صراعات اجتماعية بمضامين ومستويات مختلفة

صراعات اجتماعية بمضامين ومستويات مختلفة

مسرحية «غرافيليا» لماجد الخطيب
الأربعاء - 24 صفر 1441 هـ - 23 أكتوبر 2019 مـ رقم العدد [ 14939]
برلين: كاظم الحبيب
خلال العقدين المنصرمين، صدر للإعلامي والكاتب المسرحي العراقي ماجد الخطيب، عدد من المسرحيات الجادة والملتزمة بالدفاع عن الحريات العامة والديمقراطية وحقوق الإنسان، وكشف نواقص مجتمعاتنا في الدول العربية، ونضالها ضد الأمية وعمليات التجهيل واستخدام الدين لأغراض غير إنسانية. وأكثر مسرحياته يمس واقع العراق، وما مرّ به خلال العقود الأخيرة، إضافة إلى ملامسة ذكية للاتجاهات السياسية والاجتماعية والثقافية الفاعلة والمؤثرة فيه.
وتتسم بعض مسرحيات الخطيب بالمباشرة، وبعضها الآخر يعمد إلى معالجات رمزية تساعد القراء والقارئات على التصور والتفكير والتحليل والتفسير. وآخر مسرحياته التي صدرت خريف هذا العام 2019 عن «مطبعة صناعة الإشهار»، هي مسرحية «غرافيليا»، التي تدور أحداثها في بلد مغاربي، لكنها تنطبق على واقع معظم البلدان العربية، منها العراق.
تتكون المسرحية من سبعة مشاهد مكثفة تدور بين الفنان التشكيلي، معلم الرسم، أميرو، من جهة، وبين الشخصية النموذجية التي تتبنى زوراً وبهتاناً، وفق مصالحها، التقاليد الدينية والاجتماعية البالية والمشوهة والمزيفة، إنه المعلم في مدرسة المعوقين المسماة «طيور الجنة»؛ حيث يفرض على مديرة المدرسة المسنة ثلاثة شروط لاستمرار تمويل المدرسة غربياً، وإغلاقها من جانب الحكومة، أن تفصل البنات عن الولد، وهم أطفال، أو تلغى دروس الفنون، لا سيما الرسم والموسيقى، وأن تنهي عقد معلم الرسم في هذه المدرسة، رغم الأهمية الفائقة لدراسي الرسم والموسيقى للأطفال المقعدين. ويتحقق ذلك فعلاً في بلد يعيش تحت وطأة وتأثير قوى الإسلام السياسي والتكفيري.
ثم يصطدم الفنان التشكيلي في مجرى حياته اليومية بمنغصات كثيرة، منها ما تبرّزه المسرحية، وهي تلك العلاقة المختلة بين الفنان التشكيلي وحبه للموسيقى وصاحب الدار، حيث يسكن في شقة لديه، الذي يدعي بوقاحة أن سماع الموسيقى من جاره يفسد عليه صلاته، كما تظهر الشياطين أمام زوجته عند سماعها الموسيقى فتصاب بالغثيان، حتى أنه جلب الشرطة لمنعه من الاستماع للموسيقى أثناء رسمه للوحاته.
من خلال ذلك، تعرض المسرحية في مشاهدها السبعة لصراعات تدور في المجتمع، وبمضامين، ومستويات مختلفة، منها صراع بين الفنان الشاب ومديرة المدرسة ذات السبعين عاماً، وآخر بين الفنان ومجموعة من الدجالين وباعة اللوحات الفنية، الذين لا يفقهون من الفن شيئاً، إنهم غرباء عن كل الفنون، وربما أعداء لها، لولا ارتباطها برزقهم اليومي، وثالث بين مالك الدار الذي يسكن في إحدى الشقق الفنان التشكيلي المستأجر والمحب للموسيقى في الموقف من الاستماع للموسيقى.
ثم تبرز المسرحية واقع التمايز بين هواة وباعة اللوحات الأوروبيين، الذين لا ينسون الربح، ولكنهم يفهمون في الفن التشكيلي، ويقدرون الأعمال الفنية، ويحققون ربحاً مجزياً لهم وللفنانين، وبين المهرجين من باعة اللوحات التشيلية في بلداننا.
ويمكن القول عن حوارات المسرحية، إنها خيالية تقترب من واقع الحياة، كما في حوارات الفنان التشكيلي العربي في خلوته أو في أحلامه مع فنانين كبار غادروا هذا العالم، وتركوا للعالم آثاراً رائعة، إلا أنهم في الوقت ذاته مرَّوا بتجارب مريرة ومتنوعة يحاول الكاتب تصويرها لنا، إضافة إلى الشكوى المرة التي يتحدث بها الفنان إلى جمهوره في المسرح، إنها هموم قاسية ومريرة يعاني منها كل الفنانين والفنانات في مجتمعاتنا العربية.
فحواره مع فان غوخ وبيكاسو، أو مع مايكل أنجلو، أو حوارهما النفسي مع الشاعرة وكاتبة القصة والرواية الأميركية سيلفيا بلات المكتئبة دوماً وماتت منتحرة. إنها مناجاة الفنان التشكيلي أميرو مع هؤلاء الفنانين الكبار وشكواه المرَّة التي تجسد معاناته ووضعه النفسي والعصبي، وهي معاناة كل المبدعين الحقيقيين للفنون في بلداننا المكتئبة والحزينة، أو الباكية كثيراً لما تعاني منه في حياتها اليومية.
ومن خلال هذه الحوارات، تطرح المسرحية مشكلة يعاني منها قسم من شعوب الدول العربية، وهي مشكلة الموقف من الفنون عموماً، ومنها الفن التشكيلي والنحت، وهو موقف قوى الإسلام السياسي المتطرفة في ادعائها بأن الإسلام يرفض الفنون جملةً وتفصيلاً، متجاهلة أن الفنون رافقت الإنسان منذ وجوده على الأرض، وأن الطبيعة هي أم الفنون.
والجميل أن ترافق النص المسرحي مجموعة قيمة من اللوحات التشكيلية للفنان المراكشي - البغدادي طه سبع، التي تعبر بصدق عن جملة من إشكاليات الإنسان في الدول العربية، المبتلاة بعلاقات اجتماعية تعيد إنتاج نفسها، لأن علاقات الإنتاج فيها لم تتغير منذ مئات السنين، فظلت مفاهيم القرون الوسطى البالية معشعشة في عقول الكثير.
وتحمل اللوحات عناوين روايات وكتب عالمية مشهورة تبدأ بـ«يوميات عبقري» لسلفادور دالي في الغلاف، و«أولاد حارتنا» لنجيب محفوظ، وتنتهي بـ«الخبز الحافي» لمحمد شكري و«الشيخ والبحر» لأرنست همنغواي.
العراق أخبار العراق

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة