استحضار الطريق الطويل للسرد العربي

«تاريخ العيون المطفأة» لنبيل سليمان

غلاف الرواية
غلاف الرواية
TT

استحضار الطريق الطويل للسرد العربي

غلاف الرواية
غلاف الرواية

أولى جيرار جينيت الحكاية اهتماماً خاصاً، حتى أنه وضع كتاباً في استعادة خطابها، والسبب بنيتها الكلية التي تقوم على خطابين، أحدهما اختياري هو نص السارد، والخطاب الآخر هو الشخصية أو الشخصيات، ومثاله الحكاية البروستية في رواية «بحثاً عن الزمن الضائع» (عودة إلى خطاب الحكاية، ص9)، مؤكداً أن التمييز النقدي، أو بالأحرى التقسيم اللساني بين الثالوث: القصة - الحكاية - السرد، مما كان الشكلانيون والبنيويون مؤمنين به، أمر عفا عليه الزمن، بعد الشمول الذي صار يحيط بمجموع الواقعة السردية الذي به زالت الحيرة، على أساس أن الأصل في الواقعة قصة وقعتْ، ثم سُردت بفعل حكاء، ثم دونت احتمالاً في نص مكتوب.
وأهمية الحكاية تكمن في أن القصة تقاطع نفسها بنفسها كي تُخلي المكان لنمط آخر من الخطاب، هو السرد، فتصبح المسافة المتجسرة بين خطاب الحكاية وخطاب السرد هي بمثابة وهم محاكاتي، وهو ما اعتمده الروائي نبيل سليمان في روايته الجديدة «تاريخ العيون المطفأة»، الصادرة بطبعتها الأولى عن دار «ميم» للنشر في الجزائر 2019، جاعلاً الحكاية فعلاً ارتجاعياً، به يعاد إنتاج فعل السرد. والشفرة هي «العمى» التي اتخذت بعداً سيكولوجياً جعل الشخصيات إمّا مبأرة أو مبئرة، والوسيلة الفنية التي يسرت هذا التشفير هي طريقة الاستدعاء لراويين: الأول حكاء، والآخر سارد.
والرواية تستحضر التاريخ الطويل للسرد العربي، الذي كان فيه الحكاء هو المهيمن، بالتخييل وبحكايات عادة ما تكون قصيرة، وفيها شخصية تتعرض لصنوف من الأحداث الفنتازية.
وبين وجود حكاء يتولى السرد قاصداً التخييل، وسارد يتوخى محاكاة الواقعة، يكون التنازع السردي قد تحقق. ومن تبعات تحققه أن كلاً منهما يريد إزاحة الآخر عن دربه، فميدان السارد الموضوعي واقع نصي يريد عرضه بمنطقية التحبيك، وبصوت أحادي غائب، والحكاء ميدانه التخييل الفنتازي الذي به يَسْرح بخياله كيفما شاء، محلقاً في أجواء من الحلم، حتى لا يكون هناك خيط فاصل بين ما هو منطقي وما هو غير معقول، منتقلاً من الحاضر إلى الماضي بلوازم مثل «ضاع نفس الأركيلة، وضاعت الجمرات، يا محترم» أو «تململت القطة في الحضن الأنيس» أو «فيلبد كالقطة في الحضن الأنيس».
وهو ما يسميه جان لينتفلت السرد اللاحق، ويسميه جينيت قصة مثلية، وما المماثلة القصصية المتأتية من وجود راويين إلا نوع من التظاهر باللازمنية بين حكاية هي سرد مثلي لأن الحكاء مشترك بقصته الخاصة، وقصة هي سرد غيري لأن السارد وإن كان داخل القصة، فإنه غير مشترك في أحداثها، كما هو الحال مع شهرزاد التي هي سارد داخل القصة، لكنها ساردة غيرية القصة لأنها لا تحكي قصتها ألبتة.
وبوجود سارد ينافسه حكاء، ينقسم المسرود له إلى قسمين: واحد خارج القصة حقيقي، والآخر داخل القصة خيالي.
ويتلاقى عمل الحكاء والسارد في صنع شخصيات قصصية محتملة تجعل الحكاية مرتبطة بالكون السردي، عبر علاقة موضوعية لكنها تفسيرية، بمعنى أنها تريد أن تعلل لمَ كانت شخصية «مولود» وحدها هي العاقة والخائنة التي قبلت بالتآمر والتجسس على الأقربين بكل تخاذل وجبن وصفاقة. وكيف أن التلاعب بالزمان استرجاعاً واستباقاً بالأحلام والتنبؤات سيُفسر لنا لمَ كانت الشخصيات كلها معرضة للعمى، باستثناء مولود الذي جعله كل من الحكاء والسارد في منأى عن العمى.
ولأنهما يدركان حرفة السرد، يزداد التنازع بينهما قوة، وكأن قدامة الحكاء وحداثة السارد لا تؤثر في جمالية السرد وهما يقصان حكاية المدن الثلاث، كمبا وقمورين وبر شمس، التي تفشا بين أهلها العشو ليلاً والعمى نهاراً، وعلامته «نقطة بيضاء تظهر في عين كل ولد وهو رضيع. النقطة تكبر حتى تصبح مثل غيمة تحجب النظر في النهار» (الرواية، ص144).
والحكاء هو الذي يبتدئ الرواية في شكل حكاية لها مقدمة يسميها كالمقدمات، وتنتهي بخاتمة يسميها كالخواتيم، وما بينهما متون فيها العهدة في السرد تلقى على الراوي «وعلى ذمة الراوي، يا سادة يا كرام». وتقسم المتون إلى عيون، وهنا يظهر السارد الموضوعي، بادئاً بالشكوى من أن الحكايات تعددت وتضاربت، لذا يحاول هو ضبط ما جرى واقعياً في المدن الثلاث.
لكن السارد يظل يتتبع خطوات الحكاء، من خلال توظيف الحكايات والرسائل، مراعياً قصر كل فصل، ومتكئاً على طريقة التتابع «أواصل ما انقطع أمس من الحكاية». وتوكيداً لرغبة السارد في مجاراة الحكاء، يجمع الماضي الشفاهي بالحاضر الكتابي، جاعلاً متلقيه مستمعاً يلبد ولا يشاكس، مختتماً بجمل سردية من قبيل: «تململت القطة في الحضن الأنيس، فتململ مولود في حضن الكنبة»، أو «القطة تفر من الحضن الأنيس مجفلة. مولود يفر من حضن الكنبة مذعوراً، ولا يزيده السرير إلا ذعراً» (الرواية، ص97).
