وأمير قطر الشيخ تميم بن حمد رفضهما لأي أعمال عسكرية توسع دائرة الصراع، وشددا على أهمية تكثيف الجهود الإقليمية والدولية لخفض التصعيد، والعمل عبر القنوات الدبلوماسية للحفاظ على الأمن والاستقرار في المنطقة.

كما جدد السيسي التأكيد على تضامن مصر مع دولة قطر، مؤكداً دعمها للإجراءات التي تتخذها لحماية سيادتها وأمنها وسلامة مواطنيها، وفقاً لـ«وكالة الأنباء القطرية».

الأمن القومي العربي

ويشير عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، محمد بدر الدين زايد، إلى أن جولة الرئيس السيسي «تأتي في إطار التزام مصري عميق بالحفاظ على مقتضيات أمن الخليج والأمن القومي العربي، وللتأكيد على رفض مصر الاعتداءات على أي دولة عربية، وبخاصة الدول الخليجية، في أعقاب جدل دار في بعض الأوساط حول طبيعة الموقف المصري، وهو جدل تجاهل عمق العلاقات المصرية - الخليجية، وأولوية الحفاظ على أمن الخليج باعتباره قضية أمن قومي مصري».

وأضاف في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن الزيارة تأتي في «ظروف بالغة التعقيد»، «والحديث عن نتائجها يظل سابقاً لأوانه في ظل هدف مصري رئيسي يتمثل في وقف التصعيد وضرورة إنهاء الحرب في أقرب وقت ممكن».

وكان السيسي قد كرر دعوته إلى وقف التصعيد وحقن الدماء، خلال كلمة ألقاها في أثناء الاحتفال «بليلة القدر»، الاثنين الماضي، مؤكداً السعي إلى الانخراط في «مفاوضات جادة» لإنهاء الصراعات الإقليمية.

وتعددت الاتصالات التي أجراها الرئيس المصري مع قادة الدول الخليجية منذ اندلاع الحرب الإيرانية في 28 فبراير (شباط) الماضي، وأكد خلالها «استعداد بلاده لتقديم كل أشكال الدعم الممكنة حفاظاً على أمن الخليج والمنطقة».

الرئيس الإماراتي محمد بن زايد ونظيره المصري عبد الفتاح السيسي في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)

وقبل جولته إلى قطر والإمارات، أعرب السيسي خلال اتصال مع السلطان هيثم بن طارق سلطان عُمان، الأربعاء، «عن تقدير ودعم مصر لجهود الوساطة التي اضطلعت بها سلطنة عُمان بين الجانبين الأميركي والإيراني»، مشيراً في هذا الإطار إلى الرؤية المصرية حول ضرورة إعلاء الحلول السياسية والدبلوماسية لكل أزمات المنطقة.

مواجهة التهديدات

وقال عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، علي الحفني، إن تبادل الاتصالات والزيارات مع قادة دول الخليج مطلوبة في هذا التوقيت مع تأزم الأوضاع في المنطقة، وإن القاهرة تعمل على البحث المشترك مع دول الخليج في كيفية الخروج من المأزق الحالي مع استمرار التصعيد، وبخاصة أن هناك قناعة عربية بأن إطالة أمد الصراع ستؤدي لمزيد من الخسائر الواقعة على دول المنطقة بأكملها.

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «الدول الخليجية لم تكن لديها مواقف عدائية من إيران لكي تتعرض لاستهدافات مستمرة منها؛ ومصر تعمل على تقديم جميع سبل الدعم في مواجهة التهديدات التي تتعرض لها»، مشيراً إلى أن الزيارة تبرهن على أن الدعم المصري يأتي من أعلى المستويات.

وقال إن زيارات الرئيس تتطرق إلى البحث المشترك عن كيفية تأمين المنطقة في المستقبل لكي لا تتكرر مثل هذه الاعتداءات، «إلى جانب اطلاع أشقائه في الخليج بنتائج اتصالاته ومساعيه لوقف الأعمال العسكرية، والتأكيد على الاستمرار في هذه الجهود لتجيب المنطقة ويلات الانزلاق إلى فوضى شاملة».


انهيار معيشي يسلب اليمنيين بهجة العيد في مناطق سيطرة الحوثيين

أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)
أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)
TT

انهيار معيشي يسلب اليمنيين بهجة العيد في مناطق سيطرة الحوثيين

أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)
أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)

مع نهاية شهر رمضان وحلول عيد الفطر، تبدو مظاهر الفرح باهتة في شوارع وأسواق العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث يعيش ملايين السكان الخاضعين للحوثيين تحت وطأة أزمة معيشية خانقة، انعكست بشكل مباشر على قدرتهم على استقبال المناسبة التي لطالما ارتبطت بالبهجة والتكافل الاجتماعي.

