هل عالمنا هو الأفضل؟... الخلاف الفكري بين ليبنز وفولتير

ليبنز - فولتير
ليبنز - فولتير
TT

هل عالمنا هو الأفضل؟... الخلاف الفكري بين ليبنز وفولتير

ليبنز - فولتير
ليبنز - فولتير

هل نقبل واقعنا أم نرفضه لصالح ما يجب أن يكون الأفضل؟ إنه السؤال الذي يمكن الإجابة عنه بأشكال مختلفة في كافة مناحي الحياة سواء على مستوى الفرد أو الجماعة، وإجابته تعد الأساس الذي يُبنى عليه إما القبول بالواقع والخنوع للظروف القائمة وإما رفضها والعمل على التغيير، إنه في واقع الأمر مفترق الطرق الفكري والذي تناوله كثير من المفكرين والفلاسفة وعلى رأسهم الفيلسوف الألماني ليبنز في القرن السابع عشر في محاولته للتوفيق بين الدين والعقل، فقد رأى أن الإنسانية تسير في تقدم مضطرد إلى الأفضل، فكان يرى أن عالمنا هو أفضل عالم متاح، مؤكداً أن الكمال للبارئ سبحانه ومن ثم فإننا كمخلوقات غير كاملين بطبيعة الحال لذا يظهر الشر والجهل والخطايا، والإنسان في رحلته الإنسانية العامة يقوم بتصحيح هذه الأخطاء تدريجياً مع الوقت.
ولكن الكاتب الفرنسي فولتير كان له رأيه المختلف تماماً، فلقد كان هذا السؤال هو المحور الرئيسي لروايته القصيرة «كانديد Candide»، والتي تعرض فيها لرحلات ومغامرات الشاب «كانديد» منذ أن طُرد من حياة الرفاهية في القصر لعلاقته بابنة خاله فانضمامه لجيش بروسيا ثم هروبه منه إلى البرتغال، حيث رأى مأساة الزلزال الشهير هناك آنذاك والآلام المختلفة التي خلفها، وهروبه إلى أميركا اللاتينية حيث تعددت سفرياته وخبراته مع المجتمعات المختلفة ولعل أهمها في مدينة «الدورادو» أو المدينة المثالية والتي لا عنف فيها وكل أمورها تدار بعقلانية شديدة فعلاقة الملك بالرعية مثالية إلى أقصى الحدود، ولكنه يتركها ويعود لأوروبا مع محبوبته إلى أن انتهى به المقام على البوسفور بعد أن طاف حول العالم ورأى المآسي الإنسانية والشر والعنف والقتل والرق إلخ.
حقيقة الأمر أنه لن يخفى على قارئ الرواية المقاصد الأساسية للكاتب، فلقد شن هجومه العنيف على كل شيء في القارة الأوروبية من دين إلى دولة إلى ساسة إلى الظروف الاجتماعية إلخ... ولكن ما يهم إبرازه هنا هو شخصية المُعلم المحافظ «لكانديد» وهو بانغلوس، فكلما بدأ بطل الرواية في استكشاف العالم والمآسي المرتبطة به خرج علينا المُعلم بجملته الفكرية والفلسفية الشهيرة والتي تناثرت في كل أنحاء الرواية «إنه العالم الأفضل من كل الخيارات الممكنة»، فبانغلوس يمثل في واقع الأمر رمزاً للهجوم على فكر ليبنز.
وبعيداً عن السجال الفكري بين ليبنز وفولتير فإن جملة بانغلوس هي جملة عابرة في حياتنا قد لا نلتفت إلى عمقها، فمن منا لم يقل هذا الجملة بأشكال مختلفة؟ فالتقدم البشري في شتى مناحي الحياة يجعلنا في مناسبات كثيرة نؤمن بأنه أفضل عالم متاح خاصة إذا ما قارناه بالماضي، فالعالم اليوم قد يكون أفضل مما كان من قبل، وبعد قرابة أربعة قرون من صدور الرواية، فإننا نجد أنفسنا أمام نفس الحوار الفكري، فهل نحن نعيش في أفضل عالم متاح؟ وهنا سنختلف، فبينما يرى فريق منا أننا نعيش في عالم مليء بالشر والمصائب والتي إن تحسنت في بعض جوانبها عبر الزمن والتقدم، إلا أن العالم يظل أقل مما يجب أن يكون عليه، وأن قبولنا بهذه النظرة المتفائلة إنما هو قدر من الانتقاص لإنسانيتنا وتطلعاتنا لمستقبلنا البشري الجماعي أو الفردي، فالقرن العشرون شهد أكبر مجازر الإنسانية ممثلة في الحروب عبر التاريخ، والأمراض ما زالت تفتك بنا، وتقديرات الكثير من المفكرين تشير إلى أن الفقر في زيادة مضطردة برغم تطبيق آليات السوق في أغلبية من بقاع العالم، والتناقض الآيديولوجي يفتك بنا، وأصحاب هذا الرأي يؤكدون أننا بالفعل في تقدم ولكنه غير كاف ولا ينسجم مع وتيرة النمو السكاني. بينما يدفع أصحاب الرأي الآخر بأن العالم اليوم أفضل مما كان عليه، فثورة العلم والاتصالات والطب وشتى مناحي الحياة وفرت للإنسان حياة بالتأكيد أفضل مما كان عليه من قبل، فالسلوك الإنساني اليوم أصبح أفضل والعالم يتجه نحو تقنين الخير بحيث لا نجعله مجرد رؤية إنسانية مجردة، والطب في تقدم يشفي الناس... فكيف لا نؤمن بمقولة بانغلوس؟
حقيقة الأمر أنني أجدني في حيرة من شأني مثل الكثيرين غيري الذين سيتفقون معي، فلو قبلنا هذه المقولة كدستور لحياتنا فإننا بلا شك سنكون مقصرين في حق مستقبلنا والأجيال القادمة، لأنها جملة تساهم في كبح جماح الطموح الإنساني ولن تفرز إلا الخنوع للواقع بل وفلسفته وتشريعه لنهيئ لأنفسنا قبوله. بالتالي فتقديري أن القبول الجزئي بهذه المقولة واجب يحتمه تقدم الإنسانية، ولكنه ليس قبولاً مطلقاً للجملة، فلا بد من ترك المجال للتقدم الإنساني بالقناعة الثابتة بأن المسيرة الإنسانية في الواقع قاصرة بكل تأكيد، فحاضرنا ليس بالضرورة أفضل مما نسجه سابقونا في بعض المناحي، فالإنسانية في رحلتها من بداية الخليقة حتى اليوم لم تكتمل، وهو ما دفع الكثيرين للبحث عن مفهوم «المدينة الفاضلة» من «أفلاطون» إلى روايات الخيال العلمي في عصرنا الحديث.
وهنا تحضرني مقولة صديق لاتيني كلما استفسرت عن أحواله كان يقول لي: «أنا اليوم أفضل من الأمس وأسوأ من الغد»، فعسى أن يكون مستقبلنا أفضل من حاضرنا.