ورغم المجاراة والمنافسة، فإن السارد يحاول أن يثبت وجوده عبر المداومة على ضمير الغائب، وبالمونولوجات التي تأتي بضمير الخطاب، مع توظيف التداعي الحر. وقد يحصل أن يباغت الحكاء السارد خلسة، فيجعله يداخل السرد بالحكي، كقوله «رأى مولود نفسه كما لو أنه أبو وعد يحكي حكاية» (الرواية، ص237).
وكذلك يدلل السارد على حضوره بالنزعة الواقعية الغرائبية التي تظل واضحة وهو يصعِّد مستوى الحبك، بادئاً بالشيخ حميد ماء العينين، وزوجته فخر النساء، منتقلاً إلى أولاده مولود فمهيمن ثم معاوية، محاولاً بالتغريب صنع الشخصيات الفنتازية (أم قنفذ والسنديانة والجنية وكبابة الشوك)، والقصد مجاراة الحكاء الذي بدا منافساً قوياً للسارد في هذا الاتجاه.
وبينما يدلل الحكاء على نفسه ببلاغة الألفاظ وفصاحة المفردات، استتباعاً للسالف من السرد العربي، فضلاً عن براعة استعمال المنامات بالعبارات «يرى فيما يرى النائم أو فيما يرى اليقظان»، أو قوله «بين ما ليس بالنوم وليس باليقظة» (الرواية، ص130).
وفي مغالبة الحكاء للسارد دلالة قوية على أن مخيال السرد العربي كان قوياً وأكثر مدى من مخيال الشعر العربي الذي تقيده موجبات الوزن والتقفية، وهو ما يغيب عن أذهاننا بسبب تركيزنا النظر على المخيال الشعري، مستنتجين عدم مجاراة المخيال العربي للمخيال اليوناني، مما كان أبو القاسم الشابي قد ذهب إليه في بحث كتبه عن الخيال عند العرب.
ويشترك الحكاء والسارد في رغبتهما في الاستباق باستعمال المفارقة الساخرة الناجمة عن إثبات الشيء ثم إتباعه بما ينفيه، رغبة في شد القارئ وتشويقه لما ستؤول إليه أحداث القصة، متعامليْن مع ثيمة العمى تعاملاً آليغورياً جديداً يغاير الدلالة السلبية المعتادة التي فيها العمى رمز للجهل والضلالة والمرض الذي يصيب الحيوات فيجعلها ضعيفة مستكينة، إلى دلالة إيجابية فيها النجاة والتحصن والبراءة التي لا يحظى بها إلا الأنقياء، كالشيخ حميد ماء العينين، وزوجته فخر النساء، وأماني ومليكة، وغيرهم. وهذا التعامل الآليغوري الجديد مع العمى يتماشى مع ما كانت العرب قديماً تستعمله استعارة، فتسمي الكفيف بصيراً. ولطالما فخر الشعراء العميان بعماهم، ومنهم بشار بن برد، وقد تغنى أبو العيناء البصري بالعمى، عاداً إياه نعمة بسببها اغتنى، بينما غيره من الشعراء افتقر. وكان الجاحظ قد أورد في كتابه «البرصان والعرجان والعميان والحولان» مواضع كثيرة تؤكد أن أشراف العرب كانوا من العميان، وأن عددهم بلغ من الكثرة ما لم يستطع معه إحصاءهم.
وإذا كان توظيف ثيمة العمى قد عرفها السرد العربي القديم، وكذلك طرقها السرد الحديث، فإن التعاطي معها في السردين، وعند الراويين، كان واحداً من ناحية الارتفاع بمنزلة العميان، وعدم انتقاص حالهم أو استضعافهم.
وفي العصر الحديث، تطور تعامل الكتاب الغربيين مع ثيمة العمى، فجوزيه ساراماغو الذي تعامل مع العمى سيكولوجياً في روايته «العمى»، وغدا الإبصار خطيئة في رواية «بلد العميان» لهربرت جورج ويلز، بينما فقدانه تكفير عنها. وهذا ما تعلمه البطل نونيز الذي اعتقد خاطئاً أنه «في بلد العميان، يكون الأعور ملكاً» (ص13)، وهو رديف للمثل العربي الشائع «الأعور في بلد العميان أمير». لكن نونيز وجد العجب، وفي مقدمة هذا العجب أن لا وجود لكلمة اسمها «أرى». والمدهش أن دليل نونيز ومعلمه كان الرجل الأعمى الذي عرفه أن «هناك الكثير ليتعلمه المرء في العالم».
أمّا ما تؤكده رواية «تاريخ العيون المطفأة»، فهو أن الحياة تعاش بالعمى حين تسير بالمقلوب، وأن العمى فيها بحسب النورولوجيا الحديثة والقديمة على درجات، فهناك الأعشى والأعمى والمبصر والبصير والرائي بقلبه والناظر بإحساسه.
وبسبب ذلك صار للعيون تاريخ يجمع الماضي والحاضر معاً. فأما الماضي، فيعرضه الحكاء الذي يراهن على التخييل، مستعملاً جملة «قال الراوي» و«قلنا، يا سادة يا كرام»، مستدعياً حكايات الجنيات. وأما الحاضر، فيقدمه السارد الموضوعي الذي يراهن على الواقع، مستدعياً مسائل العولمة، كالهجرة والنزوح بحثاً عن الحرية أو الدراسة أو المال، وقضايا المراقبة والاستجواب التي تهدد الإنسانية، وبسببها تتشظى الهويات، وتتزعزع الانتماءات، وتنهار القيم الأخلاقية.
وما تقسيم الرواية إلى فصول بثمانٍ وأربعين عيناً، ثم تكرار ذكر عام 1948، سوى إشارة آليغورية تدلل على ما ساد أمة العرب في هذا العام من ظلام كبير فتت وحدتها وضعضع أملها بالقادم. وإذا كان النور قد انطفأ في العيون، فإن القلوب الصامدة هي وحدها التي ستظل مبصرة طريقها في العتمة، مستمدة من الإسلاف قوتها.
وبذلك تكون رواية «تاريخ العيون المطفأة» رواية ما بعد حداثية، تسير في درب السرد القديم، وتستمد من السرد الحداثي توجهاته، سابرة الممكن والمستحيل، وقد تعاضد التجريب في الأشكال مع الترميز في الثيمات. وطبيعي ألا يكون للتجريب الشكلي أهمية، إن لم يسانده اشتغال موضوعي جمالي، تماماً كالنظرية التي لا قيمة لها، إذا لم تصلح لخلق الممارسة، كما يقول جينيت.


مقالات ذات صلة

دائرة الكُتّاب المجهولين

ثقافة وفنون دائرة الكُتّاب المجهولين

دائرة الكُتّاب المجهولين

تصدر قريباً عن «دار نوفل - هاشيت أنطوان» رواية «الكهل الذي نسي» للروائي الجزائري سمير قسيمي.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
ثقافة وفنون قراءة عربية لتجربة شينجيانغ

قراءة عربية لتجربة شينجيانغ

صدر حديثاً عن «الدار العربية للعلوم - ناشرون» كتاب «شينجيانغ... رحلة في تجليات الجمال والسعادة والازدهار» للكاتب والباحث اللبناني وارف قميحة

«الشرق الأوسط» (بيروت)
ثقافة وفنون اللغة الشعرية... الجلال أم البساطة؟

اللغة الشعرية... الجلال أم البساطة؟

الشعر في رأي كثيرين تاج الفنون وأسمى صور التعبير، لأنه في نماذجه العليا، يجمع بين عمق الفكر وحيوية الصور الحسية ودرجات السلم الموسيقي.

د. ماهر شفيق فريد
ثقافة وفنون مشهد من مسرحية «عطيل» على مسرح رويال هيماركت اللندني، بإخراج توم موريس

«عطيل»... تراجيديا الغيرة العابرة للعصور

عن دار «الكرمة» بالقاهرة، صدرت طبعة جديدة من مسرحية شكسيبر الشهيرة «عطيل»، ترجمة الدكتور محمد عناني «1939 - 2023»

رشا أحمد (القاهرة)
ثقافة وفنون سيرة الفيلسوفة المصرية هيباتيا

سيرة الفيلسوفة المصرية هيباتيا

في كتابه «سيرة النور والصمت – مصر والقطيعة الحضارية»، يبدي الكاتب والباحث المصري محسن عبد العزيز اهتماماً خاصاً بتجربة الفيلسوفة المصرية القديمة هيباتيا

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

كيف وفّق الأزهري طه حسين بين ديكارت والمعري؟

طه حسين
طه حسين
TT

كيف وفّق الأزهري طه حسين بين ديكارت والمعري؟

طه حسين
طه حسين

في الأدب تحدث لحظات فريدة تغيّر الكتاب والمثقفين من حال إلى حال آخر. ومن الممكن وصف تلك اللحظة بأنها انفجار داخلي عظيم يغيّر الذات كلياً حتى الانفعالات تتغير هي الأخرى لتنسجم مع التغير الحاصل. حدث هذا الأمر عند طه حسين حين تحول إلى مثقف ديكارتي في فترة مبكرة جداً من حياته. ولن أبالغ لو قلت إن هذا التحول الدرامي في حياة عميد الأدب وفكره كان مهماً جداً ويشبه ثورة ذوقية وفكرية كبرى لو قُدر لها النجاح.

