أمين مكتبة «إثراء» السعودية: لدينا نصف مليون كتاب.. وتجاوزنا «تقليدية» المكتبات العامة

طارق الخواجي
طارق الخواجي
TT

أمين مكتبة «إثراء» السعودية: لدينا نصف مليون كتاب.. وتجاوزنا «تقليدية» المكتبات العامة

طارق الخواجي
طارق الخواجي

لا يمكن اعتبار طارق الخواجي، أمين مكتبة مركز الملك عبد العزيز الثقافي العالمي (إثراء)، مجرد أمين مكتبة اعتيادي؛ إذ يمتد دوره لما هو أبعد من المهام التقليدية لإداري في مكتبة ضخمة يقول إنها تضم نصف مليون كتاب، 60 في المائة منها فقط باللغة العربية، وأن «فضاءها الثقافي يتجاوز الفكرة التقليدية في المكتبة العامة».
في هذا الحوار، الذي أجريناه معه في الظهران، يتحدث عن البرنامج الوطني للقراءة (أقرأ)، الذي يعد أحد برامج مركز الملك عبد العزيز الثقافي العالمي (إثراء) وهو مبادرة من «أرامكو السعودية»، حيث بدأ التسجيل فيه ليمتد حتى بداية شهر فبراير (شباط) المقبل، ويتناول أيضاً تجربة «سفراء القراءة».
* بداية... حدثنا عن مكتبة «إثراء»، وكم كتاباً تضم؟
- مكتبة «إثراء» مكتبة عامة، مكونة من أربعة طوابق، يختص كل طابق منها بمجموعات معرفية محددة، وبطابق كامل مخصص للطفل، وأربعة معارض رقمية، تعرض تصميم المكتبة، وأماكن تواجد كل مجموعة، والبرامج المقدمة يومياً، وآخر الكتب الجديدة التي ضُمت لمجموعة المكتبة، والكتب الأكثر رواجاً بين الأعضاء والزوار، وتضم مجموعتها نصف مليون كتاب، 60 في المائة منها باللغة العربية، و40 في المائة باللغة الإنجليزية، كما تحتوي على كتب رقمية وصوتية تتجاوز العشرة آلاف مادة، وقاعدة بيانات تضم آلاف الأوراق العلمية والبحثية، كما تضم الكثير من غرف المطالعة والأماكن المخصصة للدراسة، وشاشات البحث الذاتية، وطاولة ذكية للأطفال.
> بِمَ تتميز مكتبة «إثراء» عن غيرها من المكتبات العامة؟
- مكتبة «إثراء» هي مكتبة تنتمي لما يسمى اليوم «مكتبات القرن الواحد والعشرين»؛ إذ يتجاوز فضاؤها الثقافي الفكرة التقليدية في المكتبة العامة، من العلاقة ذات البعد الواحد بين القارئ والكتاب، إلى العلاقة المتعددة الوجوه بين القارئ والكتاب والقارئ الآخر؛ لذا يمكن لعين الزائر أن تلتقط وجود المقهى عند صعوده إلى المكتبة مباشرة، وحيث يتوزع في الدورين الثاني والثالث منها، أندية قراءة محلية وجدت في المكتبة المكان المناسب لعقد اجتماعاتها. كذلك، يحظى أعضاء المكتبة وزوارها بفرصة لقاء الكتاب والمثقفين الذين واللاتي نقوم بفعاليات توقيع لآخر إصداراتهم، وقد حظينا في السنة الماضية بأسماء مميزة من المملكة والخليج والعالم. وتقدم المكتب خدمة نوعية، في الإرشاد القرائي؛ إذ يحظى الزائر بالنقاش مع موظفي المكتبة الذين تدربوا في ورش متعددة، بعضها متخصص في تاريخ أبرز الإبداعات الإنسانية في مجال الأدب والفكر، كما تتميز مكتبة «إثراء» بأنها تقف خلف المسابقة الوطنية للقراءة «أقرأ»، التي أطلقت آخر شهر سبتمبر (أيلول) الماضي دورتها السادسة.
> دورك كأمين مكتبة، بماذا يختلف عن الدور المتعارف عليه لأمين المكتبة؟
- قد تبدو الإجابة هنا كشهادة مجروحة، لكنني أراه تكليفاً وليس تشريفاً أن أحمل لقب أمين مكتبة «إثراء»؛ لأن مركز الملك عبد العزيز الثقافي العالمي يحمل على عاتقه مهمة عظيمة في رعاية الإبداع ونشر الثقافة والتواصل الحضاري والثقافي، وكذلك المساهمة في دعم التحول إلى ما يسمى «مجتمع المعرفة»، ولأن المكتبة عنصر رئيسي في «إثراء»، فهي منوطة بتفعيل هذه الرؤية والمهمة الوطنية من خلال الوفاء لتطلعات الزوار والأعضاء؛ لذا يتجاوز دور أمين المكتبة أن يكون إدارياً محضاً، لأن يكون دوراً فاعلاً في النشاطات الثقافية والتواصل مع المجتمع الثقافي والإبداعي، والعناية بأنماط واتجاهات القراءة في المملكة.
> إلام تسعون في مكتبة «إثراء»؟
