الحراك اللبناني: العنف وجه الإفلاس السياسي

TT

الحراك اللبناني: العنف وجه الإفلاس السياسي

في نهاية اليوم الثاني من الاحتجاجات على تصاعد فقر اللبنانيين، وسط فساد وعجز السلطة عن الخروج بأي إصلاح أو تحسين للظروف المعيشية المزرية، أطلقت أجهزة الدولة جنودها وشرطتها لقمع المتظاهرين، بذريعة ارتكاب هؤلاء لأعمال شغب أضرت بالممتلكات العامة والخاصة. جاءت الحملة الأمنية التي أسفرت عن اعتقال العشرات من الشبان، بعد ضربهم ضرباً مبرحاً في الشوارع، على أثر كلمتين نقلتهما وسائل الإعلام لكل من رئيس «التيار الوطني الحر» وزير الخارجية جبران باسيل الذي يترأس أكبر كتلة برلمانية، ورئيس مجلس الوزراء زعيم «تيار المستقبل» سعد الحريري. الكلمتان كانتا مخيبتين لآمال عشرات الآلاف من الشبان الذين احتشدوا في ساحات العاصمة والمدن اللبنانية كافة، وقطع بعضهم الطرقات. تنصل باسيل والحريري في كلمتيهما من أي مسؤولية عما آلت إليه الأوضاع في المجالين الاقتصادي والاجتماعي، وألقيا بها على عاتق خصوم مجهولين، على الرغم من أن المتحدثين يمتلكان سلطات وصلاحيات واسعة بفعل القانون، وبأثر من الدور الشخصي لكل منهما.
الكلمتان كانتا تبريريتين، أعاد فيهما رئيس الحكومة ووزير الخارجية (الذي يؤدي كثيراً من المهمات التي تجعله رئيس الظل في البلاد) تكرار الحجج التي تحاول تبرير الفشل المزمن في تحقيق أي إصلاح ذي مردود على الشرائح الأعرض من اللبنانيين، والتباكي على وضع ميؤوس من علاجه، ساهما مع غيرهما في إنتاجه والاستفادة منه وتكريسه.
الحملة القمعية والكلمتان المجوفتان أشعرتا قوى السلطة بالفوز على حراك الشارع، ما حمل واحداً من أكثر نواب «التيار الوطني الحر» عنصرية وفوقية على نشر صورة يخته، والإعلان أنه مسافر في إجازة بعدما انتهى «الشغب». ويتطابق هذا التصرف مع حقيقة الاحتقار العميق الذي تكنه المجموعة السياسية الحاكمة لعموم المواطنين، ولما يعانون من شظف العيش، وانعدام الحد الأدنى من الخدمات الضرورية، وتغول تحالف الأجهزة الأمنية والميليشيات الطائفية المسلحة والمصارف. الكلمة الأهم، بطبيعة الحال، كانت للأمين العام لـ«حزب الله» حسن نصر الله، صباح السبت، بعد ساعات على حملة الاعتقالات الرسمية، وعلى نزول مسلحي الميليشيات الحاكمة في جنوب لبنان، لترهيب المعترضين على استيلاء «حزب الله» وحركة «أمل» على كل نواحي الحياة العامة، وعلى العبء الذي يمثله هذا الثنائي على الدورة الاقتصادية، وعلى مستوى معيشة المواطنين استطراداً. قدم نصر الله نفسه في كلمته على أنه المدافع الأول عن النظام، بمعناه الطائفي المؤسسي، محذراً من محاولة الإطاحة بعهد حليفه ميشال عون في الشارع، بما يشبه التهديد الصريح باللجوء إلى العنف، إذا سولت نفوس المواطنين لهم التمادي في تحدي السلطة التي يدعمها، والتي باتت والحزب متداخلتي المصالح والأهواء.
ويمكن القول إن الكلمات الثلاث التي ألقيت في أقل من أربع وعشرين ساعة ركزت على أمر رئيس: ستبقى الحكومة الحالية لأنها الوحيدة التي يقبل بها «الحاكم الفعلي»، وهذا مصطلح تراد به الإشارة إلى حسن نصر الله، إضافة إلى القضاء على حلم فرض التغيير السياسي من خلال التحرك الشعبي في الشارع. صحيح أن الحراك الشعبي لم يصغ أفكاراً وخطاباً تتخطى الاحتجاج على الوضع الراهن، ورفضه وتحديه، لكن الأصح أن كلمات المسؤولين، ومن بينهم «الحاكم الفعلي»، لم تشر إلى طريق للخروج من المأزق البنيوي الذي يراوح لبنان فيه منذ أكثر من عشر سنوات، والذي تصاعدت حدته مع تراجع واردته المالية، وانخراط بعض الجهات فيه في محاولة مكلفة لتخفيف وطأة العقوبات الدولية المفروضة على نظام بشار الأسد. في المقابل، لا معنى لمطالبة الشارع بتقديم الحلول إلى سلطة تعد نفسها شرعية منتخبة ديمقراطياً، في الوقت الذي يفترض بالسلطة هذه أن تقدم هي الحلول لكل ما يطرأ أو ما ترثه من مشكلات، ما دامت ارتضت أن تكون في هذا الموقع. هذا في بداهات العمل السياسي في بلد يسمي نفسه برلمانياً ديمقراطياً.
لكن الواقع شيء آخر. فالانتخابات لا تعني في لبنان بالضرورة سلامة العملية الديمقراطية، بقدر ما تشير إلى التفاهمات الفوقية بين أطراف السلطة، في الوقت الذي يبقى فيه هامش واسع لمن يمتلك القدرة على استخدام العنف أو التلويح به. بكلمات ثانية، لا يملك الذين احتجوا ونزلوا إلى شوارع المدن والبلدات اللبنانية صوتاً لهم في بنية الحكم اللبناني الذي يتصرف وكأنه قوة احتلال تفرض رأيها استناداً إلى شرعية انتخابية لم تزد نسبة المشاركين فيها عن 48 في المائة من الناخبين. لكن «الشرعية» هذه تمتلك العنف بوجهيه الحكومي - الرسمي، والأهلي «المقاوم». وسيكون هذا العنف هو الفيصل في الحفاظ على سلطة مأزومة تقضم ما تبقى من حيوات اللبنانيين. وبذلك، يكون العنف الذي مارسته القوى الأمنية التابعة للدولة وعناصر الميليشيات الرد الوحيد المتوفر حالياً، بصفته الوجه الآخر للإفلاس السياسي الرهيب.



