مجلس العموم يعيد كرة «بريكست» إلى خانة عدم اليقين ويصوّت على تأجيله

جونسون يرفض الالتزام ويتمسك بموقفه للخروج في نهاية الشهر

البرلمان عند إعلان التصويت على التأجيل (رويترز)
البرلمان عند إعلان التصويت على التأجيل (رويترز)
TT

مجلس العموم يعيد كرة «بريكست» إلى خانة عدم اليقين ويصوّت على تأجيله

البرلمان عند إعلان التصويت على التأجيل (رويترز)
البرلمان عند إعلان التصويت على التأجيل (رويترز)

أمس، حذر رئيس المفوضية الأوروبية، جان كلود يونكر، من عدم تمرير اتفاق «بريكست» الذي توصلت إليه لندن وبروكسل، بعد أيام من المحادثات الماراثونية. وقال يونكر إن الأمر سيكون «معقداً جداً» لو فشل برلمان ويستمنستر في تمرير اتفاق خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي في نهاية الشهر الحالي. الجميع كان ينتظر بفارغ الصبر التصويت عليه، كما كان مقرراً يوم أمس (السبت). وبدأت القوى المعنية والمحللون التكهنات حول عدد الأصوات التي قد يحصل عليه الاتفاق من أجل تمريره. وأجمعت القوى والمحللون أن الأرقام ستكون متقاربة جداً. واتّجهت الأنظار إلى مجلس العموم، حيث التأم المجلس في جلسة تاريخية، هي الأولى التي تُعقد يوم سبت منذ حرب فوكلاند قبل 37 عاماً، للتصويت على الاتفاق الذي تمّ انتزاعه في اللحظة الأخيرة بعد مفاوضات شاقة بين لندن وبروكسل. لكن بدلاً من التصويت على الاتفاق أقرّ النواب تعديلاً يتيح لهم مزيداً من الوقت لمناقشة النصّ والتصويت عليه، من دون المخاطرة بحصول «(بريكست) من دون اتفاق».
في اللحظات الأخيرة، تقدم أحد الوزراء السابقين من حزب المحافظين الحاكم، الذي يتزعمه رئيس الوزراء بوريس جونسون، بتعديل تشريعي للتصويت عليه قبل التصويت الرئيسي حول الاتفاق. وقبل رئيس البرلمان بالاقتراح، مما سبب حالة من الفوضى في مجلس العموم. واقترح التعديل تأجيل التصويت على اتفاق «بريكست» لحين تصديق البرلمان على تشريع ضروري لتنفيذه. ويلزم تشريع آخر، أقره بالفعل معارضو جونسون من قبل، رئيس الوزراء، بطلب تأجيل موعد الانسحاب من الاتحاد الأوروبي، حتى 31 يناير (كانون الثاني)، إذا لم يتمكن من الحصول على تأييد لاتفاقه، لكن يظل بمقدور بريطانيا أن تنسحب بحلول الموعد النهائي المقرر حالياً في 31 أكتوبر (تشرين الأول) إذا تمكن البرلمان من تمرير كل التشريعات المطلوبة بحلول ذلك التاريخ.
ويرى جونسون أن الأمر قابل للتنفيذ بحلول 31 أكتوبر، بينما يرى آخرون أنه سيتطلب تأجيلاً «فنياً» قصيراً في موعد انسحاب البلاد من التكتل لتمرير ذلك التشريع.
وقال رئيس الوزراء البريطاني إنه لن يتفاوض على تأجيل آخر لانسحاب بلاده من الاتحاد الأوروبي، بعدما تم التصويت على التأجيل. وصوت البرلمان البريطاني بتأييد 322 عضواً مقابل رفض 306 أعضاء لصالح تعديل قدمه أوليفر ليتوين الوزير السابق الذي ينتمي لحزب المحافظين.
ووفقاً لتشريع تم إقراره في وقت سابق، تلزم نتيجة هذا التصويت جونسون بإرسال طلب للاتحاد الأوروبي لتأجيل موعد الخروج المقرر من التكتل، المحدد في 31 أكتوبر (تشرين الأول)، أي في نهاية هذا الشهر.