كيف نجا ترافيس باركر من حادث طائرة «ليرجيت 60» المنكوبة؟

عازف الطبول والموسيقي الأميركي الشهير ترافيس باركر (أسوشييتد برس)
عازف الطبول والموسيقي الأميركي الشهير ترافيس باركر (أسوشييتد برس)
TT

كيف نجا ترافيس باركر من حادث طائرة «ليرجيت 60» المنكوبة؟

عازف الطبول والموسيقي الأميركي الشهير ترافيس باركر (أسوشييتد برس)
عازف الطبول والموسيقي الأميركي الشهير ترافيس باركر (أسوشييتد برس)

لم تكن العودة إلى تفاصيل ليلة الـ19 من سبتمبر (أيلول) عام 2008 مجرد استعادة لحدث عابر في حياة عازف الطبول والموسيقي الأميركي الشهير ترافيس باركر، بل كانت أشبه بنبش في رماد محرقة كادت تبتلع حياته وحياة رفاقه، لولا العناية الإلهية التي كتبت له عُمراً جديداً من رحم الرماد والنار.

وفي وقت يستعد فيه قطاع واسع من الجمهور وصنّاع الموسيقى لمتابعة الوثائقي الجديد «ترافيس باركر: أعلى من الخوف (Travis Barker: Louder Than Fear)»، الذي بدأ عرضه على منصتَي «هولو» و«ديزني بلس» في الـ13 من أغسطس (آب) الحالي، خرج النجم العالمي بتصريحات صحافية غير مسبوقة، واصفاً تفاصيل الحادث اللعين بأنَّها ندوب أبدية محفورة في ذاكرته، مؤكداً أنَّ النيران لم تلتهم الطائرة فحسب، بل التهمت معها 65 في المائة من جسده، ليدخل في رحلة عذاب ومواجهة مع الموت امتدت لسنوات طويلة.

