مظاهرات تعم لبنان وشعارات موحدة ضد السلطة

قتيل في طرابلس ومعارك كر وفر في بيروت

حشد من المحتجين في ساحة رياض الصلح بوسط بيروت أمس (أ.ف.ب)
حشد من المحتجين في ساحة رياض الصلح بوسط بيروت أمس (أ.ف.ب)
TT

مظاهرات تعم لبنان وشعارات موحدة ضد السلطة

حشد من المحتجين في ساحة رياض الصلح بوسط بيروت أمس (أ.ف.ب)
حشد من المحتجين في ساحة رياض الصلح بوسط بيروت أمس (أ.ف.ب)

لم يتغير المشهد في شوارع لبنان بين مساء الخميس وطوال يوم الجمعة، حيث عمت الاحتجاجات الشعبية مختلف المناطق، وأقفلت الطرقات، احتجاجاً على الأوضاع المعيشية، وفرض الضرائب الإضافية.
من بيروت إلى الشمال والجنوب والبقاع، كانت صرخة شبه موحدة من المواطنين اللبنانيين الذين نزلوا على اختلاف انتماءاتهم وأعمارهم، في مشهد يكاد يختلف عن كل الاحتجاجات السابقة التي شهدها لبنان، لجهة بعدها عن أي مراجع سياسية، وشمولها مختلف المناطق، حتى تلك المحسوبة على الثنائي الشيعي، كما وحدة الشعارات المرفوعة، قبل أن يدعو «الحزب التقدمي الاشتراكي» وحزب «القوات اللبنانية»، المشاركان في الحكومة، مناصريهما للانضمام إلى التحركات.
وتم الالتزام بإقفال المدارس والمصارف في مختلف المناطق، تنفيذاً لقرار وزير التربية أكرم شهيب وجمعية المصارف، وقد بدت حركة السير خفيفة جداً على الطرقات العامة والرئيسية.
وفيما تميزت التحركات طوال ساعات النهار بالهدوء إلى حد ما، انفجر الوضع بعد دقائق من كلمة رئيس «التيار الوطني الحر»، وزير الخارجية جبران باسيل، التي لم تلقَ تجاوباً من المتظاهرين، حيث سجلت مواجهات بين القوى الأمنية والمحتجين الذين ألقوا المفرقعات النارية في ساحة رياض الصلح، بوسط بيروت. وبدت ساحة رياض الصلح ساحة حرب ليلة أمس وسط كر وفر بين مئات المحتجين وقوات الأمن.
وطغت شعارات «الشعب يريد إسقاط النظام» و«كلن يعني كلن» (جميعهم يعني جميعهم) على المظاهرات التي عمت المناطق اللبنانية ووصلت إلى مقر رئاسة الحكومة، في وسط بيروت، أمس. وكان لمكاتب نواب محسوبين على «حزب الله» وحركة «أمل»، بينهم رئيس كتلة «حزب الله» محمد رعد، إضافة إلى نواب الحركة ياسين جابر وهاني قبيسي وعلي بزي، حصة من الاحتجاجات، حيث انتشرت صور ومقاطع فيديو على وسائل التواصل الاجتماعي تظهر تكسير لوحات أمام مكاتبهم. كما تم بث فيديوهات لإحراق صور رئيس الجمهورية العماد ميشال عون.
وفيما كان يسجل تزايد في أعداد المشاركين مع ساعات النهار، كان المحتجون يعمدون إلى إقفال الطرقات بالإطارات المشتعلة، مع محاولات مستمرة للقوى الأمنية لفتح بعض المسارب، تسهيلاً لمرور السيارات.
وظهراً، أعلنت قوى الأمن الداخلي أن عدد الإصابات في صفوف عناصرها وصل إلى 60، وقالت في بيان: «مع حرصنا وإيماننا بحرية التعبير، فإننا لن نقبل بالاعتداء على عناصر قوى الأمن، وعلى الأملاك العامة والخاصة»، ونبهت إلى أن «كل مخل بالأمن، وكل شخص تبين أنه اعتدى على الأملاك العامة والخاصة، وعلى عناصر قوى الأمن، سيتم توقيفه وفقاً للقانون». وطلبت قوى الأمن من المواطنين التظاهر برقي، وعدم اللجوء إلى الفوضى والعنف.
وفي طرابلس، توتر الوضع مساء على خلفية قيام مناصرين لنائب سابق بإطلاق النار عشوائياً على المتظاهرين في ساحة النور، ما أدى إلى سقوط قتيل وستة جرحى.
ويعد وزير الداخلية السابق زياد بارود أن انتفاضة الشارع التي انفجرت الخميس، بعد فرض الرسوم على المكالمات الصوتية عبر الإنترنت، ليست إلا نتيجة تراكمات عاشها اللبناني في السنوات الأخيرة، وتحديداً الانكماش الاقتصادي، وتداعياته التي وصلت إلى مرحلة غير مسبوقة. وبالتالي، كان من الطبيعي أن تصل الأمور إلى هذا الحد من الغضب.
ويقول لـ«الشرق الأوسط»: «غضب الناس بات مبرراً وهم الذين منحوا السلطة فرصة أولى في الانتخابات، وثانية عند تشكيل الحكومة، آملين أن تقدم لهم شيئاً من تدابير وإجراءات جدية ما، فإذا بها لا ترى الإصلاحات إلا في الضرائب التي تمس جيوب الفقراء».
ويضيف: «قد يكون الوضع بحاجة إلى تدابير غير شعبية، إنما ليس ضرائب بالشكل التي تم طرحها، في حين كان هناك خيارات أخرى بإمكان السلطة اللجوء إليها، كرفع السرية المصرفية، واستعادة الأموال المنهوبة، وخفض رواتب الوزراء والنواب، لكنها لم تقدم على أي خطوة منها».