وبأغلبية وافق النواب على التعديل الذي قدّمه النائب أوليفر ليتوين، والذي ينصّ على أنّه في حال لم تتمّ المصادقة رسمياً على الاتفاق، فإنّ هذا الأمر يفعّل بشكل تلقائي قانوناً سبق أن أقرّه البرلمان، يلزم رئيس الوزراء بأن يطلب من الاتحاد الأوروبي تأجيل موعد «بريكست» ثلاثة أشهر.
لكن جونسون تعهّد مراراً بعدم القيام بذلك، وتمسّك بموقفه مجدداً، أمس (السبت)، بعد التصويت. وقال أمام البرلمان بعد التصويت: «لن أتفاوض على التأجيل مع الاتحاد الأوروبي، ولا القانون يلزمني بذلك»، معرباً عن أسفه لأن يكون التصويت التاريخي الذي كان متوقعاً على الاتفاق، أمس (السبت)، قد «أفرغ من مضمونه». وناشد جونسون الدول الـ27 الأعضاء في الاتّحاد عدم «الانجذاب» إلى التأجيل، علماً بأنّ أي إرجاء لـ«بريكست» لا يمكن أن يحصل من دون موافقة الاتّحاد.
وسارعت المفوضية الأوروبية إلى مطالبة الحكومة البريطانية بتوضيح «الخطوات المقبلة» الواجب اتخاذها بعد تصويت مجلس العموم.
وقالت المتحدثة باسم المفوضية مينا أندريفا إن بروكسل «أخذت علماً بالتصويت في مجلس العموم اليوم على تعديل يقضي بإرجاء التصويت على الاتفاق»، مضيفة: «على الحكومة البريطانية أن تبلغنا بالخطوات المقبلة في أسرع وقت».
بدورها اعتبرت الرئاسة الفرنسية أن «إرجاء إضافياً» لـ«بريكست»... «ليس في مصلحة أحد»، مشيرة إلى أنّه «تم التفاوض على اتفاق، يعود بناء عليه إلى البرلمان البريطاني أن يقول ما إذا كان يوافق عليه أو يرفضه. يجب إجراء تصويت واضح».
وتابع جونسون قائلاً: «سأقول لأصدقائنا وزملائنا في الاتحاد الأوروبي ما قلته بالضبط للجميع على مدى الثمانية والثمانين يوماً الماضية، منذ تسلمت رئاسة الوزراء، ألا وهو أن أي تأجيل جديد سيضر بهذا البلد، وسيضر بالاتحاد الأوروبي، وسيضر بالديمقراطية».
ولن تطرح الحكومة الآن اتفاق الخروج للتصويت، أمس (السبت)، كما كان مقرراً.
وقال جيكوب ريس - موج إن البرلمان سيناقش اتفاق جونسون المتعلق بـ«البريكست»، وسيجري تصويتاً عليه، غداً (الاثنين).
ويؤيد زعيم حزب العمال المعارض جيريمي كوربين إجراء استفتاء ثانٍ على الخروج من التكتل. وقال للبرلمان: «تصويت اليوم المؤيد للتوصل لاتفاق لن ينهي مشكلة (بريكست). لن يحسم الأمر، ويجب أن يكون للناس القول الفصل». وقال زعيم المعارضة العمالية جيريمي كوربن في معرض ترحيبه بإقرار مجلس العموم لهذا التأجيل إنّ النواب صوّتوا «بوضوح لتجنّب خروج قاسٍ من دون اتفاق من الاتحاد الأوروبي». وأضاف: «على رئيس الوزراء أن يحترم القانون».
وتحتاج الحكومة التي لا تتمتع بأغلبية في مجلس العموم، إلى 320 صوتاً لإقرار الاتفاق الذي يُفترض أن يسمح بتسوية شروط الانفصال بعد 46 عاماً من الحياة المشتركة، ما يسمح بخروج هادئ مع فترة انتقالية تستمر حتى نهاية 2020 على الأقل.
وفي الوقت الذي كان فيه مجلس العموم يناقش الاتفاق، أمس (السبت)، كان الآلاف يتظاهرون في وسط لندن للمطالبة بإجراء استفتاء ثانٍ على «بريكست»، مؤكّدين أنّ هذا هو الحلّ الوحيد للخروج من الأزمة.