- نسعى لأن تكون القراءة نشاطاً محورياً في حياة الفرد والأسرة والمجتمع، وأن تكون مصادر المعرفة من خلال القراءة في متناول اليد دون الحضور حتى للمكتبة، من خلال تفعيل منفذ المكتبة الرقمي، ومن خلال مسابقة «اقرأ» والنشاطات التي نقدمها بشكل مستمر في المكتبة في حال زيارته. ونسعى أيضا إلى أن تكون لنا شراكات نوعية مع المكتبات الكبرى المميزة في المملكة، والمؤسسات الثقافية الممتدة على أرجاء الوطن، وأن تستطيع مكتبة «إثراء» الوصول إلى القراء في مناطق المملكة المختلفة مهما بعدت مسافاتها.
> على ضوء انطلاق مسابقة «أقرأ»... هل نجحتم في تشجيع القراءة بين الشبان؟
في الحقيقة أن هدف مسابقة «أقرأ» الأساسي لم يكن هو تشجيع القراءة بين جيل الشباب والشابات بقدر ما هو تسليط الضوء عليهم، وأن نقول: إن لدينا جيلاً قارئاً يتميز بعمق قراءاته وملكته النقدية، وقدرته المميزة على السباحة في بحور المعرفة المختلفة. وعندما انطلقت المسابقة اكتشفنا أنها لم تكن تجربة صانعة للتحول لهؤلاء الشباب والشابات بقدر ما هي تجربة صانعة للتحول لكل القائمين على مسابقة أقرأ.
> وكيف ترى حال الجيل الجديد عموماً مع القراءة؟
- هناك شغف واضح لدى الجيل الجديد لالتهام كل أنواع المحتوى المطروحة على منصات متعددة، رغم انخفاض معدلات الانتباه بشكل ملحوظ، لكن هذا الشغف يبدو واضحاً من خلال استهلاكهم لأشكال مختلفة من المعرفة، والكتاب ليس خارج هذه الملاحظة، ورغم أن كثيراً من مثقفي الأجيال الأقدم منهم، لا يبدون راضين عن محتوى هذه الكتب، فإن القراءة وكونها نشاطاً يتطور في الذائقة والاختيار مع تقدم العمر، فإن ذلك يشفع لهم في استهلاك المحتوى الرائج المؤقت إلى حد بعيد، وأعتقد أن هذا الجيل أسهم كثيراً في ترويج القراءة من خلال مشاركاتهم في وسائل التواصل الاجتماعي، والمدونات، والمراجعات المسجلة على مواقع الكتب المعروفة. إنه جيل متفاعل ولا يكتفي بالاختباء خلف أغلفة الكتب، وهي حالة صحية على كل حال، وربما يكمن التحدي في جودة محتوى هذا التفاعل وهو مرهون بالزمن.
> صناعة المحتوى الثقافي الثري، أمر ليس بالبسيط... ما تقييمك لجهود الشبان السعوديين في ذلك؟
- جهود شباب وشابات المملكة، في صناعة المحتوى اليوم، ملموسة وواضحة، وذلك من خلال الإقبال على منصات التواصل والمدونات الصوتية، وكذلك مشاركاتهم في الفعاليات الثقافية الرائجة اليوم. وخارج حسابات الاستهلاك وتصلب المعرفة في ذواتهم وخطورة السيولة المعرفية اليوم، والاستحقاق إذا صح التعبير، فالمنتج اليوم كبير وعليه طلب واسع، يقابله قدرة مذهلة على التسويق لم تحظَ بها الأوساط الثقافية من قبل.
> «سفراء القراءة» مسمى جديد أطلقتموه، هل تعتقدون أن مسؤولية تحبيب الطلبة في القراءة تقع على عاتق المعلمين؟
- هي ليست مسؤولية بشكل مباشر، لكن أثر المعلم والمعلمة على الطلاب والطالبات، يبدأ من حيث مفهوم القدوة، وقدرتهم على الحركة في النقاشات المنهجية أو غير المنهجية بمدرعة معرفية قادرة على التعامل مع كل حالات الشغف أو عدمه داخل الصف، وقد لمسنا في مسابقة «أقرأ» أثر ذلك، من خلال مشاركين ومشاركات كانت جذوة حماسهم الأولى منطلقة من غرفة الدرس، ومن يد المعلم والمعلمة التي تحمل كتبا غير منهجية بشكل يلفت انتباه الطلاب؛ لذا نؤمن بالدور المحوري للمعلمين والمعلمات في التحفيز والتغيير وكذلك التجهيز، لأن يخوض الطلاب والطالبات مغامراتهم المعرفية من خلال البحث في مصادر المعرفة المختلفة.
من أجل ذلك قررنا في «أقرأ» تفعيل ذلك من خلال «سفراء القراءة» وهم معلمون ومعلمات أخذوا حقاً على عاتقهم فتح أبواب المعرفة لطلابهم وطالباتهم، من خلال أنشطة قرائية مميزة، وفعاليات محفزة لدفع الطلاب نحو الاستكشاف والبحث، وهو دور يستحق أن يسلط الضوء عليه، ويكافأ كذلك.



دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

حنان الشيخ
حنان الشيخ
TT

دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

حنان الشيخ
حنان الشيخ

اتّسعت خريطة دور النشر الفرنسية المهتمة بالأدب العربي اتّساعاً ملحوظاً في السنوات الأخيرة، حتى باتت تضمّ، إلى جانب الدور التاريخية الكبرى، مبادراتٍ تحريريةً مستقلة وشراكاتٍ عابرة للمتوسط. غير أن الأرقام، رغم ارتفاعها النسبي، لا تزال متواضعةً قياساً بحجم الإنتاج الأدبي العربي، فيما تظلّ إشكاليةُ الوساطة الثقافية وفخّ التوقعات الاستشراقية يُلقيان بظلالهما على هذه الصورة البرّاقة في ظاهرها.

لم تعد دار «سندباد» تحتكر نشر الأدب العربي في فرنسا كما كانت في السابق؛ إذ دخلت دور نشر أخرى في منافسة فاعلة لاستقطاب المواهب العربية الجديدة. ففي هذا السياق، استقطبت «غاليمار» أسماءً عربية في سلاسل مختلفة، وفتحت كلٌّ من «غراسيه» و«بايار» و«لو بروي دو موند» و«إليزاد» أبوابها أمام كتّاب عرب ناشئين.

سعيد خطيبي

والحدثُ التأسيسي الأبرز في هذه المرحلة هو انطلاق مجموعة «خمسة» في أكتوبر (تشرين الأول) 2023، وهي شراكة تجمع دار «فيليب ري» الباريسية بدار «بَرزَخ» الجزائرية بقيادة الناشر صفيان حاجج، تختصّ بترجمة الأدب المغاربي المكتوب بالعربية من خمسة بلدان هي: الجزائر وليبيا والمغرب وموريتانيا وتونس. وفي أقلّ من عامين على انطلاقها، كشفت هذه المجموعة عن طاقة اكتشافية حقيقية؛ فقد كان من بين إصداراتها الأولى رواية الكاتبة التونسية أميرة غنيم «الكارثة بيت النبلاء» التي فازت بجائزة الأدب العربي عام 2024. أمّا دار «سندباد»، عرّاب هذا الحقل بلا منازع منذ خمسة عقود، فتواصل مسيرتها تحت إدارة الناشر السوري فاروق مردم بيه، وقد أصدرت حتى اليوم ما يزيد على ثلاثمائة عنوان، تضمّ الرواية والشعر والتراث الكلاسيكي، مستوعبةً أدبَ المشرق والمغرب معاً.