ومع رؤيته أن هذه المظاهرات تختلف عن كل ما سبقها من تحركات في لبنان، وإن تشابهت إلى حد ما مع تلك التي نظمت في عام 2005، على خلفية أزمة النفايات، يرى أنها ستدخل لبنان في مرحلة جديدة، مبدياً خشيته في الوقت عينه من أن تصطدم ببعض التدخلات من الأطراف السياسية المنظمة، على غرار عام 2005، في ظل وجود شارع مقابل شارع في لبنان، وحيث للطبقة التقليدية السياسية جمهورها أيضاً.
وكانت المظاهرات التي بدأت مساء الخميس قد استمرت طوال الليل، حيث رافقها قطع طرقات بالإطارات المشتعلة.
وقبل ظهر أمس، قطع المحتجون كل الطرق المؤدية إلى المطار بشكل تام، ومن كل الجهات، مع تسجيل انتشار كثيف للقوى الأمنية والجيش. وقد عمد المحتجون إلى حرق إطارات بأعداد كبيرة. كما قاموا بإحراق الأخشاب وأغصان الأشجار، وطالبوا بتفتيش السيارات ذات الشبابيك الداكنة التي قد تدخل إلى المطار. وسادت الطريق حالة من الهرج والمرج، في ظل محاولة القوى الأمنية تهدئة الأوضاع.
وذكرت «الوكالة الوطنية للإعلام» أن الجيش اللبناني منع بعض الأشخاص الذين حاولوا اجتياز الطريق بواسطة الدراجات النارية من الدخول إلى المطار، كما حاولت عناصر الجيش اللبناني، ضباطا وأفراداً، التحدث إلى المحتجين الذين كانوا يشكون أوضاعهم الاقتصادية، ويطالبون بعدم السماح لأي مسؤول بالسفر إلى خارج لبنان.
وفي وسط بيروت، حيث كان العدد الأكبر من المحتجين في ساحتي الشهداء ورياض الصلح، تم إقفال «جسر الرينغ» بالأتربة، احتجاجاً على الأوضاع الاقتصادية وفرض الضرائب. كما توجه المحتجون إلى مصرف لبنان، في شارع الحمرا، تتقدمهم مسيرة من الدراجات النارية، مرددين هتافات تدعو إلى «إسقاط النظام».
وفي منطقة الجبل، انضم أبناء المنطقة إلى الحركة الاحتجاجية، بناء على دعوة رئيس «الحزب الاشتراكي»، النائب السابق وليد جنبلاط، الذي صوب على «العهد»، ووزير الخارجية جبران باسيل، من دون أن يسميه، قائلاً إن «العهد يحاول من خلال رجله القوي أن يرمي المسؤولية على الغير، وهو الذي عطل كل المبادرات الإصلاحية الممكنة، وحرض عليها مستخدماً كل الوسائل». وأضاف: «إلى الرفاق والمناصرين، أدعو إلى التحرك الهادئ السلمي ضد هذا العهد الذي خرب كل شيء، واستأثر بكل شيء. نتحرك في مناطقنا لعدم خلق حساسيات».
ولفت أمين سر «الحزب التقدمي الاشتراكي»، ظافر ناصر، إلى تنظيم تحركات ستبدأ بعد ظهر اليوم في مختلف المناطق اللبنانية «نتيجة الفشل الذريع للعهد بتحقيق الإصلاحات الموعودة»، من دون أن يستبعد إمكانية الوصول «في نهاية المطاف، إلى حكومة من لون واحد، وتشكيل معارضة في الخارج، وإذا أراد الفريق الآخر أن يحكم فليحكم».
وبدوره، دعا رئيس حزب «الكتائب»، النائب سامي الجميل، اللبنانيين إلى «النزول إلى الشارع بطريقة سلمية، للمطالبة أولاً باستقالة فورية من جانب هذه الحكومة، حكومة المحاصصة والتسوية، وبتشكيل حكومة حيادية من الاختصاصيين تناط بها مهمتان: أولاهما إنقاذ الوضع الاقتصادي من الهريان، وثانيتهما إنقاذ الوضع الاجتماعي والمعيشي، والسير بالإصلاحات التي لا تطال الناس، بل منظومة الهدر والفساد الموجودة في الدولة».
ودعا رئيس «الكتائب» الناس إلى «المطالبة بإجراء انتخابات نيابية مبكرة، لإعطاء فرصة للناس ليحاسبوا (الطبقة السياسية)، نتيجة الغش الذي تعرضوا له من جانب الذين تاجروا بأصواتهم من أجل طموحاتهم ومصالحهم الشخصية».
وبعد الظهر، دعا رئيس حزب «القوات اللبنانية»، سمير جعجع، المحازبين والمناصرين للمشاركة في التحركات الشعبية الجارية «وفق منطق وأجواء هذه التحركات، أي من دون شعارات وأعلام حزبية»، وأكد أنه «لا يمكن لهذه الأزمة أن تنتهي سوى بمجموعة متغيرات جذرية، تبدأ باستقالة هذه الحكومة، وتشكيل حكومة جديدة، بعيدة كل البعد عن الطاقم السياسي الحالي».
وكان للجنوب حصة من الاحتجاجات، حيث شهدت مدينة النبطية ومحيطها تحركات احتجاجية، وغطت سحب من الدخان الأسود الكثيف معظم القرى والبلدات المحيطة بالمدينة، نتيجة الإطارات المشتعلة. وفي صور، أقفل الشارع العام عند بداية بلدة صريفا - قضاء صور، مما منع المواطنين من الوصول إلى قرى قضاء بنت جبيل. وهتف المتظاهرون مطالبين بإسقاط الحكومة، وتسلم السلطة من قبل الجيش اللبناني.
ولم يختلف المشهد في إقليم الخروب، حيث أدى المحتجون صلاة الجمعة في وسط الأوتوستراد في الجية. وفي الشمال، قطعت كل الطرق التي تربط بين نقطة المدفون وطرابلس في نقاط عدة في البترون.



