هل ينجح قيس سعيّد في احتواء التناقضات التونسية؟

«شرعية غير مسبوقة» لرئيس يبحث عن «حزام سياسي»

هل ينجح قيس سعيّد في احتواء التناقضات التونسية؟
TT

هل ينجح قيس سعيّد في احتواء التناقضات التونسية؟

هل ينجح قيس سعيّد في احتواء التناقضات التونسية؟

يتفق أنصار الرئيس التونسي الجديد قيس سعيّد وخصومه على أن فوزه بثقة ثلاثة أرباع الناخبين يعطيه «شرعية غير مسبوقة»، وفرصة لأن يكون فعلاً «الرئيس الجامع لمختلف الأفرقاء السياسيين»، خصوصاً أن عدد الذين صوتوا لفائدته ناهَز ضعفي عدد الذين صوّتوا للزعيم السياسي المخضرم الرئيس الراحل الباجي قائد السبسي عام 2014.
غير أن التحدي الكبير أمام الرئيس سعيّد هو فرصه نجاحه في تحقيق أحلام ملايين الناخبين الذين اختاروه، وجلّهم من الشباب والنساء والفقراء، وذلك مع الأخذ في الاعتبار دستوراً يحدّ من صلاحياته، ويعطي غالبية السلطات للبرلمان، ولرئيس الحكومة.

التخمينات حول فرص نجاح عهد الرئيس التونسي الجديد قيس سعيّد رهينة تطوّر الأحداث و«سيناريوهات» التحالفات السياسية حوله من جهة، وحول حزب «حركة النهضة» الذي حاز على المرتبة الأولى في الانتخابات العامة (البرلمانية) من جهة ثانية.
والواقع أنه بين التساؤلات المطروحة في هذا الصدد: هل سيختار ساكن قصر قرطاج الجديد التحالف مع «النهضة» والمقرّبين منه، الذين دعموه بقوة في الدور الثاني للانتخابات الرئاسية، أم يسعى، مع عدد من الأطراف «العلمانية»، إلى تشكيل قطب سياسي - حزبي جديد يتزعّمه بنفسه... على غرار ما فعل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بعد دخوله إلى قصر الإليزيه عام 2017؟ وهل ستتعاون الغالبية البرلمانية المنتخبة مع الرئيس الجديد المستقلّ وتعجّل بإخراج البلاد من مرحلة «حكومة تصريف الأعمال» عبر تشكيل الحكومة الجديدة، أم تغرق مجدّداً في مستنقع التجاذبات السياسية والحزبية التي أضعفت الدولة واقتصاد البلاد، وأنهكت المجتمع خلال السنوات الماضية؟

مزايدات... وحرب إعلامية

في هذه الأثناء، تكشف تصريحات معظم زعماء الأحزاب السياسية استعداداً لدعم الرئيس المنتخب ومشروعه الإصلاحي وتبشيره بـ«ثورة شبابية ثقافية طموحة»، غير أنها تختلف حول طبيعة الحكومة الجديدة، والجهة التي تشرف على تشكيلها. ومن المفهوم أن ثمّة خيارين: الأول هو «حكومة سياسية» تتزّعمها شخصية يختارها الحزب الفائز بالمرتبة الأولى في الانتخابات البرلمانية أي حزب «حركة النهضة». والثاني «حكومة الرئيس» التي يفترض أن تتزعمها شخصية مستقلة يختارها رئيس الدولة المنتخب بكامل الشفافية وفي مناخ ديمقراطي بنسبة تقترب من الإجماع.
لقد افتتح حملة التشكيك في قدرة «النهضة» على تشكيل حكومة جديدة شخصيات مثل محمد عبو، وزير الوظيفة العمومية سابقاً ورئيس حزب «التيار الديمقراطي اليساري»، وقياديون في حزب الشعب العروبي بينهم الأمين العام للحزب زهير المغزاوي، ونائبه وزير التربية سابقاً سالم الأبيض. ونشير إلى أن قادة هذين الحزبين، اللذين فازا معاً بـ43 مقعداً، أعلنوا شروطاً بالجملة للمشاركة في أي حكومة تشكلها قيادة «النهضة»، باعتبار هذا الحزب الفائز بالمرتبة الأولى في الانتخابات.

رئيس الحكومة الجديد

كان أبرز هذه الشروط ألا تُسنَد رئاسة الحكومة المنبثقة عن الانتخابات إلى سياسي من حزب «حركة النهضة»، بما في ذلك رئيس «النهضة» راشد الغنوشي، أو رئيس الحكومة الأسبق علي العريّض أو أمين «النهضة» العام الوزير زياد العذاري، بل إلى شخصية اقتصادية أو سياسية مستقلة يختارها الرئيس الجديد قيس سعيّد. كذلك اشترط عبو والمغزاوي وبعض رفاقهما من اليساريين والقوميين إسناد أبرز الحقائب الوزارية إلى حزبي «التيار الديمقراطي» و«الشعب»، بما فيها الداخلية والعدل والوظيفة العمومية.
في المقابل، وصف العجمي الوريمي، القيادي في «حركة النهضة»، بـ«التعجيزية» الشروط التي تتجاهل أحقية حزبه في تشكيل الحكومة ورئاستها رغم حصوله على52 مقعداً برلمانياً، ناهيك بوصول نحو 30 شخصية قريبة منه إلى البرلمان بعد ترشّحها في قوائم مستقلة وائتلافية، منها نواب شغلوا بعض الـ21 مقعداً التي حصل عليها «ائتلاف الكرامة». وهذا الائتلاف تجمع سياسي انتخابي يضم نشطاء سابقين في التيار الإسلامي في الجامعات وخارجها.
وفي الاتجاه نفسه، رفع رئيس مجلس شورى «النهضة» عبد الكريم الهاروني، في مؤتمر صحافي وخلال سلسلة من الحوارات التلفزيونية والإذاعية سقف مطالب حركته، وأعلن تمسك قيادتها الموسعة بأحقية رئيسها راشد الغنوشي، أو مَن يختاره لرئاسة الحكومة «احتراماً للدستور». وساند وجهة النظر هذه ساسة من أحزاب أخرى، بينهم سليم الرياحي رجل الأعمال والزعيم السابق لـ«الحزب الوطني الحر» ورئيس النادي الأفريقي الرياضي. في حين تهكَّم القيادي في «ائتلاف الكرامة» عبد اللطيف العلوي على قيادات حزبي «التيار الديمقراطي» و«الشعب» بسبب مطالبتهم بالحقائب الأهم للحزبين الحائزين على عدد صغير من المقاعد، وبالمرتبتين الخامسة والسادسة، مقابل اعتراض على حق «الحزب الأول» في تشكيل الحكومة مع حلفائه ورئاستها.
واتهم العلوي خصومه بـ«محاولة الانقلاب على الدستور الذي يمنح الغالبية البرلمانية المنتخبة حق تشكيل الحكومة وليس إلى رئيس الدولة».

