الاتفاق القلق على وقف «نبع السلام» اختبار للثقة بين أنقرة وواشنطن

تركيا مقتنعة بحصولها على ما تريد في شرق الفرات... وتهم «بيع الأكراد» تلاحق ترمب

الاتفاق القلق على وقف «نبع السلام» اختبار للثقة بين أنقرة وواشنطن
TT

الاتفاق القلق على وقف «نبع السلام» اختبار للثقة بين أنقرة وواشنطن

الاتفاق القلق على وقف «نبع السلام» اختبار للثقة بين أنقرة وواشنطن

بعد 8 أيام من القصف المكثف والاشتباكات العنيفة بين القوات التركية وفصائل «الجيش الوطني السوري» الموالية لأنقرة، من ناحية، وميليشيا «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) التي تشكل «وحدات حماية الشعب» الكردية مكوّنها الأساسي، من ناحية أخرى، أوقفت تركيا بضغط أميركي عمليتها العسكرية التي أطلقت عليها «نبع السلام».
العملية كانت قد بدأتها أنقرة يوم 9 أكتوبر (تشرين الأول) الجاري من أجل السيطرة على منطقة شرق الفرات والقضاء على وجود ميليشيا «الوحدات» الكردية فيها. غير أن القيادة التركية وافقت على وقف اجتياح مناطق شمال شرقي سوريا أول من أمس (الخميس) لمدة خمسة أيام من أجل السماح للميليشيات الكردية بالانسحاب من «المنطقة الآمنة» التي تسعى أنقرة لإنشائها في المنطقة تشمل بلدتي رأس العين وتل أبيض، ووصولاً إلى الحدود مع العراق، بعمق 32 كيلومترا وامتداد 444. بحسب آخر حدود لـ«المنطقة الآمنة» التي أعلنها الرئيس التركي رجب طيب إردوغان.
جرى الإعلان عن الوقف المؤقت للعملية العسكرية التركية في شمال شرقي سوريا على لسان نائب الرئيس الأميركي مايك بنس، في أعقاب مباحثات مطولة أجراها في أنقرة مع الرئيس التركي، وشارك فيها أيضا وزير الخارجية مايك بومبيو ومستشار الأمن الأميركي روبرت أوبراين. ولقد جاءت هذه الخطوة بعدما وصلت العلاقات التركية - الأميركية إلى منعطف حاد بسبب الاندفاع التركي نحو الانتهاء من فرض «المنطقة الآمنة» التي حددتها أنقرة من جانب واحد، وهو ما دفع الرئيس الأميركي دونالد ترمب، تحت ضغوط شديدة من الكونغرس إلى فرض عقوبات «ناعمة» على تركيا شملت وزراء الدفاع خلوصي أكار والداخلية سليمان صويلو والطاقة فاتح دونماز، ووزارتي الدفاع والطاقة، مع تهديده بتدمير الاقتصاد التركي ما لم توقف أنقرة العملية العسكرية.

استخفاف تركي
تهديد الرئيس الأميركي قابلته تركيا بالاستخفاف، والتأكيد على الاستمرار في العملية العسكرية حتى تحقيق جميع أهدافها التي حددتها في سياق «القضاء على التنظيمات الإرهابية» - وتقصد بها ميليشيا «وحدات حماية الشعب» الكردية، وأضافت إليها «داعش» من أجل الحصول على المباركة الأميركية -، وكذلك إعادة ما يتراوح بين مليون ومليوني لاجئ سوري من أصل 3.6 مليون لديها ومنع إقامة ما تسميه «ممرا إرهابيا» على حدودها الجنوبية.
لقد بنت تركيا موقفها على قرار ترمب بسحب القوات الأميركية من سوريا الذي كان قد أصدره في السادس من أكتوبر، والذي قرأته تركيا على أنه «ضوء أخضر» أميركي لشن غزو بشمال شرقي سوريا وسحق المقاتلين الأكراد، الذين هم حلفاء لواشنطن، قبل أن يتخلى عنهم ترمب ويتركهم فريسة سهلة لتركيا.
هذا، وشجّعت الرسائل المتناقضة الصادرة عن ترمب تركيا على المضي قدُماً في عمليتها العسكرية، إضافة إلى المواقف الأوروبية التي جاءت «في الحد الأدنى»، للتأثير على الموقف التركي أيضا بإدانة العملية العسكرية والتلويح بعقوبات «غير محددة»، وإعلان بعض الدول – منها ألمانيا وفرنسا وبريطانيا وإيطاليا وإسبانيا والسويد - وقف تصدير السلاح لتركيا.
كل ذلك دفع إردوغان إلى التمادي، رغم المؤشرات التي كانت تقطع بأن المواقف الدولية، سواءً الأميركية أو الأوروبية، قد تتطوّر إلى ما هو أبعد في معاقبة تركيا، وصولاً إلى تدمير اقتصادها بالفعل.
لكن الرئيس التركي أدرك بعدما رفض مقابلة الوفد الأميركي أن ثمن عداء أميركا قد يكون فادحاً، وأن تركيا قد تجد نفسها في عزلة تامة وظهرها للحائط... ولذا عاد وقبل بلقاء الوفد.
وهنا يقول مراقبون إن القطع بفكرة أن الولايات المتحدة «باعت» الأكراد افتراض خاطئ، نتج عن تغريدات ترمب المتناقضة التي تحدث فيها تارة عن فك الارتباط مع «وحدات حماية الشعب» الكردية بعدما قاتلت مع أميركا ضد «داعش»... وكلامه عن «تلقيها الكثير من المال مقابل ذلك»، وأن «عليهم - أي الأكراد - أن يحلوا مشاكلهم بأنفسهم، لأن أميركا لن تبقى في رمال سوريا لخمسين سنة قادمة من أجل حمايتهم».