عازف الطبول والموسيقي الأميركي الشهير ترافيس باركر (أسوشييتد برس)

وكان باركر قد عاش قرابة 13 عاماً في أسر فوبيا الطيران، رافضاً بشكل قاطع ركوب أي طائرة، ومفضِّلاً التنقل عبر السفن والبر، مما حدَّ كثيراً من جولاته الفنية العالمية، قبل أن يتمكَّن من كسر هذا القيد الحديدي بمساعدة زوجته كورتني كارداشيان.

عازف الطبول والموسيقي الأميركي الشهير ترافيس باركر بمعية زوجته كورتني كارداشيان (أسوشييتد برس)

وتأتي التفاصيل الجديدة اليوم، المتزامنة مع إطلاق الوثائقي، لتعيد تسليط الضوء على تلك اللحظات المأساوية التي تفصل بين الحياة والموت في ثوانٍ معدودة، مقدمةً سرداً حياً لرحلة التعافي الجسدي والنفسي، وكيف يمكن للإنسان أن ينهض من وسط النيران ليعيد بناء حياته من جديد.

ليلة الهبوط في الجحيم والتسلسل الزمني للفاجعة

تعود وقائع الفاجعة إلى ليلة الجمعة، وتحديداً قبيل منتصف الليل، في تمام الساعة الـ11 و53 دقيقة مساءً، عندما كانت طائرة خاصة من طراز «ليرجيت 60» تستعد للإقلاع من مطار كولومبيا في ولاية كارولاينا الجنوبية، متوجهةً صوب لوس أنجليس.

وبحسب التحقيقات الرسمية، بينما كانت الطائرة تندفع على المدرج بسرعة فائقة تجاوزت 150 ميلاً في الساعة، انفجرت إطاراتها فجأة محدثة دويّاً هائلاً، مما دفع طاقم القيادة لاتخاذ قرار عاجل بإلغاء عملية الإقلاع، إلا أنَّ الوقت كان قد فات ولم تسعفهم المسافة المتبقية من المدرج، لتندفع الطائرة بسرعة جنونية خارج السياج الأمني للمطار، وتتحطَّم فوق طريق سريع مجاور، متحولةً في لمح البصر إلى كتلة مستعرة من اللهب التهمت كل شيء.

عازف الطبول والموسيقي الأميركي الشهير ترافيس باركر (أسوشييتد برس)

وفي تلك اللحظات الرهيبة، تحوَّلت مقصورة الطائرة إلى زنزانة من نار، حيث روى باركر كيف قفز هو وصديقه المقرب الفنان الموسيقي الراحل «دي جي آدامز» (آدم غولدشتاين) من الطائرة وهي تتحرَّك وتشتعل، ليركضا على الأسفلت والنيران تمسك بملابسهما وأطرافهما، في مشهد هوليوودي مرعب تجسَّد على أرض الواقع، مخلفاً وراءه ألسنة لهب أضاءت عتمة الليل في كارولاينا الجنوبية، وظلت شاهدةً على واحدة من أسوأ كوارث الطيران الخاص في ذلك العام.

الفنان الموسيقي الراحل «دي جي آدامز» (آدم غولدشتاين) (ويكيبيديا)

حصيلة الدماء وأسماء في ذاكرة الغياب

أسفر الحادث الأليم فوراً عن مصرع 4 أشخاص من أصل 6 كانوا على متن الرحلة المشؤومة، حيث غيَّب الموت كلاً من رئيسة طاقم الضيافة سارة ليميل البالغة من العمر 31 عاماً، ومساعد الطيار جيمس بلاند البالغ من العمر 52 عاماً، واللذين قضيا نحبهما في قمرة القيادة نتيجة شدة الارتطام واشتعال النيران الفوري.

طائرة عازف الطبول والموسيقي الأميركي الشهير ترافيس باركر المنكوبة (ويكيبيديا)

ولم تتوقف الحصيلة عند طاقم الطائرة، بل امتدت لتخطف أعزَّ رفاق عازف الطبول الشهير، حيث توفي مساعده الشخصي كريس بيكر عن عمر ناهز 29 عاماً، وحارسه الشخصي تشارلز ستيل البالغ من العمر 26 عاماً، واللذين لم يتمكَّنا من مغادرة الهيكل المحترق في الوقت المناسب.