وبينما كانت الأسواق في صنعاء وبقية مناطق سيطرة الحوثيين تعج بالمتسوقين في مثل هذه الأيام، قبل انقلاب الجماعة المتحالفة مع إيران، باتت اليوم شبه خالية، في مشهد يعكس عمق التدهور الاقتصادي الذي تعانيه مناطق سيطرة الجماعة.

وكشفت جولات ميدانية لـ«الشرق الأوسط» وشهادات سكان وتجار عن حالة ركود غير مسبوقة، بالتوازي مع ارتفاع الأسعار، وانعدام مصادر الدخل، واستمرار انقطاع رواتب شريحة واسعة من الموظفين الحكوميين منذ سنوات، ما دفع كثيراً من الأسر إلى إعادة ترتيب أولوياتها المعيشية، على حساب مظاهر العيد وطقوسه.

في الأحياء الشعبية وأزقة صنعاء، تراجعت بشكل ملحوظ مظاهر الاستعداد للعيد، إذ طغت هموم الحياة اليومية على تقاليد الفرح التي كانت تميز هذه المناسبة. ويؤكد سكان أن شراء ملابس جديدة للأطفال أو تجهيز الحلويات والمكسرات لم يعد أمراً متاحاً كما في السابق، بل تحول إلى عبء يفوق قدراتهم المالية.

الأسواق اليمنية بمناطق سيطرة الحوثيين تشهد مزيداً من الركود (أ.ف.ب)

ويقول موظفون حكوميون إن نصف الرواتب التي تُصرف بشكل متقطع (كل ثلاثة أشهر) لا تكفي لتغطية الاحتياجات الأساسية، في ظل ارتفاع أسعار السلع إلى مستويات قياسية. ويضيف أحدهم، وهو أب لخمسة أطفال، أن العيد الذي كان يمثل فرحة سنوية لأسرته، أصبح اليوم مناسبة يواجه فيها عجزاً عن توفير أبسط المتطلبات.

وتشير شهادات ربات منازل إلى أن كثيراً من الأسر لجأت إلى إصلاح الملابس القديمة لأطفالها، أو الاستغناء عن بعض العادات المرتبطة بالعيد، في محاولة للحفاظ على الحد الأدنى من الشعور بهذه المناسبة.

ركود الأسواق

يؤكد تجار في صنعاء أن حركة البيع والشراء شهدت تراجعاً كبيراً مقارنة بالأعوام الماضية، حيث يكتفي كثير من الزبائن بالسؤال عن الأسعار قبل مغادرة المحال دون شراء. ويعزو هؤلاء هذا التراجع إلى ضعف القدرة الشرائية نتيجة تدهور الأوضاع الاقتصادية وغياب مصادر الدخل.

ويرى خبراء اقتصاديون أن هذا الركود يعكس حالة انكماش حاد في النشاط التجاري، بفعل استمرار الصراع، وتراجع الدورة الاقتصادية، وفرض جبايات وإتاوات متعددة على التجار، ما أدى إلى ارتفاع الأسعار وتقليص هامش الربح، وبالتالي فقدان أحد أهم المواسم التجارية السنوية.

ويحذر هؤلاء من أن استمرار هذه الظروف قد يؤدي إلى إغلاق مزيد من المحال التجارية، خصوصاً الصغيرة منها، ما يزيد معدلات البطالة ويعمق الأزمة الاقتصادية.

يمني تخرج في الجامعة يعمل في بيع الملابس بصنعاء (الشرق الأوسط)

وشهدت صنعاء ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الحوثيين خلال الأسابيع الأخيرة موجة جديدة من ارتفاع أسعار السلع الغذائية والاستهلاكية، شملت مواد أساسية مثل الدقيق والأرز والسكر، إضافة إلى منتجات أخرى ضرورية للحياة اليومية.

ويؤكد السكان أن هذه الزيادات تأتي في ظل غياب أي تحسن في مستوى الدخل، واستمرار انقطاع الرواتب، وانتشار البطالة، ما يجعل القدرة على تلبية الاحتياجات الأساسية أمراً بالغ الصعوبة. كما يشيرون إلى وجود تفاوت ملحوظ في الأسعار بين منطقة وأخرى، في ظل غياب الرقابة الفاعلة على الأسواق.

