الإبداع والحرمان في الطفولة

هوغو وبودلير ودوستويفسكي وروسو وفرويد وسارتر

جان بول سارتر - جان جاك روسو
جان بول سارتر - جان جاك روسو
TT

الإبداع والحرمان في الطفولة

جان بول سارتر - جان جاك روسو
جان بول سارتر - جان جاك روسو

للكتابة قدرة شفائية مذهلة، هذا ما يؤكده لنا خبراء علم النفس، ومعظمهم يوصي باللجوء للكتابة لتفادي الوقوع في براثن الضيق والاكتئاب. فحين تتشابك في ذهن الشخص ذكريات وأحداث مؤلمة يكون قد تعرض لها في الماضي، قد تصبح الكتابة ملاذه الوحيد، إذا كان كاتباً بالطبع.
هذا ما عاشه كثير من الكتاب والمبدعين ممن تعرضوا في طفولتهم للمآسي الشخصية، لكنهم تمكنوا بقوة الكلمات من التغلب على الألم والحرمان، وتحويل المعاناة إلى إبداعات على الورق، ومنهم جان جونيه الكاتب الفرنسي (المعروف بمساندته للقضية الفلسطينية) الذي تخلت عنه والدته عند ولادته. ورغم المعاملة الطيبة التي لقيها عند العائلة الجديدة التي اهتمت به، فإنه كان شديد العزلة، يقضي معظم وقته في القراءة. ولجوء جان جونيه الطفل للكتب من وجهة نظر التحليل النفسي كان بمثابة هروب من واقع «الطفل اللقيط» إلى عالم الخيال الذي يبعده عن مواجهة هواجسه. وروايته الأولى «نوتردام الزهور» التي كتبها في السجن حملت كل التناقضات التي كان يعيشها، وكل أدبه حمل هذه البصمة التي تتسم بالتمرد على العالم الخارجي الذي يراه بشعاً، باستثناء الكتب. والفكرة نفسها كانت عند جان بول سارتر الذي انتقد بشدة العالم «البرجوازي» الذي كان يعيش فيه، وحياته المملة في ظل غياب الأب الذي فقده وهو لم يتعدَ السنة ونصف السنة. وكان يصرح بأن وفاة والده سمحت له بأن يعيش بحرية، وأن يصبح المفكر الحر الذي نعرفه، حيث يقول: «الولد يتعرض لتأثير الأب في كل الميادين؛ أنا لم أتأثر بشيء، ولم يحكمني أحد؛ أبي لم يكن أكثر من صورة معلقة في غرفة والدتي». لكن الواقع هو أن سارتر كان يملأ الفراغ الذي سببه فقدان والده بالإبداع، حتى إن لم يكن واعياً لافتقاده لـ«سلطة الأب». إلا أن آثار النقص كانت تعيش في أعماقه، وتدفعه للإبداع. وقد يكون هذا السبب هو ما جعل غوستاف فلوبير لا يجرؤ على الكتابة إلا بعد وفاة والده الطبيب المشهور ذي الشخصية المهيمنة. وقد اعترف فيما بعد بأن غياب والده المفاجئ «أنقذه»، وجعله يقرر الشروع في التأليف وهو في الرابعة والعشرين. وهو ما فعله سيغموند فرويد أيضاً، حين قرر طرح نظرياته حول التحليل النفسي بعد وفاة والده جاكوب فرويد، التاجر اليهودي المتدين الذي كان يعارض أفكار ابنه، وكأن فرويد استعاد بموت والده «حريته».
وعبقرية الكاتب رومان غاري (الفائز الوحيد بجائزتين للغونكور) اقترنت كثيراً بوالدته مينا، المهاجرة الروسية التي اهتمت بتربيته بعد أن تخلى عنها زوجها. فالكاتب الفرنسي الذي عاش حياته محاطاً بحب وحماية والدته بنى كل أدبه حول شخصيتها الحاضرة بقوة، مقابل تغييب شخصية الأب. ومع كل الأحداث المأساوية التي عاشها في طفولته، فإن رومان اختار بفضل موهبته ككاتب أن يطلق العنان لمخيلته، ليروي قصة أخرى أكثر جاذبية وتفاؤل. وبدل الأب التاجر الصغير الذي تخلى عنه، ومات في معسكر نازي، والأم الخياطة الفقيرة التي يحتال عليها زبائنها، اختار غاري أن يروي للعالم قصة مختلفة، عن سيناريو الثأر الاجتماعي للأم الممثلة الموهوبة التي ضحت بحياتها لكي يصبح ابنها كاتباً ودبلوماسياً (وعد الفجر - دار نشر غاليمار)، والأب الممثل الروسي المعروف سليل العائلة الغنية (رقصة جنكيس كوهن - دار نشر غاليمار). ورغم أن العالم بأسره كان يعلم أن رومان غاري يكذب بخصوص أصوله، فإنه لا أحد كان يأبه لهذه «الخيانة» اللطيفة للواقع، لأنها سمحت لصاحبها بتخطي الصدمة، والإبداع.