شادي لويس

وفي عام 2022، أطلقت الدار مجموعة «سندباد الصغير» للأدب مزدوج اللغة (عربي - فرنسي) الموجَّه إلى الناشئة، في محاولة جريئة لتجسير الهوّة بين جيلين ولغتين. وفي سياق برنامجها الأخير، أصدرت «سندباد» رواية «عين الطاووس» للبنانية حنان الشيخ بترجمة خالد عثمان، فضلاً عن «تاريخ قصير للخليقة وشرق القاهرة» للمصري شادي لويس، وكلاهما ضمن قائمة جائزة الأدب العربي 2025.

وإذا كان ثمة نصٌّ واحد استطاع في السنوات الأخيرة أن يختبر حدود المشهدين الأدبيين الأوروبي والعربي معاً، فهو رواية الفلسطينية عدانية شبلي «تفصيل ثانوي»، التي نشرتها «سندباد/أكت سود» عام 2020 بترجمة ستيفاني دوجول، فغدت ظاهرةً دولية نادرة في عالم الأدب العربي المُترجَم، وبلغت أصداؤها أرفع الجوائز الأدبية في أوروبا والولايات المتحدة.

عدانية شبلي

وعلى صعيد الأسماء التي شقّت طريقها إلى القارئ الفرنسي عبر هذه الدور، يبرز جيلٌ جديد، فالليبي محمد الناعس، الذي أصدرت له «لو برو دو موند» روايتَي «خبز على طاولة عمي ميلاد» و«نكهة الشاي المرّ»، رُشّح مرتين على التوالي لجائزة الأدب العربي، وباتت أعماله رهاناً تحريرياً ثابتاً لدى ناشره الفرنسي. أما الجزائري سعيد خطيبي فأصدرت له «غاليمار» في سلسلة «سيري نوار» رواية «نهاية الصحراء» بترجمة لطفي نية. ويوظف خطيبي التاريخ السياسي في بنية السّرد البوليسي.

وفي السياق ذاته، اختارت «بايار» نشر آخر أعمال المغربية ريم بطّال «سأنظر في عينيّ»، لتقطع بذلك مسافةً واسعة بين الكتابة النسائية العربية وجمهور فرنسي جديد. وأفرزت مجموعة «خمسة»، بدورها، اسمين تونسيين بارزين: أميرة غنيم بروايتها «الكارثة بيت النبلاء» الفائزة بجائزة الأدب العربي 2024، وأيمن دبوسي برواية «دفاتر الرازي». والحالة الأكثر رمزيةً في هذه الدورة هي حالة الكاتب الفلسطيني ناصر أبو سرور، الذي أمضى اثنين وثلاثين عاماً خلف القضبان في سجون الاحتلال الإسرائيلي، قبل أن يُطلَق سراحه في أكتوبر 2025. وجد أبو سرور طريقه إلى «غاليمار» عبر روايته «حكاية جدار»، الصادرة بالفرنسية تحت عنوان «Je suis ma liberté» (أنا حريتي) بترجمة ستيفاني دوجول، وسرعان ما توّجته لجنة جائزة الأدب العربي لعام 2025 بالجائزة الكبرى بالإجماع، مانحةً إياه اعترافاً طالما حجبه عنه السجنُ وعزلةُ الأسر. ولم يكن هذا التتويج إعلاناً أدبياً فحسب، بل كان فعلاً سياسياً وأخلاقياً في الوقت ذاته.