اختبار للثقة
في الواقع، عكس الاتفاق الذي أعلنه بنس من أنقرة أول من أمس حالة انعدام الثقة بين أنقرة وواشنطن. إذ تضمّن وقف تركيا عمليتها العسكرية لمدة 5 أيام «للسماح بانسحاب وحدات حماية الشعب خلال هذه الفترة مع عدم فرض عقوبات أميركية جديدة على تركيا خلال الأيام الخمسة»، على أن يتم إلغاء العقوبات التي سبق فرضها بسبب العملية العسكرية بعد أن تعلن تركيا وقفاً نهائيا لإطلاق النار.
وفي البنود الأخرى، حصلت تركيا على العمق الذي تريده لـ«المنطقة الآمنة»، وهو 20 ميلا (32 كيلومترا) بينما لم يذكر شيء عن طول المنطقة التي تطالب أنقرة بأن يكون 444 كيلومتراً من منبج إلى حدود العراق، وإنهاء تركيا العملية العسكرية مع اكتمال انسحاب الميليشيات الكردية وامتناعها عن أي عمل عسكري في مدينة عين العرب (كوباني) التي دخلتها قوات نظام دمشق. كذلك، لن يكون للولايات المتحدة جنود على الأرض، بينما تلتزم أميركا وتركيا بالتوصل لاتفاق سلمي بشأن «المنطقة الآمنة» في سوريا، يضمن أمن أنقرة والأكراد، وضمان حماية الأقليات في شمال سوريا، وحماية السجون الموجودة هناك، مع التأكيد على أن هزيمة «داعش» هو الهدف المشترك لكل من أنقرة وواشنطن.
من جانبه، أكّد وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو أن «المنطقة الآمنة» ستكون بعمق 32 كيلومترا في سوريا وتمتد من شرق الفرات وحتى الحدود العراقية. وأنه جرى الاتفاق على تسليم الميليشيات الكردية سلاحها الثقيل إلى الجيش الأميركي، وأن تكون السيطرة على «المنطقة الآمنة» للقوات التركية، ومناقشة وضع منبج ومناطق أخرى بين تركيا روسيا، لافتاً إلى أن بلاده لم تقدم أي ضمانات بشأن عين العرب. وما يستحق الإشارة، أن نائب الرئيس الأميركي اعتبر أن «ما اتفق عليه سيخدم مصلحة الأكراد في سوريا ويؤسس لمنطقة عازلة طويلة الأمد»، ووصف وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو، الاتفاق مع تركيا بأنه «نجاح كبير وسينقذ حياة الملايين». وذكر بيان أميركي تركي مشترك أن القوات المسلحة التركية ستتولى إقامة «المنطقة الآمنة»، ورأى مسؤولون أتراك أن أنقرة حصلت على ما تريد بالضبط من المباحثات مع واشنطن.
هذا، وفي حال تنفيذ الاتفاق، يرى مراقبون أن الهدنة ستحقق الهدفين الرئيسيين اللذين أعلنت عنهما تركيا عندما شنت الهجوم قبل ثمانية أيام، وهما: السيطرة على شريط من الأراضي السورية بعمق يتجاوز 30 كيلومتراً، وإخلاء المنطقة من ميليشيا «وحدات حماية الشعب» الكردية، الحليف السابق لواشنطن.

تحفظ كردي
أما بالنسبة للأكراد، فقد صرّح القيادي الكردي البارز آلدار خليل بأنه يرحب بوقف المعارك مع تركيا في شمال سوريا، لكنه أكد أن الأكراد «سيدافعون عن أنفسهم إذا تعرضوا لهجوم، ثم إن إردوغان يريد التوغل 32 كيلومترا في سوريا وسبق لنا أن رفضنا ذلك». وقال مظلوم عبدي، القائد العام لميليشيا «قسد» بأن الميليشيا قبلت بالاتفاق مع تركيا في شمال سوريا و«سنفعل كل ما يلزم لإنجاحه»، لافتاً إلى أن اتفاق وقف إطلاق النار هو «البداية، فحسب»، ويجب ألا تتحقق أهداف تركيا التي شنت توغلا في شمال سوريا الأسبوع الماضي، مركزاً على أن الاتفاق يقتصر على المنطقة الواقعة بين مدينتي رأس العين وتل أبيض الحدوديتين.

أزمات متعددة
على صعيد متصل، فجّر الهجوم الذي كانت تركيا بدأته الأربعاء قبل الماضي أزمة إنسانية جديدة في سوريا تمثلت بنزوح ما بين 200 و300 ألف مدني، وأثار هذا الأمر مخاوف أمنية تتعلق بآلاف من مقاتلي تنظيم داعش المحتجزين في سجون الأكراد، بالإضافة إلى أزمة سياسية يواجهها ترمب في الداخل، منها الاتهامات بالتخلي عن المقاتلين الأكراد الذين كانوا شركاء واشنطن الرئيسيين في معركة إنهاء «داعش» في سوريا. ويبدو أن تركيا لم تتجنب تماماً خطر العقوبات بسبب غضب المشرّعين الديمقراطيين والجمهوريين مما قامت به في شمال شرقي سوريا، فلقد تعهد نواب في الكونغرس بمواصلة العمل بكل قوة لفرض عقوبات صارمة على تركيا رغم إعلان وقف إطلاق النار بشكل مؤقت في سوريا.
غير أن الأمم المتحدة رحبت، من جانبها، «بأي جهود» لوقف تصعيد الموقف في شمال سوريا وحماية المدنيين، وذلك بعدما وافقت تركيا على وقف هجومها داخل المنطقة.
أما ترمب نفسه، فإنه أثنى على نظيره التركي إردوغان، وهو الذي كان قد كشف قبل مباحثات الوفد الأميركي في أنقرة عن رسالة بعث بها إليه يوم انطلاق العملية العسكرية وصفه فيها بالمتصلب والأحمق وهدده بتدمير الاقتصاد التركي، قبل أن يعود ليصفه بأنه «زعيم فذ». وجاء في ثناء ترمب قوله «إردوغان صديق لي، وأنا سعيد بأننا لم نواجه مشكلة، لأنه بصراحة زعيم فذّ... إردوغان رجل قوي وقد فعل الشيء الصحيح، وأنا أقدر ذلك، وسأظل أقدره في المستقبل».