حصار الحوثيين يهدد حياة 147 ألف امرأة في تعز

تفقد 3 نساء يمنيات حياتهن يومياً بسبب مضاعفات الحمل (إعلام محلي)
تفقد 3 نساء يمنيات حياتهن يومياً بسبب مضاعفات الحمل (إعلام محلي)
TT

حصار الحوثيين يهدد حياة 147 ألف امرأة في تعز

تفقد 3 نساء يمنيات حياتهن يومياً بسبب مضاعفات الحمل (إعلام محلي)
تفقد 3 نساء يمنيات حياتهن يومياً بسبب مضاعفات الحمل (إعلام محلي)

يهدد الحصار الذي تفرضه الميليشيات الحوثية على مدينة تعز اليمنية حياة أكثر من 147 ألف امرأة وفتاة في سن الإنجاب، في ظل تراجع الخدمات الصحية، وتعذُّر الوصول إلى الرعاية المنقذة للحياة، وسط تصاعد الأعمال العدائية وتدفق موجات جديدة من النازحين من الساحل الغربي.

وحذَّر صندوق الأمم المتحدة للسكان من أن أكثر من 147 ألفاً و600 امرأة وفتاة في سن الإنجاب يواجهن صعوبات في الحصول على الخدمات الصحية الضرورية، مع استمرار القيود المفروضة على الوصول إلى المدينة، وتفاقم الضغوط على المرافق الطبية بفعل العنف والنزوح ونقص الإمدادات.