- مراحل «بريكست» منذ استفتاء 2016
> في 23 يونيو (حزيران) 2016 وافق 17.4 مليون بريطاني أي 51.9 في المائة من المشاركين في الاستفتاء على خروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي. > رئيس الحكومة المحافظ والمؤيد للبقاء في الاتحاد الأوروبي ديفيد كاميرون يستقيل من رئاسة الحكومة.
> في 13 يوليو (تموز)، تولّت المحافظة تيريزا ماي المشككة بالاتحاد الأوروبي، رئاسة الحكومة، وأصبح بوريس جونسون وزيراً للخارجية.
> في 17 يناير 2017، أعلنت تيريزا ماي في خطاب خططها بشأن خروج قاسٍ من الاتحاد الأوروبي.
> في 29 مارس (آذار) 2017، قامت تيريزا ماي بتفعيل المادة 50 من معاهدة لشبونة، لتنطلق عملية الخروج بشكل رسمي، ويُفترض أن تنتهي في 29 مارس (آذار) 2019.
> انتخابات الثامن من يونيو (حزيران) 2018 شكلت نكسة لماي التي بات عليها التحالف مع الحزب الوحدوي الديمقراطي الصغير في آيرلندا الشمالية، لتتمكن من الحكم.
> في 13 نوفمبر (تشرين الثاني) 2018، أعلنت الحكومة البريطانية أن المفاوضين البريطانيين والأوروبيين توصلوا أخيراً إلى مشروع اتفاق، وتمّت الموافقة عليه في 25 نوفمبر (تشرين الثاني) خلال قمة أوروبية.
> في 15 يناير (كانون الثاني) 2019، رفض النواب بغالبية ساحقة اتفاق «بريكست» الذي حصل على 432 صوتاً معارضاً مقابل 202 صوت مؤيد.
> في اليوم التالي، نجت الحكومة بفارق ضئيل من مذكرة بحجب الثقة تقدمت بها المعارضة العمالية. وعقدت محادثات جديدة مع بروكسل التي رفضت إعادة التفاوض بشأن الاتفاق.
> في 12 مارس، رفض النواب مجدداً اتفاق «بريكست» الذي حصل على 391 صوتاً معارضاً مقابل 242 صوتاً مؤيداً. وفي اليوم التالي، صوتوا على خروج من الاتحاد من دون اتفاق.
> في 11 أبريل (نيسان) منح الاتحاد الأوروبي البريطانيين مهلة جديدة تنتهي في 31 أكتوبر (تشرين الأول).
> في 23 يوليو (تموز) اختار حزب المحافظين بوريس جونسون المؤيد لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي في 31 أكتوبر مع أو من دون اتفاق، لخلافة تيريزا ماي في رئاسة الحكومة.
> في 28 أغسطس (آب) أعلن رئيس الوزراء الجديد تعليق أعمال البرلمان اعتباراً من الأسبوع الثاني في سبتمبر (أيلول) حتى 14 أكتوبر (تشرين الأول) أي حتى قبل أسبوعين من موعد «بريكست». وأثار ذلك معارضة مؤيدي الخروج مع اتفاق.
> في 3 سبتمبر (أيلول)، خسر جونسون الغالبية المطلقة بعد انشقاقات وطرد نواب من حزبه. وتخلى عنه أعضاء في حكومته بينهم شقيقه جو.
> في 9 سبتمبر (أيلول)، وافقت الملكة إليزابيث الثانية على قانون يرغم رئيس الوزراء على طلب إرجاء «بريكست» من الاتحاد الأوروبي في حال لم يحصل على موافقة على «بريكست» بحلول 19 أكتوبر (تشرين الأول).
> في 10 سبتمبر عُلقت أعمال البرلمان، وأكد جونسون أنه لن يطلب «إرجاء جديداً» وأنه سيسعى للتوصل إلى اتفاق بحلول القمة الأوروبية في 17 و18 أكتوبر في بروكسل.
> في 24 سبتمبر اعتبرت المحكمة العليا البريطانية بالإجماع أن تعليق أعمال البرلمان «غير قانوني وباطل وملغى»، واستؤنفت أعماله في اليوم التالي.
> في 2 أكتوبر اقترح بوريس جونسون «تسوية» رفضها الأوروبيون.
> في 10 أكتوبر وفي بيان مشترك أكد رئيس الوزراء البريطاني ونظيره الآيرلندي ليو فارادكار أنهما على طريق تسوية مسألة الحدود الآيرلندية الشائكة.
> في 16 أكتوبر، أكد رئيس المجلس الأوروبي دونالد توسك أن أسس التوصل إلى اتفاق باتت «جاهزة».
> في 17 أكتوبر وقبل افتتاح القمة، أعلن الاتحاد الأوروبي وبريطانيا التوصل إلى اتفاق جديد بشأن «بريكست»، لكنه يبقى رهناً بمصادقة البرلمانين الأوروبي والبريطاني. إثر ذلك دعت المعارضة العمالية النواب إلى رفض الاتفاق فيما قال الوحدويون في آيرلندا الشمالية إنهم يعارضونه.
> في 19 أكتوبر أقرّ مجلس العموم تعديلاً يلزم الحكومة بالتفاوض مع بروكسل على إرجاء الموعد المقرّر لخروج المملكة من الاتّحاد الأوروبي في 31 من الشهر الحالي، وهو ما سارع رئيس الوزراء بوريس جونسون إلى رفضه.



الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
TT

الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)

أعلنت الجامعة الأميركية في أرمينيا، الاثنين، الانتقال إلى التعليم عن بُعد على خلفية التهديدات الإيرانية باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا.

وقالت الجامعة في بيان، إنه «نتيجة التهديد الإيراني باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا والشرق الأوسط، ستنتقل جميع صفوف الجامعة الأميركية في أرمينيا يوم الاثنين 30 مارس (آذار)، لتصبح عبر الإنترنت بالكامل»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وهددت إيران باستهداف الجامعات الأميركية في الشرق الأوسط، بعدما أفادت بأن ضربات أميركية - إسرائيلية دمّرت جامعتين إيرانيتين.

وقالت الجامعة الأميركية في أرمينيا إنها لم تتلقَّ أي تهديدات مباشرة، وشددت على أنه لا يوجد أي داعٍ للهلع، واصفة الخطوة بأنها «احترازية».

أشخاص يمرّون أمام البوابة الرئيسية لحرم «الجامعة الأميركية في بيروت» (AUB) في وسط بيروت - 13 يناير 2022 (أ.ف.ب)

وأصدر «الحرس الثوري الإيراني» بياناً أورده الإعلام الإيراني الأحد، جاء فيه أنه «إذا أرادت الحكومة الأميركية بألا تتعرض الجامعات الأميركية في المنطقة لردود انتقامية... فعليها إدانة قصف الجامعات» في بيان رسمي قبل ظهر الاثنين 30 مارس بتوقيت طهران.

ونصح «الحرس الثوري» موظفي وأساتذة وطلاب الجامعات الأميركية في المنطقة، «بالبقاء على بُعد كيلومتر واحد» على الأقل من الجامعات التي قد تُستهدف.

وأعلنت «الجامعة الأميركية في بيروت» في اليوم ذاته، العمل بنظام التعليم عن بُعد بشكل كامل يومي الاثنين والثلاثاء.

وفي الأردن، قالت الجامعة الأميركية في مادبا التي تبعد نحو 35 كيلومتراً من العاصمة عمّان، إن الصفوف الدراسية لطلابها البالغ عددهم 3 آلاف ستقام عبر الإنترنت حتى الخميس.


الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
TT

الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)

في عالمٍ مترابط إلى هذا الحد، لم تعد الحروب تُخاض على الجبهات فقط، بل داخل كل اقتصاد، وكل ميناء، وكل سلسلة إمداد...

لطالما سمعنا في «عصرنا الحديث» أن الترابط والعولمة هما محركان للسلام والازدهار، لكن الحقيقة أنهما يتحولان إلى مشكلتين كبيرتين في أوقات الحرب. فبدلاً من تعزيز الاستقرار، قد تحوّل مستويات التكامل العالية الاقتصادات إلى أسلحة فتّاكة أو تجعلها ضحايا، ويصبح الشركاء التجاريون خصوماً، وتحدث اضطرابات في كل أنحاء العالم.

بمعنى آخر، يؤدي الترابط والعولمة إلى انعكاس مباشر للأزمات الجيوسياسية على شبكات التجارة، والإنتاج، والتمويل التي بُنيت أساساً لتحقيق الكفاءة من دون أن تتمتع بالمرونة الكافية لامتصاص الصدمات. ومع تضرر سلاسل التوريد الحيوية بسبب الاضطرابات المختلفة من حروب، وجوائح، وكوارث طبيعية، قد تتحول الارتفاعات المؤقتة في الأسعار إلى ضغوط تضخمية مستدامة، مما يرفع منسوب خطر حصول الركود التضخمي.

قبل ست سنوات، كانت للكارثة الصحية التي سبّبها كائن مجهري صغير هو فيروس «كوفيد-19» تداعيات اقتصادية ضخمة: ضَمُر الطلب ليلامس الاضمحلال، اضطربت سلاسل التوريد، استفحلت الضائقة في كل مكان، وانكمشت الاقتصادات في طول الكرة الأرضية وعرضها، وتراجعت أسعار النفط بشكل مذهل في ظل توقف حركة الإنتاج، وملازمة مليارات البشر منازلهم.