مخاوف عودة «داعش»
جدير بالذكر، أنه منذ إعلان إردوغان عن بدء عملية «نبع السلام» تفجرت المخاوف من عودة «داعش» إلى الظهور من جديد عبر الهجوم التركي الذي قد يمتد إلى السجون التي وضعت فيها قسد الآلاف من عناصر التنظيم المتطرف. وفعلاً، أعلنت ميليشيا «قسد» أن 800 من أفراد عائلات مقاتلي «داعش» فرّوا من مخيم في بلدة عين عيسى (محافظة الرقة) بسبب القصف التركي، وأن خمسة من المتشددين فروا من مركز احتجاز. واسترجعت تقارير بهذا الشأن المواقف السابقة لتركيا تجاه «داعش»، وادعاءات دعمها للتنظيم وإمكانية تجنيد عناصره في صفوف الجيش الوطني للقتال ضد «قسد»، أو إطلاقهم إلى مناطق صراعات كحال ليبيا مثلاً، أو استخدامهم ضد بعض دول المنطقة والدول الأوروبية.
ومن جانبه، استغل «داعش» الغزو التركي للأراضي السورية، بإطلاقه سراح عدد من المحتجزات التابعات للتنظيم، غرب مدينة الرقة.
وادعت وكالة «أعماق» التابعة لـ«داعش»، في بيان أول من أمس، أن عددا من عناصر التنظيم الإرهابي تمكنوا من مهاجمة مقر تابع لـ«قسد» في قرية المحمودلي، غربي الرقة، ونجحوا في إطلاق سراح مجموعة من الداعشيات. وكان وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان قد قال، أول من أمس، إن 9 فرنسيات من المنتميات لتنظيم داعش قد فررن من مخيم خاضع لسيطرة الأكراد في شمال غربي سوريا
من جانبه، قال عبدي، القائد العام لـ«قسد»، بأن قواته لن تسلم عناصر التنظيم المتطرف وعائلاتهم المعتقلين لديها إلى أي جهة. وأضاف «أن عناصر «داعش» وعائلاتهم لدينا، نحن من ألقى عليهم القبض، ونحن من يحدد مصيرهم». ويذكر أنه، وفق المعلومات المتوافرة، تحتجز «قسد» نحو 11 ألف عنصر من «داعش»، بينهم 9 آلاف من العراق وسوريا و2000 ينتمون إلى نحو 50 دولة. وسبق أن حذرت منظمة «هيومن رايتس ووتش» الدول الأوروبية من نقل المئات من عناصر «داعش» من سجون «قسد» في سوريا إلى العراق، بالتزامن مع العملية العسكرية التركية شرق الفرات.
وأعربت المنظمة عن قلقها من أن «بعض الدول الأوروبية لا تريد استعادة مواطنيها الدواعش، بل تسعى لنقلهم إلى العراق، بعدما أثار هجوم بدأته أنقرة قبل نحو أسبوع ضد المقاتلين الأكراد في سوريا خشيتها من أن يتمكن هؤلاء من الفرار من السجون». ودعت المنظمة كلا من «فرنسا والدنمارك وألمانيا وبريطانيا» ودولا أخرى لاستعادة مواطنيها، مع العلم أن محاكم عراقية أصدرت خلال الصيف أحكاما بالإعدام على 11 فرنسياً كانوا قد اعتقلوا في سوريا، بسبب انتمائهم إلى تنظيم داعش. وأعلنت بلجيكا، أمس، فرار عناصر من التنظيم يحملون جنسيتها من أحد السجون الخاضعة لسيطرة «قسد» في شمال شرقي سوريا. وفي المقابل، دعت أنقرة، مع انطلاق عمليتها، الدول الأوروبية إلى التعاون واستعادة عناصرها الذين قاتلوا من قبل في صفوف «داعش»، وادعت أنها ستكون قادرة على السيطرة على عناصر التنظيم الموجود في السجون متهمة «قسد» بتوظيفهم.

الدور الروسي
في هذه الأثناء، يتوقع العديد من المراقبين أن يتعاظم دور روسيا في رسم خارطة الشمال السوري في الفترة المقبلة رغم الاتفاق التركي – الأميركي، إذ انتقل ملف منبج وعين العرب فعلياً إلى روسيا الآن، وذلك بعدما دخلت قوات نظام دمشق المدينتين السوريتين بدعم من روسيا للتوصل إلى اتفاق بين النظام و«قسد». وهو ما يعني أن تركيا ستحتاج في جميع خطواتها القدمة إلى التنسيق مع روسيا.
ومعلوم، أن أنقرة فتحت بالفعل مشاورات مع موسكو بشأن الوضع في المنطقة. وأعلن وزير الخارجية التركي أول من أمس أن روسيا تعهدت بإبعاد الميليشيات الكردية عن الحدود التركية، كما أعلن عقب مباحثات الوفد الأميركي، أنه تم الاتفاق على التنسيق مع روسيا بشأن منبج و«مناطق أخرى»، في إشارة إلى عين العرب.
وحسب المعطيات، لا تمانع أنقرة في سيطرة نظام دمشق على المدينتين، بل رحب إردوغان بذلك قائلا «ليس لدى تركيا نية للهجوم على عين العرب»، لافتا إلى أن اتفاق «خارطة الطريق» في منبج، الموقع مع أميركا في يونيو (حزيران) 2018، لم يتحقق. والمرتقب أن يزور إردوغان موسكو في 22 أكتوبر (تشرين الأول) الجاري لبحث التطورات في سوريا.
ومن المنتظر، وفق المراقبين، أن يطلب الدعم الروسي بالنسبة لـ«المنطقة الآمنة» مع ضمان عدم حدوث اشتباكات بين قوات نظام الأسد والقوات التركية وحلفائها، في ظل موقف دمشق من الاتفاق التركي - الأميركي بشأن شرق الفرات، إذ رأت أنه «اتفاق غامض».

حقائق وأرقام عن العملية حتى الآن
> خسرت تركيا 8 جنود في الاشتباكات و20 مدنياً بالإضافة إلى عشرات المصابين جراء قصف ميليشيا «قسد» المناطق الحدودية، بالإضافة إلى آليات عسكرية عدة.
> قتل من «الجيش الوطني السوري» الموالي لتركيا 46 مسلحاً وأصيب 136 آخرون خلال الاشتباكات مع «قسد».
> تسببت عملية «نبع السلام» العسكرية في تراجع سعر صرف الليرة التركية، بأكثر من 5 في المائة لتصبح صاحبة الأداء الأسوأ بين العملات الرئيسية في أكتوبر الجاري. وصنف بنك «جي بي مورغان» الأميركي الليرة التركية، مع الروبل الروسي، كأكثر العملات انكشافا على التقلبات السياسية.
> علقت مجموعة فولكسفاغن الألمانية لصناعة السيارات خططها لإنشاء مصنع جديد لها في تركيا بسبب الغزو التركي لشمال شرقي سوريا.
> خسرت ميليشيا «قسد» 702 من عناصرها، إلى جانب مفاجأة تخلي ترمب عنهم بعد سحب جنوده من شرق الفرات.
> بسبب خروج الجيش الأميركي، واتخاذه موقف الحياد تجاه ما يحدث للأكراد، اضطر الأكراد إلى عقد صفقة مع نظام دمشق، برعاية روسية. وبارك الرئيس الأميركي دونالد ترمب هذه الخطوة، قائلا إن «النظام السوري أولى بالدفاع عن الأكراد في المنطقة».
> قدم الاتفاق فرصة للنظام لاستعادة السيطرة على مدينتي منبج وعين العرب بمباركة الأكراد أنفسهم وامتناع أي طرف سواء روسيا أو أميركا أو تركيا عن الاعتراض. ولقد وصل النظام إلى الحدود السورية التركية ومناطق شرق الفرات الغنية.