إسرائيل تعلن عزمها السيطرة على «منطقة أمنية» في جنوب لبنان حتى الليطاني

وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس (أ.ب)
وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس (أ.ب)
TT

إسرائيل تعلن عزمها السيطرة على «منطقة أمنية» في جنوب لبنان حتى الليطاني

وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس (أ.ب)
وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس (أ.ب)

أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس الثلاثاء، أن قواته ستسيطر على «منطقة أمنية» في جنوب لبنان تمتد حتى نهر الليطاني.

وقال أثناء زيارة إلى مركز للقيادة العسكرية في إسرائيل «جميع الجسور الخمسة فوق الليطاني التي استخدمها حزب الله لعبور الإرهابيين والأسلحة تم تفجيرها وسيسيطر جيش الدفاع الإسرائيلي على باقي الجسور والمنطقة الأمنية الممتدة حتى الليطاني»، وفق ما نقلته وكالة الصحافة الفرنسية.

وتمتد هذه المنطقة على ثلاثين كيلومترا عن الحدود الإسرائيلية.
وأضاف كاتس أن السكان الذين نزحوا «لن يعودوا إلى جنوب نهر الليطاني قبل ضمان أمن سكان شمال» إسرائيل.

واستهدف الجيش الإسرائيلي، الأحد، جسر القاسمية عند الطريق الساحلي جنوب لبنان، بعد تهديدات علنية بقصفه، في تصعيد مباشر يطول أحد أبرز الشرايين الحيوية التي تربط جنوب الليطاني بمدينة صور، بالتوازي مع إعلان إسرائيل توسيع الاستهداف ليشمل البنى التحتية والسكنية في الجنوب.

