هل ينجح قيس سعيّد في احتواء التناقضات التونسية؟

هل ينجح قيس سعيّد في احتواء التناقضات التونسية؟

«شرعية غير مسبوقة» لرئيس يبحث عن «حزام سياسي»
السبت - 27 صفر 1441 هـ - 26 أكتوبر 2019 مـ رقم العدد [ 14942]
تونس: كمال بن يونس
يتفق أنصار الرئيس التونسي الجديد قيس سعيّد وخصومه على أن فوزه بثقة ثلاثة أرباع الناخبين يعطيه «شرعية غير مسبوقة»، وفرصة لأن يكون فعلاً «الرئيس الجامع لمختلف الأفرقاء السياسيين»، خصوصاً أن عدد الذين صوتوا لفائدته ناهَز ضعفي عدد الذين صوّتوا للزعيم السياسي المخضرم الرئيس الراحل الباجي قائد السبسي عام 2014.

غير أن التحدي الكبير أمام الرئيس سعيّد هو فرصه نجاحه في تحقيق أحلام ملايين الناخبين الذين اختاروه، وجلّهم من الشباب والنساء والفقراء، وذلك مع الأخذ في الاعتبار دستوراً يحدّ من صلاحياته، ويعطي غالبية السلطات للبرلمان، ولرئيس الحكومة.





التخمينات حول فرص نجاح عهد الرئيس التونسي الجديد قيس سعيّد رهينة تطوّر الأحداث و«سيناريوهات» التحالفات السياسية حوله من جهة، وحول حزب «حركة النهضة» الذي حاز على المرتبة الأولى في الانتخابات العامة (البرلمانية) من جهة ثانية.

والواقع أنه بين التساؤلات المطروحة في هذا الصدد: هل سيختار ساكن قصر قرطاج الجديد التحالف مع «النهضة» والمقرّبين منه، الذين دعموه بقوة في الدور الثاني للانتخابات الرئاسية، أم يسعى، مع عدد من الأطراف «العلمانية»، إلى تشكيل قطب سياسي - حزبي جديد يتزعّمه بنفسه... على غرار ما فعل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بعد دخوله إلى قصر الإليزيه عام 2017؟ وهل ستتعاون الغالبية البرلمانية المنتخبة مع الرئيس الجديد المستقلّ وتعجّل بإخراج البلاد من مرحلة «حكومة تصريف الأعمال» عبر تشكيل الحكومة الجديدة، أم تغرق مجدّداً في مستنقع التجاذبات السياسية والحزبية التي أضعفت الدولة واقتصاد البلاد، وأنهكت المجتمع خلال السنوات الماضية؟



مزايدات... وحرب إعلامية



في هذه الأثناء، تكشف تصريحات معظم زعماء الأحزاب السياسية استعداداً لدعم الرئيس المنتخب ومشروعه الإصلاحي وتبشيره بـ«ثورة شبابية ثقافية طموحة»، غير أنها تختلف حول طبيعة الحكومة الجديدة، والجهة التي تشرف على تشكيلها. ومن المفهوم أن ثمّة خيارين: الأول هو «حكومة سياسية» تتزّعمها شخصية يختارها الحزب الفائز بالمرتبة الأولى في الانتخابات البرلمانية أي حزب «حركة النهضة». والثاني «حكومة الرئيس» التي يفترض أن تتزعمها شخصية مستقلة يختارها رئيس الدولة المنتخب بكامل الشفافية وفي مناخ ديمقراطي بنسبة تقترب من الإجماع.

لقد افتتح حملة التشكيك في قدرة «النهضة» على تشكيل حكومة جديدة شخصيات مثل محمد عبو، وزير الوظيفة العمومية سابقاً ورئيس حزب «التيار الديمقراطي اليساري»، وقياديون في حزب الشعب العروبي بينهم الأمين العام للحزب زهير المغزاوي، ونائبه وزير التربية سابقاً سالم الأبيض. ونشير إلى أن قادة هذين الحزبين، اللذين فازا معاً بـ43 مقعداً، أعلنوا شروطاً بالجملة للمشاركة في أي حكومة تشكلها قيادة «النهضة»، باعتبار هذا الحزب الفائز بالمرتبة الأولى في الانتخابات.