مضيق هرمز (رويترز)

أخطار الصراع الإقليمي

في هذا السياق، تُبرز حرب إيران الآثار السلبية الخطيرة للترابط الاقتصادي والعولمة، إذ حوّلت سلاسل التوريد المشتركة إلى نقاط ضعف. وقد أدى الصراع إلى أزمة عالمية كبرى في مجالي الطاقة، والأمن الغذائي، مما يُظهر مدى سرعة تسبب عدم الاستقرار الإقليمي في أضرار اقتصادية عالمية.

ومع استمرار الحرب الإقليمية التي بدأت في 28 فبراير (شباط) الفائت، بدأت الأسواق المالية أخيراً تعي احتمال تحول الصراع سريعاً إلى أزمة عالمية للاقتصاد الكلي. فالعوامل الجيوسياسية المتفجّرة تؤثر عادةً على جوانب عديدة من الاقتصاد العالمي، ليس أقلها التضخم، وسلاسل التوريد. وستتأثر الصين والهند وأوروبا بشكل أكبر على المدى القريب بسبب حاجتها الكبيرة إلى مصادر توليد الطاقة.

وكلما طالت الأزمة، ازداد تأثيرها على العديد من الاقتصادات العالمية الكبرى. والسبب واضح، فالشرق الأوسط ليس مجرد مصدر غنيّ للطاقة، والفرص الاستثمارية الهائلة، بل يضم أيضاً بعضاً من أهم سلاسل التوريد، والمواني العالمية.

ومعلوم أن المواني والممرات البحرية تضطلع بدور حيوي في الحفاظ على سلاسل الإمداد العالمية، واستمرار عجلة الاقتصاد العالمي في الدوران. ومعلوم أيضاً أن مضيق هرمز هو من أهم الممرات في الشرق الأوسط، ويمر عبره نحو خمس نفط العالم، وغازه. لذا لا يؤثر الإغلاق أو حتى «تضييق» المرور في المضيق على المنطقة فحسب، بل يمتدّ التأثير ليشمل كل دول العالم.

وإذا أُغلق باب المندب مجدداً، تزامناً مع إغلاق مضيق هرمز، فسيحصل شلل شبه تام في حركة التجارة العالمية بين الشرق والغرب، الأمر الذي سيدفع حتماً بالاقتصاد العالمي نحو ركود تضخمي حاد، مع ارتفاع جنوني في أسعار الشحن، والتأمين، وتحويل مسار السفن إلى طريق رأس الرجاء الصالح (جنوب أفريقيا) الأطول.

في نظرة استعادية، سبق أن حدثت حالات نقص حاد في إمدادات النفط نتيجة أحداث جسام، أهمها حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973، والثورة الإيرانية عام 1979، واندلاع الحرب العراقية-الإيرانية عام 1980، وحرب الخليج عام 1990. ويكمن الاختلاف الرئيس بين إغلاق مضيق هرمز وهذه الحالات السابقة في حجمه الهائل. فعلى سبيل المثال، لم تتجاوز نسبة النفط المسحوب من السوق في 1973 و1990 إلا نحو 6 في المائة من إمدادات النفط العالمية، وفي 1979 و1980 لم تتجاوز 4 في المائة. أما اليوم، فيواجه العالم -حتى الآن- نقصاً يقارب 20 في المائة، مما يجعل هذا الحدث الجيوسياسي أكبر بثلاث إلى خمس مرات.

هذا الوضع الراهن حتماً هو الأخطر، فخنق الممرات المائية الضيقة يوسّع مسارات الأزمة بكل ارتداداتها العالمية، وبالتالي يُخرج الصراع عن حدوده الإقليمية ليتحوّل إلى مشكلة عالمية. ولعلّ باب المندب أهم من مضيق هرمز، لأنه يربط عبر قناة السويس بين أوروبا وآسيا وأفريقيا، لذا من الطبيعي أن يكون أحد أكثر الممرات الملاحية ازدحاماً في العالم، إذ تعبره ناقلات النفط، وسفن الشحن الآتية من المحيط الهندي للوصول إلى البحر الأحمر، ثم إلى قناة السويس، ومنها إلى البحر الأبيض المتوسط، وكذلك في الاتجاه المعاكس.