انقلاب على الدستور؟

في هذه الأثناء، ينفي محمد المسيليني، القيادي في حزب الشعب تهمة «الانقلاب على الدستور»، ويبرّر المسيليني دعوته ورفاقه في الحزب إلى تشكيل «حكومة الرئيس» بالحرص على «ربح الوقت»، وهذا من منطلق أن الدستور يسمح لرئيس الدولة بتكليف شخصية مستقلة بتشكيل الحكومة، بعد شهرين من فشل رئيس الحزب الفائز بالمرتبة الأولى في الحصول على ثقة 109 من نواب البرلمان الـ217. ووفق رأي المسيليني ورفاقه، فإن قيادة «النهضة» ستفشل حتماً في تجميع غالبية من النواب حول حكومة سياسية ترأسها «لأن أكثر أعضاء البرلمان الجديد من المعارضين لـ(النهضة)».
ومن ثم، من الأفضل في نظر «حزب الشعب» و«التيار الديمقراطي»... «المرور مباشرة إلى السيناريو الثاني، خصوصاً أن رئيس الجمهورية فاز بغالبية مريحة في الانتخابات».
لكن نائب رئيس «حركة النهضة» (ووزير العدل سابقاً) نور الدين البحيري، يرفض هذا الرأي ويتهم مروّجيه «بمحاولة انتهاك القانون والدستور» الذي أعطى أكبر السلطات للبرلمان وللحكومة المنبثقة عنه. وهو يتهم خصوم حزبه بالسعي إلى إرجاع البلاد إلى مرحلة الاستبداد و«النظام الرئاسوي، عندما كان رئيس الدولة يحتكر كل السلطات ويتجاهل دور البرلمان والمؤسسات المنتخبة مباشرة من الشعب». ومن جهته، يستبعد وزير حقوق الإنسان السابق سمير ديلو أن يوافق الرئيس سعيّد على «مثل هذا الانتهاك للدستور والقانون وهو الذي قضى أكثر من 30 سنة يدافع عن علوية الدستور، وتعهّد للشعب في حملته الانتخابية وفي خطاب تنصيبه بأن يكون القانون فوق الجميع».

رفع سقف المطالب

في سياق موازٍ، يتخوّف عدد من المحللين السياسيين التونسيين بينهم منية اليحياوي ورفيق بن عبد الله من حصول خيبة أمل لدى قطاع من التونسيين، بعدما رفع الرئيس قيس سعيّد في خطاب تنصيبه سقف الطموحات، بما في ذلك ما يتعلق بدور تونس الإقليمي والدولي، وتعهد الرئيس بالوقوف من دون شروط مع الشعب الفلسطيني ونضالاته من أجل التحرر الوطني وبناء دولته المستقلة. وذهب الإعلامي اليساري مراد علالة وعدد من القياديين في حزب العمال الشيوعي، مثل البرلماني الجيلاني الهمامي، إلى حد التشكيك في قابلية مشروع الرئيس للتنفيذ، وفي قدرته على ضمان «عدم سقوط الحكومة المقبلة في المحاصصة الحزبية».
أيضاً، اتهم بعض القياديين في اتحاد نقابات العمال، بينهم سامي الطاهري، أمين عام «الاتحاد التونسي للشغل» الرئيس الجديد، بـ«الشعبوية»، بسبب ترويجه لمقترح تبرع العمال والموظفين التونسيين بيوم عمل شهرياً لمدة 5 سنوات من أجل المساهمة في معالجة معضلة ديون الدولة.
كذلك، أصدر حمّة الهمامي، زعيم حزب العمال الشيوعي، الذي لم يفز بأي مقعد في البرلمان الجديد، بيانات تطالب الرئيس سعيّد والحكومة العتيدة بإعطاء الأولوية لمعالجة المشاكل الاقتصادية والاجتماعية المتراكمة منذ مدة، وإلى القضاء على «خلايا الإرهاب النائمة»، والكشف عن الأطراف المتورّطة في جريمتي اغتيال الزعيمين اليساريين شكري بلعيد ومحمد الإبراهمي عام 2013.
وبالتالي، تكشف كل هذه المواقف والتصريحات المتباينة تعمّد كل طرف رفع سقف مطالبه، بحثاً عن تحسين حصته في الحكومة والمواقع العليا في الدولة والمؤسسات العمومية، التي من المتوقع أن تشملها حركة تعيينات جديدة على غرار ما حصل بعد انتخابات 2011 و2014.

انهيار النظام القديم

على صعيد متصّل، لعل بين أخطر التحدّيات التي تواجه كبار صنّاع القرار في تونس، بعد الانتخابات البرلمانية والرئاسية الجديدة، أن صناديق الاقتراع أدّت إلى إضعاف غالبية رموز المنظومة الحاكمة قبل يناير (كانون الثاني) 2011 وبعدها، وإبعاد اليسار الماركسي من المشهد السياسي الرسمي؛ إذ حصل الحزب الحر الدستوري الذي تتزعمه المحامية عبير موسي، وهو التنظيم الأكثر ولاء للنظام السابق وللرئيسين السابقين الحبيب بورقيبة وزين العابدين بن علي، على أقل من 5 في المائة من الأصوات في الانتخابات البرلمانية والرئاسية. ولم تكن حصيلة حزب رئيس الحكومة يوسف الشاهد «تحيا تونس» أفضل بكثير رغم تعزيز صفوفه بمئات من اليساريين والقوميين والليبراليين والشباب من الجنسين.
ويظهر أن وفاة الرئيسين السابقين؛ السياسي المخضرم الباجي قائد السبسي ثم الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي، عشية الاقتراع العام، أسهمت في دفع غالبية الناخبين نحو طي صفحة الماضي، واختيار مرشحين مستقلين أو سياسيين تعهدوا بـ«الاستجابة إلى مطالب شباب ثورة 2011 بعد 5 سنوات من المصالحة مع المنظومة القديمة».
ورغم احتلال حزب «قلب تونس»، بزعامة رجل الأعمال السياسي المخضرم نبيل القروي، المرتبة الثانية في الانتخابات البرلمانية والرئاسية، فإن وسائل الإعلام التونسية ترجح استقالة غالبية نوابه من حزبهم تحسّباً لمضاعفات التتبعات القضائية المفتوحة ضد رئيس الحزب وبعض قياداته بتهم مالية مختلفة. ولا يستبعد عدد من المراقبين، بينهم الإعلامي والأكاديمي المنجي المبروكي، أن يلتحق عدد كبير من أعضاء البرلمان الذين فازوا باسم «قلب تونس» أو «الحزب الدستوري الحر» بحزب «تحيا تونس» بزعامة الشاهد لمساعدته في المشاركة في الحكومة الائتلافية المقبلة، وتبوؤ موقع كبير فيها قد يكون رئاستها أو وزير برتبة نائب رئيس.