وتوفّر أرقام السوق سياقاً لا غنى عنه لفهم هذا المشهد؛ فوفق بيانات نقابة الناشرين الفرنسيين (SNE)، بلغ رقم أعمال قطاع النشر في فرنسا 2945 مليون يورو عام 2023، ثم تراجع إلى 2901 مليون يورو عام 2024، مع انخفاض في عدد النسخ المبيعة بنسبة 3.1 في المائة. وتمثّل الكتب المترجمة في الوقت الراهن ما بين 19 و20 في المائة من مجمل الإنتاج النشري الفرنسي، مما يجعل فرنسا من أكثر الأسواق الثقافية الغربية انفتاحاً على الآداب الأجنبية. وبحسب أحدث بيانات «ليفر إيبدو/إلكتر» المتعلقة بعام 2025، بلغ عدد العناوين المترجمة إلى الفرنسية 12892 عنواناً؛ تستأثر العربية منها بنسبة 0.9 في المائة؛ أي ما يناهز مائة وستة عشر عنواناً، مسجّلةً ارتفاعاً بمقدار 0.2 نقطة مئوية قياساً بالعام السابق. وتجدر الإشارة إلى أن العقود المُبرمة على الأدب العربي تشمل في حالات كثيرة الحقوق العالمية لا الحقوق الفرنسية وحدها، مما يفتح آفاق الانتشار لتتجاوز الحدود الأوروبية.

وتُعدّ «جائزة الأدب العربي»، التي انطلقت عام 2013 بتعاون بين مؤسسة جان لوك لاغارديير ومعهد العالم العربي في باريس، مرجعاً أساسياً لقياس حضور الأدب العربي في سوق النشر الفرنسي. وقد تجلّى هذا الحضور في دورة عام 2025 عبر تنوع غير مسبوق شمل ثمانية أعمال لكتّاب من سبع دول عربية أصدرتها دور نشر فرنسية كبرى. كما شهدت هذه الدورة خطوةً لافتة بإنشاء منحة مالية مخصصة للمترجمين، ولم يكن هذا الزخم النشري ليكتمل في غياب جيل جديد من المترجمين ورثوا شعلة أسلافهم وأضافوا إليها. فإلى جانب ستيفاني دوجول الذي يُترجم منذ ثلاثة عقود أعمال حنان الشيخ وعدانية شبلي ومصطفى خليفة، ثمة لطفي نية المتخصص في الأدب الجزائري والمغاربي العامل مع «غاليمار» ومجموعة «خمسة»، وصواد لبّيزة التي ترجمت رواية أميرة غنيم فنالت بذلك جائزة ابن خلدون - سنغور للترجمة عام 2024، وهي جائزة مشتركة تمنحها المنظمةُ الدولية للفرنكفونية والمنظمةُ العربية للتربية والثقافة والعلوم (ألكسو)، وسارة رولفو التي تُترجم النثر الليبي.

بيد أن المشهد لا يخلو من نقاط ظل تستوجب التأمل النقدي؛ فرغم هذا الزخم التراكمي، تظلّ مكانة الأدب العربي في المنظومة النشرية الفرنسية هشّةً في بعض مفاصلها. فعدد الترجمات السنوية يبقى محدوداً قياساً بضخامة الإنتاج الأدبي العربي. وقد أفاد مردم بيه بأن مبيعات نجيب محفوظ (الكاتب العربي الأكثر قراءة في فرنسا) تراجعت من عشرة آلاف نسخة إلى نحو ألف وخمسمائة في غضون عقود، عاكسةً تراجعاً أعمق في انفتاح القارئ الفرنسي على الآداب الأجنبية المترجمة. يُضاف إلى ذلك أن الأسماء العربية المألوفة في هذا المشهد لم تتجدد كثيراً خلال العقود الماضية، مما يُضيّق النافذة أمام التجديد والتنوع الجغرافي والأسلوبي.

ويُلاحَظ كذلك أن الكاتب العربي لا يصل إلى دور النشر الكبرى في الغالب إلا عبر بوابة الجائزة الدولية أو الصدى الإعلامي خارج فرنسا، مما يعني أن الاعتراف لا ينبثق دائماً من قراءة مباشرة، بل كثيراً ما يتغذّى من سلطة الصدى الخارجي. ويظلّ الفخّ الأخطر هو الفخّ الاستشراقي المتجدّد: فالنص العربي الذي يتناول الحرب أو الديكتاتورية أو المرأة المقهورة أو أزمة الهوية يجد طريقه إلى دور النشر الفرنسية أسهل بكثير مما يجده النص المنصرف إلى أسئلة جمالية بحتة أو جدل فلسفي داخلي. وهو ما يعني أن ثمة مِصفاةً خفيّة تصوغ ملامح الأدب العربي المقبول في الفضاء الفرنسي، فتُعيد في نهاية المطاف إنتاجَ توقعات المتلقي عوضاً عن تحريرها.