وآثار الحرمان تتجسد عند كثير من الكتاب عبر سيرهم الذاتية، أو فيما يسمى «أدب الاعتراف». فتولستوي، في رائعته «الحرب والسلام»، يخفي بالكاد أوجه التشابه بين أبطال الرواية وأفراد عائلته، ولا سيما جديه، حتى أنه لا يهتم بتغيير أسمائهما الحقيقية. وفي «طفولة»، يروي قصة «فلاديمير»، الطفل الذي يفقد والدته، ويحاول إعادتها للحياة بدموع خياله، محاولاً بذلك استحضار تجربته الشخصية، مع مشاعر الحزن التي لم يجربها حين توفيت أمه، لأنه كان رضيعاً لا يتعدى ثمانية عشر شهراً.
وفيلسوف الأنوار جان جاك روسو يذهب لأبعد من ذلك، حين يكتب في مؤلفه المعروف «اعترافات»: «كلفت أمي حياتها... وولادتي كانت أول أحزاني». إن إحساسه بالذنب لموت أمه وهي تلده لازمه طويلاً، وكان وراء بحثه الدائم عن صورة الأم الغائبة في علاقاته العاطفية، فكان يميل للنساء الأكبر سناً ذوات الطابع السلطوي، وعلاقته بعشيقته مدام دو فرانس لسنوات جسدت هذا النقص الذي كان يعاني منه، حتى أن روسو كان ينادي عشيقته «ماما»، وهي تناديه «صغيري».
وماري شيلي ابتكرت شخصية وحش «فرانكنشتاين» الذي جسد حياتها التراجيدية المحفوفة بالموت. فقد فقدت أمها وهي ترى النور، ثم أطفالها الثلاثة. وحين طلب منها رفيقها الشاعر برسي شيلي في إحدى السهرات التفكير في قصة رعب ما كان عليها إلا أن تغرف من واقع الأموات الذين يعيشون في ذاكرتها، لتبعث الحياة في شخصية «فرانكنشتاين»، تماماً كما حاولت إعادة بعث الحياة في جسد ابنها الميت بهزه ونفضه بقوة بعد أن لفظ أنفاسه وهو لا يتعدى السبعة أشهر.
لكن الكتابة لا تنقذ الجميع. فبعض المبدعين لم ينجحوا في الخروج من سجن الماضي، وعاشوا مع صدمات الطفولة، دون أن يتمكنوا من تخطيها. فالبريطاني جان لو كارييه، كاتب روايات الجوسسة المعروف، انتظر ثمانين سنة قبل أن يواجه ذكرياته الأليمة، ويتحدث عن تخلي أمه عنه وهو في التاسعة (نفق الحمام - دار نشر لوسوي)، رافضاً لسنوات مجرد ذكر اسمها. ولهجة التأثر وهو يعترف لصحافيين من التلفزيون الفرنسي بأنه لم يسامحها لغاية الآن تدل على أنه لم يصفِ حساباته مع الماضي، ولا يزال رغم مرور كل هذه السنين حبيس «النفق». والوضع نفسه يجعلنا نتساءل عن أسباب انتحار بريمو ليفي، الكاتب الإيطالي الذي اعتقل في معسكر أشفتيتز وهو طفل، تاركاً لنا شهادته عن الجحيم الذي عاشه في كتاب (إذا كان رجلاً - دار نشر جوليار). ويشرح بوريس سيرولنيك، الكاتب الطبيب النفسي الفرنسي، في كتابه «في الليل... سأكتب شموساً» (دار نشر أوديل جاكوب): «بريمو ليفي لم يكن يكتب لامتصاص الصدمة والعبور لبر الأمان، بل كان يكتب بنية الثأر، مركزاً على أفظع الذكريات، لدرجة أن الناشرين رفضوا كتابه عدة مرات لبشاعة المقاطع، وكل ما فعله هو رعاية الصدمة النفسية التي كان يعاني منها. والجحيم الذي كان يكتب عنه طاله لأنه خضع للوجع دون أن يحاول التغلب عليه».
على أن المبدعين الذين عانوا الحرمان في طفولتهم كثر، ومنهم: رامبو الذي فقد والده وهو في السادسة، وهوغو وبودلير اللذين عاشا بعيداً عن الأب لغاية سن التاسعة، وألكسندر دوما وجورج ساند، وكلاهما فقد الأب في سن الرابعة، وموباسان الذي حرم من والده وهو في العاشرة، وروسو الذي فقد والدته عند ولادته، ودوستويفسكي، والأخوات برونتي، وفولتير، وغيرهم. فهل هذا يعني أن هناك علاقة مباشرة بين الإبداع والحرمان في الطفولة؟ ربما، لكن الأهم هو القوة التي مكنتهم من التغلب على المعاناة: قوة الكتابة.