ولم ينجُ من هذه المحرقة سوى ترافيس باركر وصديقه غولدشتاين، اللذين نجوا بأعجوبة وصفتها الأوساط الطبية حينها بأنها خارقة للطبيعة، غير أنَّ النجاة لم تكن نهاية المطاف بل كانت بداية لرحلة عذاب أخرى، خصوصاً أن غولدشتاين نجا من النيران لكنه لم يستطع تحمل التداعيات النفسية العميقة للصدمة، ليرحل عن عالمنا بعد عام واحد فقط، وتحديداً في عام 2009، إثر جرعة زائدة من الدواء ارتبطت بشكل وثيق بمعاناته من اضطرابات ما بعد الصدمة، مما ترك باركر وحيداً في مواجهة عقدة ذنب الناجي.

رحلة العذاب الطبوغرافي و27 جراحة

تحدَّث باركر بكثير من الشجن والألم عن الجروح الجسدية التي خلَّفها الحادث، موضحاً أنَّ النيران التهمت 65 في المائة من جسده، مصيبةً إياه بحروق شديدة من الدرجتين الثانية والثالثة، الأمر الذي تطلب أن يمكث طويلاً في المستشفى ومركز الحروق المتخصص، تجاوز 4 أشهر كاملة قضى معظمها تحت تأثير المخدر القوي والأجهزة الطبية.

وخلال تلك الفترة العصيبة، خضع الموسيقي لـ27 عملية جراحية معقَّدة لإعادة بناء الجلد وترقيع الأنسجة التالفة، حيث كان الأطباء يسابقون الزمن لإنقاذ أطرافه من البتر ومكافحة الالتهابات الحادة التي هدَّدت حياته في أكثر من مناسبة.

ولم تقتصر المعاناة على المشرط والجراحة، بل تعدتها إلى جحيم نفسي وعلاجات مكثفة للتصالح مع شكل جسده الجديد ومعايشة الفقد الكبير لأصدقائه، حيث أكد باركر في تصريحاته الجديدة للوثائقي أنَّ الندوب النفسية كانت أعمق بكثير من تلك المحفورة على جلده، وأنَّ تجاوز تلك المرحلة تطلب إرادةً فولاذيةً ودعماً عائلياً غير مشروط، ليتحوَّل اليوم من مجرد ضحية لحادث طيران إلى رمز حي للقدرة على النجاة والتعافي والانتصار على الخوف مهما بلغت شدته.


أحمد عبد العزيز: أحلم بتجسيد السادات... والمسرح المصري «يمرض ولا يموت»

تكريم الفنان أحمد عبد العزيز في «مهرجان المسرح المصري» (الشرق الأوسط)
تكريم الفنان أحمد عبد العزيز في «مهرجان المسرح المصري» (الشرق الأوسط)
TT

أحمد عبد العزيز: أحلم بتجسيد السادات... والمسرح المصري «يمرض ولا يموت»

تكريم الفنان أحمد عبد العزيز في «مهرجان المسرح المصري» (الشرق الأوسط)
تكريم الفنان أحمد عبد العزيز في «مهرجان المسرح المصري» (الشرق الأوسط)

قال الفنان المصري أحمد عبد العزيز إنّ أبرز المسرحيات التي قدَّمها على مدار مشواره الفني لم تحظَ بفرصة للتصوير أو التوثيق اللازم، مؤكداً، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، أن عدم تصوير عروض عدة له ولزملائه من الفنانين أثَّر بشكل كبير في عملية التأريخ والأرشفة. كما تحدَّث عن تفاصيل إتقانه الشخصية الصعيدية، وعلاقته بمواقع التواصل الاجتماعي، ورغبته في تقديم شخصية الرئيس الراحل أنور السادات درامياً.

واستعاد أبرز المسرحيات التي قدَّمها، بعدما كُرِّم في الدورة الـ19 من «المهرجان القومي للمسرح المصري»، لافتاً إلى أنه بدأ مشواره المسرحي في مرحلة الطفولة، وامتد إلى المدرسة والجامعة، ثم «أكاديمية الفنون»، وبعدها مسرح «الطليعة» محترفاً. وأضاف: «في سنوات الدراسة الأولى قدّمتُ كثيراً من الأعمال، أبرزها أوبريت (موكب النصر)، وأوبريت (رمضان جانا)، ومسرحية (ثمن الحرية)».