وفي مواجهة هذه الإشكالية، تبقى باريس رمزاً للتكريس الأدبي بامتياز: فالنشر في فرنسا يمنح الكاتب العربي رأسمال رمزياً يتجاوز حدود اللغة؛ إذ كثيراً ما فتح الانتشار الأوروبي أبواب الترجمة في لغات أخرى، وأمدّ مسيرات مهنية كانت ستظلّ محلية لولا ذلك. غير أن هذه المعادلة تخفي وراءها سُلَّم قيم ضمنياً: يُقيَّم النص العربي في نهاية المطاف بمقدار ما يستهوي القارئ الفرنسي ويلبّي فضوله، أكثر مما يُنصَت فيه إلى ما يقوله عن نفسه وعن قارئه الطبيعي.


ثورة مبكرة في صناعة النشر

ثورة مبكرة في صناعة النشر
TT

ثورة مبكرة في صناعة النشر

ثورة مبكرة في صناعة النشر

في القرن التاسع عشر، تدفقت صوب مصر موجات من الهجرة السورية ضمت رواداً أوائل في مجالات المسرح والفنون والطباعة والنشر، ومنهم أحمد مصطفى البابي الحلبي الذي وُلد في أزقة قرية الباب بريف «حلب» 1816 ثم هاجر إلى القاهرة ليشبع شغفه في مجال الطباعة ونشر الكتب وتتحول مطبعته إلى واحدة من أشهر وجهات التراث العربي في الفترة من عام 1859 حتى 1960.

هذا ما يكشف عنه الباحث أشرف مؤنس في كتابه «مطبعة البابي الحلبي – ودورها في حركة الطباعة والنشر في مصر والعالم العربي»، الصادر عن الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة، مشيراً إلى أن المطبعة استهدفت في البداية خدمة الأزهر الشريف وطلابه من خلال نشر كتب الفقه والتفسير والحديث واللغة مع الحرص على دقة النصوص وجودة الإخراج الفني، لكنها توسعت فيما بعد لتشمل كنوز التراث في الشعر والأدب.

ولا يقتصر تميز مطبعة الحلبي على بعدها الطباعي، بل يمتد إلى إدارتها العائلية المتوارثة وسياستها التجارية الرشيدة التي ضمنت لها الاستمرار والانتشار داخل مصر وخارجها حيث يمثل أحمد مصطفى البابي الحلبي، مؤسس هذه النهضة العائلية، أنموذجاً للرجل العصامي الذي جمع بين الوعي الثقافي وروح الريادة الاقتصادية فأسس تقليداً أسرياً ظل فاعلاً لأكثر من قرن كامل.

انتقل الحلبي إلى مصر في أوائل عقد الخمسينيات من القرن التاسع عشر ضمن موجة الهجرة العلمية والتجارية إلى القاهرة حيث كان لمصر جاذبية اقتصادية وثقافية كبرى، واستقر في حي «الجمالية» قرب الجامع الأزهر، وكان مركزاً للحياة الدينية والفكرية والتجارية.

ومن خلال متابعته الواعية لمجريات الحياة آنذاك سرعان ما أدرك الحلبي مبكراً حاجة طلاب الأزهر والعلماء إلى كتب مطبوعة بدلاً من الاعتماد على المخطوطات القديمة، حبيسة الخزائن، كما تأثر بأفكار رواد النهضة الفكرية المصرية آنذاك؛ مثل رفاعة الطهطاوي (1801-1873) وعلي باشا مبارك (1823-1893) وجمال الدين الأفغاني (1838-1897) ومحمد عبده (1849-1905).