صراع القوميين والإسلاميين

وعلى المستوى العقائدي، لعل أخشى ما يخشاه بعض المراقبين، بينهم أستاذ الفلسفة والوزير السابق أبو يعرب المرزوقي والبرلماني محمد القوماني، أن تؤدي نتائج الانتخابات الرئاسية والبرلمانية التونسية إلى نوع من «المعارك السياسية الثقافية الآيديولوجية» الجديدة، خصوصاً بين أنصار «حزب الشعب القومي»، القريب من النظامين السوري والإيراني سياسياً، وحزب «حركة النهضة» الذي يقف إقليمياً في الصف المقابل.
ولقد وجه بعض الراديكاليين الإسلاميين والإسلاميين القريبين من «النهضة» اتهامات إلى بعض القيادات العروبية بالانخراط في «محاور إقليمية» والتبعية لنظام دمشق، بينما اتهم الأمين العام لـ«حزب الشعب» ورفاقه، قياديين في «النهضة»، بالولاء لـ«المحور التركي - القطري». وللعلم، كان قياديون في حزبي «التيار الديمقراطي» و«الشعب القومي» للمشاركة في الحكومة القادمة إعلان قيادة «النهضة» نقداً علنياً لمواقفها السابقة من مشروع الإطاحة بنظام بشار الأسد، والحرب في سوريا، وتوجه مقاتلين تونسيين ومغاربيين إلى دمشق «عبر المطارات التونسية وبواباتها البرّية».
ولكن الحوار حول هذا المطلب بات وارداً، لأن قيادة «النهضة» أصدرت منذ أكثر من سنة بياناً رسمياً يدعو إلى تطبيع العلاقات بين الدول العربية ونظام دمشق. كذلك تبرّأ وزير الخارجية التونسي الأسبق رفيق عبد السلام، من قرار قطع العلاقات الذي اتخذه الرئيس التونسي الأسبق المنصف المرزوقي، عام 2012. وأصدر لطفي زيتون، الوزير السابق والمستشار السابق لرئيس «النهضة» مقالاً مطولاً يدعو بدوره فيه إلى تطبيع العلاقات بين تونس ودمشق.

الرئيس الجديد و«التفويض الشعبي»

في أي حال، فإن ما تشهده تونس من حراك سياسي شبابي عميق يتجاوز الآن، من حيث دلالاته، «الصراعات الفوقية بين السياسيين»، حسب عالم الاجتماع التونسي نور الدين العلوي. ويرى العلوي أن قيس سعيّد والشباب الذي صنع معجزة فوزه في الانتخابات الرئاسية التونسية بإمكانيات متواضعة «مؤشر عن ثورة شبابية سلمية جديدة كانت أداتها صندوق الاقتراع، وليس المواجهات في الشوارع مع السلطات ومحتكري الثروات».
وهو يدعم بذلك مقولات قيس سعيّد عن «ثورة الصندوق» وعن «إحياء قيم الحرية والكرامة ودولة القانون والعدالة الاجتماعية»، وشعارات من نوع «الشعب يريد...»، و«الشباب يريد...».
وبناءً عليه، فإن النخب السياسية والنقابية التونسية مرشحة لأن تشهد مرحلة انتقال عميق نحو خيارات جديدة في مستوى مؤسسات الحكم ومنظمات المجتمع المدني، وعلى رأسها النقابات، تمهيداً لثورة سياسية ثقافية جديدة... ثورة يرى سعيّد وروّاد الحركة الشبابية المناصرة له أنها ستنقل البلاد نحو عهد جديد، ويحذّرون من أن انتكاسته ستؤدي إلى الصدام والثورات الشبابية والانتفاضات الاجتماعية العنيفة.


مقالات ذات صلة

بإنهاء مهمة «يونيفيل»... لبنان يخسر مظلة أمنية واقتصادية

حصاد الأسبوع مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)

بإنهاء مهمة «يونيفيل»... لبنان يخسر مظلة أمنية واقتصادية

لم يعد مستقبل قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (يونيفيل) مسألة مؤجّلة في منطقة الجنوب. فمع اقتراب 31 ديسمبر (كانون الأول) 2026، موعد انتهاء التفويض الحالي

صبحي أمهز (بيروت)
حصاد الأسبوع يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»

مصطفى مدبولي... مهندس يسعى لإعادة تخطيط البلاد معمارياً واقتصادياً

من أروقة التخطيط العمراني الأكاديمية والعملية إلى رئاسة الحكومة، جاء رئيس الوزراء المصري الدكتور مصطفى مدبولي، معلناً بداية مرحلة جديدة في الدولة المصرية تمزج

فتحية الدخاخني ( القاهرة)
حصاد الأسبوع ابراهيم محلب (رويترز)

3 رؤساء حكومة في عهد السيسي تجمعهم «الهندسة»

منذ تولّى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الحكم في يونيو (حزيران) عام 2014 تعاقب 3 رؤساء حكومة على إدارة شؤون البلاد، تجمع بينهم الهندسة، حيث تخصص اثنان منهم في

«الشرق الأوسط» ( القاهرة)
حصاد الأسبوع الناشط الأيود الراخل خلال لقائه بالمغفور له الملك فيصل بن عبد العزيز عام 1964 (آ ب)