وتكشف الأرقام الأممية عن تدهور حاد في خدمات الأمومة وحديثي الولادة؛ إذ لا يعمل سوى 5 مستشفيات بشكل جزئي من أصل 27 مستشفى مخصصاً لهذه الخدمات في حالات الطوارئ داخل المدينة. ويؤدي نقص الوقود والمستلزمات الطبية والكوادر المؤهلة للمساعدة في الولادة إلى ارتفاع تكاليف العلاج والنقل، ويقلص فرص حصول النساء على الرعاية الضرورية في الوقت المناسب.

الحوثيون شرَّدوا أكثر من 150 ألفاً من سكان ريف تعز (إعلام محلي)

وتواجه النساء الحوامل مخاطر متزايدة في ظل هذا التراجع. ويقدِّر الصندوق الأممي أن أكثر من 13 ألفاً ومائة امرأة حامل يواجهن صعوبة في الوصول إلى خدمات صحة الأم، بينهن نحو 1500 امرأة يُتوقع أن يضعن مواليدهن خلال الأسبوعين المقبلين. وتحتاج 500 امرأة على الأقل إلى رعاية توليدية طارئة وخدمات لحديثي الولادة، ما يعرضهن لمضاعفات قد تهدد حياتهن في حال تعذُّر التدخل الطبي العاجل.

قيود وانعدام الحماية

لا تقتصر تداعيات الحصار الحوثي على الخدمات الصحية؛ بل تمتد إلى الحماية الإنسانية. ووفق البيانات الأممية، توقف نحو 75 في المائة من خدمات الحماية من العنف الموجهة للنساء والفتيات في محافظة تعز، بما يشمل المساحات الآمنة والملاجئ. كما تواجه النازحات ذوات الإعاقة نقصاً في الأجهزة المساعدة والمستلزمات الخاصة باحتياجاتهن اليومية.

وأشار صندوق الأمم المتحدة للسكان إلى أن القيود المفروضة على الوصول تحول دون إيصال «حقائب الكرامة» إلى المدينة، ما يحرم النساء والفتيات النازحات من مستلزمات الصحة الشخصية، ويزيد تعرضهن لمخاطر الاستغلال والعنف وزواج الأطفال القسري.

الحوثيون يواصلون استهداف الأحياء السكنية في تعز (إعلام محلي)

وقال فرانشيسكو غالتيري، ممثل الصندوق في اليمن، إن تعذُّر الوصول إلى الخدمات المنقذة للحياة يزيد المخاطر التي تواجه صحة النساء والفتيات وسلامتهن وفرص بقائهن على قيد الحياة، مؤكداً استعداد الشركاء الإنسانيين للاستجابة، ولكنهم يحتاجون إلى وصول آمن ومستدام ومن دون عوائق، للوصول إلى الفئات الأكثر عرضة للخطر.

يأتي ذلك في وقت يسجل فيه اليمن أحد أعلى معدلات وفيات الأمهات في المنطقة العربية، مع وفاة 3 نساء يومياً بسبب مضاعفات الحمل التي يمكن الوقاية منها، بينما تفتقر 6.2 مليون امرأة وفتاة إلى خدمات الحماية الأساسية، وفق البيانات الواردة عن الصندوق الأممي.


المساجد... منصات حوثية لتمويل الحرب واستقطاب المقاتلين

الحوثيون يستغلون منابر المساجد لخدمة مشروعهم الانقلابي (الشرق الأوسط)
الحوثيون يستغلون منابر المساجد لخدمة مشروعهم الانقلابي (الشرق الأوسط)
TT

المساجد... منصات حوثية لتمويل الحرب واستقطاب المقاتلين

الحوثيون يستغلون منابر المساجد لخدمة مشروعهم الانقلابي (الشرق الأوسط)
الحوثيون يستغلون منابر المساجد لخدمة مشروعهم الانقلابي (الشرق الأوسط)

حوّلت الميليشيات الحوثية المساجد في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء وضواحيها إلى أدوات للتعبئة العسكرية وجمع الأموال، مستغلةً المنابر لحشد المقاتلين واستنزاف جيوب المصلين تحت لافتة ما تسميه «المجهود الحربي»، في وقت تتفاقم فيه الأزمات المعيشية وتتراجع قدرة السكان على توفير احتياجاتهم الأساسية.

وقالت مصادر محلية لـ«الشرق الأوسط» إن الميليشيات الحوثية كثّفت، خلال الأيام الأخيرة، حملات جمع التبرعات داخل المساجد وعلى أبوابها في ثماني مديريات بصنعاء، عبر نصب صناديق مالية وحث المصلين على تقديم الأموال لتمويل أنشطتها العسكرية، بما في ذلك ما تسميهما «القوة الصاروخية» و«الطيران المسيّر».