وبفضل خبراته واتصالاته مع العلماء والأدباء، أسّس مطبعته الخاصة التي عُرفت في البداية باسم «المطبعة الميمنية» قبل أن يتغير اسمها لاحقاً إلى «مطبعة الحلبي» لتكون واحدة من أوائل المطابع الأهلية في مصر، واعتمدت أسلوب الطباعة بالحروف العربية، محلية الصنع، ما أضفى طابعاً خاصاً على مطبوعاتها، تميز بصرامة في التدقيق والمراجعة وقلة الأخطاء المطبعية، مع جمال الإخراج الفني.

بعد وفاة المؤسس أحمد الحلبي في عام 1898 عن عمر ناهز 82 عاماً، تولى أبناء إخوته إدارة المطبعة حيث لم ينجب أحمد أبناء من صُلبه؛ ولذا استدعى أبناء إخوته الذكور من بلدته «الباب»، ومنهم مصطفى وعيسى وبكري ليشاركوه في إدارة المطبعة.

تحولت المطبعة من نشاط فردي إلى مؤسسة عائلية لها امتداد تجاري وثقافي، وتوسع الإنتاج ليشمل كتب التراث الإسلامي والمعاجم والمراجع الجامعية، فضلاً عن طباعة رسائل أكاديمية، كما غدت مرجعاً للطلاب والباحثين في العالم العربي واشتهرت بطباعتها المتقنة للكتب التراثية.

شهدت الأربعينيات وبداية الخمسينيات ذروة نشاط المطبعة؛ فقد بلغ حجم الإنتاج السنوي للمطبعة نحو 7.5 مليون نسخة، ونشرت أكثر من 440 كتاباً بين عامي 1900 و1949، ما جعلها رائدة في نشر كتب التراث الإسلامي عالمياً؛ حيث أصبحت من أكبر دور النشر في الشرق الأوسط.

اعتمدت المطبعة نهجاً ريادياً في توظيف التقنيات الطباعية المتقدمة وتطوير الخطوط العربية، مما أضفى على إصداراتها هوية بصرية متفردة عُرفت بـ«طبعة الحلبي»، امتازت بدقة التنفيذ وسلامة المتون. وإلى جانب ثقلها المعرفي، شكلت المطبعة ركيزة اقتصادية مهمة؛ إذ أصبح «حي الحسين» بسببها وجهة عالمية لصناعة النشر، ومقصداً رئيساً للوراقين وطلاب الأزهر والمستشرقين من شتى البقاع.

اللافت أيضاً أن المطبعة مثلت جسراً حضارياً يربط عراقة التراث بمتطلبات الحداثة؛ حيث ساهمت بفاعلية في النهضة الثقافية عبر رفد الجامعات بالمادة العلمية الرصينة. وعلى مدار عقود، ظلت مطبوعاتها المرجع الأوثق للباحثين في العلوم الشرعية واللغوية، ما رسخ مكانتها كحارس للذاكرة العربية.

تصدرت «أمهات الكتب» قائمة منشوراتها، لا سيما في علوم التفسير والقرآن، مثل «تفسير الطبري» و«القرطبي» اللذين ظهرا في طبعات فاخرة ومنقحة. كما أولت عناية فائقة بالسنة النبوية، فأخرجت «فتح الباري» وشروح «صحيح مسلم»، فضلاً عن المراجع الفقهية الكبرى التي غطت أصول المذاهب الأربعة وفروعها بدقة متناهية.

ولم تقتصر رسالتها على العلوم الدينية، بل شملت كنوز الأدب مثل «لسان العرب» و«الأغاني»، ودواوين فحول الشعراء كالمتنبي وشوقي. وفي حقل التاريخ والسير، برزت طبعاتها لكتابي «تاريخ الأمم والملوك» و«البداية والنهاية»، لتكرس بذلك حضوراً لافتاً في المكتبة العربية.


تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية

تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية
TT

تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية

تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية

يستعرض كتاب «الأدب الصيني بالعربية - الترجمة والتلقي والانتشار» للشاعر والكاتب علي عطا، الصادر عن دار «بيت الحكمة» بالقاهرة، أبرز خصائص الأدب الصيني الحديث التي تؤهله للانتشار العالمي، مع التركيز على المعوقات التي تعترض نقله إلى اللغة العربية، عبر اللغة الصينية الأصلية، وليس عبر لغات وسيطة، في وقت يشهد تصاعداً في التواصل بين بكين والعواصم العربية على المستويات الثقافية والاقتصادية والسياسية.