رئيس الحكومة الجديد



كان أبرز هذه الشروط ألا تُسنَد رئاسة الحكومة المنبثقة عن الانتخابات إلى سياسي من حزب «حركة النهضة»، بما في ذلك رئيس «النهضة» راشد الغنوشي، أو رئيس الحكومة الأسبق علي العريّض أو أمين «النهضة» العام الوزير زياد العذاري، بل إلى شخصية اقتصادية أو سياسية مستقلة يختارها الرئيس الجديد قيس سعيّد. كذلك اشترط عبو والمغزاوي وبعض رفاقهما من اليساريين والقوميين إسناد أبرز الحقائب الوزارية إلى حزبي «التيار الديمقراطي» و«الشعب»، بما فيها الداخلية والعدل والوظيفة العمومية.

في المقابل، وصف العجمي الوريمي، القيادي في «حركة النهضة»، بـ«التعجيزية» الشروط التي تتجاهل أحقية حزبه في تشكيل الحكومة ورئاستها رغم حصوله على52 مقعداً برلمانياً، ناهيك بوصول نحو 30 شخصية قريبة منه إلى البرلمان بعد ترشّحها في قوائم مستقلة وائتلافية، منها نواب شغلوا بعض الـ21 مقعداً التي حصل عليها «ائتلاف الكرامة». وهذا الائتلاف تجمع سياسي انتخابي يضم نشطاء سابقين في التيار الإسلامي في الجامعات وخارجها.

وفي الاتجاه نفسه، رفع رئيس مجلس شورى «النهضة» عبد الكريم الهاروني، في مؤتمر صحافي وخلال سلسلة من الحوارات التلفزيونية والإذاعية سقف مطالب حركته، وأعلن تمسك قيادتها الموسعة بأحقية رئيسها راشد الغنوشي، أو مَن يختاره لرئاسة الحكومة «احتراماً للدستور». وساند وجهة النظر هذه ساسة من أحزاب أخرى، بينهم سليم الرياحي رجل الأعمال والزعيم السابق لـ«الحزب الوطني الحر» ورئيس النادي الأفريقي الرياضي. في حين تهكَّم القيادي في «ائتلاف الكرامة» عبد اللطيف العلوي على قيادات حزبي «التيار الديمقراطي» و«الشعب» بسبب مطالبتهم بالحقائب الأهم للحزبين الحائزين على عدد صغير من المقاعد، وبالمرتبتين الخامسة والسادسة، مقابل اعتراض على حق «الحزب الأول» في تشكيل الحكومة مع حلفائه ورئاستها.

واتهم العلوي خصومه بـ«محاولة الانقلاب على الدستور الذي يمنح الغالبية البرلمانية المنتخبة حق تشكيل الحكومة وليس إلى رئيس الدولة».



انقلاب على الدستور؟



في هذه الأثناء، ينفي محمد المسيليني، القيادي في حزب الشعب تهمة «الانقلاب على الدستور»، ويبرّر المسيليني دعوته ورفاقه في الحزب إلى تشكيل «حكومة الرئيس» بالحرص على «ربح الوقت»، وهذا من منطلق أن الدستور يسمح لرئيس الدولة بتكليف شخصية مستقلة بتشكيل الحكومة، بعد شهرين من فشل رئيس الحزب الفائز بالمرتبة الأولى في الحصول على ثقة 109 من نواب البرلمان الـ217. ووفق رأي المسيليني ورفاقه، فإن قيادة «النهضة» ستفشل حتماً في تجميع غالبية من النواب حول حكومة سياسية ترأسها «لأن أكثر أعضاء البرلمان الجديد من المعارضين لـ(النهضة)».

ومن ثم، من الأفضل في نظر «حزب الشعب» و«التيار الديمقراطي»... «المرور مباشرة إلى السيناريو الثاني، خصوصاً أن رئيس الجمهورية فاز بغالبية مريحة في الانتخابات».

لكن نائب رئيس «حركة النهضة» (ووزير العدل سابقاً) نور الدين البحيري، يرفض هذا الرأي ويتهم مروّجيه «بمحاولة انتهاك القانون والدستور» الذي أعطى أكبر السلطات للبرلمان وللحكومة المنبثقة عنه. وهو يتهم خصوم حزبه بالسعي إلى إرجاع البلاد إلى مرحلة الاستبداد و«النظام الرئاسوي، عندما كان رئيس الدولة يحتكر كل السلطات ويتجاهل دور البرلمان والمؤسسات المنتخبة مباشرة من الشعب». ومن جهته، يستبعد وزير حقوق الإنسان السابق سمير ديلو أن يوافق الرئيس سعيّد على «مثل هذا الانتهاك للدستور والقانون وهو الذي قضى أكثر من 30 سنة يدافع عن علوية الدستور، وتعهّد للشعب في حملته الانتخابية وفي خطاب تنصيبه بأن يكون القانون فوق الجميع».