مشكلات تقنية تحول دول إطلاق «أرتيميس 2» إلى القمر في مارس

صاروخ «أرتيميس 2» التابع لوكالة «ناسا» موجود بمركز كينيدي للفضاء في فلوريدا (أ.ف.ب)
صاروخ «أرتيميس 2» التابع لوكالة «ناسا» موجود بمركز كينيدي للفضاء في فلوريدا (أ.ف.ب)
TT

مشكلات تقنية تحول دول إطلاق «أرتيميس 2» إلى القمر في مارس

صاروخ «أرتيميس 2» التابع لوكالة «ناسا» موجود بمركز كينيدي للفضاء في فلوريدا (أ.ف.ب)
صاروخ «أرتيميس 2» التابع لوكالة «ناسا» موجود بمركز كينيدي للفضاء في فلوريدا (أ.ف.ب)

أعلن رئيس وكالة الفضاء الأميركية «ناسا» جاريد آيزكمان، السبت، أن إطلاق مهمة «أرتيميس 2» لن يكون ممكناً في مارس (آذار)، بسبب مشكلات تقنية في الصاروخ الذي سينقل رواداً في رحلة حول القمر للمرة الأولى منذ أكثر من 50 عاماً.

وأوضح آيزكمان أن فرق «ناسا» رصدت هذه المشكلات ليلاً، وهي عبارة عن خلل في تدفق الهيليوم في إحدى طبقات الصاروخ.

وأشار في منشور عبر منصة «إكس» إلى أن الأعطال التي تسببت في ذلك، «أيّاً كانت»، ستجبر الوكالة على إعادة الصاروخ إلى مبنى التجميع «ما سيجعل نافذة الإطلاق المقررة في مارس مستبعدة».

وسبق للوكالة أن أعلنت أنها تخطط لإطلاق المهمة اعتباراً من 6 مارس، بعدما أجرت للصاروخ اختباراً شاملاً في ظروف حقيقية بدا للوهلة الأولى ناجحاً.

شعار وكالة الفضاء الأميركية «ناسا» (رويترز)

لكنّ إدارة الوكالة أوضحت أن المهندسين سيحتاجون إلى أيام عدة لتحليل البيانات المتعلقة بهذا الاختبار، وأن من الضروري إجراء مناورات أخرى وعمليات تَحقُّق.

وستكون هذه المهمة التي تنطلق من قاعدة كاب كانافيرال في ولاية فلوريدا وتستمر نحو عشرة أيام أول رحلة مأهولة حول القمر منذ أكثر من 50 عاماً.

وكانت «ناسا» حددت خمس نوافذ إطلاق ممكنة في مارس، وأعلنت أيضاً ست فترات محتملة أخرى للإطلاق في أبريل.