بكل تأكيد لم يتوقع أحد أن الشاب الأزهري الحاصل على إجازة الدكتوراه في الأدب من الأزهر الذي غادر للدراسة في فرنسا عام 1914سيعود شخصاً آخر بكل معنى الكلمة. بعبارة أدق، سافر طه حسين أزهرياً وعاد لمصر ديكارتياً. الشاب الأزهري عاد شخصاً آخر، وعياً وموقفاً. ويمكن القول إن تأثير ديكارت في طه حسين لا يقل عن تأثير أبي العلاء المعري فيه. فهذان العملاقان صنعا من طه حسين مثقفاً ثائراً شاكاً يفكر دوماً في البحث عن إثارة الأسئلة والشك الذي لا يكاد يطفئه يقين.

ديكارت

لنضف إلى الصورة حدثاً آخر هو: اختيار طه حسين أن يعلن أنه ديكارتي في أروقة الجامعة المصرية التي كان يدرس بها. هل يتخيل أحد هذا الأمر. داخل الجامعة، حيث يتعلم الطلبة منهج البحث العلمي، ويدرسون نماذج من الشعر العربي والموروث المبجل، يقوم طه حسين بإلقاء محاضرات يكشف فيها أنه ديكارتي المنهج، ثم يحاول من خلال محاضراته أن يشك في الغالبية العظمى من الشعر الجاهلي لأنه «شعر موضوع ومنتحل في العصرين الأموي والعباسي». ويذكر بعض ناقدي طه حسين أنه شك في بعض القضايا الدينية في محاضراته تلك والتي نشرها في عام 1926 بعنوان «في الشعر الجاهلي». وكما هو معروف، أثار الكتاب ضجة كبيرة في مصر عرضت مؤلفه إلى المساءلة والتهديد بالقتل. سُحب الكتاب من الأسواق، وأُعيد طبعه بعنوان آخر هو «في الأدب الجاهلي» بعد رفع أربعة فصول منه. هذا يعني أن الكتاب نظف من أثر الشك - عدا لمسة تتعلق بالشعر الجاهلي - كي تتقبله أذواق المؤسسة الرسمية وبعض المحافظين الحالمين بعالم ساكن مألوف يبتعد عن منغصات تؤرق الذوق العام الراكد.

كيف إذن يمكننا تأويل شك طه حسين أو كيف نفهم محاولته الفكرية التي صرح بها أمام طلبته وحراس التقليد جميعاً يوم قرر أن يبدي وجهة نظر مختلفة ومغايرة لما هو سائد؟

نحن أمام محاولة مبكرة جداً وثورية استطاعت أن توظف منهجاً لنقد الموروث الذي تربينا عليه. أدرك طه حسين بحدسه العميق سر قوة الشك في أن تتحول إلى عمل منهجي يقلب الأسس التي شيدها يقين طويل من التكرار. بهذا المعنى سيكون الشك أداة لا تقل أهمية عن يقين نسلم به. الشك هو وقفة مهمة لفهم ما يجري. وإذا كان اليقين يمنح العقل هدوءاً مريحاً ثم ترتبط الانفعالات بهدوء العقل فإن الشك يقلب كل شيء ويغيره. وهذا ما حدث عند نشر كتاب «الشعر الجاهلي». ولعل هياج الغاضبين وانزعاجهم يدل على أن العقل قد تعرض لصدمة ورجّة كبيرة حين أحس بأنه سيفقد منظومته المتكونة من تكرار معرفي لمعلومات جعلت العقل يهدأ ومنحت الانفعال طاقة محدودة يحس بها من يقرأ قصيدة لشاعر جاهلي.

تمثال المعري للنحات عاصم باشا

فكّك الشك المنهجي عملية عقلية كاملة لو قدر لها النجاح لغيرت تعاملنا مع الموروث بأكمله. على هذا الأساس لم تكن قضية كتاب الشعر الجاهلي مجرد جرأة نقدية لنسف الشعر الجاهلي بأكمله تقريباً وإنما كانت لحظة فارقة هددت هدوء العقل وهويته التي تكونت عبر سنوات وسنوات. فجأة أحس المتزمتون وممن يعشقون الموروث دون فحص أنهم تعرضوا لحالة اعتداء عقلي قام بها أستاذ من لحمهم ودمهم. الاعتداء العقلي هو تعريض بعض الثوابت للشك. لا يعني الشك هنا سخرية من الآخر بل يعني طرح أسئلة من الصعب تقبلها أو مناقشتها. هذا ما صنعه كتاب «في الشعر الجاهلي». لكن أهم ما يمكن أن نؤكد عليه بعد كل هذه العقود هو لحظة التحول المعرفي التي غيرت وجهة نظر عميد الأدب العربي. كيف حدثت؟ وفي أي لحظة؟ وما الإحساس الذي اعتراه حينها؟ هل أحس بنشوة عميقة حررته من ثقل معرفته التقليدية؟ هل أشعرته لحظة التغيير بأنه أدرك بوضوح معنى أن يكون خارج هويته التي يشترك بها مع الآخرين؟