كيف عادت باكستان إلى قلب الحسابات الأميركية؟

باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
TT

كيف عادت باكستان إلى قلب الحسابات الأميركية؟

باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)

لم يكن اختيار باكستان لاستضافة جولات التفاوض بين الولايات المتحدة وإيران أمراً بديهياً قبل سنوات قليلة. فالدولة النووية التي لا تعترف بإسرائيل رسمياً، والتي لطالما أثارت شكوكاً أميركية بسبب تاريخها النووي وعلاقاتها المعقدة مع الجماعات المسلحة، كانت حتى الأمس القريب تبدو أقرب إلى هامش النظام الإقليمي الجديد منها إلى مركزه. إلا أن الحرب على إيران، وطبيعة الرئيس الأميركي دونالد ترمب الشخصية والصفقية، والحاجة الأميركية إلى وسيط يجمع بين القدرة على مخاطبة طهران وعدم القطيعة مع واشنطن، كلها عوامل أعادت إسلام آباد إلى الواجهة دفعة واحدة.

عودة باكستان إلى الساحة الإقليمية الشرق أوسطية لا يجوز فهمها فقط من زاوية الوساطة الحالية، بل يجب قراءتها بوصفها نتيجة مسار أطول يتضمن:

1- إعادة تأهيل تدريجية للعلاقة الأميركية - الباكستانية بعد سنوات من التراجع لمصلحة الصين.

2- استثمار باكستان لعناصر قوتها الخاصة، من موقعها الجغرافي إلى وزنها العسكري والنووي، مروراً بعلاقاتها مع المملكة العربية السعودية ودول الخليج.

3- الأهم أن هذه العودة تطرح سؤالاً أكبر هو: هل تتحوّل باكستان من مجرد «وسيط ظرفي» إلى أحد اللاعبين الذين يسهمون في إعادة صياغة توازن القوة الإقليمي، في لحظة تتعرض فيها إيران إلى ضغط غير مسبوق، وتعيد فيها القوى الكبرى والإقليمية ترتيب مواقعها؟

مخاطبة ترمب بلغته

في ولايته الأولى، لم يُخفِ ترمب ضيقه من باكستان. اتهمها يومها بأنها لم تُقدم لواشنطن سوى «الأكاذيب والخداع»، في تعبير لخّص مرحلة من الفتور العميق بين البلدين. وحقاً، كانت واشنطن ترى أن باكستان تستفيد من المساعدات الأمنية والمالية الأميركية، لكنها تحتفظ في الوقت نفسه بهوامش واسعة في أفغانستان، وتُبقي علاقاتها بالصين أولوية استراتيجية. غير أن ما تبدل لاحقاً لم يكن فقط سلوك إسلام آباد، بل أيضاً إدراكها العميق لطبيعة ترمب نفسه.

وفق تقرير لصحيفة «واشنطن بوست»، أدركت النخبة الباكستانية مبكراً أن ترمب لا يتجاوب مع الخطاب التقليدي القائم على التحالفات الطويلة أو اللغة الدبلوماسية المجردة، بل مع ما يُمكن تسويقه إليه بوصفه إنجازاً مباشراً وملموساً. لذلك صاغت إسلام آباد عرضها بلغة «صفقة»، أي: التعاون في مكافحة الإرهاب، والانفتاح على «صفقات» المعادن الحيوية، والإشارة إلى «شراكات» في مجال العملات الرقمية عبر اتفاقات مرتبطة بجهات على صلة بعائلة ترمب.

هذا هو ما عبّر عنه المسؤول الباكستاني السابق مشاهد حسين سيد، حين قال إن بلاده قدّمت لترمب «الثلاثية»: العملة المشفّرة، والمعادن الحيوية، ومكافحة الإرهاب.

هنا يكمن التحوّل الأساسي، إذ إن باكستان لم تُحاول إقناع واشنطن بأنها تغيّرت جذرياً، بل حاولت إقناع ترمب بأنها مفيدة له شخصياً وسياسياً. ولقد عزّزت هذا المسار بخطوات رمزية وسياسية مدروسة، منها الإشادة المتكررة بدوره في وقف النار مع الهند، وترشيحه لجائزة نوبل للسلام، والانضمام إلى مبادرات ذات طابع احتفائي مرتبطة بخطابه الدولي. وبحلول الخريف، كان ترمب قد انتقل إلى وصف قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير بأنه «المشير المفضّل» لديه.

هذه ليست مجرد مجاملة.

إنها تعني أن باكستان نجحت في تحويل العلاقة مع واشنطن من ملف مؤسساتي ثقيل وموروث من «الحرب على الإرهاب»، إلى قناة شخصية مباشرة مع رئيس أميركي يُعلي من قيمة الولاء والجدوى الفورية أكثر من أي اعتبارات أخرى.

باكستان «وسيط» رغم عدم اعترافها بإسرائيل

المفارقة الظاهرية أن الدولة التي لا تعترف بإسرائيل أصبحت اليوم منصة للتفاوض في حرب تكون إسرائيل أحد أطرافها الرئيسيين. بيد أن هذه المفارقة تتلاشى إذا نظرنا إلى الوساطة من منظور وظيفي لا آيديولوجي. فإسلام آباد لا تلعب دور الضامن لاتفاق شامل بين طهران وتل أبيب، بل دور الميسّر لقناة أميركية - إيرانية، على قاعدة أن مفتاح التأثير الحقيقي موجود في واشنطن. ومن هذه الزاوية، فإن إحجامها عن الاعتراف بإسرائيل قد لا يكون عائقاً، بل ربما هو عنصر طمأنة إضافي للإيرانيين.

وفق الـ«واشنطن بوست» تمتلك باكستان ثلاثة عناصر تمنحها أهلية خاصة لهذا الدور: أولها، مستوى من الثقة النسبية مع إيران، بحكم الجوار البري الطويل، والحاجة المتبادلة إلى ضبط الحدود ومنع تحول المناطق المشتركة إلى بؤر فوضى دائمة. وثانيها، قدرتها على مخاطبة واشنطن من داخل علاقة أُعيد ترميمها مع دونالد ترمب شخصياً. وثالثها، ثقلها النووي والعسكري، الذي يمنحها مكانة تختلف عن مكانة الوسطاء التقليديين الأقل وزنًا.