اتهامات التحرش تقود لحذف اسم مؤلف «فخر الدلتا» من شارة العمل

مشهد من المسلسل (صفحة أحمد رمزي على «فيسبوك»)
مشهد من المسلسل (صفحة أحمد رمزي على «فيسبوك»)
TT

اتهامات التحرش تقود لحذف اسم مؤلف «فخر الدلتا» من شارة العمل

مشهد من المسلسل (صفحة أحمد رمزي على «فيسبوك»)
مشهد من المسلسل (صفحة أحمد رمزي على «فيسبوك»)

بعد يومين من الجدل المصاحب لنشر شهادات نسائية عبر حسابات موثّقة على «فيسبوك» ضد مؤلف مسلسل «فخر الدلتا»، قررت الشركة المنتجة للمسلسل حذف اسم المؤلف «مؤقتاً» من شارة العمل.

ومنذ بدء عرض المسلسل، الذي يقوم ببطولته «اليوتيوبر» أحمد رمزي في تجربته الدرامية الأولى، تحدثت فتاة عن تعرضها للتحرش من المؤلف خلال عملهما معاً قبل سنوات عدة، مشيرة إلى أنه حاول لاحقاً الاعتذار عما بدر منه، لكنها لم تقبل اعتذاره.

ورافق هذه الشهادة عدد من التدوينات الأخرى كتبتها فتيات عملن مع المؤلف الشاب في أماكن عمل سابقة، غير أن أيّاً منهن لم تعلن لجوءها إلى القضاء أو تقديم بلاغات رسمية ضده. كما تضمنت الشهادات تعليقات من فتيات أخريات تحدثن عن تعرضهن لوقائع مماثلة، في حين التزم المؤلف الصمت، وأغلق حساباته على مواقع التواصل الاجتماعي.

وأصدرت الشركة المنتجة للمسلسل بياناً، الجمعة، أكدت فيه اطلاعها على التدوينات المنشورة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، مشيرة إلى أنها، مع أخذ الاتهامات على محمل الجد، قررت إزالة اسمه من شارة العمل «مؤقتاً» لحين التحقق من صحة ما يُتداول، واتخاذ الإجراءات المناسبة بناءً على ما تسفر عنه نتائج التحقيق.

فريق عمل المسلسل (الملصق الترويجي للعمل - الشركة المنتجة)

المسلسل، الذي يشارك في بطولته انتصار وكمال أبو رية، إلى جانب أحمد عصام السيد، ويخرجه هادي بسيوني، تدور أحداثه في إطار اجتماعي حول شاب يعيش في دلتا مصر، وينتقل إلى القاهرة لتحقيق حلمه بالعمل في مجال الإعلانات. ويتكوّن العمل من 30 حلقة، ولا يزال تصويره جارياً.

وعدّ الناقد الفني المصري أحمد سعد الدين قرار الشركة المنتجة «مخالفاً لقاعدة أساسية في القانون، وهي أن المتهم بريء حتى تثبت إدانته»، معتبراً أن الإجراء جاء استباقياً قبل التحقيق في الوقائع المذكورة. وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «رد الفعل اتخذ طابع الاستجابة الإعلامية لضغوط مواقع التواصل الاجتماعي بهدف تجنب دعوات مقاطعة مشاهدة العمل».

وتابع أن «حذف اسم المؤلف من شارة العمل لا يعد الإجراء المناسب في مثل هذه الحالات لعدة أسباب، في مقدمتها أن العمل من تأليفه، وحقه الأدبي يقتضي نسبته إليه. أما الاتهامات التي يواجهها، ففي حال ثبوتها يجب أن تتم محاسبته قانونياً عبر تحقيقات رسمية، وليس عبر إصدار أحكام مسبقة من مواقع التواصل دون جهات تحقيق مستقلة».

ويرى الناقد الفني خالد محمود الرأي نفسه؛ إذ أكد لـ«الشرق الأوسط» أن «بيان الشركة يعكس استجابة لضغوط مواقع التواصل الاجتماعي، خصوصاً أن المسلسل يمثل التجربة الدرامية الأولى لبطله، وبالتالي هناك مساعٍ لتجنب أي عثرات قد تؤثر في متابعة العمل، الذي تكلف مالياً، ولا يزال يُعرض في بداية السباق الرمضاني».