وقال كاتس، السبت الماضي، إنّه «ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أصدرا تعليمات للجيش بتسريع هدم منازل اللبنانيين في قرى خط المواجهة لإنهاء التهديدات التي تواجه المناطق الإسرائيلية»، وإنه سيتم تدمير جميع الجسور فوق نهر الليطاني.


كردستان العراق يتهم إيران بشن هجومين أسفرا عن مقتل 6 من البشمركة

مقاتلات من البيشمركة الكردية في بلدة كوي قضاء أربيل (أرشيفية- أ.ف.ب)
مقاتلات من البيشمركة الكردية في بلدة كوي قضاء أربيل (أرشيفية- أ.ف.ب)
TT

كردستان العراق يتهم إيران بشن هجومين أسفرا عن مقتل 6 من البشمركة

مقاتلات من البيشمركة الكردية في بلدة كوي قضاء أربيل (أرشيفية- أ.ف.ب)
مقاتلات من البيشمركة الكردية في بلدة كوي قضاء أربيل (أرشيفية- أ.ف.ب)

اتهمت وزارة البشمركة في حكومة إقليم كردستان العراق صباح اليوم (الثلاثاء) إيران بتنفيذ هجوم على قوات البشمركة بـ«ستة صواريخ باليستية» خلّف ستة قتلى.

وأوردت الوزارة في بيان «في فجر اليوم وفي هجومين منفصلين، تعرّض مقر اللواء السابع مشاة في المحور الأول، وقوة من اللواء الخامس مشاة التابع لقوات البشمركة على حدود سوران (في محافظة أربيل)، لعمل عدائي غادر وخائن وبعيد عن كل القيم الإنسانية ومبادئ حسن الجوار، حيث استهدفتهما ستة صواريخ بالستية إيرانية»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأسفر الهجوم عن «استشهاد ستة من أبطال البشمركة وإصابة 30 آخرين»، بحسب البيان.


الحوثيون يفرضون تبرعات في ريف صنعاء لدعم جبهاتهم

الحوثيون أجبروا مزارعين في ريف صنعاء على دعم الجبهات (فيسبوك)
الحوثيون أجبروا مزارعين في ريف صنعاء على دعم الجبهات (فيسبوك)
TT

الحوثيون يفرضون تبرعات في ريف صنعاء لدعم جبهاتهم

الحوثيون أجبروا مزارعين في ريف صنعاء على دعم الجبهات (فيسبوك)
الحوثيون أجبروا مزارعين في ريف صنعاء على دعم الجبهات (فيسبوك)

فرضت الجماعة الحوثية ضغوطاً على السكان في محافظة ريف صنعاء، لإجبارهم على تقديم تبرعات نقدية وعينية ومحاصيل زراعية لصالح مقاتليها في الجبهات، في ظل أوضاع إنسانية قاسية يكابدها السكان، وفق ما أفادت به مصادر محلية لـ«الشرق الأوسط».

وتؤكد هذه التطورات اتساع نطاق الممارسات التي تُصنَّف ضمن أدوات «اقتصاد الحرب»؛ إذ تعتمد الجماعة الانقلابية في اليمن على تعبئة الموارد المحلية لتعويض تراجع مصادر التمويل التقليدية، ما يفاقم الأعباء على السكان في بيئة تعاني أصلاً من هشاشة اقتصادية حادة.

ووفق المصادر، كثّفت الجماعة خلال الأيام الأخيرة من النزول الميداني لمشرفيها إلى قرى وعزل في 12 مديرية بمحافظة ريف صنعاء، من بينها همدان، وسنحان، وأرحب، والحصن، وحجانة، وبني حشيش، والحيمتين، وبني مطر، ومناخة، وصعفان، وخولان، لفرض ما تسميه «التبرعات الطوعية» تحت لافتة تسيير «قوافل عيدية» للجبهات.

الجماعة الحوثية أرغمت مزارعين وسكاناً على التبرع للمجهود الحربي (إكس)

ويقول سكان إن هذه التبرعات تُفرض فعلياً بالقوة، ودون مراعاة للظروف المعيشية المتدهورة؛ إذ يُطلب من الأهالي تقديم مساهمات نقدية وعينية بشكل متكرر، بالتزامن مع حملات مشابهة في الأحياء والمؤسسات الخاضعة للجماعة في العاصمة المختطفة.