ويُشير ذلك بوضوح إلى أن هذا الثقل النووي يضيف إلى «هيبة» باكستان في نظر مختلف الأطراف.

لكن الأهم من ذلك أن سلطة إسلام آباد ليست وسيطاً محايداً بالكامل، بل وسيط مصلحي. ذلك أنها معنية بمنع انهيار إيراني شامل أو تفكّك داخلي على حدودها الغربية، كما أنها معنية في الوقت نفسه بمنع طهران من ترجمة أزمتها إلى ضغط أمني أو مذهبي داخل الساحة الباكستانية. وبالفعل، أظهرت التطورات الأخيرة مدى هشاشة الداخل الباكستاني أمام ارتدادات الحرب، مع وقوع اضطرابات وأعمال عنف بعد مقتل المرشد الإيراني، ومحاولة اقتحام القنصلية الأميركية في كراتشي.

من هنا، لا تبدو الوساطة الباكستانية «عملاً خيرياً» أو مجرد إنجاز دعائي. إنها أيضاً محاولة دفاع متقدّم عن الأمن الوطني الباكستاني، فالدولة النووية الكبرى المجاورة لإيران لا تستطيع تحمل «سيناريو» الفوضى الطويلة الأمد، ولا «سيناريو» سيطرة مطلقة لـ«الحرس الثوري» على بلد مأزوم ومتفكّك، ولا كذلك «سيناريو» تدخّلات إقليمية متشابكة قد تفتح الخرائط على احتمالات يصعب ضبطها.

باكستان نجحت

في تحويل العلاقة

مع واشنطن من ملف ثقيل عن «الحرب

على الإرهاب» إلى قناة شخصية مباشرة

مع رئيس أميركي

السعودية بوابة العودة

من جهة ثانية، لم تعد العلاقة الباكستانية - الأميركية تُفهم بعيداً عن الدور السعودي. فخلال سنوات التراجع الأميركي النسبي في التعاطي مع باكستان، ومع تنامي الحضور الصيني الاقتصادي والاستراتيجي في البلاد، بقيت المملكة العربية السعودية ومعها دول خليجية صماماً مالياً وسياسياً أساسياً لإسلام آباد. ولقد اضطرت باكستان أخيراً للاعتماد على حزم إنقاذ وقروض من السعودية والإمارات، في ظل أزماتها النقدية وغلاء المعيشة، بعدما كانت تلجأ أيضاً إلى صندوق النقد الدولي.

ثم إن هذا البُعد المالي لا ينفصل عن البُعد الاستراتيجي، فالرياض كانت تاريخياً الجسر الذي يسمح لباكستان بالحفاظ على صلة وثيقة بالمنظومة الأمنية العربية الحليفة لواشنطن، حتى حين كانت العلاقات الباكستانية - الأميركية تمر بمراحل فتور. واليوم، مع توقيع «معاهدة الدفاع الاستراتيجية» بين الرياض وإسلام آباد، ومع ترجمة ذلك -ولو رمزياً- عبر إرسال طائرات حربية وقوات باكستانية إلى السعودية في رسالة ردع إلى طهران، باتت باكستان أقرب إلى موقع «الشريك الأمني المرِن» الذي يمكن توظيفه في التوازن الخليجي - الإيراني من دون وضعه في الواجهة الأولى للمواجهة.

هذا الدور المزدوج للسعودية مهم «ذهاباً وإياباً»، فهي من جهة تمنح باكستان دعماً مالياً وسياسياً يُخفف هشاشتها الداخلية، ومن جهة أخرى تفتح لها باب العودة إلى واشنطن عبر إبرازها بوصفها عنصر استقرار داخل المنظومة الإقليمية التي تريد الولايات المتحدة إعادة ضبطها. بهذا المعنى، فإن التقارب الباكستاني - الأميركي ليس بديلاً عن الصين بقدر ما هو عملية تنويع اضطرارية للمحاور، تقودها حاجة باكستان إلى تجنّب الارتهان الكامل لبكين، وحاجة واشنطن إلى شريك يملك مفاتيح في أفغانستان وإيران والخليج معاً.

والواقع أن هذه البراغماتية هي ما يُفسّر قدرة باكستان على الجمع بين خطوط تبدو متناقضة:

- شراكة وثيقة مع الصين.

- علاقة أمنية متقدمة مع السعودية.

- قناة مفتوحة مع واشنطن.

- لا جسور مقطوعة مع إيران.

إنها -أي باكستان- تُحاول أن تكون «دولة تقاطع» لا «دولة محور»، مستفيدة من موقعها الجغرافي، ومن لحظة سيولة إقليمية غير مسبوقة.

الرئيس الباكستاني شهباز شريف مع نائب الرئيس الأميركي فانس (آ ب)

توازن القوة الإقليمي

بالتوازي مع ما سبق، في حين لا تبدو باكستان مرشحة لأن تحل محل القوى الإقليمية التقليدية، فإنها باتت مرشحة جدّية لأن تصبح رقماً أصعب في معادلة التوازن. إذ إن السعودية تبقى «لاعب الثقل المالي والنفطي» العربي، وتركيا تملك أدوات نفوذ عسكرية وسياسية أكثر تمدداً في المشرق وشرق المتوسط، ومصر تحتفظ بثقل الدولة المركزية العربية، وإن كان دورها الإقليمي أكثر حذراً، في حين تبقى إسرائيل القوة العسكرية الأكثر تفوقاً تكنولوجياً والأكثر التصاقاً بالقرار الأميركي في هذه الحرب.

مع هذا، باكستان تضيف الآن شيئاً عناصر لا تتوفر مجتمِعةً لدى اللاعبين المذكورين، أبرزها: أنها دولة إسلامية نووية، وذات جيش كبير، وحدود مباشرة مع إيران، وذات قابلية للتحاور مع واشنطن وطهران والخليج في آنٍ معاً. وبهذا، المعنى، قد يتحوَّل دور إسلام آباد إلى أحد ثلاثة أشكال.

الأول: وسيط أمني - سياسي يسهّل التهدئة؛ حيث تعجز القنوات المباشرة، خصوصاً في الملفات التي تمس إيران والخليج.

الثاني: شريك ردع رمزي إلى جانب السعودية، يرسل إشارات أكثر مما يخوض مواجهات مباشرة.