وخلال سنوات الدراسة الجامعية والأكاديمية، قدَّم أحمد عبد العزيز مسرحيات عدة، من بينها «المنصورة واحد» ممثلاً، فيما أخرج «المخطّطين»، و«سور الصين العظيم»، و«سمك عسير الهضم»، و«عريس لبنت السلطان»، و«الابن الضال»، و«ميديا». وفي مسرح «الطليعة»، قدَّم «المغنية الصلعاء»، و«الواغش»، و«مسافر الظهر»، إلى جانب إخراجه مسرحية «مأساة الحلاج» لصلاح عبد الصبور.

وأكد أنّ عدم تصوير بعض المسرحيات للعرض التلفزيوني كان سبباً في طمس مشوار مسرحي مهم، مضيفاً: «عدم التصوير، خصوصاً في عقدي الستينات والسبعينات، حين كان التصوير أمراً صعباً وليس كما هو في هذه الأيام، أثر سلباً بشكل كبير في تاريخ المسرح المصري وأرشيفه».

أحمد عبد العزيز قدَّم عدداً من الأعمال المسرحية (الشرق الأوسط)

وتابع: «هناك أعمال مسرحية مهمة عُرضت ولم تُصوَّر، سواء في المسرح الجامعي هاوياً أو في مسرح الدولة محترفاً، مثل (سمك عسير الهضم)، و(ميديا)، ثم (مأساة الحلاج). وبالنسبة إلى كثير من زملائي الفنانين، هناك أعمال كثيرة لم تنل حظها ولم تُصوَّر، مما أثر تأثيراً بالغاً في عملية التأريخ والأرشفة».

وعن رأيه في حال المسرح المصري راهناً في القطاعين العام والخاص، قال أحمد عبد العزيز: «من خلال متابعتي حركة المسرح في مصر خلال 50 عاماً، أرى أن المسرح المصري يمرض ولا يموت. فهو يمر بمراحل من الأزمات، وأخرى من الازدهار، وأخرى بين هذا وذاك. ولذلك أعتقد أنه آن الأوان لتهتمّ الدولة به، خصوصاً المسرح المدرسي، بوصفه رافداً مهماً في تغذية الحركة المسرحية».

الفنان المصري أحمد عبد العزيز يستعيد 50 عاماً مع المسرح (الشرق الأوسط)

وأكد الفنان المصري أن مشواره في الدراما التلفزيونية وتألقه فيها لسنوات طويلة لم يكونا على حساب وجوده بكثافة في المسرح والسينما، مضيفاً: «لست نادماً على وجودي الطاغي في التلفزيون، فكل هذه الوسائط الفنية تصبّ في مصلحة الفنّ والتأثير في الجمهور بشكل أو بآخر».

وعن تحضيراته وبراعته في تقديم الشخصية الصعيدية في كثير من الأعمال، قال: «في بداية مشواري، درستُ وحضّرت كثيراً للشخصية الصعيدية، خصوصاً خلال الإعداد لفيلم (الطوق والأسورة) في الأقصر عام 1985، حيث عكفنا على دراسة الشخصية واللهجة الصعيدية، وعادات المجتمع الصعيدي بشكل عام، والملابس على اختلاف محافظات الوجه القبلي. ثم بعد ذلك لم أكن بحاجة إلى تكرار هذه الدراسة عند تقديم أي شخصية صعيدية أخرى».

جانب من تكريم الفنان أحمد عبد العزيز (الشرق الأوسط)

وقدَّم أحمد عبد العزيز خلال مشواره الفني السيرة الذاتية لشخصيات تاريخية، مثل الإمام محمد عبده، لكنه لا يزال يحلم بتقديم سيرة الرئيس المصري الراحل محمد أنور السادات في دراما تلفزيونية طويلة، وفق قوله.

وفي حال اختياره لتقديم جزء جديد من مسلسلي «المال والبنون» أو «ذئاب الجبل»، علَّق: «لا أعتقد أن هناك امتداداً درامياً لأحداث (ذئاب الجبل)، ولكن الأمر يختلف بالنسبة إلى (المال والبنون)؛ لذلك هو الأقرب إلى وجود جزء آخر».

