اعتدال عثمان: أواصل رحلتي بشغف البدايات

حصدت جائزة «كفافيس» هذا العام عن منجزها في السرد والكتابات النقدية

اعتدال عثمان
اعتدال عثمان
TT

اعتدال عثمان: أواصل رحلتي بشغف البدايات

اعتدال عثمان
اعتدال عثمان

صدرت للكاتبة والناقدة اعتدال عثمان عدة أعمال أدبية ونقدية، حققت لها مكانة معتبرة في المشهد الثقافي والنقدي المصري.
وهذا العام منحتها دولة اليونان جائزة «كفافيس» الدولية في دورتها الـ15 عن «السرد المتنوع بين القصة والكتابات النقدية في أعمالها الأدبية». هنا حوار معها ينطلق من محطة «كفافيس» ويتطرق لمهمة الناقد، وقدرته على مواكبة الإنتاج الأدبي الغزير الحالي وأساليبه السردية الجديدة، مروراً برحلتها في الكتابة التي تقول إنها ما تزال تحتفظ بشغف المبدع الهاوي.
> فوزكِ بجائزة تحمل اسم الشاعر الكبير قسطنطين كفافيس، ماذا يترك لديك من انطباعات؟
- الحقيقة أنها انطباعات متداخلة بين الدهشة والبهجة والاعتزاز والفخر بأن أجد اسمي ضمن قائمة من فازوا بالجائزة سابقاً، وهم أعلام في حياتنا الثقافية العربية مثل محمود درويش، ومحمد الفيتوري، كما فاز بها من مصر كاتبنا الفَذ نجيب محفوظ، إلى جانب ثروت عكاشة، وبهاء طاهر، وإدوار الخراط، وجمال الغيطاني، ورضوى عاشور وغيرهم.
الجائزة أيضاً تمثل قيمة معنوية وأدبية كبيرة، فهي تحمل اسم الشاعر السكندري اليوناني العظيم قسطنطين كفافيس، أحد رواد الحداثة الشعرية الكبار في لغات العالم، وهو الذي عبر في شعره عن التقاء الثقافات القديمة، وجعل مدينة الإسكندرية الكوزموبولاتينية رمزاً للحياة، والمصير الإنساني المطلق الذي وَّلد منه كفافيس كثيراً من الرموز والدلالات في رحلته الشعرية بالغة الثراء والعمق والخصوبة، تلك الرحلة التي ألهمت أجيالاً من الكتاب في مختلف الثقافات... لذلك فإن الجائزة بالنسبة لي ميلاد أدبي جديد وتتويج لرحلتي الممتدة إبداعاً ونقداً.
> في كتابك «إضاءة النص»...قدمتِ حالة من التوازي والتوأمة بين النص النقدي والنص الإبداعي… حدثينا عن هذه التجربة وتحدياتها؟
- الكتابة النقدية بالنسبة لي - في «إضاءة النص»، وغيره من كتبي ودراساتي المنشورة - عملية إبداعية تنطلق من النص المنقود، وتطمح إلى محاورة المشهد الثقافي العربي المعاصر، من خلال تجسده أدبياً في أعمال روائية، وقصصية، وشعرية، صدرت على امتداد الساحة العربية، تنتمي إلى أجيال مختلفة، ورؤى فكرية وإبداعية متنوعة.
وجدت أن المبدع يقرأ نص العالم – المجتمع - الإنسان، ويعيد كتابته في نص أدبي، موظفاً طاقة الخيال الخلّاق المنطلق، والمنفلت معاً، من أسر ما يفرضه الواقع على الإنسان من قيود، وتمزقات، ومخاوف، وانكسارات، لكي يعود القارئ - الإنسان إلى هذا الواقع نفسه، وقد أضاف الفن إلى حياته حيوات لم يعشها، لكنه جاب أرجاءها، واستمتع بمباهجها، وعانى عذاباتها، وعاد منها إلى واقعه مسلحاً بالرؤية والوعي بإمكان أن تستعيد الإرادة الإنسانية قدرتها على الفعل، المغيّر لهذا الواقع نفسه.
والناقد المبدع من هذا المنطلق يسعى سعياً جاداً حثيثاً، ومنهجياً لاستجلاء جماليات النص، وتقريبها إلى قارئ، يجد في ذلك النص النقدي نصاً موازياً، قادراً على النفاذ إلى أسرار العمل الإبداعي، يفتح أمامه آفاق التلقي، والتفاعل الحر مع ما يطرحه الكاتب من رؤى، وما يستخدمه من تقنيات، فالناقد لا يقوم بتقريب جماليات النص إلى القارئ فحسب، بل إنه يدعوه إلى الدخول إلى عالم النص، والمشاركة في العملية الإبداعية نفسها بتحرير خياله من القيود، والوصول إلى قراءته الخاصة، وقد استضاء نقدياً، على أساس أن العمل الأدبي يحتمل قراءات غير متناهية.