من أبرز مستفيد؟

وسط هذه الأزمة المتشعبة، يرجَّح أن تصير موسكو أبرز المستفيدين من إعادة صياغة تدفقات التجارة وروابطها. فالتحولات في أسواق الطاقة العالمية ذات أهمية بالغة لنظام فلاديمير بوتين الذي سيجني ثماراً قصيرة الأجل، مع احتمال أن تزداد المكاسب غير المتوقعة، وتصبح أكثر استدامة.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ف.ب)

فمع ارتفاع أسعار النفط عموماً ستتدفق إيرادات إلى موازنة الدولة الروسية المتعثرة الخاضعة لعقوبات متنوعة بسبب حرب أوكرانيا. وتأمل موسكو أن تجد أوروبا نفسها أخيراً في أزمة نفط وغاز حادّة، الأمر الذي قد يُخفف حدّة موقفها تجاه المحروقات الروسية، ليس فقط بالسماح لروسيا بالتصدير إلى الاتحاد الأوروبي مجدداً، بل التوسل إليها عملياً للقيام بذلك. ويستند هذا الأمل أيضاً إلى كون الولايات المتحدة المورد الوحيد القادر على مساعدة أوروبا في مجال الغاز، وإلى تكهنات بأن أوروبا، في ظل تدهور العلاقات عبر الأطلسي، قد تُعيد النظر ملياً قبل الاعتماد المفرط على الإمدادات الأميركية المكلفة، ذلك أن سعر الغاز الأميركي المنقول إلى أوروبا أعلى أربع مرات عن سعر الغاز الروسي.

وبالتالي، إذا «عادت» أوروبا إلى الجار الروسي، فستتوتر العلاقة أكبر بين القارة القديمة وشريكتها الأطلسية التي صارت تعتبر أوروبا عبئاً أكثر من كونها حليفاً، وسنداً.

إلى أين سيذهب التدهور بالعالم؟

بعد فتح هذا «الهامش» للتحدث عن الجزئية الروسية، يبقى القول إن الوضع خطير، بل الأخطر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وثمة مؤشرات عديدة تنبئ بتدهور لا أحد يعرف مداه...

يقول فولكر تورك، المفوض السامي لحقوق الإنسان، إن «النزاع يثير مخاوف جدية بموجب القانون الدولي الذي يحظر الهجمات التي تستهدف المدنيين وبنيتهم ​​التحتية، والهجمات على الأهداف العسكرية حيث يكون الضرر الذي يلحق بالمدنيين غير متناسب».

يضيف المسؤول الأممي: «يتطلب عالمنا المترابط بشدة من جميع الدول إعادة الالتزام الكامل باحترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. لا يمكننا العودة إلى الحرب كأداة للعلاقات الدولية».


مفوض أممي يدعو واشنطن لإنهاء التحقيق في قصف مدرسة إيرانية

نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)
نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)
TT

مفوض أممي يدعو واشنطن لإنهاء التحقيق في قصف مدرسة إيرانية

نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)
نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)

دعا فولكر تورك، مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، الجمعة، الولايات المتحدة إلى إنهاء التحقيق الذي تجريه بشأن الضربة الجوية المميتة التي استهدفت مدرسة ابتدائية في إيران في بداية الهجمات الأميركية الإسرائيلية على الجمهورية الإيرانية الشهر الماضي، ونشر نتائج التحقيق.

وقال تورك أمام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في جنيف خلال جلسة طارئة دعت إليها إيران: «أكد مسؤولون أميركيون رفيعو المستوى أن الضربة قيد التحقيق. أدعو إلى إنهاء هذا التحقيق في أسرع وقت ممكن، ونشر نتائجه».

وأضاف: «لا بد من تحقيق العدالة بشأن هذا الأمر المروع».

من جهته، اعتبر وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، الجمعة، أن الضربة الدامية التي تعرّضت لها مدرسة في جنوب البلاد في اليوم الأول من الحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل، كانت «هجوماً مدروساً» من واشنطن.

وندد في كلمة عبر الفيديو أمام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة بـ«الهجوم المدروس والمُنفَّذ على مراحل» على مدرسة ابتدائية في مدينة ميناب «حيث قُتل أكثر من 175 من التلامذة والمعلمين بدم بارد». وأضاف: «التصريحات المتناقضة للولايات المتحدة التي تهدف إلى تبرير جريمتها، لا يمكنها بأي حال من الأحوال أن تجعلها تتنصل من مسؤوليتها»، واصفاً الهجوم بـ«جريمة حرب وجريمة ضد الإنسانية»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».