ويندرج الكتاب ضمن حقل «دراسات الترجمة»، التي تعاني من الندرة بالمكتبة العربية؛ إذ يسلط الضوء على مسار ترجمة الإبداع الصيني للغة الضاد، لا سيما الأعمال التي تعد من «الروائع العالمية»، وتحديداً المنتمية لمدرسة «البحث عن الجذور»، التي يعد مو مويان من أهم أقطابها، بهدف التعرف على الروح الصينية الحقيقية، والابتعاد عن الصورة السطحية النمطية التي تختصر حضارة «بلاد التنين الأحمر» في شعب غريب الأطوار يأكل الحشرات، أو مجرد البراعة في الرياضات القتالية، كما في أفلام بروس لي ورياضة «الكاراتيه» التي صدّرتها هوليوود للعالم.

ويرى المؤلف أن الهدف السينمائي هنا يتمثل في تشويه الانطباع حول بلد يرى الغرب مصلحته في تسطيح صورته الذهنية، مع حصد أرباح مادية بالتأكيد، ومن هنا تبرز ضرورة الانفتاح عبر الترجمة على الأدب الصيني المعاصر، للمساهمة في تقويم تلك المفاهيم الضحلة.

ويشدد علي عطا على ضرورة إدراج دراسات الترجمة بمناهج اللغة الصينية في الأكاديميات العربية، مع ملاحظة صدور مؤلفات عديدة حول الأدب الصيني في القرن العشرين مترجمةً للعربية، مقابل غياب تام لترجمات تخص أدب الربع الأول من القرن الحالي. ويسري ذلك النقص على نقد الأعمال الصينية المترجمة، فلا يتوفر كتاب بحثي يحللها نقدياً ضمن سياق الترجمة أو الأدب المقارن، رغم ما تعرِض مقدمات المترجمين لهذا الجانب أحياناً.

ويشيد المؤلف في هذا السياق ببحث قدمته دكتورة دينا بيومي بعنوان «المهمشون في الرواية الصينية والرواية المصرية المعاصرة»، وقد وازنت من خلاله بين رواية «مذكرات بائع الدماء» للصيني يوهوا، ورواية «شكاوى المصري الفصيح» للكاتب المصري يوسف القعيد، والتي خلصت فيها إلى أن النصين يشكلان مادة ثرية لبيان حجم مكابدة هذه الفئات داخل الوسطين: الصيني والمصري؛ إذ برع الأديبان في تجسيد واقع شعوبهما الموجع والمضني في الخمسينات والستينات بالنسبة للجانب الصيني، والسبعينات بالنسبة للجانب المصري.

وترصد دراسات أكاديمية عربية تصاعد الشغف بالنقل عن الصينية للعربية بالأعوام الأخيرة، مع بروز كوادر متخصصة وظهور مؤسسات نشر مهتمة بهذا الحقل، إلا أنه رغم ذلك، لا تزال هناك عقبات تخص ندرة الكوادر المحترفة، وهو ما يبرز الحاجة الشديدة لمزيد من المساندة الجامعية للتعريب من الصينية للعربية، إما عبر تقديم مسارات تدريبية احترافية، وإما عبر مساندة دور النشر والمبادرات الاستقصائية.

في المقابل، يلاحظ باحثون صينيون أنه رغم النجاحات، تواجه الصين والعرب تحديات في الترجمة والنشر؛ منها نمطية الكتب المترجمة وتذبذب جودتها وضعف انتشارها السوقي، فرغم التوجه العربي العام نحو الصين، يظل شغف الشباب العرب بالثقافتين اليابانية والكورية أكبر.

كما يفتقر الشباب الصيني للمعرفة بالمنطقة العربية مقارنة بالثقافة الغربية، ما يعكس قصوراً في النشر بالجانبين. ولتجاوز ذلك، يقترح هؤلاء الباحثون تنويع موضوعات الترجمة، وتكثيف جهود التسويق والتوزيع، مع ضرورة استقطاب القراء من مختلف المجالات للاهتمام بالإبداعات الثقافية المتميزة لتعزيز تأثيرها وجاذبيتها.