ترمب يحاول «تبييض» صفحات أميركا

ودّعت الولايات المتحدة أخيراً القس جيسي جاكسون، أحد أهم الشخصيات السوداء في تاريخ البلاد، والقيادي الجماهيري الذي لعب دوراً محورياً في تجييش الناخب الأسود

علي بردى (واشنطن)
حصاد الأسبوع ترمب مع مغنية "الراب" الترينيدادية نيكي ميناج (آ ب)

ترمب... و«أصدقاؤه السود»

> في موازاة السياسات التي تعيد الاعتبار لزعماء كانوا مسؤولين عن بعض أسوأ مراحل الرق، يرفض الرئيس دونالد ترمب الاتهامات التي توجه إليه بأنه «عنصري»، مكرّراً


بإنهاء مهمة «يونيفيل»... لبنان يخسر مظلة أمنية واقتصادية

مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
TT

بإنهاء مهمة «يونيفيل»... لبنان يخسر مظلة أمنية واقتصادية

مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)

لم يعد مستقبل قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (يونيفيل) مسألة مؤجّلة في منطقة الجنوب. فمع اقتراب 31 ديسمبر (كانون الأول) 2026، موعد انتهاء التفويض الحالي الذي وُصف بأنه «تمديد لمرة أخيرة»، ومع بدء مسار التقليص؛ تمهيداً لانسحاب كامل بحلول منتصف 2027، يدخل الجنوب اللبناني مرحلة العدّ العكسي لمهمة بدأت عام 1978 وتحوّلت، عبر العقود، عنصراً ثابتاً في المعادلة الأمنية والاقتصادية والاجتماعية. هذا الأسبوع، صعّدت إسرائيل انتقاداتها للقوة الدولية، معتبرة أنّ أداءها «ما عاد كافياً لضبط الواقع جنوب الليطاني بعد حرب 2024»، ولوّحت بضرورة إعادة تقييم مهمتها. في المقابل، يتمسّك لبنان رسمياً باستمرار وجودها إلى حين تثبيت الاستقرار الكامل، معتبراً أنّها تشكّل مظلة دولية داعمة للجيش اللبناني في تنفيذ القرار 1701. وفي موازاة التصعيد السياسي، دخل العامل المالي الأميركي في يوليو (تموز) الماضي، على خط النقاش؛ ما أعاد فتح ملف تمويل عمليات حفظ السلام واستدامتها، وربط مستقبل المهمة مباشرة بإرادة الدول الكبرى المموِّلة لها.

كان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد وقّع، يوم 24 يوليو (تموز) الماضي، قانون «الاقتطاعات لسنة 2025» الذي قضى بإلغاء نحو 203 ملايين دولار أميركي من مخصّصات عام 2024، و158 مليون دولار من مخصّصات عام 2025 الموجهة لدعم عمليات حفظ السلام، مبرراً القرار بأسباب عدة، منها قلة رضاه عن أداء القوات الدولية.

وفي خطوة لاحقة، صوّتت الولايات المتحدة ضد قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 30 يوليو الماضي، بشأن ميزانية «يونيفيل»، في حين وافق على القرار باقي الأعضاء، باستثناء سيراليون والصومال اللتين امتنعتا عن التصويت.

هذا التطور لم يُقرأ في بيروت كإجراء مالي فحسب، بل كإشارة سياسية تُضاف إلى وصف التمديد الأخير بأنه «لمرة أخيرة»؛ ما يعزّز المسار المتّجه نحو تقليص تدريجي ثم انسحاب كامل.

القرار في نيويورك والأثر بجنوب لبنان

إذا كان النقاش يُدار في أروقة مجلس الأمن الدولي، فإن ارتداداته تُقاس في الأسواق المحلية جنوباً وفق الانعكاسات الاقتصادية السلبية على الداخل اللبناني. إذ قال مصدر لبناني مواكب لعمل قوات «يونيفيل» في جنوب لبنان لـ«الشرق الأوسط»: إنّ «وجود القوة الدولية يشكّل رافعة اقتصادية مباشرة وغير مباشرة للاقتصاد المحلي»، لافتاً إلى أنّ «(يونيفيل) تضخّ سنوياً أكثر من 25 مليون دولار في السوق اللبنانية من خلال المشتريات المحلية وحدها، فضلاً عن الرواتب والنفقات التشغيلية».

وأوضح المصدر أنّ «عدد الموظفين المحليين العاملين مع (يونيفيل) يتجاوز حالياً 500 موظف لبناني، إلى جانب ما بين 250 و300 موظف أجنبي مقيمين في لبنان، يستأجرون منازل، ويشترون سيارات، وينفقون يومياً في المتاجر والمطاعم والمدارس والجامعات؛ ما يحرّك دورة اقتصادية واسعة في الجنوب وخارجه».

وأضاف أنّ «القوة الدولية تضم أيضاً نحو 8 آلاف عسكري ينتشرون في الجنوب. وهؤلاء يشاركون بدورهم في تحريك السوق المحلية من خلال التسوق والخدمات، إلى جانب تنفيذ مشاريع إنمائية صغيرة تُعرف بمشاريع الأثر السريع Quick Impact Projects، تشمل دعم البلديات، وتركيب أنظمة طاقة شمسية، وإصلاح شبكات مياه، ومبادرات خدمية أخرى، بتمويل سنوي يقارب مليون دولار».

وفق المصدر «الأثر (السلبي) لا يقتصر على العاملين مباشرة مع (يونيفيل)، بل يمتد إلى عشرات الشركات اللبنانية المتعاقدة معها، من شركات تنظيف وصيانة ومورّدين؛ ما يخلق شبكة واسعة من فرص العمل غير المباشرة». وحذّر من أنّ «أي تقليص أو انسحاب لـ(يونيفيل) ستكون له انعكاسات اقتصادية واجتماعية قاسية، خصوصاً على مئات الموظفين اللبنانيين الذين لا يشملهم نظام التقاعد، ولا سيما ممن هم دون سن الـ55؛ ما يضعهم أمام خسارة مباشرة لمصدر دخلهم في ظل أوضاع معيشية شديدة الصعوبة».

بالتوازي، لفت المصدر إلى أنّ «(يونيفيل) تؤدي أيضاً دوراً اجتماعياً وإنسانياً بارزاً، من خلال الأيام الطبية المجانية، والعيادات المتنقلة، ودعم المستشفيات والمستوصفات بالأدوية والمعدات، وتنظيم أنشطة رياضية وثقافية للأطفال، والمساعدة إبّان الأزمات والحروب، فضلاً عن تنسيق الجهود مع المنظمات الإنسانية كالصليب الأحمر».

وتابع شارحاً إنّ «الأمر لا يقتصر على أرقام مالية، بل على شبكة حياة اقتصادية واجتماعية كاملة نشأت حول وجود (يونيفيل) على مدى سنوات. وبالتالي، أي خلل فيها سينعكس مباشرة على آلاف العائلات اللبنانية، في منطقة تعاني أصلاً من خسائر الحرب، وتراجع الزراعة، ودمار المنازل، وغياب البدائل الاقتصادية».

وبهذا المعنى، يصبح أي قرار دولي أو ضغط تمويلي قراراً يمسّ مباشرة شبكة معيشية قائمة منذ عقود.

إذا كان النقاش حول سحب «يونيفيل» يُدار في أروقة مجلس الأمن الدولي فإن ارتداداته تُقاس في الأسواق المحلية جنوباً

قلق معيشي واقتصادي

من جهة ثانية، سمر (وهي من سكان القطاع الأوسط في جنوب لبنان)، وصفت لـ«الشرق الأوسط» الوضع بالقول: «إنّ القلق الاقتصادي بات العنوان الأبرز في القرى الجنوبية مع الكلام المتزايد عن تقليص أو انسحاب قوات (يونيفيل)... وتأثير ذلك لا يطول الموظفين مباشرة فحسب، بل ينسحب على القرى بكاملها».

وأردفت أنّ «إحدى بلدات القطاع الأوسط تضمّ أكثر من 120 عائلة يعتمد دخلها الأساسي على وظائف في (يونيفيل). هذه البلدة لا يتجاوز عدد العائلات المُقيمة فيها نحو 200 عائلة؛ ما يجعل هذه الرواتب بمثابة العمود الفقري للاقتصاد المحلي».

وتابعت: «الناس ليست قلقة فقط، بل مرعوبة فعلياً. لا توجد مصادر دخل بديلة في المنطقة، ولا فُرص عمل حقيقية. إذا خسر هؤلاء وظائفهم، ماذا سيفعلون؟ هل سيبقون في منازلهم بلا أي مورد؟».

واستطردت سمر لافتةً إلى أنّ الموظفين في «يونيفيل» لا يؤمّنون معيشة السكان المحليين فقط، «بل يحرّكون أيضاً العجلة الاقتصادية في القرى، من المتاجر الصغيرة إلى المؤسسات والخدمات»، محذّرةً من «أنّ أي تراجع في هذا الدخل سيؤدي إلى شلل اقتصادي واسع... إذ لن يتضرر الأفراد وحدهم، بل ستتأثر كل الأعمال في المنطقة بأسرها؛ لأن القدرة الشرائية ستتراجع بشكل حاد».

واختتمت بالتشديد على أنّ ما يحصل «ليس مسألة أرقام فقط، بل مسألة صمود اجتماعي ومعيشي»... ولا بد من التعامل مع هذا الملف «بمسؤولية؛ لأن انعكاساته ستطال الاستقرار اليومي لعائلات بأكملها في القطاع الأوسط».

 

مركبتان تابعتان لليونيفيل في دورية قرب بلدة جديدة مرجعيون بجنوب لبنان (آ ف ب)

فجوة اقتصادية حادة

وحقاً، «يترك سحب (يونيفيل) فجوة اقتصادية حادة في الجنوب»، وفق عضو «المجلس الاقتصادي والاجتماعي في لبنان»، صادق علوية، الذي أفاد «الشرق الأوسط» بأنّ «أكثر من 90 في المائة من المؤسسات المتعاقدة مع (يونيفيل) والعاملة في تقديم الخدمات لها تتركّز في جنوب لبنان؛ ما يجعل أي تقليص أو انسحاب للقوات الدولية ذا انعكاسات اقتصادية واجتماعية مباشرة وعميقة على المنطقة».

وأوضح علوية، من ثم، أنّ وجود «يونيفيل» منذ عام 1978، «يعدّ بمثابة محرّك اقتصادي محلي أساسي في الجنوب، عبر شبكة واسعة من الشركات والأفراد العاملين معها، سواءً بشكل مباشر كالموظّفين والمترجمين والإداريين والفنيين، أو بشكل غير مباشر عبر الشركات المتعاقدة وقطاعات الخدمات والمقاولات والصيانة».

ثم ذكر أنّ «هذا الواقع أسهم في خلق دورة اقتصادية متكاملة، تبدأ من الاستهلاك اليومي للمواد الغذائية ولا تنتهي عند مختلف الخدمات»، لافتاً إلى «أنّ الأمر لا يتعلّق ببضعة ملايين من الدولارات سنوياً، بل عن عشرات الملايين، وقد تصل قيمتها التقديرية إلى ما بين 20 و30 مليون دولار سنوياً، تبعاً لحجم عديد القوات ونشاطها».

وبالتالي، حذّر علوية من أنّ «أي انسحاب أو تقليص سيؤدي إلى فجوة اقتصادية حادة، تتمثل ببطالة جديدة مباشرة وغير مباشرة، تطول آلاف الوظائف، إضافة إلى خسارة تقديمات اجتماعية كانت تُعدّ مرتفعة نسبياً، لا سيما على صعيد الحماية الاجتماعية والخدمات الصحية».

ورأى أنّ تأثير «يونيفيل» لم يكن اقتصادياً فحسب، «بل امتد إلى دعم البلديات والمجتمعات المحلية، من خلال تقديم تجهيزات ومساعدات تنموية شملت قطاعات الزراعة والطاقة، عبر توفير مولدات كهرباء ومياه، ومشاريع طاقة شمسية، وإنشاء برك زراعية، فضلاً عن ترميم مدارس وتقديم معدات طبية وصحية للمستشفيات».

وشرح بأنّ «القوات الدولية، ولا سيما الوحدات الإيطالية والفرنسية والإسبانية، لعبت في مراحل سابقة دوراً صحياً مباشراً عبر عيادات ميدانية وتقديم أدوية ورعاية طبية يومية للسكان المحليين، إضافة إلى دورها الأساسي في نزع الألغام والقنابل العنقودية؛ ما انعكس إيجاباً على سلامة الجنوبيين واستقرارهم».