ويربط اقتصاديون هذا الارتفاع بالتطورات الإقليمية حيث الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، ما ينعكس على تكاليف الاستيراد والنقل والتأمين، ويؤدي إلى تحميل المستهلك النهائي هذه الأعباء.

آثار اقتصادية

لم تقتصر تداعيات الأزمة على الجانب الاقتصادي، بل امتدت إلى النسيج الاجتماعي، حيث اضطرت أسر كثيرة إلى تقليص استهلاكها الغذائي، أو الاستغناء عن خدمات أساسية مثل التعليم والرعاية الصحية.

وتؤكد شهادات ميدانية أن بعض الأسر باتت تعتمد على الديون أو المساعدات من الأقارب لتأمين احتياجاتها اليومية، فيما لجأت أخرى إلى شراء سلع أقل جودة أو تقليل عدد الوجبات اليومية، في محاولة للتكيف مع الواقع الصعب.

ويحذر مراقبون من أن استمرار هذا الوضع قد يؤدي إلى تفكك اجتماعي كبير، نتيجة الضغوط الاقتصادية والنفسية التي تواجهها الأسر، خصوصاً مع غياب أي حلول قريبة للأزمة.

3 محافظات يمنية تحت سيطرة الحوثيين تواجه حالة طوارئ غذائية (الأمم المتحدة)

تأتي هذه التطورات في وقت يشهد فيه اليمن تراجعاً في حجم المساعدات الإنسانية الدولية، بسبب قيود الحوثيين على أنشطة الإغاثة ونقص التمويل وتغير أولويات المانحين، ما أدى إلى تقليص برامج الغذاء والدعم النقدي.

وتشير تقارير أممية إلى أن أكثر من 18 مليون يمني يعانون من انعدام الأمن الغذائي، في ظل توقعات بزيادة هذا العدد مع استمرار الضغوط الاقتصادية. كما حذرت منظمات دولية من أن تقليص المساعدات قد يدفع مزيداً من الأسر إلى حافة المجاعة، خصوصاً في المناطق الأكثر تضرراً.

ويؤكد سكان أن هذه المساعدات كانت تمثل شريان حياة بالنسبة لهم، وأن تراجعها تركهم في مواجهة مباشرة مع موجة الغلاء، دون أي بدائل حقيقية.

في موازاة ذلك، يشكو تجار من تصاعد الإتاوات الحوثية غير القانونية بما في ذلك إجبار بعضهم على تقديم بضائع مجانية، مثل كسوة العيد لعناصر الجماعة، تحت تهديد الإغلاق أو فرض غرامات.

ويؤكد هؤلاء أن هذه الممارسات تزيد من الأعباء التي يتحملها القطاع التجاري، الذي يعاني أصلاً من ركود السوق، ما يدفع بعض التجار إلى تقليص نشاطهم أو التفكير في الإغلاق.


«الأمم المتحدة» تحذر من وضع إنساني حرج في اليمن

المنظمات الإغاثية تُواصل توزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)
المنظمات الإغاثية تُواصل توزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)
TT

«الأمم المتحدة» تحذر من وضع إنساني حرج في اليمن

المنظمات الإغاثية تُواصل توزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)
المنظمات الإغاثية تُواصل توزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)

تتجه الأزمة الإنسانية في اليمن نحو مزيد من التعقيد، في ظل تحذيرات من اتساع رقعة الاحتياجات وتراجع التمويل، حيث دعت «الأمم المتحدة» إلى توفير 2.6 مليار دولار لتغطية الاحتياجات الإنسانية، مؤكدة أن البلاد تقف عند مفترق طرق حرِج مع ازدياد أعداد المحتاجين إلى مستويات غير مسبوقة.

ووفق خطة الاستجابة الإنسانية، يحتاج نحو 22.3 مليون شخص إلى المساعدة الإنسانية وخدمات الحماية، بزيادة تصل إلى 3 ملايين شخص، مقارنة بالعام الماضي، وهو ما يعكس عمق التدهور الذي تعيشه البلاد نتيجة الصراع الممتد منذ أكثر من عقد، وما رافقه من انهيار اقتصادي ونزوح واسع وتراجع الخدمات الأساسية.

وتشير التقديرات الأممية إلى أن نحو 18.3 مليون يمني يعانون انعدام الأمن الغذائي الحاد، في وقتٍ يواجه فيه أكثر من 2.2 مليون طفل دون سن الخامسة سوء تغذية حاداً، بينهم أكثر من نصف مليون في حالة حرجة تهدد حياتهم. وتؤكد هذه الأرقام أن الأزمة لم تعد مجرد تحدٍّ إنساني مؤقت، بل تحولت إلى حالة هيكلية مزمنة تتطلب استجابة طويلة الأمد.