نحن أمام محاولة مبكرة جداً وثورية استطاعت أن توظف منهجاً لنقد الموروث الذي تربينا عليه

من المؤسف إذ لم ينتبه أحد إلى حقيقة وجوهر تجربة عميد الأدب العربي مع ديكارت. كما أن هذا الرجل الضرير عاش واتُّهم وهوجم وهُدد. وهناك في سيرته التي كتبتها زوجته إشارات كثيرة لقلقه ويأسه وانفعاله. وما فات الجميع ولم ينتبهوا له هو كيف جمع طه حسين رؤيتين متناقضتين كل التناقض أثرتا فيه تأثيراً كبيراً، أعني حبه وتأثره بالمعري وتمسكه بمنهج الفيلسوف الفرنسي ديكارت في الوقت نفسه. المعري متشائم ويائس وغاضب من كل شيء وديكارت عقلاني يبحث عن يقين ثابت لا يمكن إنكاره. كيف عاش عميد الأدب مع هاتين الرؤيتين حتى موته. هذا الجانب الإنساني الخاص به لم يخضع للدراسة ولم يفسر جيداً. أتساءل هل كان لطه حسين حساباته الذكية لأنه لم يكتفِ بحل المعري حين اعتزل الناس أو أن يتحول إلى مجرد أستاذ أكاديمي يتقاعد وينسى؟

الأهم من هذا السؤال هو: كيف استطاع عميد الأدب أن يخفي تأثره الكبير بالمعري حتى إن القارئ لا يشعر إلا بمثقف عقلاني يبحث عن الحقيقة قبل كل شيء؟


دائرة الكُتّاب المجهولين

دائرة الكُتّاب المجهولين
TT

دائرة الكُتّاب المجهولين

دائرة الكُتّاب المجهولين

تصدر قريباً عن «دار نوفل - هاشيت أنطوان» رواية «الكهل الذي نسي» للروائي الجزائري سمير قسيمي. وهي عمل سردي يستكشف العلاقة المعقدة بين الذاكرة والهوية والكتابة، عبر بناء روائي متعدد المستويات يمزج بين السرد النفسي والاستقصاء التاريخي والتخييل الذاتي.

تدور الرواية حول شخصية «الكهل»؛ رجل فاقد للذاكرة يقيم في مصحّة غامضة تحت إشراف طبيب عسكري، بينما تراقبه سلطة غامضة يمثلها «العقيد». بالتوازي، يتتبع العمل مسار «سمير»، الكاتب الذي يعاني عجزاً إبداعياً قبل أن يتلقى دعوة للانضمام إلى «دائرة الكُتّاب المجهولين»، وهي فضاء سري يسعى إلى تحرير المبدعين من فشلهم. ومع تداخل هذين المسارين، تتقاطع الذاكرة الفردية مع الذاكرة الجماعية، ويتحوّل البحث عن الماضي إلى مساءلة لحقائق السرد ذاته.

سمير قسيمي روائي جزائري عمل محامياً ومحرّراً ثقافياً وأدبياً في عدّة منابر عربيّة. صدرت له عدة أعمال سردية، من بينها «يوم رائع للموت» و«حبّ في خريف مائل» و«الحماقة كما لم يروِها أحد».

في ما يلي مقتطف حصري من الرواية:

دائرة الكُتّاب المجهولين

أخبرتُ الطبيب بكلّ ذلك، أو ربّما كان قد قرأه في أوراقي قبل أن يزورني. كنتُ قد هيّأتُ نفسي لأجيبه عن سؤال أعرف أنّه على طرف لسانه: «كيف تتحدّث عن كلّ ذلك كأنّه حقيقة؟ أنت لا تعرف اسمك، لا تذكر وجه أمّك ولا شكل أبيك. لا تعرف لمَ أنت هنا، ولا حتّى من أحضرك».

هيّأتُ نفسي لأجيبه، لكنّه لم يسأل.

ظلّ صامتاً للحظة، ثمّ قال بصوتٍ لم يعد يشبه صوته المعتاد:

– قلتَ إنّ تلك الدعوة وصلتك في لحظة انهيارٍ صامت. ماذا تقصد بذلك؟

– لأنّها وصلتني بعد عودتي من رحلة عملٍ قادتني إلى الشارقة. فقد انتدبني مديري لأمثّل شركتنا في ملتقى دوليٍّ هناك، وهو يتوقّع منّي أن أعتذر، فأنا لا أحبّ السفر. أراه مضيعةً للوقت في عصرٍ يمكنك فيه زيارة العالم من شاشة حاسوبك دون مغادرة أريكتك. لكنّني هذه المرّة قبلت، هرباً من واقعٍ عجزت عن مواجهته بشجاعة، واقع رحيل زوجتي إلى أهلها، رغبةً في التفكير في مستقبلنا معاً.

سبق لها أن فعلت ذلك، ترحل لكنّها تعود إليَّ بعد أيّام، لتعتذر وتقول لي إنّها في لحظة ضعفٍ استسلمت لوساوسها، وساوس الوحدة القاتلة، وإنّها بعدما فكّرت مليّاً أدركت أنّنا، بعدما تجاوز كلانا الخمسين، لم نعد معنيّين بمستقبلٍ لا يعنينا. كانت تقصد، دون أن تذكر ذلك صراحة، عجزنا عن الإنجاب، واستحالة أن نتمكّن من تبنّي طفل وقد أصبحنا في عمرٍ لا يسمح لنا برعايته كما يستحقّ.