وتشمل هذه الحملات إلزام السكان بالمشاركة في تجهيز قوافل غذائية، إلى جانب جمع تبرعات مالية تحت أسماء متعددة، مثل «المجهود الحربي» و«إسناد المقاتلين»، فضلاً عن رسوم إضافية تُفرض لتغطية تكاليف النقل والتجهيز.

استنزاف مصادر الدخل

في موازاة ذلك، طالت الجبايات القطاع الزراعي؛ إذ أُجبر عشرات المزارعين في مناطق «طوق صنعاء» على تقديم جزء من محاصيلهم، بما في ذلك الفواكه والخضراوات، وأحياناً المواشي، ضمن القوافل التي تُرسل إلى الجبهات.

ويحذر مزارعون من أن هذه الإجراءات تُلحق أضراراً مباشرة بإنتاجهم؛ إذ تؤدي إلى تقليص العائدات وتُضعف قدرتهم على تغطية تكاليف الزراعة، ما يهدد استمرارية نشاطهم في المدى المتوسط.

ويقول أحد المزارعين في مديرية بني حشيش: «أجبرونا هذا الموسم على تسليم جزء كبير من محصول الزبيب بحجة دعم الجبهات، ولم نحصل على أي مقابل. خسرنا جهد موسم كامل، ولم يتبقَّ ما نعيل به أسرنا».

أهالي الحيمة في ريف صنعاء الغربي أُجبروا على تقديم التبرعات النقدية (إكس)

كما يوضح أحد السكان من مديرية همدان، يُشار إليه باسم «مصلح»، أن مشرفين حوثيين فرضوا على الأسر مبالغ مالية تتراوح بين 10 آلاف و50 ألف ريال يمني (الدولار بنحو 530 ريالاً يمنياً) تحت أسماء مختلفة. ويضيف: «في حال عدم الدفع، نتعرض للمضايقات أو الاستدعاء، ما يجعل الأمر مرهقاً للغاية».

وفي مديرية بني مطر، يشير مزارعون إلى أن الإتاوات شملت أيضاً محاصيل أساسية مثل البطاطس والخضراوات، إضافة إلى فرض المساهمة في تكاليف نقلها، رغم ارتفاع تكاليف الإنتاج وتراجع العائدات.

أعباء متفاقمة

تعكس هذه الشهادات حجم الضغوط التي يواجهها السكان في محافظة صنعاء، حيث تتقاطع الأزمات الاقتصادية مع الممارسات المفروضة، لتشكّل عبئاً متزايداً على الحياة اليومية لمختلف الفئات.

ولا تقتصر تداعيات هذه الجبايات على المزارعين؛ إذ تمتد إلى الموظفين الذين يعانون من انقطاع الرواتب، والتجار الذين يواجهون ركوداً في الأسواق، فضلاً عن الأسر التي تكافح لتأمين الاحتياجات الأساسية في ظل ارتفاع الأسعار وتدهور القدرة الشرائية.

وتأتي هذه الضغوط الحوثية في وقت يعاني فيه ملايين اليمنيين من موجات تضخم حادة وارتفاع مستمر في أسعار المواد الغذائية، ما يجعل أي التزامات مالية إضافية عبئاً يصعب تحمّله.

جانب من «قافلة عيدية» للمقاتلين قدمها القطاع الصحي الخاضع للحوثيين (إعلام حوثي)

ويرى مراقبون أن تصاعد هذه الممارسات يعكس اعتماد الجماعة الحوثية المتزايد على «اقتصاد الحرب»، الذي يقوم على تعبئة الموارد المحلية لتمويل العمليات العسكرية، بالتوازي مع تراجع الإيرادات الأخرى.

ويحذر هؤلاء من أن استمرار هذا النهج قد يؤدي إلى مزيد من التدهور الاقتصادي والاجتماعي، ويقوّض فرص التعافي في المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة، خصوصاً في الأرياف التي تعاني أساساً من ضعف البنية الاقتصادية نتيجة سنوات الصراع.