الحوثيون يَحرمون ملايين اليمنيين من توزيع المساعدات الإغاثية (الأمم المتحدة)

وفي قطاع الخدمات، تبدو الصورة أكثر قتامة، إذ يعمل نحو 40 في المائة فقط من المرافق الصحية بشكل جزئي، في حين يواجه الباقي خطر التوقف الكامل، نتيجة نقص التمويل وشح الموارد. كما يحتاج نحو 14.4 مليون شخص إلى خدمات المياه والصرف الصحي، ما يفاقم مخاطر انتشار الأمراض والأوبئة في بيئة هشة أصلاً.

وتعكس هذه المؤشرات حجم الضغوط التي تتعرض لها البنية التحتية، والتي تقترب، في بعض المناطق، من نقطة الانهيار، في ظل محدودية التدخلات الدولية وتراجع الدعم الخارجي.

فجوة تمويلية

وعلى الرغم من الحاجة إلى 2.6 مليار دولار، تسعى «الأمم المتحدة» وشركاؤها للحصول على 2.16 مليار دولار فقط لتقديم المساعدات المُنقذة للحياة لنحو 12 مليون شخص، وهو ما يمثل أقل من نصف إجمالي المحتاجين، ما يكشف عن فجوة تمويلية كبيرة قد تَحرم ملايين اليمنيين من الدعم الأساسي.

وتُعطي الخطة الأولوية لنحو 9.4 مليون شخص في المناطق الأكثر تضرراً، إلا أن محدودية الموارد تفرض خيارات صعبة على الجهات الإنسانية التي تجد نفسها مضطرة لتقليص نطاق تدخلاتها والتركيز على الحالات الأكثر إلحاحاً.

إلى جانب ذلك، تبرز تحديات الوصول الإنساني كأحد أبرز العوائق، حيث تواجه المنظمات الإغاثية قيوداً متزايدة تعرقل قدرتها على إيصال المساعدات، سواء بسبب الظروف الأمنية أم القيود المفروضة على عملها، وخصوصاً في مناطق سيطرة الحوثيين، ما يزيد تعقيد الاستجابة ويحدّ من فاعليتها.

3 ملايين يمني انضموا إلى قائمة المحتاجين للمساعدات (إعلام محلي)

وفي مناطق الجماعة الحوثية، تزداد التحديات تعقيداً مع استمرار التدخلات في عمل المنظمات الإنسانية وفي صدارتها الوكالات الأممية، بما في ذلك مداهمة مكاتبها واعتقال العاملين فيها، ما أدى إلى تعليق أو تقليص عدد من الأنشطة الإغاثية منذ سبتمبر (أيلول) الماضي.

وتسعى «الأمم المتحدة» إلى إيجاد بدائل لضمان استمرار تدفق المساعدات، من خلال الاعتماد على منظمات دولية لا تزال تعمل بتلك المناطق، إلا أن المخاطر الأمنية التي تهدد العاملين في المجال الإنساني تظل عائقاً رئيسياً أمام تنفيذ هذه الخطط.

وتُحذر مصادر إغاثية من أن استمرار هذه الانتهاكات قد يؤدي إلى إطالة أمد الأزمة، وحرمان ملايين الأشخاص من المساعدات الضرورية، خصوصاً في المناطق التي تقترب فيها مستويات انعدام الأمن الغذائي من حافة المجاعة.

دعوات لتحرك دولي

في ظل هذه المعطيات، تؤكد «الأمم المتحدة» أن الاستجابة الفعالة تتطلب تمويلاً مستداماً ومرناً، إلى جانب ضمان وصول المساعدات دون عوائق، مشددة على أن أي تأخير في التحرك قد يؤدي إلى عواقب كارثية على ملايين اليمنيين.

كما دعت إلى ضرورة معالجة الأسباب الجذرية للأزمة، بما في ذلك دعم الاقتصاد وتعزيز الاستقرار، إلى جانب الاستمرار في تقديم المساعدات الإنسانية العاجلة، بما يضمن تقليل الاعتماد على الإغاثة مستقبلاً.

وتبقى الأزمة اليمنية واحدة من كبرى الأزمات الإنسانية في العالم، حيث تتداخل فيها الأبعاد السياسية والاقتصادية والإنسانية، ما يجعل معالجتها تتطلب جهداً دولياً منسقاً يتجاوز الحلول المؤقتة نحو استراتيجيات شاملة ومستدامة.

The extension has been updated. Please reload page to enable spell and grammar checking.