أيضاً، أكد علوية «أنّ العلاقة بين الجنوبيين و(يونيفيل) تميّزت على مدى عقود بالهدوء والتعاون، إلى حدّ باتت فيه القوات الدولية جزءاً من النسيج الاجتماعي المحلي»، محذّراً من «أنّ سحب هذا الدعم في مرحلة يعاني فيها الجنوب من آثار حرب وخسائر جسيمة في المنازل والبنى التحتية سيترك أثراً اقتصادياً واجتماعياً بالغ السلبية». ومشدّداً على أنّ «استمرار وجود (يونيفيل) في لبنان لا يشكّل، بالتالي، حاجة أمنية فحسب... بل هو أيضاً حاجة اقتصادية واجتماعية ملحّة، خصوصاً في ظل محدودية قدرات الدولة المالية، وحاجة الجنوب الماسّة إلى أي مورد داعم يسهِم في إعادة فتح نوافذ الأمل أمام سكانه».

انكماش بين 01 و51 %

في سياق متصل، قال محمد شمس الدين، الباحث في «الدولية للمعلومات»، لـ«الشرق الأوسط» إنّ «انسحاب أو تقليص وجود قوة (يونيفيل) في جنوب لبنان ستكون له تداعيات اقتصادية مباشرة وملموسة على المجتمعات الجنوبية، ولا سيما على صعيد فرص العمل والحركة السياحية والتجارية».

وأفاد بأنّ «عدد العاملين اللبنانيين مع (يونيفيل) تقلّص من نحو 1200 شخص إلى قرابة 600 فقط، غالبيتهم يتقاضون رواتبهم بالدولار الأميركي، ويُقدَّر أن نحو 500 منهم من أبناء الجنوب... وهذا التقليص يعني عملياً خسارة مئات العائلات الجنوبية لمصدر دخل ثابت كان يشكّل عنصراً حيوياً في الدورة الاقتصادية المحلية».

ثم أضاف: «الأثر لا يقتصر على الرواتب فحسب، بل يطول قطاعات واسعة مرتبطة بوجود القوات الدولية... ذلك أن عائلات عناصر (يونيفيل) كانت تقصد الجنوب أثناء فترات الإجازات؛ ما كان ينعكس حركةً نشطة في الفنادق والمطاعم والمقاهي والأسواق، وبخاصة في صور وضواحيها، ومنطقة الناقورة، والساحل الجنوبي».

وقدّر شمس الدين أنّ «الاقتصاد الجنوبي قد يتأثر بنسبة تتراوح بين 10 و15 في المائة نتيجة انسحاب (يونيفيل) (أو بالأصح سحبها)»، موضحاً أنّ «هذا التراجع يطول السياحة الموسمية، والتجارة، وحركة التسوق، والمطاعم، والمحال التجارية، وحتى قطاع الخدمات، ولا سيما في مدينة صور التي تُعدّ الأكثر استفادة من الوجود الدولي بحكم موقعها السياحي».


مصطفى مدبولي... مهندس يسعى لإعادة تخطيط البلاد معمارياً واقتصادياً

يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
TT

مصطفى مدبولي... مهندس يسعى لإعادة تخطيط البلاد معمارياً واقتصادياً

يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»

من أروقة التخطيط العمراني الأكاديمية والعملية إلى رئاسة الحكومة، جاء رئيس الوزراء المصري الدكتور مصطفى مدبولي، معلناً بداية مرحلة جديدة في الدولة المصرية تمزج الخبرة التكنوقراطية برؤية عمرانية تعيد تخطيط الدولة في مواجهة تحديات وأزمات اقتصادية وجيوسياسية. مدبولي الذي تولى رئاسة مجلس الوزراء عام 2018 مدشناً ما وصفها آنذاك بـ«مرحلة الانطلاق»، بات الآن واحداً من أطول رؤساء الحكومة المصرية بقاء في المنصب بعد مصطفى فهمي وعاطف صدقي. ويستكمل مدبولي ما بدأه قبل نحو 8 سنوات، مترئساً حكومة تعهّدت في اجتماعها الأول بتشكيلها الجديد في فبراير (شباط) 2026، بـ«استكمال مسيرة التنمية الشاملة في مختلف مناطق الجمهورية»، واضعةً تخفيف العبء عن المواطن على رأس أولوياتها، من خلال العمل على تحسين الوضع الاقتصادي، وتخفيض حجم الدين العام، والاهتمام بالتعليم والصحة وتحسين الأداء الحكومي، وإدارة علاقة جيدة مع مختلف وسائل الإعلام.

وُلد مصطفى كمال مدبولي يوم 28 أبريل (نيسان) عام 1966. ورغم صغر سنه خلال حرب أكتوبر (تشرين الأول) 1973، فإن فرحة النصر «حُفرت في ذاكرته»، إذ كان والده اللواء كمال مدبولي، أحد قادة سلاح المدفعية في الحرب.

عن تلك الفترة قال مدبولي في تصريحات صحافية قبل سنوات: «فرحتنا كانت فرحتين، الأولى بالنصر والثانية بمشاركة والدي المقاتل في استعادة الأرض».

تخرّج مصطفى في كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1988، وحصل على ماجستير في الهندسة المعمارية (تخصص تخطيط مدن) عام 1992. ثم استكمل دراسته في هولندا، وحصل على دبلوم الدراسات المتقدمة في مجال التخطيط العمراني (إدارة العمران) من معهد دراسات الإسكان والتنمية الحضرية عام 1993.

وبعد العودة إلى مصر، حصل على درجة الدكتوراه في الهندسة المعمارية (تخصص تخطيط مدن) من كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1997، بنظام الإشراف المشترك مع معهد التخطيط القومي والإقليمي والعمراني في كلية العمارة بجامعة كارلسروه بألمانيا.

المسيرتان الوظيفية... فالحكومية

بدأ مدبولي حياته المهنية موظفاً بإحدى شركات القطاع الخاص بعد تخرجه مباشرة عام 1988، وكان أول راتب يحصل عليه من تلك الشركة نحو 180 جنيهاً. وعن تلك الفترة قال مدبولي، في مؤتمر الشباب عام 2018، إن «حياته لم تكن رغدة»، فهو ينتمي للطبقة المتوسطة، وبدأ انطلاقته العملية «في فترة كانت ظروف البلاد فيها أصعب من الوضع الراهن».