أستطيع أن أقول أيضاً إنني احتفظت في كتاباتي النقدية بشغف المبدع الهاوي، فيما أحاول توظيف الخبرة المكتسبة على نحو ما يفعل الناقد المحترف. هكذا اتسعت عندي دوائر الإبداع وتشعبت مساراته، وتعددت سبله.
> كيف تنظرين إلى الارتفاع الملحوظ في عدد الإصدارات الأدبية حالياً. هل هي ظاهرة جيدة برأيك؟
- لا يستطيع أحد تجاهل التدفق الإبداعي الغزير - بل الطليعي في نصوص كثيرة - الذي تفيض به الساحة الأدبية العربية، ويرجع ذلك في تصوري إلى أن تحولات الواقع المتسارعة تفرض نفسها، ومن الطبيعي أن تنعكس هذه التحولات على رؤية العالم لدى الكتاب المجددين، خصوصاً الأجيال الشابة، بما يؤدي بهم إلى البحث عن التقنيات المناسبة للتعبير فنياً عن تحولات هذا الواقع، ومنها على سبيل المثال التشظي السردي، وتفتيت الزمان، وتداخل حدود الأمكنة، وغرائبية الشخوص الروائية، والالتجاء إلى الفانتازيا والعجائبية، وانتشار النزعة التجريبية في كثير من النصوص.
ولا يقتصر الأمر على استلهام تحولات الواقع، بل إن استقبال العالم في عصر ثورة التكنولوجيا وتطوراتها المذهلة قد اختلف بصورة كبيرة عما ألفناه سابقاً، لذلك ظهرت الرواية التفاعلية التي يشارك القارئ في تأليفها عن طريق استخدام الكاتب للروابط الإلكترونية على الإنترنت، بما يتيح للمتلقي تحويل مسار السرد أو الإضافة إليه، كذلك ظهرت الرواية الرقمية التي ينفتح فيها النص المكتوب على الصورة المرئية والموسيقى المسموعة، وفن الغرافيك، وغير ذلك من آليات مستحدثة. ولا شك أن هذه المتغيرات تعبر عن حيوية المشهد الأدبي العربي الراهن بصورة عامة.
> ما تقييمكِ لقدرة الحركة النقدية على ملاحقة هذه الغزارة الموجودة في إنتاج الشعر والرواية والقصة؟
- ربما لا تلاحق الحركة النقدية غزارة التدفق الإبداعي كما نتمنى، لأن النقد الحقيقي المتعمق عملية شاقة، تحتاج إلى ناقد حصيف، يطور على نحو مستمر حصيلته المعرفية، وذائقته الأدبية، وأدواته النقدية. لكننا لا نستطيع أن نغفل أيضاً وجود أقلام نقدية جادة وموهوبة وقادرة على المتابعة واكتشاف جماليات النصوص الصادرة حديثاً في مختلف مجالات الإبداع، فنجد نقاداً كباراً من الأجيال المخضرمة يجتهدون في ملاحقة المشهد الأدبي، والإفادة من خبراتهم المتراكمة، كما نجد أن موجات الكتابة الجديدة قد أفرزت نقادها الذين ينتمون إلى الأجيال الشابة المبدعة نفسها، ومن ثم فهم أكثر قرباً من نبض الإبداع الجديد بحكم المجايلة من جانب، والمعرفة الوثيقة المتجددة بتطورات النظرية الأدبية من جانب آخر. وأنا حريصة على متابعة الكتابات النقدية المتميزة لعدد من النقاد الموهوبين الذين برزوا مؤخراً على الساحة، وأجد في قراءة دراساتهم متعة ومعرفة واجتهاداً يدعو إلى الإعجاب.
لكن اللافت هنا، أنه برغم هذه الجهود النقدية المتواصلة لمتابعة الإصدارات الجديدة، ومواكبة تجليات الإبداع في مختلف مجالاته، سواء في الكتب والمجلات الأدبية المتخصصة أو في الصفحات الثقافية الأسبوعية في الجرائد اليومية، فضلاً عن الدوريات النقدية المُحَكّمة بدراساتها العلمية المتعمقة، فإن الإبداع يبدو متفوقاً في حركته وتدفقه وتحولاته المتتابعة، بما يمثل تحدياً للحركة النقدية، يحتاج إلى متابعة واستجابة أوسع مدى، تتيح تغطية شاملة للمشهد الأدبي على تنوعه، كما تتيح تواصل الأجيال الإبداعية والنقدية بصورة أكثر فعالية.
