في موسم الحج يجتمع المسلمون من كل أصقاع المعمورة لأداء الركن الخامس من الدين الإسلامي الحنيف.. ويأتي كل فرد محملا بإرثه وثقافته وتجاربه التي تستحق الاطلاع. «الشرق الأوسط» اقتربت في المشاعر المقدسة من أحد هذه النماذج.. شاب في نهايات العقد الثالث من العمر، هو أحد أفراد أسرة تتكون من 4 أشقاء لعائلة إنجليزية أصولها من ثاني أكبر المدن البريطانية سكانا ومكانة، مدينة برمنغهام غرب وسط إنجلترا. اللافت أن الشاب الثلاثيني ذكر أن من الأعمال التي يقوم بها هو وأشقاؤه ترجمة كتب عدد من علماء الشريعة من العالم الإسلامي عامة، والسعودية على وجه الخصوص. وأرجع الشاب الإنجليزي هذا التوجه إلى تنفيذ وصية والديهم المتوفين.
أنس بوربانك وهو أكبر الأشقاء الأربعة، الذي التقته «الشرق الأوسط» في مشعر منى قال، إن «هذه الحجة الثالثة التي أؤديها مع أشقائي بعد حجتين أديناهما مع والدي اللذين توفيا قبل 10 سنوات».
أنس يجيد العربية بطلاقة، وعندما سألناه عن ذلك، ذكر أن والده كان يعمل على ترجمة كتب إسلامية إلى الإنجليزية، ويشرح: «دخل والدي إلى الإسلام قبل قرابة الـ30 عاما، وكان لديه رغبة جامحة في خدمة الإسلام، فأفنى كثيرا من وقته يترجم الكثير من الكتب العربية الإسلامية إلى الإنجليزية، ولذلك تعلمت أنا وأشقائي في مرحلة الطفولة الكثير من مفردات هذه اللغة».
الشاب الإنجليزي أنس (38 عاما) ذكر أنهم تأثروا أيضا ببعض أفراد الجالية العربية التي كانت تعيش في حيهم، ويلتقي بهم في المسجد والحي، فيما يتعلق باللغة العربية. وتذكر بعض الإحصائيات أن بريطانيا تضم 160 ألف شخص بريطاني يتحدثون اللغة العربية كمتحدثين أصليين.
عندما سألنا ضيفنا عن والديه، أطلعنا عبر هاتفه الجوال على فيديو مسجل لمقطع فيديو تبدو أوصافه أنه في منطقة ما من السعودية، عندها بدأ أنس يشرح وقال: «قبل أعوام حججنا أنا وشقيقي الأكبر مع والدي، وتعرضنا لحادث مروري ونحن في طريق عودتنا من مكة إلى جدة، لكن بعد فترة قصيرة من وقوع الحادث حصل تماس كهربائي فنشب حريق في الحافلة، مما أدى إلى تدافع الركاب من الحافلة بعد شعورهم بالخطر، وهناك من تعلق ولم يستطع الخروج، ولا سيما كبار السن، وكان من ضمنهم والداي اللذان لقيا حتفهما في ذلك الحادث».
قصة إسلام والد أنس تعود في أساسها لعائلة آسيوية تقطن منطقتهم، ويفصل الابن أنس في ذلك بقوله: «أصول والدي من مدينة برمنغهام، وكان يقطن المدينة عائلة خان التي تعود أصلا من باكستان، وتأثر والدي بهم كثيرا وبتعاملهم حتى دخل الإسلام مبكرا، بعد ذلك تزوج والدي من هذه العائلة، لتنجب أسرتنا 4 ذكور وفتاة أنا أكبرهم».
صحيفة «ديلي ميل» البريطانية أشارت للفكرة التي تحدث عنها ضيفنا، وأشار تقرير مفصل أعدته عام 2011، إلى أن عدد المسلمين في بريطانيا سيتضاعف إلى 5 ملايين ونصف المليون، ليكون هناك مسلم واحد بين كل 10 أفراد في بريطانيا في الـ20 سنة المقبلة بحسب دراسة علمية نقلتها الصحيفة البريطانية.
ويتطرق أنس لأعمال والده فيبين: «بعد تمكن والدي من اللغة العربية مبكرا، قرر العمل على ترجمة بعض الكتب الإسلامية إلى الإنجليزية». ويشير أن إلى أن من بين العلماء الذين كان والده يترجم كتبهم الإسلامية علماء من السعودية منهم الشيخ ابن عثيمين. ويعلق على ذلك: «السعودية بها الحرمان الشريفان مكة والمدينة، ومن يعش على أرضها يكتسب كثيرا من العلم الشرعي، وهذا ليس مقتصرا على السعوديين، بل كل من يعيش هناك، فالفرصة متاحة للتعليم، خاصة مدينة الرسول الكريم، كما هو الحال مع العلامة الشيخ أبو بكر الجزائري في المدينة المنورة، ولذلك يحرص والدي على قراءة وترجمة عدد من الكتب السعودية لإظهار سماحة وعدالة الإسلام واعتداله أيضا».
أنس بوربانك الذي بدا أنه يدرك الكثير عن الثقافة العربية والإسلامية قال إنه استفاد كثيرا من والده الراحل في الكثير من الأعمال، ومنها الترجمة للعربية. ويبين: «أجتهد أنا وأشقائي الثلاثة في مواصلة عمل والدنا ووصيته، في ترجمة الكتب الإسلامية، لا سيما للعلماء الراسخين في السعودية، إلى اللغة الإنجليزية، آملين أن يؤجر والدي على ذلك».
الحصيلة العلمية والخلفية الكبيرة التي أظهرها أنس في حديثه كانت نتيجة لأحداث تراكمية، منها تعليمه الجامعي.. وذكر أنس أن «من الذكريات الجميلة التي لن أنساها مرحلتي الدراسية الجامعية، حيث تخرجت في الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة، واستفدت الكثير منها، وشقيقاي عبد الرحمن ومعاذ يدرسان بها، وآمل من الله أن يُوفق شقيقي الأصغر أسامة ويُقبل ضمن قائمة طلاب الجامعة الإسلامية في العام المقبل بإذن الله».
ضيفنا ابن مدينة برمنغهام البريطانية وغيره الكثير يحرصون على أداء فريضة الحج عبر حملات كبيرة تأتي إلى المشاعر المقدسة سنويا، وتشير السفارة السعودية بلندن إلى الإقبال الكبير على تأشيرتي الحج والعمرة. وسبق وأن قدّر عضو البرلمان البريطاني اللورد نذير أحمد، عدد الحجاج البريطانيين الراغبين بأداء شعيرة الحج لهذا العام بنحو 25 ألف حاج ذكورا وإناثا، وذلك على هامش مداخلته في التجمع الذي نظمته رابطة الحج البريطانية في البرلمان البريطاني مطلع الشهر الحالي.
أشقاء من بريطانيا يترجمون كتب علماء دين سعوديين للإنجليزية
يؤدون حجتهم الثالثة.. وتوفي والداهم حرقا في جدة
ضيوف الرحمن خلال نفرتهم أمس من عرفات إلى مزدلفة في طريقهم إلى منى لأتمام مناسك الحج (تصوير: خالد الخميس)
أشقاء من بريطانيا يترجمون كتب علماء دين سعوديين للإنجليزية
ضيوف الرحمن خلال نفرتهم أمس من عرفات إلى مزدلفة في طريقهم إلى منى لأتمام مناسك الحج (تصوير: خالد الخميس)
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