هذه المرّة، لم تعُد. تسعة أشهر مرّت دون أن تردّ على مكالماتي المتكرّرة، وإذا حدث والتقينا صدفة، تُشعرني بأنّني أتحدّث إلى غريبةٍ لا أعرفها، كأنّ روحها هاجرت من جسدها وحلّت محلّها روحٌ أخرى.

– سافرت إذن إلى الشارقة وحضرت الملتقى؟

– سافرت، لكنّني لم أحضر الملتقى. لقد كان مجرّد قناعٍ أرتديه أمام العالم، وأمام نفسي. لم أقرأ ورقتي البحثيّة المملّة التي أعددتها على عجل، ولم أحضر جلساته التي بدت كطقوسٍ جنائزيّة لعقولٍ محنّطة.

بعد اليوم الأول، أعلمتُ المنظّمين ببرودٍ مصطنع أنّني سأقدّم مداخلتي مكتوبة، مدّعياً التهاباً حادّاً في الحلق يمنعني من الكلام، ويجبرني على البقاء في غرفتي الفندقيّة الفاخرة والموحشة كقبرٍ مُكيّف. كذبةٌ صغيرة استمتعت بها، ربّما لأنّها كانت الشيء الوحيد الذي اخترته بإرادتي الحرّة منذ زمن.

تخلّصت من التزامات الملتقى، وبقي أمامي يومٌ كامل قبل موعد العودة؛ يومٌ بدا لي أطول من حياةٍ بأكملها، فارغ كصفحة بيضاء تنتظر كلمة لن تُكتب. فكّرت في البداية أن أقضيه في الفندق، محدّقاً في السقف المزخرف بسخافة، أو متابعاً قنواتٍ إخباريّةً تردد نفس الكوارث بنفس الوجوه الشاحبة. لكنّ معرض الكتاب كان قد افتتح أبوابه للتوّ، فقرّرت، بدافعٍ من عادةٍ قديمة لم أستطع التخلّص منها، أو ربّما من يأسٍ مقنّع يبحث عن أيّ قشّة، أن أذهب لأستمع لكتّابٍ يقدّمون تجاربهم، كأنّني ما زلت أبحث عن تلك الوصفة السحريّة للكتابة.

حضرت ندوتين، لم أستفد منهما شيئاً سوى الشعور بالمزيد من الإحباط والضآلة، ثمّ رحت أجول في أروقة المعرض المزدحمة والصاخبة، أتصفّح أغلفة الكتب الجديدة بعينين متعبتين، أبحث لاشعورياً عن كتبٍ تشرح الكتابة للمبتدئين أو تعلّم الإبداع بخطواتٍ سهلة ومضمونة. وجدت الكثير، بعضها يَعِد بتحويلك إلى روائي عالمي في ستّة أشهر، وأخرى في شهرين، كأنّها وصفات طبخٍ سريعة لطبقٍ معقّد. لم أشترِ شيئاً، وفضّلت العودة إلى عزلتي في الفندق، إلى صمت الغرفة الذي بدا لي أرحم من ضجيج الآمال الكاذبة.

في طريقي إلى المخرج، وكالمُنوَّم مغناطيسيّاً، وجدت نفسي أقف أمام جناح دار نشرٍ طالما حلمت بالوصول إليها، دار نشرٍ كانت تمثّل لي القمّة البعيدة، الحلم المستحيل. كنت قد أرسلت إليهم عشر مخطوطات على مدى أعوام، وكلّها رُفضت برسائل نمطيّةٍ باردة كأنّها كُتبت بواسطة آلة. كتبها لا تصل إلى الجزائر إلّا نادراً، وبأسعارٍ خياليّة.

لحظة جنونٍ عابرة، أو ربّما شجاعة وُلدت من رحم اليأس المطبق، دفعتني للتفكير: ماذا لو تحدّثت إلى صاحبها؟ لعلّه يخبرني، وجهاً لوجه، بسرّ هذا الرفض المتكرّر، بالعيوب الحقيقيّة التي لم تجرؤ لجان القراءة على تسميتها. لعلّي أستدرك أخطائي، أو ربّما أتوقّف عن هذه المهزلة نهائيّاً.

اشتريت روايتين من الجناح بشكلٍ عشوائي، إحداهما مترجمة لكاتبٍ لم أسمع به من قبل، والأخرى لكاتبةٍ ناشئة بدا غلاف كتابها حزيناً كوشاح أرملة. ثمّ سألت الشابّ الذي كان يقف خلف طاولة البيع عن صاحب الدار، فدلّني عليه بإشارةٍ مقتضبة من رأسه، دون أن يرفع عينيه عن هاتفه.

تقدّمت نحوه بخطواتٍ متردّدة، أثقل من خطوات سجينٍ يُساق إلى حبل المشنقة. كان يقف منتصب القامة، أنيقاً في بدلته الدكناء، يتحدّث بابتسامةٍ محترفة ومصقولة مع رجلٍ يبدو من هيئته أنّه شخصيّةٌ مهمّة. انتظرت على بعد خطوات، أشعر بالغرابة والخجل، كأنّني متسوّلٌ يقف على باب قصرٍ فخم، لا ليطلب صدقة، بل ليطلب اعترافاً بفشله. انتظرتُ حتّى انصرف الرجل المهمّ، فاقتربت، وقلبي يدقّ ببطءٍ مقلق، كأنّه يستعدّ للتوقّف. شعرت ببرودةٍ في أطرافي، وبجفافٍ في حلقي.