وإلى جانب مشواره المسرحي، قدَّم بطولات درامية تلفزيونية، من بينها «الوسية»، و«المال والبنون»، و«ذئاب الجبل»، و«الفرسان»، و«من الذي لا يحب فاطمة»، و«السيرة الهلالية»، و«سوق العصر». وفي السينما، قدَّم أفلاماً مثل «حارة برجوان»، و«القانون لا يعرف الحب»، و«المتهمون»، و«السياسي»، و«الشرسة»، و«الذئب»، و«حكمت فهمي»، إلى جانب عدد من السهرات التلفزيونية والمسلسلات الإذاعية.


محمد سهيل يُعيد رسم معنى الاكتمال

محمد سهيل يفتّش في الجسد عن أثر الآخر (الشرق الأوسط)
محمد سهيل يفتّش في الجسد عن أثر الآخر (الشرق الأوسط)
TT

محمد سهيل يُعيد رسم معنى الاكتمال

محمد سهيل يفتّش في الجسد عن أثر الآخر (الشرق الأوسط)
محمد سهيل يفتّش في الجسد عن أثر الآخر (الشرق الأوسط)

تتكدَّس أجساد الدمى وأطرافها داخل لوحات محمد سهيل كما لو أنَّها نجت لتوّها من انفجار، ثم عادت فحاولت الانتظام في حياة جديدة. يستحضر الفنان العراقي الشاب محمد سهيل في معرضه «Altruism» عالم الطفولة، من خلال مفرداته المألوفة، من الدمى والألعاب والأجساد المصغَّرة والألوان، ثم يُعيد تركيبها وقد دخل عليها الخوف والعنف وذاكرة لا تنفصل عن الحرب.

أجساد تستعير من الآخر ما يُعيدها إلى الحياة (الشرق الأوسط)

وسط هذا الزحام تظهر الأرجل والأذرع المبتورة، دمى ناقصة وأخرى مركَّبة، أسلحة بلاستيكية، سيارات عسكرية، قنابل، سكاكين، سيارة إسعاف، وكوفية تتكرَّر لتصبح أرضية حاضنة للمشهد. كلّ شيء يبدو عادياً في البداية، ثم يتبدَّل مع طول النظر.

ينطلق سهيل المولود عام 2000 والمتخرّج في كلّية الفنون الجميلة بجامعة بغداد عام 2023، من واقعية دقيقة لا تستخدم الإتقان التقني لطمأنة العين. على العكس، كلّما ازداد سطح الدمية لمعاناً ونعومة، ازدادت المفارقة قسوةً. هذه ألعاب يُفتَرض أن تنتمي إلى عالم اللهو، لكنها تحمل آثار الحرب والفَقْد والجسد الذي تعرَّض للنقص ومحاولة ترميم ما انكسر. وهو ابن العراق، لذلك يصعب فصل هذه الصور عن بلد خبرت أجياله الحرب منذ طفولتها، من دون أن تتحوّل اللوحات إلى سرد سياسي صريح أو شهادة توثيقية.

الأرزة تحية للمدينة التي تستقبل تجربة الفنان العراقي الشاب (الشرق الأوسط)

تتشكّل الفكرة المركزية للمعرض حول ما يُسميه المشروع «Cyborg Empathy». ومفهوم «السايبورغ»، الذي ظهر مصطلحه عام 1960، يُشير أساساً إلى كائن يجمع في جسده أجزاءً عضوية وأخرى اصطناعية تساعده على تجاوز حدود الجسد وقدراته. يستعير سهيل هذه الفكرة، ثم ينقلها من علاقة الإنسان بالآلة إلى علاقة الإنسان بالإنسان.

الطرف الاصطناعي بالمعرض ليس قطعة تكنولوجية باردة، والالتحام لا يحدُث بين معدن ولحم. نرى أجساداً تحمل أطرافاً تختلف ألوان بشرتها عن لون الجسد الذي التحقت به. ذراع داكنة في جسد فاتح أو جزء فاتح يستكمل جسداً أسمر. الاختلاف مُتعمَّد، ومنه تستمدّ هذه الأجساد معناها الأخلاقي والفكري، إذ يغدو اكتمال الجسد ممكناً من خلال الآخر.

الجسد يحتفظ بلون مَن أكمله (الشرق الأوسط)

هكذا تصبح البشرة، بدلاً من أن تفصل جسداً عن آخر، أثراً لِما جمع بينهما. لا يُحاول سهيل إخفاء الفارق اللوني كي يوهمنا بأنَّ الجسد «عاد كما كان». يترك أثر الاختلاف ظاهراً، لأنَّ النجاة ينبغي ألا تمحو تاريخ الجرح ولا هوية مَن منح جزءاً من نفسه. الطرف الجديد لا يُطابِق صاحبه لكنه يُنقذه من النقص. وفي هذا الخلل المرئي تنشأ صورة أكثر اتّساعاً للإنسان، يصبح فيها اكتمال الجسد فعلاً من أفعال الأخذ والعطاء، واعترافاً بأنَّ ما ينقص فرداً قد يمنحه إياه جسد آخر، بلون آخر ومن مكان آخر.