والثالث: عنصر توازن يمنع أن تتحوّل أي تسوية إقليمية جديدة إلى ترتيب يستثني القوى الإسلامية غير العربية الكبرى.

إلا أن هذا الطموح يصطدم بقيود واضحة. وتقول الـ«واشنطن بوست» إن معظم الباكستانيين لن يلمسوا من هذه الوساطات شيئاً ما لم تنجح الدولة في معالجة أزماتها الاقتصادية البنيوية. كما ينبه مسؤولون وخبراء سابقون إلى أن بعض الصفقات المعلنة مع واشنطن قد يكون أقرب إلى الضجيج السياسي منه إلى التحوّل الاقتصادي الحقيقي. وفضلاً عن ذلك، فإن خصوم القيادة الباكستانية الحالية يرون في انخراطها الخارجي محاولة لصرف الأنظار عن الصراعات الداخلية، وتعزيز شرعية المؤسسة العسكرية.

لذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت إسلام آباد نجحت في كسب ود ترمب؛ هي فعلت ذلك بالفعل إلى حد بعيد، بل السؤال هو ما إذا كانت قادرة على تحويل هذا الود إلى نفوذ مستدام، لا إلى لقطة دبلوماسية عابرة.

نجاحها في ذلك سيتوقف على ثلاثة شروط: أولاً، أن تُحافظ على خط توازن دقيق مع إيران يمنع التدهور الحدودي والفوضى. وثانياً، أن تترجم تقاربها مع واشنطن إلى مكاسب اقتصادية ومؤسساتية فعلية لا صفقات دعائية. وثالثاً، أن تدير شراكتها مع الرياض بطريقة تُعزز موقعها الإقليمي من دون أن تزجّ بها في مواجهة مباشرة مفتوحة مع طهران.

وهكذا، في المحصلة، عادت باكستان إلى أميركا؛ لأنها فهمت كيف تُخاطب ترمب، ولأن الحرب على إيران رفعت قيمة موقعها الجغرافي والسياسي في لحظة حرجة. لكنها عادت أيضاً لأن الإقليم نفسه بات يبحث عن قوى وسيطة تملك القدرة على وصل الخطوط المتباعدة.وإذا كانت السنوات الماضية قد كرّست صورة باكستان بوصفها دولة تتأرجح بين الأزمات، فإن الأشهر الأخيرة توحي بأنها تحاول إعادة تقديم نفسها بوصفها دولة مفصلية في إعادة تركيب توازنات المنطقة. غير أن هذه العودة، مهما بدت لافتة، ستظل ناقصة ما لم تنجح إسلام آباد في تحويل الدور الخارجي إلى استقرار داخلي، وفي إثبات أن الوساطة ليست فقط طريقاً إلى رضا ترمب، بل أيضاً إلى مكانة إقليمية يصعب تجاوزها.


أبرز الشخصيات الباكستانية التي لعبت دوراً كبيراً في تجديد العلاقة مع واشنطن

الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
TT

أبرز الشخصيات الباكستانية التي لعبت دوراً كبيراً في تجديد العلاقة مع واشنطن

الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)

> برزت عدة شخصيات باكستانية في إخراج العلاقة مع واشنطن من مرحلة الفتور والقطيعة النسبية إلى مرحلة الانفتاح مجدداً. لكن الشخصية الأهم كانت، بلا شك، الجنرال عاصم منير، قائد الجيش، بوصفه الرجل الأقوى في باكستان وصاحب التأثير الأكبر في ملفات الأمن والسياسة الخارجية.

وأهمية منير لا تعود فقط إلى موقعه الداخلي، بل إلى نجاحه في بناء قناة مباشرة مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب، إلى حد أن الأخير عدّه «المشير المفضل» لديه بحلول أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، في إشارة رمزية إلى حجم التحول في العلاقة.

إلى جانب منير، لعب رئيس الوزراء شهباز شريف دور الواجهة السياسية لهذا التقارب. فالحكومة الباكستانية كثفت الإشادة العلنية بترمب، وشكرته مراراً على تدخله لوقف إطلاق النار مع الهند، كما رشحته إسلام آباد لجائزة نوبل للسلام، في خطوات هدفت إلى مخاطبة ترمب بلغته السياسية القائمة على التقدير الشخصي والرمزية الإعلامية.

مشاهد حسين سيد(فايسبوك)

كذلك برز مشاهد حسين سيد، الرئيس السابق للجنة الدفاع في مجلس الشيوخ الباكستاني، بوصفه من أبرز من شرحوا فلسفة هذا التحول. إذ قال إن باكستان «قرأت ترمب جيداً»، وقدمت له ما سماها «الثلاثية»: العملات المشفّرة، والمعادن الحيوية، ومكافحة الإرهاب. وتكشف هذه العبارة عن أن إسلام آباد تعمّدت إعادة «تسويق» نفسها في واشنطن من زاوية «المنفعة المباشرة»، لا من زاوية التحالفات التقليدية فقط.

وبالطبع، لا يقل أهمية عن هؤلاء فريق الدولة الاقتصادي والدبلوماسي، الذي أسهم في ترجمة الانفتاح إلى صفقات وممرّات تواصل، من اتفاق المعادن الحيوية إلى الترتيبات المالية والسياسية التي حسّنت صورة باكستان داخل إدارة ترمب. وعليه، يمكن القول إن عاصم منير كان «مهندس» القناة الاستراتيجية، وشهباز شريف واجهتها السياسية، فيما وفّر مشاهد حسين سيد الإطار التفسيري لهذا التحوّل.


روموالد واداني... مهندس «الاستقرار المالي» يتولّى الحكم في بنين ويعِد مواطنيه بالرفاه

تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
TT

روموالد واداني... مهندس «الاستقرار المالي» يتولّى الحكم في بنين ويعِد مواطنيه بالرفاه

تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي

مع تعهده بتحويل الدعم الانتخابي «إجماعاً وطنياً» على مواصلة مسار التحول لبناء «بنين حديثة تضمن الرفاه لجميع مواطنيها»، يتأهب الاقتصادي روموالد واداني، لتولي رئاسة جمهورية بنين، الواقعة في غرب أفريقيا. واداني يخلف الرئيس المنتهية ولايته باتريك تالون، الذي لا يحق له الترشح مجدداً بعدما أمضى ولايتين رئاسيتين مدة كل منهما 5 سنوات. وللعلم، حصل الرئيس الجديد، الذي يلقب بين أقرانه اختصاراً لاسمه بـ«رو»، على أكثر من 94 في المائة من الأصوات في الانتخابات الرئاسية التي أجريت يوم 12 أبريل (نيسان) الحالي، متفوقاً على منافسه المعارض بول هونكبي، في انتخابات بلغت نسبة المشاركة فيها 58.78 في المائة.