حين التقت نظراتنا، رفعت صوتي قليلاً لأتغلّب على الضجيج المحيط:

– مساء النور، أستاذ.

ومددت يدي لأصافحه. يدٌ باردة ورطبة قليلاً. أضفت بسرعة، كمن يلقي اعترافاً أخيراً قبل أن يغيّر رأيه:

– في الحقيقة، كنت منصرفاً، لكنّني رأيت جناح دار نشركم، فتوقفت. اشتريت هذين الكتابين، وخطر لي أن أتعرّف إليك شخصيّاً.

قلتها بلهجتي الجزائريّة، متعمّداً هذه المرّة، لا بكبرياء زائفة، بل كإعلانٍ عن هويّتي الضائعة في هذا المكان الغريب. كثيرٌ من كتّابنا يتحاشون لهجتنا في المحافل العربيّة، ليس ليفهمهم الجميع، فالفصحى تكفي لذلك، بل لشعورٍ دفين بالنقص يدفعهم لاستعارة لهجات تبدو لهم أكثر «رقيّاً» أو «عروبة».

توقّعت أن يطلب ترجمة، أو أن يبتسم بسخريةٍ خفيفة، أو أن يتجاهلني ببساطة. لكنّه فهم، أو تظاهر بالفهم ببراعة. قال مبتسماً ابتسامةً مدرّبة كشفت عن أسنانٍ ناصعة البياض بشكلٍ مبالغ فيه:

– آه، جزائري! يا أهلاً وسهلاً! مرحباً بك، يسعدني التعرّف إليك. أتمنّى أن تجد في كتبنا ما يمتعك ويثري تجربتك.

أضاف وهو يصافحني بحرارةٍ وقوّة كادت تسحق عظام يدي:

– أحبّ لهجتكم كثيراً، مزيجٌ فريد ورائع من التاريخ والجغرافيا، من الفرنسيّة والإسبانيّة والإيطاليّة والتركيّة والعربيّة طبعاً، وحتّى بعض الأمازيغيّة أحياناً. مزيجٌ غير متجانسٍ تماماً، أعترف، لكنّه ساحر في تركيبته. دائماً ما أقول لأصدقائي العرب ممّن يزعمون أنّها غير مفهومة: إنّها تحتاج فقط إلى بعض الثقافة والقلب المفتوح للاستمتاع بها، كقطعة موسيقى جاز معقّدة.

ابتسمت ابتسامةً باهتةً، مقدّراً لباقته المصطنعة، لكنّني لم أصدّق حرفاً واحداً خرج من فمه، فقد شعرت بكلماته كأنّها جزءٌ من نصٍّ محفوظ يلقيه على مسامع كلّ جزائريٍّ محتمل.

قلت معلّقاً بصوتٍ خافت، كأنّني أحدّث نفسي: «من ذوقك الراقي». ثمّ استجمعت شجاعتي الباقية وقدّمت نفسي:

– أنا كاتب، أو بالأحرى... أحاول يائساً أن أكون كاتباً. كتبت عشر روايات، سبق أن أرسلتها إليكم على مدى سنوات.

اتّسعت عيناه بدهشةٍ مصطنعة ومبالغٍ فيها. قال وهو يتقدّم نحوي بخطوة:

– عشر روايات؟ يا إلهي! واو! هذا إصرارٌ مذهل! عددٌ هائل بالفعل!

– عشر روايات، وكلّها رفضتها لجنتكم الموقّرة للقراءة.

قلتها بمرارة لم أستطع إخفاءها هذه المرّة، مرارة تسرّبت إلى صوتي رغماً عنّي.

انكمش وجهه قليلاً، كقناعٍ مطّاطي فقد بعض الهواء، لكنّ ابتسامته المحترفة لم تتلاشَ تماماً.

سأل بهدوءٍ حذر، كمن يسير في حقل ألغامٍ يعرف مكان كلّ لغمٍ فيه:

– وتعتقد أنّنا أخطأنا في تقييم أعمالك؟ أنّنا ظلمناك ربّما؟

– على العكس تماماً... أظنّ أنّها كانت غير صالحةٍ للنشر. ربّما كانت مجرّد أصداءٍ باهتة لكتّاب آخرين أحببتهم وقرأتهم حتّى حفظت إيقاع جملهم.

أجبت بلا تردّد، بصدقٍ فاجأني أنا نفسي، صدقٍ نابع من قاع اليأس.

ضحك هذه المرّة بصوتٍ أعلى، ضحكة بدت حقيقيّةً للحظةٍ خاطفة، كشرارةٍ في عتمة، ثمّ تماسك بسرعة، ودعاني للجلوس إلى طاولةٍ صغيرة منعزلة في زاوية الجناح، كأنّه يخشى أن يسمع أحدٌ حديثنا.

بادرني وهو يشير لنادلٍ افتراضي لم يكن موجوداً:

– أصدقائي الجزائريّون يفضّلون القهوة القويّة، السوداء، بلا سكّر. وأنت؟ قهوة أم شاي؟

– لا هذه ولا تلك، شكراً جزيلاً.