وأضافت المصادر أن معمَّمي الميليشيات الحوثية استغلوا المساجد للدعوة إلى التبرع العاجل، بالتوازي مع حملات تحريض معنوي تستهدف دفع المواطنين إلى الاستجابة، وربط الامتناع عن تقديم الأموال بالتقاعس عن نصرة الجماعة، في مسعى لتوظيف الضغط الديني والتخوين السياسي لانتزاع مزيد من الموارد.

مسجد في صنعاء حوله الحوثيون إلى مكان للتعبئة (إعلام حوثي)

ولا تقتصر التحركات الحوثية على جمع الأموال، إذ امتدت إلى استقطاب مقاتلين جدد من داخل المساجد، من خلال دعوات إلى ما تسميه «النفير العام»، وتسجيل أسماء الراغبين في الالتحاق بدورات عسكرية وتعبوية تمهيداً لإرسالهم إلى جبهات القتال، خصوصاً في تعز ومأرب والجوف والساحل الغربي.

وتكشف هذه الحملات عن مساعٍ حوثية للجمع بين تأمين التمويل واستقطاب المقاتلين، في وقت تواجه فيه الجماعة خسائر بشرية وعسكرية على عدد من الجبهات، بينما يتحمل السكان أعباء اقتصادية متزايدة.

ضغوط من المنابر

حسب مصلّين، تضمّنت الدعوات الحوثية اتهامات لمن يمتنعون عن التبرع بالتقاعس واللامبالاة، وربطت عدم التجاوب مع الدعوات بالوقوف إلى جانب الحكومة الشرعية، في محاولة لدفع المصلين إلى تقديم الأموال تحت ضغط ديني وسياسي.

وأثارت هذه الممارسات استياءً بين سكان رأوا فيها استغلالاً لحرمة دور العبادة وتحويلها إلى نقاط لجمع الأموال وتمويل الحرب، في وقت تعاني فيه قطاعات واسعة من تدهور القدرة الشرائية وتراجع مصادر الدخل، وتكافح أسر كثيرة لتأمين احتياجاتها اليومية.

عنصر أمني حوثي في تفتيش يسبق تجمعاً مسلحاً في صنعاء (أ.ف.ب)

وقالت المصادر إن الحملات شملت مديريات الوحدة، ومعين، والسبعين، والتحرير، وآزال، وصنعاء القديمة، والثورة، والصافية، حيث وُضعت صناديق للتبرعات داخل المساجد وعلى أبوابها، مع حث المصلين على تمويل الأنشطة العسكرية للجماعة.

وتزامنت هذه التحركات مع تصعيد دعوات التجنيد، إذ دفعت الجماعة بعناصر تابعة لها إلى بوابات عدد من المساجد عقب صلاة الجمعة، حاملين سجلات وطاولات وكراسي، بهدف تسجيل بيانات الراغبين في الالتحاق بدورات عسكرية وتعبوية.

عزوف عن التجنيد

يقول رامي، وهو أحد سكان صنعاء، لـ«الشرق الأوسط»، إن عناصر حوثية ترتدي بزات عسكرية وصلت في وقت مبكر من يوم الجمعة الماضي إلى بوابات أحد المساجد في منطقة التحرير وسط العاصمة، مصطحبةً سجلات التسجيل، بالتزامن مع مناشدات أطلقها خطباء تابعون للجماعة لحث المصلين على الاستجابة.

تصعيد الحوثيين يفاقم النزوح ويهدّد الأمن الغذائي بتعز (رويترز)

وأضاف أن معظم المصلين رفضوا التجاوب مع الدعوات، وغادر كثيرون منهم عقب الصلاة من دون الالتفات إلى العناصر التي كانت تنتظرهم عند البوابات، في مؤشر على تنامي العزوف عن حملات التحشيد، وفق روايته.

وأفادت المصادر بأن معمّمي الجماعة ربطوا المشاركة في الدورات العسكرية بما وصفوها بالواجبات الدينية والوطنية، في مسعى لتوسيع قاعدة التجنيد وتعويض النقص في المقاتلين، بالتزامن مع المواجهات المستمرة في عدد من خطوط القتال.

وتضع هذه التحركات المساجد في قلب مساعي الجماعة لتعبئة الموارد البشرية والمالية، بعدما باتت المنابر وسيلة لحشد الدعم لأنشطتها العسكرية، بدلاً من الاقتصار على دورها الديني والاجتماعي.