روموالد واداني، الذي كان يوصف بأنه «الخليفة المختار» للرئيس باتريك تالون، أعلن في أول تصريحاته عقب فوزه برئاسة بنين اعتزامه البناء على ما وصفه بـ«الأسس الصلبة» التي أرساها سلفه، وأنه سيكرس مساراً سياسياً يقوم على الاستمرارية أكثر من التغيير، مع تأكيد حرصه على «التماسك الوطني»، الذي مثّله حجم فوزه في الانتخابات.

الفوز كان متوقعاً

الفوز في حد ذاته لم يكن مفاجئاً، لا سيما أن واداني (49 سنة)، يمثل نموذج «التكنوقراطي الصاعد» في أفريقيا؛ إذ جاء إلى الحكم من بوابة الإدارة المالية لا السياسة التقليدية. وطوال عقد كامل شغل خلاله منصب وزير الاقتصاد والمالية، منذ عام 2016، ارتبط اسم واداني بتغييرات هيكلية أعادت ضبط المالية العامة، وخفّضت عجز الموازنة إلى نحو 3 في المائة من الناتج المحلي، في حين حقق الاقتصاد معدلات نمو تجاوزت 6 في المائة سنوياً في المتوسط. وهذه النتائج هي ما بنى عليه الرجل برنامجه الانتخابي للوصول إلى سدة الحكم، بعدما اكتسب ثقة المستثمرين مرسّخاً اسمه كمهندس «الاستقرار المالي» في واحد من أسرع اقتصادات غرب أفريقيا نمواً.

يوصف روموالد وادني بأنه «هادئ الطباع»، لا سيما مع قلة ظهوره الإعلامي، بيد أنه وفق محللين سياسيين كان «العقل المدبر» خلف التغييرات الاقتصادية في بنين طوال العقد الماضي؛ ما جعله يتصدّر المشهد كخليفة لتالون. وبالفعل، تحوّل «البيروقراطي» الذي لطالما عمل خلف الكواليس شخصاً جماهيرياً يجوب البلاد ويخطب في تجمّعات جماهيرية، متخلياً عن ربطة العنق والخطاب المكتوب، في محاولة للتقرّب من الشارع وكسر صورة «التكنوقراطي الاقتصادي الصارم».

نقلت وكالة «أ.ف.ب» الفرنسية، من جهتها، عن أحد حلفائه قوله إن الحملة «أظهرت وجه واداني الحقيقي كشخص قريب من الناس»، في تحوّل لافت لرجل ظل لسنوات يعمل بعيداً عن الأضواء. أما عن السباق الرئاسي نفسه، فقد خاضه واداني مدعوماً من أحزاب الائتلاف الحاكم. وأقرّ منافسه الوحيد، بول هونكبي، بالهزيمة قبل إعلان النتائج رسمياً، وهو ما اعتبره واداني بعد الفوز «مؤشراً على النضج الديمقراطي».

نشأة اقتصادية

وُلد روموالد واداني يوم 20 يونيو (حزيران) 1976 في مدينة لوكوسا بجنوب غربي بنين، قرب الحدود مع توغو، لأسرة متعلّمة ذات خلفية اقتصادية. ونشأ بين صرامة والده مهندس الإحصاء وأستاذ الرياضيات وروح المبادرة عند والدته رائدة الأعمال، وانعكس هذا الواقع فيما بعد على مسيرته التعليمية والمهنية.

إذ اتجه الشاب الطموح لدراسة الإدارة والمحاسبة والتمويل في «المدرسة العليا لإدارة الأعمال» بمدينة غرونوبل الفرنسية قبل أن ينتقل إلى الولايات المتحدة للدراسة في معهد إدارة الأعمال بجامعة هارفارد الأميركية العريقة. ولكن، مع أن تكوين واداني العملي والعملي الأساسي كان خارج البلاد، فإنه دائماً ما أبدى حرصه على تأكيد ارتباطه بجذوره، عبر إشارات متكرّرة إلى امتلاكه مزرعة في بنين.

مهنياً، يتمتع واداني بصفة محاسب قانوني معتمد في كل من فرنسا والولايات المتحدة، كما أنه حصل على درجة الماجستير في التمويل، وتلقى تدريباً متخصصاً في مجالات الاستثمار المباشر ومخاطر رأس المال. وقبل دخوله العمل الحكومي، راكم «رو» خبرة دولية عملية داخل شركة «ديلويت» المحاسبية العالمية الشهيرة، حيث بدأ مسيرته المهنية في فرنسا عام 1998، ثم انتقل إلى الولايات المتحدة عام 2003. وخلال هذه الفترة، طوّر واداني خبرات في مجالات عدة، وقدّم خدمات استشارية لقطاعات متنوعة من بينها: التعدين، والتكنولوجيا والإعلام والاتصالات، والقطاع المالي، والقطاع العام، والتجزئة، فضلاً عن تعاونه مع حكومات وجهات مانحة دولية.

ثم في عام 2012، عندما كان لا يزال في سن الـ36، رُقّي واداني إلى منصب شريك ومدير إداري في «ديلويت»، وبعد ذلك بثلاث سنوات، كُلّف إنشاء مكتب جديد للشركة في جمهورية الكونغو الديمقراطية، كما تولى مسؤولية إدارة التدقيق والممارسة المهنية لأنشطة «ديلويت» في دول أفريقيا الناطقة بالفرنسية.

وزيراً للاقتصاد والمالية

تجربة واداني المهنية الدولية دفعت لتعيينه في منصب وزير دولة للاقتصاد والمالية يوم 7 أبريل (نيسان) 2016 ضمن أول حكومة للرئيس باتريك تالون، وفيها كُلّف تنفيذ برنامج تغييري طموح، قبل أن يُعاد تعيينه في مايو (أيار) 2021، ويواصل لعب دور محوَري في رسم السياسات الاقتصادية لبنين.