رفع سقف المطالب



في سياق موازٍ، يتخوّف عدد من المحللين السياسيين التونسيين بينهم منية اليحياوي ورفيق بن عبد الله من حصول خيبة أمل لدى قطاع من التونسيين، بعدما رفع الرئيس قيس سعيّد في خطاب تنصيبه سقف الطموحات، بما في ذلك ما يتعلق بدور تونس الإقليمي والدولي، وتعهد الرئيس بالوقوف من دون شروط مع الشعب الفلسطيني ونضالاته من أجل التحرر الوطني وبناء دولته المستقلة. وذهب الإعلامي اليساري مراد علالة وعدد من القياديين في حزب العمال الشيوعي، مثل البرلماني الجيلاني الهمامي، إلى حد التشكيك في قابلية مشروع الرئيس للتنفيذ، وفي قدرته على ضمان «عدم سقوط الحكومة المقبلة في المحاصصة الحزبية».

أيضاً، اتهم بعض القياديين في اتحاد نقابات العمال، بينهم سامي الطاهري، أمين عام «الاتحاد التونسي للشغل» الرئيس الجديد، بـ«الشعبوية»، بسبب ترويجه لمقترح تبرع العمال والموظفين التونسيين بيوم عمل شهرياً لمدة 5 سنوات من أجل المساهمة في معالجة معضلة ديون الدولة.

كذلك، أصدر حمّة الهمامي، زعيم حزب العمال الشيوعي، الذي لم يفز بأي مقعد في البرلمان الجديد، بيانات تطالب الرئيس سعيّد والحكومة العتيدة بإعطاء الأولوية لمعالجة المشاكل الاقتصادية والاجتماعية المتراكمة منذ مدة، وإلى القضاء على «خلايا الإرهاب النائمة»، والكشف عن الأطراف المتورّطة في جريمتي اغتيال الزعيمين اليساريين شكري بلعيد ومحمد الإبراهمي عام 2013.

وبالتالي، تكشف كل هذه المواقف والتصريحات المتباينة تعمّد كل طرف رفع سقف مطالبه، بحثاً عن تحسين حصته في الحكومة والمواقع العليا في الدولة والمؤسسات العمومية، التي من المتوقع أن تشملها حركة تعيينات جديدة على غرار ما حصل بعد انتخابات 2011 و2014.



انهيار النظام القديم



على صعيد متصّل، لعل بين أخطر التحدّيات التي تواجه كبار صنّاع القرار في تونس، بعد الانتخابات البرلمانية والرئاسية الجديدة، أن صناديق الاقتراع أدّت إلى إضعاف غالبية رموز المنظومة الحاكمة قبل يناير (كانون الثاني) 2011 وبعدها، وإبعاد اليسار الماركسي من المشهد السياسي الرسمي؛ إذ حصل الحزب الحر الدستوري الذي تتزعمه المحامية عبير موسي، وهو التنظيم الأكثر ولاء للنظام السابق وللرئيسين السابقين الحبيب بورقيبة وزين العابدين بن علي، على أقل من 5 في المائة من الأصوات في الانتخابات البرلمانية والرئاسية. ولم تكن حصيلة حزب رئيس الحكومة يوسف الشاهد «تحيا تونس» أفضل بكثير رغم تعزيز صفوفه بمئات من اليساريين والقوميين والليبراليين والشباب من الجنسين.

ويظهر أن وفاة الرئيسين السابقين؛ السياسي المخضرم الباجي قائد السبسي ثم الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي، عشية الاقتراع العام، أسهمت في دفع غالبية الناخبين نحو طي صفحة الماضي، واختيار مرشحين مستقلين أو سياسيين تعهدوا بـ«الاستجابة إلى مطالب شباب ثورة 2011 بعد 5 سنوات من المصالحة مع المنظومة القديمة».