الحوثيون يستنفرون المئات من عناصرهم لتعويض خسائرهم في تعز

رغم الحصار الحوثي على تعز فإن جبهاتها مستمرة في استنزاف قدرات الجماعة (إعلام عسكري)
رغم الحصار الحوثي على تعز فإن جبهاتها مستمرة في استنزاف قدرات الجماعة (إعلام عسكري)
TT

الحوثيون يستنفرون المئات من عناصرهم لتعويض خسائرهم في تعز

رغم الحصار الحوثي على تعز فإن جبهاتها مستمرة في استنزاف قدرات الجماعة (إعلام عسكري)
رغم الحصار الحوثي على تعز فإن جبهاتها مستمرة في استنزاف قدرات الجماعة (إعلام عسكري)

دفعت الميليشيات الحوثية بتعزيزات عسكرية جديدة من صنعاء وذمار وإب باتجاه محافظة تعز، في مسعى لتعويض خسائرها البشرية وتعزيز مواقعها القتالية، وسط تعثر جهود استقطاب مقاتلين جدد من السكان والقبائل في مناطق سيطرتها.

وقالت مصادر مطلعة لـ«الشرق الأوسط» إن التعزيزات التي تحركت خلال الساعات الماضية ضمت عشرات العربات العسكرية التي تُقلّ مئات المسلحين، متجهة إلى جبهات القتال في تعز، خصوصاً الجبهة الغربية للمدينة التي تشهد مواجهات متواصلة.

وأوضحت المصادر أن غالبية المجنّدين الذين شملتهم التعزيزات ينتمون إلى فئة المهمّشين من ذوي البشرة السمراء، إلى جانب عناصر وضباط أمنيين سُحبوا من مراكز الشرطة والسجون وأُلحقوا بالتشكيلات المتجهة إلى الجبهات، في مؤشر على الضغوط التي تواجهها الجماعة لتوفير مقاتلين جدد وسد النقص في صفوفها.

ويأتي إرسال هذه التعزيزات في ظل تراجع قدرة الجماعة على استقطاب مزيد من المقاتلين من المواطنين وأبناء القبائل، مع تصاعد الرفض الشعبي والقبلي لحملات الحشد والتعبئة؛ مما يدفعها إلى نقل عناصر من محافظات عدة خاضعة لسيطرتها لتعزيز خطوط المواجهة.

عربة حوثية على متنها مجندون جدد ضمن التعزيزات الحوثية الأخيرة إلى تعز (فيسبوك)

ورصد سكان في مناطق حزيز بصنعاء، ومعبر بمحافظة ذمار، ومفرق حبيش ومنطقة القاعدة بمحافظة إب، أرتالاً عسكرية حوثية تعبر الطريق الرئيسية الرابطة بين المحافظات الثلاث وتعز، مساء السبت والأحد الماضيين.

وقال السكان إن العربات كانت تمر على دفعات متتابعة تفصل بينها بضع دقائق، وعلى متنها المسلحون الحوثيون، في تحركات بدت جزءاً من عملية نقل منظمة لتعزيز الوجود العسكري للجماعة في المحافظة.

وذكرت المصادر أن المجنّدين نُقلوا بعد تلقي تدريبات قتالية مكثفة أشرف عليها قادة ميدانيون، مشيرة إلى أن التحركات سبقتها عمليات نقل أسلحة ومعدات عسكرية متنوعة إلى عدد من جبهات القتال في تعز.

ضغوط التجنيد

تتزامن التعزيزات الحوثية مع استمرار المواجهات في محيط مدينة تعز، وسط خسائر بشرية وعسكرية تتكبدها الجماعة الحوثية، وفقاً للمصادر، في وقت تسعى فيه إلى تدعيم مواقعها بمزيد من الأفراد والعتاد.

عمال النظافة في اليمن مستهدفون حوثياً بالتجنيد والحشد (فيسبوك)

ويعكس اللجوء إلى استقدام مجنّدين من محافظات مختلفة، بالتزامن مع تعثر استقطاب أبناء القبائل والسكان، صعوبة رفد الجبهات بالمقاتلين، ويزيد من اعتماد الجماعة على حملات التعبئة ونقل العناصر إلى خطوط المواجهة.

كما يسلّط هذا التحرك الضوء على التكلفة التي يفرضها الحوثيون على السكان في مناطق سيطرتهم، مع الدفع بمزيد من المجنّدين إلى جبهات القتال بدلاً من الاستجابة لمعالجة الانهيار المعيشي والخدمي.