ووصف مسألة حذف الاسم بأنها «تصرف غير مبرر» و«لا يتناسب مع طبيعة الاتهامات التي يواجهها، والتي يُفترض أن تكون محل نظر أقسام الشرطة وتحقيقات النيابة»، على حد تعبيره، مستبعداً عدول الشركة عن قرارها أو الإعلان عن نتائج التحقيقات قريباً، في ظل أن جهة الإنتاج ليست مسؤولة أساساً عن التحقيق في وقائع حدثت قبل التعاقد مع المؤلف، ومع أشخاص لا تربطها بهم أي صلة.


دانيال عربيد: «لمن يجرؤ» رحلة تأمل في العنصرية والخوف من الآخر

صناع الفيلم خلال عرضه الأول في مهرجان برلين (إدارة برلين السينمائي)
صناع الفيلم خلال عرضه الأول في مهرجان برلين (إدارة برلين السينمائي)
TT

دانيال عربيد: «لمن يجرؤ» رحلة تأمل في العنصرية والخوف من الآخر

صناع الفيلم خلال عرضه الأول في مهرجان برلين (إدارة برلين السينمائي)
صناع الفيلم خلال عرضه الأول في مهرجان برلين (إدارة برلين السينمائي)

قالت المخرجة اللبنانية دانيال عربيد إن فيلمها «لمن يجرؤ» مشروع بدأت حكايته منذ سنوات طويلة، وتعثر مراراً قبل أن يجد طريقه إلى التنفيذ، مشيرة إلى أن الفكرة راودتها منذ أكثر من خمسة أعوام، لكنها اعتادت أن تكتب أكثر من سيناريو في الوقت نفسه، ثم تترك لكل مشروع فرصته في النضج، إلى أن تتوافر ظروف إنتاجية مناسبة.

وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أنها في البداية كانت تتصور أن الفيلم سيُنفَّذ سريعاً، إلا أن مسألة التمويل لم تكن سهلة، فتأجل المشروع أكثر من مرة، وتغير المنتجون، وتداخلت انشغالاتها بين التلفزيون والسينما، مشيرة إلى أنها قدمت خلال تلك الفترة أعمالاً مختلفة، من بينها مشاريع تلفزيونية بميزانيات كبيرة، لكنها لم تتخلَّ عن حلم إنجاز هذا الفيلم، الذي ظل بالنسبة إليها مشروعاً شخصياً وإنسانياً في المقام الأول.

عرض الفيلم في افتتاح برنامج البانوراما بالمهرجان (إدارة برلين السينمائي)

وعرض الفيلم للمرة الأولى في افتتاح برنامج «البانوراما» ضمن فعاليات النسخة 76 من مهرجان «برلين السينمائي الدولي» في دورته الـ76 وهو من بطولة الفنانة الفلسطينية هيام عباس والممثل السوداني أمين بن رشيد، وتدور أحداثه حول قصة حب تجمع بين أرملة فلسطينية وشاب سوداني يجتمعان في بيروت، ويواجهان مشاكل كثيرة في حياتهما.

ميزانية ضعيفة

تقول المخرجة اللبنانية إن «التحول الحقيقي لخروج الفيلم للنور حدث عندما عُرض عليها تنفيذ الفيلم بميزانية متواضعة لا تتجاوز 600 أو 700 ألف يورو، وهو رقم ضئيل بمعايير الإنتاج الأوروبي»، مشيرة إلى أن «البعض ربما يرى في ذلك عائقاً، لكنها رأت فيه فرصة للحرية، لأن ضعف الميزانية يعني غياب الضغط التجاري، وعدم الخضوع لمنطق شباك التذاكر، فالسينما، بالنسبة إليها، ليست سباق أرقام، بل مساحة بحث وتجريب، بجانب خبرتها السابقة في إنجاز أعمال بميزانية ضخمة وأخرى بميزانيات محدودة».