> طرحتِ في كتابك «السفر إلى ممالك الخيال» مفهوم «المخيال الروائي» وقمت بتطبيقه على الرواية الفلسطينية، أو روايات تتناول القضية الفلسطينية؟ حدثينا عن هذا الاختيار.
- تقدم هذه الدراسة قراءة نقدية مفصلة لخمس روايات صدرت في سنوات متقاربة خلال العقد الأول من القرن الحالي، تزامناً مع ذكرى مرور 60 عاماً على احتلال فلسطين، وذلك من خلال توظيف مفهوم المخيال الروائي، المستمد من علم الاجتماع والأنثروبولوجيا. وتركز القراءة على انعكاس مؤثرات تاريخية واجتماعية ونفسية في تشكيل الخطاب الروائي من حيث الرؤى المركزية في النصوص المدروسة، وتآلفها أو تقاطعها في البنى السردية للروايات، وأدوات التقنية الروائية المستخدمة فيها. الروايات هي: «الطنطورية» لرضوى عاشور، و«حبي الأول» لسحر خليفة، و«الملهاة الفلسطينية: زمن الخيول البيضاء» لإبراهيم نصر الله، و«حليب التين» لسامية عيسى، و«سوناتا لأشباح القدس» لواسيني الأعرج.
يظهر في الروايات المدروسة هنا دافع لا يقاوم لاستنقاذ ذاكرة المكان المسلوبة في المكان المسلوب من آلة النسيان التي يسلطها العدو بلا هوادة لتمحو معالم المكان الفلسطيني الذي ليس هو جغرافيا تغيرت وتتغير فحسب، بل بوصفه علاقة روحية ووجدانية تربط الإنسان بوطنه الأم، بكل ما يحمله من مشاعر وأحاسيس وصور وذكريات وثقافة تسكن المخيال الاجتماعي العام، كما يحيل إلى الحياة في أزهى تجلياتها الرمزية عندما ترتبط بمعاني الانتماء والحب غير المشروط للأهل والأحبة والأرض وما عليها، ومن عليها.
ومن ثم، فالمخيال، على تعدد تجلياته الروائية في هذه القراءة، يلجأ إلى قوة المتخيل الذي نجده بين أيدينا حافلاً بأسرار الفن وتقنياته المتنوعة بالغة الثراء، ولغته الشاعرية، وحتى بجماليات القبح فيه ليواجه التردي الذي آل إليه واقعنا العام، وما سبقه من أحداث وتحالفات ومصالح إمبراطوريات كبرى، تواطأت بالخديعة تارة، وباستغلال أخطاء تاريخية عربية تارة أخرى، تُستعاد من خلال ما تبثه الروايات من وقائع المأساة الفلسطينية، وآلام البشر الذين عايشوها، مجدولة في بنى روائية متخيلة، تترك لدينا نحن القراء ذلك الألم والشجن المتصادي الذي يسكن الروح، فيما يتجسد في مخيالنا وطن جمالي، كامل البهاء.
> في كتابك «عين الكتابة» تناقشين فكرة التحولات في المشهد السردي ما بين الجيل الذي يمثله نجيب محفوظ ويوسف إدريس والأجيال التالية لهما في رؤيتهم للعالم، ما أبرز ما توصلتِ له من رصد لهذه التحولات؟
- معظم دراسات الكتاب تتناول أعمال جيل الستينيات، والكتاب قراءة في تحولات السرد المصري والعربي، ويقدم صوراً نقدية لأعمال عدد من الكتاب، تتراوح بين الإطلالة المُجْملة على العوالم السردية لإدوار الخراط وإبراهيم أصلان وإلياس خوري، إضافة إلى صور جامعة أو دراسات تفصيلية لأعمال كتاب مثل يوسف إدريس، وبهاء طاهر، ويوسف أبو رية، وكذلك صور مكثفة لعمل بعينه لعدد من الكتاب مثل محمد البساطي، والطيب صالح، وانتهاء بصور مثل الومضات تركز على أحدث تحولات السرد في القصة القصيرة جداً.
> ذكرت في كلمتك أثناء تسلمك جائزة «كفافيس»: «إن الكتابة عندي حياة ورحلة بغير وصول»... هل ثمة مشروع قصصي جديد؟
- مشروعي الأدبي الأساسي أن أواصل الرحلة بشغف البدايات، وأن أواصل السفر إلى ممالك الخيال، فقيمة الرحلة ليست في بلوغ الهدف، بل في السبيل إلى ذلك الهدف.



جائزة «أفضل رواية عربية» لأنطوان الدويهي عن «الشتاء الكبير»

جائزة «أفضل رواية عربية» لأنطوان الدويهي عن «الشتاء الكبير»
TT

جائزة «أفضل رواية عربية» لأنطوان الدويهي عن «الشتاء الكبير»

جائزة «أفضل رواية عربية» لأنطوان الدويهي عن «الشتاء الكبير»

بعد حيازته عام 2015 جائزة «أفضل عمل روائي لبناني» عن كتابه «غريقة بحيرة موريه»، التي منحته إياها وزارة الثقافة اللبنانية، أعلنت هيئة الشارقة للكتاب منحها جائزة «أفضل رواية عربية» للزميل الشاعر والروائي والباحث

أنطوان الدويهي

عن رائعته الأخيرة «الشتاء الكبير»، التي كانت «الشرق الأوسط» نشرت مؤخراً حواراً معه حولها.

وتشكّل هذه الجائزة للدويهي مفاجأة نظراً لبعد الكاتب عن الأضواء وتنسّكه في نشاطه الأدبي، فهو دائم الإقامة في الذات، ومنعزل منذ زمن طويل في خلوته على كتف وادي قزحيّا في أعالي جبل لبنان.

وترتكز أعمال الدويهي الأدبية والشعرية والسردية على عوالم الذات، وهي مستمدة بكاملها من «يوميات الحياة الداخلية»، المستمر في صوغها منذ سن الرابعة عشرة إلى اليوم، ولا مصدر آخر لكتاباته، بحثياً كان أم توثيقياً. ومن هنا وحدة عالمه الأدبي العميقة، وتكامله، ووحدة لغته وهواجسه ومشاعره، ورؤاه الجمالية في كل أعماله المتوالية على مدى ثلث قرن، من «كتاب الحالة» عام 1993 إلى «الشتاء الكبير» الصادر حديثاً.

ومن أهم مفاعيل هذه الجائزة أنها تلفت القراء العرب إلى أديب مختلف، بالغ الخصوصية في الآداب العربية، في غوصه في أعماق النفس البشرية وتماهيه مع روح الأمكنة والمشاهد والحالات، حيث تلتقي ذات الفرد بذات الأرض وذات الجماعة. وبهذا المعنى ذكر عنه الشاعر أنسي الحاج: «ماذا كتب؟ كتب ذات فرد وذات أرض وذات شعب». وذكر أيضاً: «يُقرأ أنطوان الدويهي كما تُفرد حبات اللؤلؤ». وبهذا المعني أيضاً كتب الأديب والصحافي سمير عطاالله: «منذ أن بدأت في قراءة الدويهي، اعتدت الانجذاب في غبطة إلى هذا الخدر الآسر الأثير. فليس أهنأ إلى نفسي من قلم له هذه التجربة في عمق الذات، وله مثل هذا الصمود في عمق النقاء».

وتأتي هذه الجائزة لتتجاوز الاتجاه الذي بات سائداً لدى عديد من الروائيين العرب، وفي الغرب أيضاً، الذي يمكن اختصاره بعبارة «أدب الموضوعات»، حيث ينتقل الروائي في كل عمل جديد من موضوع إلى آخر، يحشد له في كل مرة المعلومات البحثية والتوثيقية، وبات يشارك في صنعه في أحيان كثيرة الذكاء الاصطناعي. ويشكل هذا المنحى ابتعاداً عن عوالم الأدباء الذاتية، ونزوحاً من «أدب الكتّاب» إلى «أدب القراء» وفقاً لمنطق السوق وحركة العرض والطلب التجارية. أما أدب الدويهي، المستند إلى وحدة الحياة الداخلية في الزمان وفرادتها وذاتيتها وخصوصيتها وعمقها، فهو إعادة اعتبار للأدب الكبير، وهو النقيض الأمثل لعالم كتابي يغرق أكثر فأكثر في متاهات وسائل التواصل الاجتماعي ومؤثرات الذكاء الاصطناعي التي تقود إلى نهاية الأدب.

في «الشتاء الكبير»، يروي الدويهي عذابات سن السابعة عشرة، ويستحضر الذاكرة والمكان، بلغة عميقة وفلسفية ومتينة، تمزج بين التأمل ووصف الطبيعة واستكشاف أثر العنف والذاكرة على الإنسان. نحن أمام رواية رمزية وفلسفية تبحث في سلوك الإنسان وعلاقته بذاته، وتقوم على التأمل الذاتي الذي يعيشه الراوي، وعلى علاقته بالحياة والموت والعنف والحرب. أما الشخصيات الأخرى، فهي أقرب إلى ظلال تحيط به، ووجودها وظيفي لتحريك السرد أكثر مما هو محوري في بنية النص. وفي تأملاته العميقة، يناقش الدويهي ظواهر العنف والثأر والدم المستباح، ويربطها بالسلوك الفردي والجماعي، متسائلاً عن فكرة المسؤولية الجماعية وتأثيرها على النمط المتوارث في الثأر العائلي.


التراجيديا العراقية وأسئلة الهوية والخيانة والمنفى

التراجيديا العراقية وأسئلة الهوية والخيانة والمنفى
TT

التراجيديا العراقية وأسئلة الهوية والخيانة والمنفى

التراجيديا العراقية وأسئلة الهوية والخيانة والمنفى

«لا أحد يعرف كيف مات. أكانت إبرة صغيرة حقنوا بها وريده ليعجلوا له بموت رحيم، أم سكتة باغتت قلبه من فرط الوحدة؟ أم إنه انتحر، حين لم يجد للحياة محاكمة أعدل من الموت؟ هكذا ظل موته قيد القيامة، مثل حياته تماماً».

كان يمكن لهذا المقطع المتعلق بموت ميخائيل، بطل رواية جاسم سلمان «وقوفاً على الأصابع»، أن يخفف بنسبة أو بأخرى، من شغفنا بقراءة العمل الذي آثر المؤلف أن يكشف منذ اللحظة الأولى عن مآل بطله الأخير، ولكن ما حدث هو العكس تماماً. ذلك أن المفتتح الروائي الذي طُرحت من خلاله واقعة الموت، والذي يتراوح بين الإخبار والاستفهام، فضلاً عن الأسئلة المتعلقة بمعنى الوجود نفسه، وفّرا لنا كقراء دوافع عديدة لمتابعة العمل، ليس الفضول سوى واحد منها.

في الصفحات الأولى للرواية، نتعرف على المحطات الأبرز في حياة ميخائيل، العراقي المسيحي، الذي وُلد في البصرة، وفقد أباه في حرب الخليج الثانية، ثم انتقل مع أمه إلى بغداد ليقيم في أحد أحيائها الفقيرة، حيث كان البشر بمختلف طوائفهم وعصبياتهم، يتخالطون دون فوارق. ومع إنهائه المرحلة الثانوية، يقرر ميخائيل دراسة اللغة الإنجليزية، والالتحاق بقسم الترجمة التابع لكلية الآداب في الجامعة المستنصرية.

بين أروقة الجامعة، يتعرف ميخائيل إلى ماري، الطالبة الجميلة والمتوقدة ذكاءً، التي كانت هي الأخرى قد فقدت أباها وخالها في يوم واحد، بعد أن لُفقت لهما تهمة الانتماء إلى أحد الأحزاب المناوئة للزعيم القائد. وحيث لم يتأخر المتخرجان العاشقان في تتويج علاقتهما بالزواج، تدبر لهما التراجيديا العراقية فصلاً آخر من فصولها، فيفقدان المولود الذكر الذي أنجباه في تفجير كنيسة «سيدة النجاة». ومع انعدام فرص العمل أمام الزوجين، لم يجد ميخائيل بداً، ورغم صراعه الضاري مع نفسه، من التعاون مع القوات الأميركية التي قامت بغزو العراق في مطلع القرن، والتي أعلنت عن حاجتها إلى مترجمين فوريين.

غير أن المبلغ الذي كان ميخائيل يتقاضاه عن عمله مترجماً، وإن منحه شعوراً بالأمان المعيشي، إلا أنه سلب منه بالمقابل احترامه لنفسه ورضاه عن الخدمات التي يقدمها لغزاة بلاده. وهو شعور لم يخفف منه كرهه للنظام البائد وما ألحقه به وبزوجته وبالشعب العراقي بأسره من كوارث. وعلى طريقة المثل القائل «إذا خفت من شيء فقع فيه»، لم يجد المترجم الفوري ما يفعله، إزاء مئات البشر يبعثون له برسائل التهديد، سوى الهجرة إلى أميركا، رغم علمه الأكيد بأن نجاحه في الفرار من العراق، لا يعني أبداً أن العراق، الهوية والمعنى، سيكف عن ملاحقته أينما ذهب.

وتعبيراً عن شعوره العميق بخيانة شعبه وأرضه ونفسه، لم يجد ميخائيل ما يجيب به موظف الجوازات في نيويورك، وهو يسأله عن مهنته، سوى التلفظ بكلمة «خائن»، على نحو عفوي ودون تفكير مسبق. ومع أن نيويورك الزاخرة بالصخب والشبيهة بالمتاهة، لم تكن لتبدو مدينة سهلة وأليفة في عيون قاصديها، فإن ما خفف من شعور زائريها الجديدين بالغربة، هو عثورهما السريع على نماذج من البشر، يشاركونهما الهوية نفسها، والشعور إياه بثقل المنفى ووطأة التمزق. وكان بين هؤلاء جوزف، العجوز اليوناني من أصل مصري، المهتم بالكتب والمخطوطات القديمة، والذي عرض على ميخائيل مساعدته في ترجمة بعض الأعمال الأدبية والتراثية. وبينهم ليزا، زوجة جوزف، وهارون، الشاعر السوري الصعلوك الهارب من نظام «الأبد» الدموي، وروبن، بواب البناية الأميركي، الذي شارك ابنه جيمس في غزو العراق، وتزوج من فتاة عراقية، قبل أن يعود إلى بلاده مقطوع الرجلين.

وبينما يتبدى للقارئ بأن الاندماج في المنفى هو الحل الأمثل لمأزق «الهويات القاتلة»، والاغتراب الخياني عن الذات، ينعطف سلمان بعمله الملحمي نحو مسالك غير منتظرة، حيث يقرر أبطاله جوزف وليزا وميخائيل وماري وهارون، العودة ثانية باتجاه الشرق؛ بحثاً عن كتب مرجعية ومخطوطات قديمة، ليست في حقيقتها سوى إلحاح الذات المهددة في البحث عما يعصمها من الإمحاء. أما الثري التركي تيمور طابال الذي تلتقيه الزمرة القادمة إلى إسطنبول، والذي يأسره جمال ماري، فبدا إدخاله على خط السرد، محاولة لإظهار الجانب الآخر من الصورة، حيث تجد الذات المستلبة، في مراكمة الثروات والتماهي مع الغرب؛ ما يجنبها عناء الأسئلة المقلقة والتأرجح المرير بين الخيارات.

وإذ يقرر ميخائيل وهارون إكمال الرحلة باتجاه ماردين وبعض المدن الأخرى؛ أملاً في الحصول على ضالتهما المنشودة، تنتقل الحدود المتداخلة بين الشرق والغرب، إلى داخل كل منهما، حيث تعمقت على نحو مأزقي، الأسئلة المتعلقة بالهوية والتاريخ ونشوء الحضارات ومعنى الوطن والخيانة. وفي ظل هذا الوضع المأزقي، يقع هارون في غرام غجرية حسناء، ويقرر الارتماء في كنف الحرية المطلقة، بعد أن قال له صديقه الغجري «اترك كل شيء وراءك وانسحب. دعك من الأزمنة والأمكنة». ومع إصرار ميخائيل على إكمال المهمة التي جاء من أجلها، واختفائه اللاحق على نحو مبهم، لا يبقى أمام زوجته ماري وصديقيه جوزف وليزا، سوى العودة من دونه إلى نيويورك.

واللافت، أن تقدم السرد وتشعبه، لم يتسبب بترهل العمل، أو بجعله باعثاً على السأم، بل تستمر الرواية في تصاعدها، مع وقوع ميخائيل في حالة من الانشطار الهذياني بين الواقعي والمتخيل، عائداً حيناً إلى الحقبة الأندلسية، وما صحبها من ازدهار فكري وحضاري، ومتماهياً مع كريستوفر كولومببس في فتحه لأميركا حيناً آخر. ثم تتوالى المفاجآت مع تعرض المترجم العراقي للخطف من قبل المخابرات الأميركية، بعد أن وجهت إليه تهمة الخيانة، عبر تعمده ترجمة النصوص والحوارات المكلف ترجمتها بطريقة خاطئة ومحرّفة؛ الأمر الذي أدى إلى مقتل عدد من الجنود الأميركيين.

ليس من المبالغة القول إن العمل بمثابة ملحمة روائية معاصرة لا تنغلق دائرتها على الشأن العراقي وحده

إثر ذلك يُحمل ميخائيل إلى أميركا، ليساق إلى المحاكمة، بحضور أصدقائه الذين تلقوا النبأ الصادم عن طريق الإعلام، وزوجته ماري التي أصابها بالذهول إزاء الحقيقة التي أُخفيت عنها طيلة سنوات. وإذ تهتف ماري بزوجها قائلة: «لماذا لم تخبرني أنك لم تخن أهلك في العراق؟»، تذكرنا بصرخة السائق في رواية غسان كنفاني «رجال في الشمس»، الذي اكتشف أن الفلسطينيين الذين خبّأهم داخل شاحنته قد قضوا نحبهم من شدة القيظ، فهتف بهم قائلاً: «لماذا لم تقرعوا باب الخزان؟». وإذ تبلغ الفانتازيا ذروتها مع التطابق التام بين الخريطتين الجينيتين لكل من كولومبس وميخائيل، يصرّ الأخير على تحويل موته لغزاً آخر، شبيهاً بحياته نفسها، حيث لا دليل واضحاً على انتحاره، أو إعدامه بكرسي كهربائي، أو وفاته الطبيعية بفعل عجز جسده عن تحمل الصدمات.

وليس من المبالغة القول بأن العمل الذي قدمه جاسم سلمان إلى قرائه، هو بمثابة ملحمة روائية معاصرة، لا تنغلق دائرتها على الشأن العراقي وحده، بل هي تبلغ من الاتساع؛ ما يجعلها تلامس الأسئلة الأكثر عمقاً، التي تتعلق بنشوء الحضارات وتحولاتها، وبمعنى الهوية والانتماء وعلاقة الوطن بالمنفى، والأنا بالآخر. كما تتحول الرواية في الوقت ذاته، إلى مضبطة اتهام متعددة الوجوه لواقع العصر ومآلاته، حيث يتم تزوير القيم، ويبلغ الفساد ذروة استشرائه، ويحكم الأقوياء قبضتهم على العالم. ولم يكن أمراً بلا دلالة أن يطلب هارون من مرضاه، وقد اختار التحول إلى مدرب رياضي في إحدى المصحات، الوقوف على أصابعهم أطول مدة ممكنة؛ بهدف امتحان قدرتهم على الصبر. ذلك أن مثل هذا النشاط، الذي جعله المؤلف عنواناً لروايته، يمكن أن يعصم الأفراد والجماعات، من الوقوع في شرك الخنوع والاستسلام، ويساعدهم على اجتياز الامتحان الصعب للحرية المنشودة.

أما تساؤل المؤلف بلسان جوزف، عن معنى الخيانة، وعما إذا كان ميخائيل قد خان بلاده حقاً، أم أن بلاده هي التي خانته، فهو السؤال الأكثر التباساً وتعقيداً الذي دفع المترجم العراقي حياته ثمناً له. وهو السؤال نفسه الذي طرحه بدر شاكر السياب على نفسه وعلى العالم، حين هتف في قصيدته «غريب على الخليج» قائلاً:

إني لأعجب كيف يمكن أن يخون الخائنونْ

أيخون إنسانٌ بلاده؟

إن خان معنى أن يكونَ،

فكيف يمكن أن يكونْ؟


جلساء العرش الأموي

مجسّمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي نواحي تدمر
مجسّمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي نواحي تدمر
TT

جلساء العرش الأموي

مجسّمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي نواحي تدمر
مجسّمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي نواحي تدمر

تطوّر فن النقش التصويري خلال العصر الأموي حيث اعتُمد بشكل أساسي في صوغ الحلل الزينية الخاصة بالمنشآت العمرانية المدنيّة التي شيّدها الخلفاء في نواح متعدّدة من صحاري بلاد الشام. اتضحت معالم هذا الفن في ثلاثينات القرن الماضي عند اكتشاف أطلال قصر يقع شمال أريحا، يُعرف اليوم باسم قصر هشام، قابله اكتشاف أطلال قصر آخر يقع جنوب غرب تدمر، يُعرف باسم قصر الحير الغربي. من بين أطلال هذين القصرين، خرج كمّ هائل من القطع التصويرية، دأب أهل الاختصاص على تصنيفها وتحديد موقعها الأصلي منذ اكتشافها. عرفت بعض هذه القطع شهرة واسعة، وظلّ البعض الآخر في الظل، مصدر بعضٍ منها قصر الحير الغربي، ومنها تبرز ثلاثة مجسّمات يمثّل كلّ منها قامة على عرش وثير، وفقاً لطراز كلاسيكي انتشر انتشاراً واسعاً خلال الحقبة الرومانية.

تعود هذه المجسّمات إلى القاعة التي تشكّل مدخلاً للقصر، وهي من الحجم المتوسّط، ويبلغ طول كلّ منها نحو نصف متر. التأليف الجامع واحد؛ قامة آدمية تجلس بثبات في وضعية المواجهة على عرش وثير. ارتبط هذا النموذج عند تكوينه بالتصاوير الإمبراطورية المتعدّدة، وعُرف في معجم الفنون الكلاسيكية باسم «العرش الإمبراطوري». انتقل هذا النموذج إلى الفن المسيحي في القرن الرابع، حيث ظهر المسيح مترّبعاً عليه، وظهرت أمّه السيدة مريم العذراء في وضعية مماثلة، وتحوّل هذا المثال إلى ركن ثابت من أركان الفنون المسيحية، على اختلاف أنواعها. تبنّى الفن الأموي هذا المثال كما يبدو، وأعاده إلى صفته الإمبراطورية الأولى، كما تشهد قطعة تعود إلى واجهة القصر الداخلية، سقط منها النصف الأعلى للأسف. يبلغ طول ما تبقّى من هذا النقش الناتئ متر، وعرضه 90 سنتيمتراً، وفيه يظهر العرش بقواعده، مع منصة في الوسط تستريح عليها قدما جليسه الملكي.

تُعتبر هذه القطعة من أشهر قطع قصر الحير الغربي، وهي ليست فريدة من نوعها، إذ تقابلها المجسّمات الثلاثة الأصغر حجماً. لم تصل هذه القطع بشكل كامل، وهي تتشابه من حيث التكوين، غير أنها تختلف اختلافاً كبيراً في التفاصيل، وأكملها قطعة تمثّل رجلاً ملتحياً، يجلس على عرش سقط الجزء الأسفل من قاعدته، ومعه سقطت قدما صاحبه. كتلة الرأس بيضاوية، يكلّلها شعر طويل ينسدل من خلف الأذنين، مع شق في الوسط، يفصل بين خصل الشعر التي تحد الوجه من الجهتين بشكل متناسق. العينان مفتوحتان، وجفناهما محدّدان، ويعلوهما حاجبان عريضان منفصلان. سقط الأنف الناتئ، غير أن تكوينه بقي ظاهراً. الفم صغير، وقوامه شق يفصل بين شفتين غابتا تحت شاربين عريضين تتصلان بلحية كثيفة حدّدت خصلها بشبكة من الخطوط الغائرة. يغيب الجسد تحت رداء فضفاض، يعلوه معطف يلتف حول الكتفين والصدر، كاشفاً عن ذراعين ترتفعان في اتجاه الصدر، سقطت منهما اليد اليمنى. الركبتان متباعدتان بشكل طفيف، والقدمان متلاصقتان كما يبدو. يغلب على هذا النقش الأسلوب الكلاسيكي، غير أنه يحمل مسحة محلية خاصة، تظهر في رسم ثنايا اللباس، وفقاً لأسلوب اتبع بشكل واسع في ميراث تدمر الفني.

تتكرّر صورة العرش في المجسمين الشبيهين، وتحضر في كلّ منهما امرأة، فقدت إحداهما رأسها بشكل كامل. يظهر الرأس الذي نجا على قامة فقدت ذراعيها، وتبدو ملامح وجهه تدمرية بامتياز. العينان ضخمتان وشاخصتان، مع بؤبؤ دائري غائر في وسط كلّ منهما. الحاجبان مقوّسان ومنفصلان. الفم والثغر مهشّمان. الشعر معقود حول الهامة، وخصله المرصوفة أشبه بشبكة زخرفية. اللباس بسيط، زينته عقد لؤلؤي تتدلى منه قلادة مربعة عريضة، وحزام مجدول ينعقد حول الخاصرة. الساقان متباعدتان، والقدمان ممدودتان أفقياً، وهما في وضعية جانبية.

تظهر المرأة الأخرى في وضعية مشابهة، زينتها عقد لؤلؤي تتوسّطه قلادة مستديرة تتدلّى منها ثلاثة فصوص بيضاوية، وحزام يأخذ شكل سلسلة من الحلقات المترابطة. تتميّز جليسة هذا العرش بما ترفعه ذراعاها نحو الأعلى. تنتصب اليد اليمنى عمودياً، وتحمل كتلة تبدو أشبه بكوز من الرمان، يقابلها عنقود من العنب يحتلّ طرف العرش الوثير. في المقابل، تمسك اليد اليمنى بقرن عريض، وهو في قاموس الفن الكلاسيكي «قرن الوفرة» المليء بثمار الأرض، وقد في القرن الخامس قبل الميلاد فارتبط بسيد العالم السفلي الذي عُرف باسم «هاديس»، أي «مانح الثروة»، كناية عما يحمله باطن الأرض من كنوز تشكّل جزءاً من مملكته. وارتبط في مرحلة لاحقة بسيدة الازدهار «تيكه»، سيدة الحظ السعيد والنجاح والازدهار ووفرة الغلال.

تعدّدت صور هذه السيدة ورموزها في الحقبة الرومانية، فبات لكل مدينة مزهرة «تيكه» خاصة بها. تجرّدت هذه الصورة في الحقبة البيزنطية فبقيت رمزاً لثراء الأرض الطيبة، ودخلت الفن الأموي المدني من هذا الباب، كما تشهد جداريات قصير عمرة في صحراء الأردن، حيث تحضر في الركن الذي يُعرف بـ«ركن العرش».

في الخلاصة، تُشكل مجسّمات قصر الحير الغربي من خلال هذه المقارنة صورة منقوشة موازية لهذا الحضور التشكيلي. يحضر المَلك على عرشه، وتجاوره وصيفتان تجسّدان الثراء والوفرة والعطاء، وهي المزايا التي تتميّز بها سلطته الملكية الصالحة.