بعد ذلك، تولى واداني حقيبة الاقتصاد عندما كانت بنين تشكو فيه ارتفاع عجز الموازنة، وسوء إدارة الدين العام، وتراجع ثقة المستثمرين. وبالفعل، قاد سياسة تغييرية تقوم على محورَين رئيسين: الأول يتمثل في إدارة مالية عامة تتّسم بالشفافية لتحقيق «انضباط» الميزانية وتعبئة التمويل الدولي وتعزيز ثقة المانحين الدوليين من القطاعين العام والخاص. والآخر يركّز على تحسين مناخ الأعمال وتعزيز قدرة القطاع الخاص على مواجهة الصدمات الخارجية.

بفضل هذه السياسة، سجلت بنين نمواً بنسبة 8 في المائة عام 2025، وهو مستوى غير مسبوق لمدة ثلاثة عقود، وفق ما ذكره موقع الحملة الانتخابية لواداني. وحسب الموقع أيضاً، سُجّل رفع نصيب الفرد من الدخل بنسبة 50 في المائة خلال أقل من عشر سنوات، وتحديث أكثر من 14 ألف كيلومتر من الطرق، وبناء مستشفيات ومدارس جديدة، بالإضافة إلى برنامج المقصف المدرسي الذي يسمح لنحو 1.3 مليون طفل بالاستفادة من وجبة ساخنة يومياً.

أيضاً، تمكّن واداني من إجراء تغييرات على المالية العامة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 في المائة من الناتج المحلي، كما أطلق خلال ولايته مشاريع بنية تحتية كبرى حققت نمواً اقتصادياً واستقراراً، عزّزا ثقة المستثمرين الدوليين، ورسّخا صورة بنين كنموذج إصلاحي صاعد في المنطقة.

وعلى الصعيد الإقليمي، لعب واداني دوراً بارزاً في غرب أفريقيا، حيث ترأس المجلس القانوني لوزراء مالية «الاتحاد الاقتصادي والنقدي لغرب أفريقيا»، وقاد مفاوضات مع فرنسا تُوجت بتوقيع اتفاق في ديسمبر (كانون الأول) 2019 لإنهاء العمل بعملة الفرنك الأفريقي (CFA) في المنطقة، في خطوة اعتُبرت تحولاً مهماً في مسار السيادة النقدية لدول الإقليم.

القائد الشاب... والمرشح الرئاسي

خلال أكتوبر (تشرين الأول) 2025 أعلن روموالد واداني اعتزامه الترشح للرئاسة رغبةً منه في إكمال مسار التغيير، وتحقيق مزيد من التقدّم. وتعهد أيضاً بتوفير فرص عمل والقضاء على الفقر لتصل ثمار التغيير إلى كل بيت في بنين رافعاً شعار «نبني معاً بنين أحلامنا».

واليوم، وفق صحيفة الـ«نيويورك تايمز» الأميركية، يعكس فوز واداني بالرئاسة «توجّهاً نحو تجديد الطبقة السياسية الحاكمة وتطوّراً للعقلية السياسية» في بنين «باختيار جيل من الحكّام أقرب للواقع». وهو بذا، ينضم إلى مجموعة محدودة من الرؤساء الشباب في قارة أفريقيا.

ثم إنه ممّا يزيد أهمية الحدث كون واداني وصل إلى قمة السلطة عبر انتخابات، اعتبر مراقبون دوليون أنها «أجريت بشكل سلمي ومنظم»، وأن ما سُجّل من ملاحظات محدودة لا يمسّ صدقية النتائج، وإن غابت عنها التعدّدية الفعلية.

التحديات الأمنية

من جهة ثانية، لانتخابات الرئاسة في بنين أهمية إضافية؛ كونها نُظّمت وسط تحديات أمنية كادت تهدّد إجراءها من الأساس. ففي ديسمبر الماضي، سيطر عدد من أفراد الجيش على محطة التلفزيون الرئيسة، وهاجموا قصر الرئاسة في محاولة انقلاب فاشلة احتجاجاً على تدهور الوضع الأمني في شمال البلاد وتصاعد تهديد الإرهاب. وبالتالي، جاءت الانتخابات بعد تعرّض بنين لإحدى أكثر سنواتها عنفاً على الإطلاق في 2025، وسلّطت المحاولة الانقلابية الضوء على هشاشة الأوضاع السياسية في دولة تعدّ واحدة من الديمقراطيات الأفريقية المستقرة نسبياً. وفي أي حال، نجحت الانتخابات الرئاسية الأخيرة في تحقيق خامس انتقال سلمي للسلطة منذ استقلال بنين عام 1960. كما أنه بالنسبة لمؤيدي واداني يمثل صعوده «بروز جيل جديد من القادة، أقل اهتماماً بالشعارات وأكثر تركيزاً على النتائج» حسب الـ«نيويورك تايمز»، لكن معارضيه يرون فيه «استمراراً لنظام سياسي يضيق فيه هامش التعدّدية».

إرث مثقل بالتحديات

في الواقع، يمكن القول إن روموالد واداني يتولّى محمّلاً بإرث مثقل بالتحدّيات السياسية والأمنية والاتهامات بتقييد المعارضة، ومسار اقتصادي تغييري حقّق قدراً من النمو والازدهار؛ ما يضعه أمام معادلة صعبة لاستكمال مسار التغيير الاقتصادي ومواجهة التحدّيات الأمنية مع الحفاظ على استقرار البلاد سياسياً.

ويُعدّ الفقر أحد أخطر التحديات التي تواجه واداني، لا سيما مع تجاوز نسبته أكثر من 30 في المائة من السكان. ويضاف إلى ذلك تصاعد الهجمات «الإرهابية» في الشمال؛ ما يفرض ضغوطاً على الجيش والسلطة، وانتقادات المعارضة لغياب التعددية و«الانفتاح السياسي الحقيقي».

وبينما يرى مراقبون أن الرئيس الجديد سيواصل النهج الاقتصادي الذي قاده خلال فترة سلفه تالون، فهم يؤكدون أن قياس نجاحه سيظل رهناً بقدرته على تحقيق تنمية أكثر شمولاً من جهة واحتواء التهديدات الأمنية وإعادة التوازن للحياة السياسية من جهة أخرى.وهكذا، بين الاستمرارية وضغوط الانفتاح والتغيير الديمقراطي، يدخل واداني عازماً على تحقيق مستقبل أفضل لشعب بنين. ويرى مراقبون أن سنواته الأولى في الحكم ستكون حاسمة في تحديد ما إذا كان سيُرسّخ نموذجاً ناجحاً للحكم الرشيد، أم سيواجه أزمات تعيد طرح الأسئلة القديمة حول الديمقراطية والتنمية في غرب أفريقيا.