وأوضحت أن ميلها إلى التجريب يعود إلى اشتغالها في مجال «الفيديو آرت»، حيث اعتادت التفكير بالصورة بوصفها مادة قابلة لإعادة الاكتشاف، مشيرة إلى أن ما كان يشغلها في «لمن يجرؤ» لم يكن الموضوع وحده، بل الطريقة التي يمكن أن تُروى بها الحكاية، وكيف يمكن تحويل الظروف الصعبة إلى خيار جمالي مختلف.

عربيد تقول إن العنصرية باتت ظاهرة عالمية (إدارة مهرجان برلين)

وأضافت أن «الفيلم كان من المقرر تصويره في لبنان، لكن التصعيد العسكري واندلاع الحرب غيّرا كل الخطط، وجعلها تشعر بخوف حقيقي على البلد، وعلى العائلة والأصدقاء، لكنها في الوقت نفسه أحست بمسؤولية تجاه المكان»، لافتة إلى أن «الفكرة لم تعد مجرد إنجاز فيلم، بل توثيق صورة لبنان قبل أن تتغير أو تختفي، ولذلك رفضت اقتراحات تصوير العمل في فرنسا بديكورات تحاكي بيروت.

وأوضحت أنها قررت إرسال فريق تصوير إلى لبنان لتوثيق الشوارع والبيوت خالية من الناس، ثم أعادت تركيب هذه الصور داخل استوديو قرب باريس باستخدام تقنية الإسقاط الخلفي، مع جعل الممثلين يؤدون أدوارهم أمام هذه الصور، في مساحة محدودة لا تتجاوز بضعة أمتار، بينما توحي الصورة بأنهم يتحركون في شوارع بيروت أو داخل منازلها، مؤكدة أن هذا الحل لم يكن مجرد بديل تقني، بل أصبح جزءاً من هوية الفيلم، ومن إحساسه بالتوتر والانتظار.

تألق هيام عباس

وتوقفت عربيد عند علاقتها ببطلة العمل الممثلة الفلسطينية هيام عباس، مشيرة إلى أن تعاونهما يعود إلى أواخر التسعينات في فيلمها القصير الأول، قبل أن تتباعد مساراتهما المهنية، مؤكدة أن فكرة العمل مجدداً مع عباس ظلت تراودها، لأنها ترى فيها ممثلة ذات حساسية عالية وقدرة كبيرة على التعبير بالصمت بقدر التعبير بالكلمات.

وأضافت أن شخصية «سوزان» في الفيلم احتاجت إلى ممثلة تستطيع نقل المشاعر عبر نظرة أو ارتجافة بسيطة في الوجه، وهو ما وجدته في هيام عباس، لافتة إلى «أن العلاقة بين بطلي الفيلم تقوم على تناقض واضح، سواء في الخلفية الاجتماعية أو الثقافية، لكنها رأت في هذا التناقض جوهر الحكاية».

المخرجة اللبنانية دانيال عربيد (إدارة مهرجان برلين)

وأوضحت أن الفكرة مستوحاة جزئياً من أعمال سينمائية قديمة تناولت علاقة بين شخصين مختلفين جذرياً، لكنها أعادت صياغتها في سياق معاصر، بحيث يصبح التباين مدخلاً لفهم إنساني أعمق.

وعن اختيار أمين بن الرشيد، قالت إنها تعرّفت إليه عبر اختبارات أداء قبل سنوات، ورأت فيه صدقاً وحضوراً يناسبان الدور وأجرت بروفات مكثفة جمعته مع هيام عباس، لاختبار الكيمياء بينهما، لأن الثقة التي نشأت داخل فريق العمل كانت عنصراً أساسياً في نجاح التجربة، خصوصاً أن التصوير تم في ظروف غير تقليدية.

وأكدت عربيد أن الفيلم، وإن بدا للبعض نقداً للمجتمع اللبناني، فإنه في جوهره يتناول مسألة أوسع تتعلق بالعنصرية والخوف من الآخر، بالإضافة إلى أن العنصرية ليست حكراً على بلد بعينه، بل هي ظاهرة عالمية، مشيرة إلى أنها تعيش بين لبنان وفرنسا، وهذه الحركة بين البلدين تمنحها مسافة تأمل تسمح لها بطرح الأسئلة من دون الانحياز الكامل إلى جهة واحدة.