بعدها انتقل مدبولي من القطاع الخاص إلى الحكومة ليبدأ مساراً مهنياً مختلفاً أوصله إلى قمة الهرم الحكومي، حيث شغل منصب المدير التنفيذي لمعهد التدريب والدراسات الحضرية في مركز بحوث الإسكان والبناء بالوزارة بين يناير (كانون الثاني) 2000 ويونيو (حزيران) 2004. ثم تولّى منصب نائب رئيس مجلس إدارة الهيئة العامة للتخطيط العمراني للتخطيط الإقليمي والبحوث والدراسات في أكتوبر 2007. ثم رئاسة الهيئة العامة للتخطيط العمراني من أبريل (نيسان) 2008 إلى نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2011.

خبرة دولية

في عام 2012 شغل مصطفى مدبولي منصب المدير الإقليمي للدول العربية في «برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية»، مما أكسبه إضافةً إلى مهاراته الأكاديمية والمهنية بُعداً وخبرة دوليين.

ثم دخل ميدان السياسة لأول مرة عندما عُيّن وزيراً للإسكان عام 2014، ثم تولى رئاسة الحكومة رسمياً يوم 7 يونيو (حزيران) عام 2018، خلفاً للمهندس شريف إسماعيل. ولكن تجدر الإشارة إلى رحلته في إدارة مجلس الوزراء المصري كانت قد بدأت قبل ذلك بعدة أشهر، تحديداً في 23 نوفمبر (تشرين الثاني) 2017، عندما أصدر الرئيس عبد الفتاح السيسي قراراً بتولّي مدبولي -وزير الإسكان آنذاك- مهام القائم بأعمال رئيس مجلس الوزراء إلى حين عودة رئيس الوزراء من رحلة علاجه في ألمانيا، وهذه المهمة ظل مدبولي يمارسها حتى عودة إسماعيل من العلاج في يناير (كانون الثاني) 2018.

مدبولي، في الواقع، لم يكن يحلم بتولّي منصب رئاسة الحكومة، إذ قال في تصريحات سابقة: «لو أن أحداً قال لي إنه بعد نحو 30 سنة من تخرّجك في جامعة القاهرة ستجلس على رأس الحكومة المصرية لقلت له إنك تحلم». بل يصف مدبولي بداية رئاسته للحكومة المصرية عام 2018 بأنها «مرحلة الانطلاق» بعد نحو 4 سنوات أمضتها الحكومة السابقة في «محاولة تثبيت أركان الدولة وتحقيق الأمن والاستقرار».

من «القاهرة 2050» إلى «العاصمة الإدارية»

عام 2008، عندما كان مصطفى مدبولي رئيساً لـ«الهيئة العامة للتخطيط العمراني»، كان يتكلّم بنبرة الواثق عن مخطط «القاهرة 2050».

كان المخطّط يهدف، حسبما أعلن آنذاك، إلى تنفيذ 22 مشروعاً خلال 15 سنة لجعل القاهرة «مدينة عالمية مستدامة ومترابطة». وكان من بين هذا المشاريع نقل العشوائيات وتطوير المناطق غير الآمنة، وإنشاء 4 خطوط جديدة لمترو الأنفاق، وتطوير القاهرة الخديوية وهضبة الأهرام.

لقد شكل هذا المخطط جزءاً رئيسياً من إدارة مدبولي لوزارة الإسكان وللحكومة فيما بعد، لتتطور الرؤية من «القاهرة 2050» إلى «استراتيجية وطنية للمدن الذكية» تستهدف تحقيق نقلة نوعية في مفهوم التنمية العمرانية، وبناء ما باتت تُعرف بـ«مدن الجيل الرابع».

يعدّ مدبولي فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً»، ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»، وأن العاصمة الإدارية الجديدة تجسّد رؤية الحكومة المصرية في «بناء مدن حديثة ومستدامة تواكب تطلعات المصريين».

وفي تصريحات صحافية نهاية العام الماضي، قال مدبولي إن «العاصمة الجديدة أصبحت نموذجاً لما تسعى الدولة إلى تحقيقه، من تخطيط عمراني متطور، وبنية تحتية حديثة، وبيئة جاذبة للاستثمار والعمل والإقامة»، وإن مثل هذه المشاريع العملاقة تعد «ركيزة أساسية لدفع عجلة التنمية الشاملة».

من جهة ثانية، لم يقتصر عمل مدبولي على التخطيط العمراني بل قاد مشاريع تنموية شاملة منها: برنامج «حياة كريمة» لتحسين البنية الأساسية والخدمات في القرى والمناطق الريفية، بالتعاون بين الوزارات والمجتمع المدني، وبرنامج «تكافل وكرامة» لتوسيع شبكات الحماية الاجتماعية ودعم الأسر الأكثر احتياجاً. هذا إلى جانب مسار تطوير العشوائيات.

تحدّيات وأزمات

على الرغم من كلام مصطفى مدبولي بداية توليه مهام منصبه عام 2018 عن أن الظروف في مصر أفضل مما كانت عليه عند تخرجه في الجامعة قبل 30 سنة، فإن طريق مدبولي في رئاسة الحكومة لم يكن مفروشاً بالورود. ذلك أن مرحلة الانطلاق التي دشّنها في مطلع ولايته اصطدمت بتحديات جيو-سياسية ألقت بظلال كثيفة على وضع البلاد اقتصادياً، من جائحة «كوفيد - 19» إلى الحرب الروسية - الأوكرانية، ثم «حرب غزة» وتداعياتها الأمنية والاقتصادية، لا سيما مع تراجع عائدات قناة السويس الدولارية. وهكذا وجد المهندس نفسه في مواجهة أرقام التضخم وفجوة النقد الأجنبي.

هذه تحديات عدَّها مدبولي، في تصريحات سابقة، «قدَراً»، فقال: «قدَر هذه الحكومة أن تتحمّل تبعات أزمات عالمية لم تكن طرفاً فيها»، مؤكداً التزامه بـ«عبور السفينة إلى بر الأمان مهما بلغت التحديات».