يضع مؤسِّس الغاليري الذي يستضيف الأعمال، كليم بشارة (منطقة ستاركو في بيروت)، «الإيثار» ضمن هذه الرؤية. يتحدَّث في تقديمه للمعرض عن خيار واعٍ يرتكز على رؤية معاناة الآخرين والشعور بالمسؤولية تجاهها. في اللوحات، يأخذ التضامن شكلاً محسوساً يتجاوز الفكرة المجرّدة. إنها تمنحه لحماً وأطرافاً وندوباً وخِياطة ظاهرة. يتحوّل التعاطف إلى عملية جسدية تقريباً. إلى انتقال جزء من إنسان ليستمرَّ إنسانٌ آخر.

اللعب وقد مرَّت عليها الحرب (الشرق الأوسط)

يحضر هذا المعنى أيضاً في الكوفية التي تتكرَّر في اللوحات، ويرى فيها الفنان علامةً على الهوية العربية. تظهر خلف الدمى والأجساد مثل خيط يمنح المشهد مرجعيّته العربية ويصل بين عناصره المختلفة. فوقها تلتقي ألعابٌ تنتمي إلى ثقافات وألوان وطفولات مختلفة لتصبح الهوية مساحة تجمع الاختلاف وتحتويه. ومع دخول الأسلحة البلاستيكية إلى اللوحة، تتغيَّر دلالة اللعب. فالأشياء التي تنتمي إلى عالم الطفل تختلط بالبنادق والقنابل والدبابات، ويصبح اللعب حاملاً لصور العنف التي فرضتها الحرب على مخيّلة الطفولة.

ففي إحدى اللوحات تظهر «ميني ماوس» جريحة ومضمَّدة، وفي أخرى تحضر الدمى إلى جانب قنبلة أو بندقية أو دبابة. الجرح يُصيب حتى الشخصيات التي صنعتها الثقافة الشعبية كي تكون مُبهِجة وآمنة، لتكشف المفارقة كيف امتدَّت صُوَر الحرب إلى عالم اللعب وأصبحت جزءاً من ذاكرته البصرية.

طفولة خرجت من الحرب بضمّاداتها (الشرق الأوسط)

وفي لوحة «Beirut Girl»، تحمل الدمية الأرزة اللبنانية على ثوبها، في إشارة مباشرة إلى المدينة التي تستقبل تجربة محمد سهيل للمرة الأولى. ويكتسب عرض أعمال فنان عراقي شاب في بيروت دلالةً تتّصل بما عاشته المدينتان من حروب وخسارات، وبقدرتهما المستمرّة على استعادة الحياة. عبرها، تأتي النجاة من واقع تعرفه بغداد كما تعرفه بيروت، ويمنح الفنّ لذاكرتين مُثقَلتين بالعنف فرصة اللقاء من دون أن تفقد أي منهما خصوصيتها.

اللعبة التي وُلدت للفرح تجد نفسها محاطةً بمفردات الحرب (الشرق الأوسط)

وتبدو لوحات «Altruism» مجتمعةً كأنَّها أجزاء من مشهد واحد تتّصل عناصره ودلالاته من عمل إلى آخر. إنها عالم مكتظّ بأجساد ناقصة، لكنه ليس عالماً مستسلِماً للنقص. يرسم محمد سهيل واقعاً مرَّت الحرب فوق أجساده وتركت فيها ما لا يمكن محوه. شيء منها فُقِد، وشيء آخر جاء ليملأ الفراغ، فيما بقي أثر القِطَع ظاهراً ليشهد على الحكاية. فالجسد الذي عَبَرَ الكارثة لا يعود مُطالَباً باستعادة صورته السابقة. له أن يقبل شكله الجديد من دون خجل، ويحمل نقصه كما يحمل ما وهبه الآخرون له. عندها يتغيَّر معنى الاكتمال، ويستعيد الإنسان قدرته على مواصلة الحياة حتى وهو يحمل الدليل على أنه احتاج يوماً إلى إنسان آخر.