أضفتُ شارحاً: لا أحبّ المنبّهات. أفضّل عقلاً يعمل بإيقاعه الطبيعي، أو على الأقلّ، لا يعمل بفعل منبّهٍ خارجي يملي عليه ما يجب أن يشعر به.

ابتسم شابكاً أصابع يديه:

– قد تكون أول كاتبٍ ألتقيه يفضّل عقله هكذا، صافياً. وبلا شكّ، أنت أول كاتبٍ أعرفه لا يغضب كالثور الهائج إذا أُخبر أنّ كتابه سيّئ.


قراءة عربية لتجربة شينجيانغ

قراءة عربية لتجربة شينجيانغ
TT

قراءة عربية لتجربة شينجيانغ

قراءة عربية لتجربة شينجيانغ

صدر حديثاً عن «الدار العربية للعلوم - ناشرون» كتاب «شينجيانغ... رحلة في تجليات الجمال والسعادة والازدهار» للكاتب والباحث اللبناني وارف قميحة، وهو عمل يجمع بين أدب الرحلة والتحليل الحضاري والرؤية التنموية، مسلطاً الضوء على إقليم شينجيانغ في الصين، بوصفه نموذجاً مركزياً في التحولات المعاصرة.

الكتاب لا يكتفي بوصف الجغرافيا الممتدة من جبال تيان شان المكسوة بالثلوج إلى صحراء تاكلامكان الذهبية، بل ينفذ إلى عمق التجربة الإنسانية في منطقة تشكّل نحو سدس مساحة الصين. إنه قراءة في المكان كهوية، وفي الإنسان كحامل لذاكرة حضارية، وفي التنمية كخيار استراتيجي.

من خلال زياراته إلى أورومتشي وكاشغر، يرصد المؤلف مشاهد الحياة اليومية: الأسواق التقليدية، والحرف اليدوية، والموسيقى الشعبية، وثقافة الضيافة، وحضور المساجد والعمارة التاريخية... ويبرز كيف استطاعت القوميات المختلفة - الأويغور والكازاخ والهوي وغيرهم - الحفاظ على خصوصياتها الثقافية ضمن إطار دولة حديثة تسعى إلى تعزيز الوحدة الوطنية والاستقرار الاجتماعي.

غير أن الكتاب يتجاوز البعد الثقافي إلى قراءة أعمق في التحول التنموي الذي شهده شينجيانغ. فهو يتناول مسار تحديث البنية التحتية، من شبكات الطرق والسكك الحديدية إلى المناطق الصناعية الجديدة... ويضيء على سياسات التنمية الريفية وتحسين التعليم والرعاية الصحية، في سياق الجهود الوطنية الصينية للقضاء على الفقر وتعزيز العدالة الاجتماعية.ويضع المؤلف هذه التحولات ضمن رؤية سياسية أوسع تقودها الدولة الصينية، تقوم على الربط بين التنمية الاقتصادية والاستقرار الاجتماعي، وبين النمو والاندماج الوطني. ففي إطار مبادرة «الحزام والطريق» التي أطلقها الرئيس الصيني شي جينبينغ عام 2013، برز شينجيانغ كبوابة استراتيجية للصين نحو آسيا الوسطى والشرق الأوسط، ومحور لوجيستي يعيد إحياء الروابط التاريخية لـ«طريق الحرير»، ولكن بروح تنموية معاصرة.

ويعالج الكتاب سؤالاً محورياً في التجربة الصينية: كيف يمكن تحقيق الازدهار في منطقة متعددة الأعراق والثقافات دون المساس بالهوية؟ وكيف تتحول التنمية إلى أداة للتماسك الاجتماعي لا مصدر للتوتر؟ في هذا السياق، يقدّم المؤلف قراءة عربية لتجربة شينجيانغ بوصفه مختبراً حياً لإدارة التنوع في إطار دولة مركزية قوية.

ويتضمّن الكتاب تقديمين؛ الأول للدكتور شوي تشينغ قوه (بسام)، أستاذ الدراسات العربية في جامعة الدراسات الأجنبية ببكين، والثاني للإعلامي حسين إسماعيل نائب رئيس تحرير الطبعة العربية لمجلة «الصين اليوم»، ما يمنح العمل بعداً أكاديمياً وإعلامياً يعزّز موقعه في سياق الحوار الثقافي العربي - الصيني.

وارف قميحة هو باحث في الشأن الصيني، ورئيس جمعية طريق الحوار اللبناني - الصيني، ورئيس الرابطة العربية - الصينية للحوار والتواصل، وأحد الأصوات العربية البارزة في مجال تعزيز الحوار الحضاري وبناء الجسور المعرفية بين العالم العربي والصين.

ويأتي هذا الإصدار في لحظة يتزايد فيها اهتمام القارئ العربي بالنموذج التنموي الصيني، ليقدّم قراءة عربية مباشرة لتجربة شينجيانغ، حيث يتقاطع جمال الطبيعة، وعمق التقاليد، ومسار القضاء على الفقر، مع رؤية سياسية وتنموية تسعى إلى بناء مجتمع مستقر ومزدهر في إطار دولة حديثة متعددة الثقافات.