ومن أجل مواجهة التحديات انخرط رئيس الحكومة في مفاوضات شاقة مع صندوق النقد الدولي أسفرت عام 2022 عن اتفاق على برنامج تمويل بقيمة 3 مليارات دولار أميركي ينتهي في سبتمبر (أيلول) 2026، للخروج من الأزمة الاقتصادية التي عصفت بمصر آنذاك، ثم ارتفعت في مارس (آذار) 2024 إلى 8 مليارات في ظل تداعيات «حرب غزة».

وبينما كان الاقتراض أحد السبل لمواجهة الأزمات الاقتصادية الطاحنة، فإن ارتفاع فاتورة الدين العام، كانت من أشد الانتقادات التي وجّهت إلى مدبولي وحكومته. وللعلم، وفقاً لوزارة التخطيط المصرية، شهد الدين الخارجي قفزة بنحو 6 مليارات دولار منذ مطلع عام 2025، ليصل إلى 161.2 مليار دولار بنهاية يونيو (حزيران) الماضي. في المقابل ارتفع الدين المحلي بنسبة 3.5 في المائة ليصل إلى 11.057 تريليون جنيه (وهو ما يساوي 233.2 مليار دولار).

الدَّين العام والغلاء

بنهاية العام الماضي أعلن مدبولي اعتزام الحكومة خفض الدَّين العام نسبةً للناتج المحلي الإجمالي إلى مستويات غير مسبوقة منذ نحو 50 سنة. وأعلن أن «نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي تراجعت من 96 في المائة قبل سنتين إلى نحو 84 في المائة حالياً. الأمر الذي أثار تساؤلات عن خطة الحكومة في هذا الشأن، لم تُجب عنها الحكومة حتى الآن، وإن كان خفض الدين إحدى أهم أولوياتها.

على الصعيد الداخلي أيضاً، ومع ما وضعته الأزمات الاقتصادية من أعباء إضافية على حياة المواطن، واجهت حكومة مدبولي شكاوى من الغلاء ترافقت مع انتقادات للإنفاق على مشاريع كبرى في ظل أزمات اقتصادية طاحنة. إلا أن رئيس الحكومة كان دائم الدفاع عن تلك المشاريع بوصفها السبيل الوحيد لتحسين جودة حياة المواطن، واعداً بأن المواطن الذي تحمل «فاتورة الإصلاح» سيبدأ قريباً جني ثماره.

الواقع أن كثيرين يرون مصطفى مدبولي نموذجاً للمسؤول الذي يؤمن بأن «البناء هو الحل»، سواءً كان بناء مدينة أو اقتصاد أو حتى إنسان. وفي ظل الجدل المحتدم بشأن الأولويات ومطالبات بإعلاء رؤية لإدارة الملفات الاقتصادية، يبدأ مدبولي راهناً مرحلة جديدة في رئاسة الحكومة المصرية تتمسك بخرائط التنمية العمرانية وتشدد على «بناء الإنسان»، وتضع جذب الاستثمارات وتحسين الاقتصاد على رأس أولوياتها بمساعدة نائبٍ لرئيس الوزراء يتولى قيادة المجموعة الاقتصادية في الحكومة.


3 رؤساء حكومة في عهد السيسي تجمعهم «الهندسة»

ابراهيم محلب (رويترز)
ابراهيم محلب (رويترز)
TT

3 رؤساء حكومة في عهد السيسي تجمعهم «الهندسة»

ابراهيم محلب (رويترز)
ابراهيم محلب (رويترز)

منذ تولّى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الحكم في يونيو (حزيران) عام 2014 تعاقب 3 رؤساء حكومة على إدارة شؤون البلاد، تجمع بينهم الهندسة، حيث تخصص اثنان منهم في الهندسة المدنية، والثالث في هندسة الميكانيكا، ويُعد رئيس الوزراء الحالي مصطفى مدبولي أطولهم بقاءً في المنصب.

إبراهيم محلب

أدى المهندس إبراهيم محلب اليمين الدستورية بصفته أول رئيس للوزراء في عهد السيسي، في 17 يونيو (حزيران) 2014، وواصل مهام عمله رئيساً للحكومة حتى 12 سبتمبر (أيلول) 2015.

وُلد محلب عام 1949، وتخرج في كلية الهندسة المدنية بجامعة القاهرة 1972، ثم عمل في شركة «المقاولون العرب»، وهي إحدى أقدم شركات البناء والتشييد في مصر وأفريقيا، وإبان فترة عمله أشرف على مشاريع عدة من تشييد طرق وبناء جسور وترميم آثار.

وتدرّج محلب في الشركة حتى تولى رئاسة مجلس إدارتها في عام 1997. وفي عام 2013 تولى محلب حقيبة الإسكان في حكومة الدكتور حازم الببلاوي، قبل أن يتولى رئاسة الحكومة في عام 2014، ثم يعيَّن مساعداً لرئيس الجمهورية للمشروعات القومية والاستراتيجية، في سبتمبر 2015.

شريف اسماعيل (رويترز)

شريف إسماعيل

شكّل شريف إسماعيل الحكومة يوم 19 سبتمبر 2015، وتقدم باستقالتها يوم 5 يونيو 2018.

وُلد إسماعيل عام 1955، وتخرّج في كلية الهندسة قسم الميكانيكا بجامعة عين شمس عام 1978. وعمل مهندساً في البحث والاستكشاف بشركة «موبيل» منذ تخرّجه حتى عام 1979، ثم عمل مهندساً بشركة «إنبي» حتى عام 2000، ووكيلاً لوزارة البترول حتى عام 2005، ووزيراً للبترول منذ يوليو (تموز) 2013، حتى سبتمبر 2015.

بعدها ترأس الحكومة حتى تعيينه مساعداً لرئيس الجمهورية في يونيو 2018. وتوفي في فبراير 2023.

مصطفى مدبولي

تولى مصطفى مدبولي رئاسة الحكومة في يونيو 2018 وما زال على رأس الحكومة المصرية حتى الآن.

وُلد مدبولي عام 1966، وتخرّج في كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1988، وحصل على ماجستير في الهندسة المعمارية (تخصّص تخطيط مدن) عام 1992، وتدرّج في المناصب الحكومية وشغل منصب رئيس الهيئة العامة للتخطيط العمراني من عام 2008 حتى 2011. وعام 2014 تولى حقيبة الإسكان خلفاً لإبراهيم محلب. ثم تولى رئاسة الوزراء خلفاً لشريف إسماعيل يوم 7 يونيو 2018.