ورغم احتلال حزب «قلب تونس»، بزعامة رجل الأعمال السياسي المخضرم نبيل القروي، المرتبة الثانية في الانتخابات البرلمانية والرئاسية، فإن وسائل الإعلام التونسية ترجح استقالة غالبية نوابه من حزبهم تحسّباً لمضاعفات التتبعات القضائية المفتوحة ضد رئيس الحزب وبعض قياداته بتهم مالية مختلفة. ولا يستبعد عدد من المراقبين، بينهم الإعلامي والأكاديمي المنجي المبروكي، أن يلتحق عدد كبير من أعضاء البرلمان الذين فازوا باسم «قلب تونس» أو «الحزب الدستوري الحر» بحزب «تحيا تونس» بزعامة الشاهد لمساعدته في المشاركة في الحكومة الائتلافية المقبلة، وتبوؤ موقع كبير فيها قد يكون رئاستها أو وزير برتبة نائب رئيس.



صراع القوميين والإسلاميين



وعلى المستوى العقائدي، لعل أخشى ما يخشاه بعض المراقبين، بينهم أستاذ الفلسفة والوزير السابق أبو يعرب المرزوقي والبرلماني محمد القوماني، أن تؤدي نتائج الانتخابات الرئاسية والبرلمانية التونسية إلى نوع من «المعارك السياسية الثقافية الآيديولوجية» الجديدة، خصوصاً بين أنصار «حزب الشعب القومي»، القريب من النظامين السوري والإيراني سياسياً، وحزب «حركة النهضة» الذي يقف إقليمياً في الصف المقابل.

ولقد وجه بعض الراديكاليين الإسلاميين والإسلاميين القريبين من «النهضة» اتهامات إلى بعض القيادات العروبية بالانخراط في «محاور إقليمية» والتبعية لنظام دمشق، بينما اتهم الأمين العام لـ«حزب الشعب» ورفاقه، قياديين في «النهضة»، بالولاء لـ«المحور التركي - القطري». وللعلم، كان قياديون في حزبي «التيار الديمقراطي» و«الشعب القومي» للمشاركة في الحكومة القادمة إعلان قيادة «النهضة» نقداً علنياً لمواقفها السابقة من مشروع الإطاحة بنظام بشار الأسد، والحرب في سوريا، وتوجه مقاتلين تونسيين ومغاربيين إلى دمشق «عبر المطارات التونسية وبواباتها البرّية».

ولكن الحوار حول هذا المطلب بات وارداً، لأن قيادة «النهضة» أصدرت منذ أكثر من سنة بياناً رسمياً يدعو إلى تطبيع العلاقات بين الدول العربية ونظام دمشق. كذلك تبرّأ وزير الخارجية التونسي الأسبق رفيق عبد السلام، من قرار قطع العلاقات الذي اتخذه الرئيس التونسي الأسبق المنصف المرزوقي، عام 2012. وأصدر لطفي زيتون، الوزير السابق والمستشار السابق لرئيس «النهضة» مقالاً مطولاً يدعو بدوره فيه إلى تطبيع العلاقات بين تونس ودمشق.



الرئيس الجديد و«التفويض الشعبي»



في أي حال، فإن ما تشهده تونس من حراك سياسي شبابي عميق يتجاوز الآن، من حيث دلالاته، «الصراعات الفوقية بين السياسيين»، حسب عالم الاجتماع التونسي نور الدين العلوي. ويرى العلوي أن قيس سعيّد والشباب الذي صنع معجزة فوزه في الانتخابات الرئاسية التونسية بإمكانيات متواضعة «مؤشر عن ثورة شبابية سلمية جديدة كانت أداتها صندوق الاقتراع، وليس المواجهات في الشوارع مع السلطات ومحتكري الثروات».

وهو يدعم بذلك مقولات قيس سعيّد عن «ثورة الصندوق» وعن «إحياء قيم الحرية والكرامة ودولة القانون والعدالة الاجتماعية»، وشعارات من نوع «الشعب يريد...»، و«الشباب يريد...».

وبناءً عليه، فإن النخب السياسية والنقابية التونسية مرشحة لأن تشهد مرحلة انتقال عميق نحو خيارات جديدة في مستوى مؤسسات الحكم ومنظمات المجتمع المدني، وعلى رأسها النقابات، تمهيداً لثورة سياسية ثقافية جديدة... ثورة يرى سعيّد وروّاد الحركة الشبابية المناصرة له أنها ستنقل البلاد نحو عهد جديد، ويحذّرون من أن انتكاسته ستؤدي إلى الصدام والثورات الشبابية والانتفاضات الاجتماعية العنيفة.
حصاد

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة